التطرف الجديد .. عيون زرقاء وشعر أشقر:لماذا يتحول شاب أو شابة أوروبيان إلى متشددين جاهزين للانتحار في العراق؟

التطرف الجديد .. عيون زرقاء وشعر أشقر:لماذا يتحول شاب أو شابة أوروبيان إلى متشددين جاهزين للانتحار في العراق؟
غزة-دنيا الوطن

كان تنظيم «القاعدة» قد نشر على شبكة الإنترنت منذ مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) رسما لملامح «جنود القاعدة الجدد»، وجاء فيه «انهم ولدوا في اوروبا من آباء اوروبيين ومسيحيين ودرسوا في مدارسكم وصلوا في كنائسكم وترددوا على قداديسكم ايام الاحد. وشربوا الكحول واكلوا لحم الخنزير واضطهدوا المسلمين لكن القاعدة استدرجتهم فاعتنقوا الاسلام سرا واقسموا انهم سيرفعون السلاح الى جانب اشقائهم». وأضاف البيان «انهم الآن يجوبون شوارع اوروبا والولايات المتحدة ويعدون لهجمات مقبلة». وفي نفس الشهر، وربما قبل ذلك او بعد ذلك بأيام، كانت البلجيكية الشقراء الملونة العينين موريال ديلغوك التي تعيش في بروكسل، ومتزوجة من رجل بلجيكي من اصل مغربي، قد فجرت نفسها في العراق في عملية انتحارية استهدفت الجيش الاميركي. نموذج هذه السيدة البلجيكية اثار موجة من الخوف لدى أجهزة الاستخبارات الاوروبية التي تخشى من وجود مئات المتطرفين الاوروبيين الذين يمكن ان يقوموا بعمليات ارهابية بسهولة مستغلين عدم الشك الطبيعي في الاوروبيين، ومن امثال هؤلاء الفرنسي ليونيل دومون المقاتل الاسلامي في البوسنة الذي استخدم السطو على المصارف لجمع الاموال، والبريطاني ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ الذي حاول تفجير طائرة، وجرمان ليندسي احد انتحاريي مترو لندن في السابع من يوليو (تموز)، والاميركي من اصل بورتوريكي خوسي باديا الذي تحول من العمل مع عصابة لصوص الى معسكر تدريب للاسلاميين المتطرفين. ويعزز الخوف من الاسلاميين المتشددين الاوروبيين ان دوافعهم للتطرف ليست واضحة تماما بعد، وأن اعدادهم ايضا ليست معروفة على وجه الدقة. وتتداخل ظاهرة الخوف الداخلي من المتشددين الاوروبيين مع قلق السلطات الفرنسية مثلا من تحول فرنسا الى «مصدر» للجهاديين الإسلاميين عبر العالم من البوسنة الى كوسوفو ومن الشيشان الى العراق. وهذا ما عبر عنه وزير الداخلية الفرنسي نيكولا سركوزي أكثر من مرة في الأسابيع الماضية. وعلى سبيل المثال، فإن المعلومات الفرنسية الرسمية تفيد بأن 22 «جهاديا» فرنسيا أو مقيما على الأراضي الفرنسية ذهبوا الى العراق لمقاتلة الأميركيين، وأن سبعة منهم ماتوا في عمليات انتحارية فيما يقبع اثنان منهم في السجون العراقية. وخلال الاشهر الأخيرة، وضعت قوى الأمن الفرنسية اليد على 14 فرنسيا كانوا يتأهبون للتوجه الى العراق، فيما لا يمر اسبوع واحد دون أن تلقي قوات الأمن القبض على أفراد من خلايا «على علاقة بمشروع إرهابي». ويوم الاثنين الماضي بدأت في مدينة دويه، الواقعة شمال باريس قريبا من مدينة ليل، محاكمة الجهادي الفرنسي ليونيل دومون الذي اعتنق الإسلام وحارب في البوسنه الى جانب المسلمين في أواسط التسعينات لكنه بعد عودته الى فرنسا جنح الى اللصوصية وشكل عصابة من قدامى المحاربين في البوسنة قامت بعمليات اعتداء وسرقات واستخدمت الأسلحة النارية. وتشكل حالة دومون نموذجا لما هو حاصل في فرنسا من توجه بعض معتنقي الدين الإسلامي الجدد الى التيارات المتشددة، ما قادهم في السابق الى أفغانستان والبوسنة وكوسوفو والشيشان، ويقودهم الآن الى العراق للمشاركة في «الحرب الجهادية». ويقول الباحث وعالم الاجتماع الفرنسي جان كلود مارين إن الفرنسيين غير العرب المعتنقين للديانة الإسلامية حديثا «هم احيانا الأكثر تعصبا لأنهم بحاجة الى إبراز صدق اعتناقهم للدين الجديد لذا نجد آثارهم في الخلايا المقاتلة في العراق وأفغانستان والشيشان. وهم في الغالب من الشباب الذين لا يتمتعون بمعرفة معمقة للأسلام فيما وعيهم السياسي قريب الى الصفر». ويستطرد قائلا «هذه المجموعة مستعدة لحمل السلاح أو القيام بعمليات انتحارية وهي بالتالي ليست الأقل خطرا إذ أن أفرادها ينتمون الى خلايا متحركة ومتنقلة بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا ولا يخضعون لهياكل ذات قيادات محددة أو إدارة مالية وعسكرية».

وبالنظر الى خطورة هذه الظاهرة، قامت الإدارة المركزية للمخابرات العامة الفرنسية، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، برفع تقرير تفصيلي الى وزير الداخلية نيكولا سركوزي يتركز على معتنقي الإسلام من الفرنسيين الذين برزت أسماء العديد منهم في ملفات الإرهاب الدولي. وبنيت الدراسة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» انه تم فحص ملفات 1610 أشخاص من الذين اعتنقوا الإسلام من الفرنسيين أو من الاوروبيين المقيمين على الاراضي الفرنسية. غير أن المخابرات العامة تقول إن دراستها «ليست شاملة» لأن أعداد معتنقي الإسلام تعد بالآلاف، ومع ذلك فإنها بمثابة معين من المعلومات التي تساعد على فهم هذه الظاهرة الجديدة. وبينت دراسة المخابرات العامة أن معتنقي الإسلام الجدد ينتمون في غالبيتهم الى شريحة الشباب ذات المعدل العمري الوسطي البالغ 32 عاما. (المرأة البلجيكية التي فجرت نفسها في العراق كانت في الخامسة والثلاثين من عمرها). ويشكل الذكور الغالبية، فيما نسبة الإناث فيها لا تتعدى 17 بالمائة. وتتكثف ظاهرة اعتناق الاسلام بين الفرنسيين في المدن الرئيسية حيث توجد الجالية الإسلامية بقوة، وهي العاصمة ومحيطها ومنطقة رون ـ آلب (وسط وجنوب) ومنطقة باـ دو ـ كاليه (شمال فرنسا) والشاطئ الفرنسي المتوسطي (جنوب شرق)، وأخيرا منطقة أكيتانيا المطلة على المحيط الأطلسي (جنوب غرب).

اما ملامح «الجهادي الاوروبي» الجديد، بحسب دراسة المخابرات العامة، فهي انه شاب من سكان الضواحي هش، يبحث عن «سبب» يعطي معنى لحياته وهو واقع تحت تأثير «محيطه». وفي 37 بالمائة من الحالات يتم اعتناق الإسلام تحت تأثير الأصدقاء أو المعارف أو المحيط الاجتماعي والثقافي. وفي العديد من الحالات يتجه المسلم الجديد صوب الحركات المتشددة والأصولية التي تمهد الطريق الى «الجهاد». ويشدد تقرير المخابرات العامة على الدور الرئيسي الذي تلعبه المساجد الخاضعة للتيارات الأصولية والمتشددة التي يرتادها المسلمون الجدد. ويمثل الزواج أو المساكنة 27 بالمائة من الاسباب التي تؤدي لاعتناق الإسلام من قبل الفرنسيين. وتبين الدراسة بوضوح المستوى الثقافي المتدني الغالب للشبان الذين يعتنقون الإسلام، إذ أن 49 بالمائة منهم خرجوا من التعليم بدون أية شهادة. ومن بين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 19 عاما، عشرون بالمائة منهم فقط من الطلاب أو التلامذة، بينما المعدل العام في فرنسا يزيد على التسعين في المائة. غير أن هذه النسبة تصبح معكوسة لدى الشريحة المتقدمة في السن (ما فوق الخمسين عاما) حيث معتنقو الإسلام يتمتعون بمستوى ثقافي وتعليمي أعلى من المعدل الفرنسي العام.

وتبرز الدراسة هشاشة الأوضاع الاجتماعية والمادية لمعتنقي الديانة الإسلامية الحديثين حيث يتبين من الوثائق التي اطلعت عليها «الشرق الاوسط» أن ثلث العينة المدروسة تعاني من البطالة ونصفها لم يبلغ عن نشاط مهني محدد. ويتبين ايضا أن معدل البطالة هو أكبر بخمس مرات من المعدل الفرنسي العام. وتتركز مهن الذين يعملون من الاوروبيين الذين اعلنوا اسلامهم في القطاعات التي لا تتطلب مهارات وشهادات عالية والكثير منهم يعمل في قطاع الحراسة أو الخدمات. ووفقا لمصادر «الشرق الاوسط» فإن اعتناق الديانة الإسلامية بين الفرنسيين وصل الى الجيش الفرنسي، حيث ان 3.5 فى المائة من عناصره اعتنقوا الإسلام وطالت هذه الحركة صفوف الضباط.

وتؤكد المخابرات العامة الفرنسية أنها وضعت قيد المراقبة حوالي 40 مسجدا من المساجد البالغ عددها حوالي 1685 مسجدا ومكانا للصلاة على كل الأراضي الفرنسية. وتعتقد الأجهزة الأمنية الفرنسية أن هذه المساجد الأربعين واقعة تحت تأثير الإسلاميين الأصوليين، وأنهم يستخدمونها لبث الفكر الأصولي المتطرف والدعوة لمعتقداتهم. وثمة مجموعة من المساجد التي ظهرت أسماؤها على صفحات الجرائد بسبب ارتيادها من قبل جهاديين اوروبيين منها «مسجد عمر» في الدائرة الحادية عشرة من باريس قريبا من حي «بلفيل» حيث تسكن جالية عربية وإسلامية مهمة. وهذا المسجد مثلا آوى أحد الفرنسيين الذي اعتقل في أفغانستان ونقل الى غوانتانامو، وآخر مات تحت القنابل في أفغانستان، والثالث قبض عليه في أستراليا بتهمة التحضير لعمل إرهابي، والرابع كان ينوي التحضير لهجوم خلال مباريات كأس العالم الأخيرة لكرة القدم في باريس، وآخر من قبض عليه الصيف الماضي في محيط المسجد وهو مواطن جزائري عمره 35 عاما كان يحض على الجهاد. وتشدد الدراسة على الدور المتزايد الذي يلعبه التيار التقليدي في عمليات اعتناق الإسلام. وتؤكد تقارير المخابرات العامة أن التيار التبليغي الذي تأسس في شمال الهند عام 1927 يقف وراء 28 بالمائة من حالات اعتناق الإسلام، فيما التيار السلفي مسؤول عن 23 بالمائة من الحالات. وترى المخابرات العامة أن السلفيين ينمون بقوة وهم يسيطرون على العشرات من المساجد، وإليهم كان ينتمي إمام مسجد «فينيسيو» عبد القادر بوزيان الذي طرد من فرنسا بسبب خطبه المتشددة، كما أنهم عرفوا كيف ينشطون في الجمعيات الدينية والاجتماعية وأنشأوا العديد من الشركات الخاصة الصغيرة بما في ذلك في ميدان المعلوماتية والأنترنت.

وقال مدير الاستخبارات العامة في الشرطة الفرنسية باسكال مايلوس في الاونة الاخيرة ان «هذه الظاهرة المنتشرة تثير قلقنا الشديد». وأضاف «يمثل السلفيون في فرنسا نحو خمسة آلاف شخص، والذين اعتنقوا الاسلام نحو 1600 حسب معلوماتنا، وان واحدا من اصل اربعة منهم ينخرط في صفوف التطرف الاسلامي».

واذا كانت الحالة الفرنسية تلقى الكثير من الضوء على ظاهرة الاسلاميين الاوروبيين واسباب تطرفهم، فإن الحالة البلجيكية مثيرة كذلك للانتباه، فأول مفجرة انتحارية اوروبية، وهي موريال ديلغوك التي فجرت نفسها في العراق، بلجيكية الاصل وأعلنت اسلامها بعد علاقة عاطفية مع شاب مغربي. والحالة على فرادتها لا تشكل حدثا نادرا في بلجيكا، فهناك الاف البلجيكيين الذين يعلنون اسلامهم كل عام، وان لم يتطرفوا او ينتهجوا أساليب متشددة. ويقول رئيس المركز الاسلامي والثقافي في بلجيكا الدكتور عبد العزيز اليحيي ان انتشار الفكر المتطرف بين معتنقي الاسلام الجدد من الاوروبيين بصفة عامة، والبلجيكيين بصفة خاصة، يخضع لعدة عوامل منها اولا تحقيق منفعة ما او مصالح معينة، ثم تأثير الشخص الوسيط الذي يقنع الاوروبى باعتناق الاسلام، فاذا كان الوسيط متطرفا فان معتنق الاسلام يسلك نفس مسلكه بل ويتقمص شخصيته واحيانا كثيرة يأخذ اسمه، اما اذا كان الوسيط على درجة من الاعتدال فمن الطبيعي ان يقتدي به معتنق الاسلام الاوروبي. كما يشير الى نقطة مهمة في الدول الاوروبية، وهي عدم وجود المرجعية الصحيحة التي يعود اليها الجميع في قضية الاسلام والمسلمين، اذ تختلف من مسجد الى آخر ومن بلد الى اخرى حسب توجهات القائمين على ذلك العمل الاسلامي. ومع ان الدكتور عبد العزيز ليست لديه اي اعداد محددة حول الذين يعتنقون الاسلام في بلجيكا كل عام، الا انه يقول انه في السنوات الخمس الاخيرة جاء الى المركز ما بين 1500 الى 2000 شخص يطلبون اعلان اسلامهم والحصول على شهادة تثبت ذلك. ولكن عمران اخطار، الباكستاني الاصل والمسؤول الاعلامي في الهيئة التنفيذية للمسلمين في بلجيكا، فيقول ان عدد البلجيكيين الذين اعتنقوا الاسلام يتراوح ما بين 60 الى 70 الف شخص، وهؤلاء لا يقيمون في مكان واحد ولكنهم موزعون بين مساجد مختلفة ومدن مختلفة. وحول الدور الذي قامت به الهيئة لضمان تصحيح الافكار لدى البعض منهم، خشية تأثرهم بأفكار غير سوية، قال عمران إن الهيئة بصدد تأسيس لجنة تهتم بشؤون المسلمين الجدد من اصل بلجيكي، تهتم بالمرجعية الدينية لهؤلاء والكتب والقراءات المتوفرة لهم وتوجيه هؤلاء الاشخاص توجيها سليما. ويضيف «ولكن الهيئة ترى في الوقت نفسه ان هناك اهمية كبرى لاصلاح وتصحيح المجال الديني العام في بلجيكا ويكون التوجيه والتصحيح بشكل شامل وبصورة عامة». ووفقا لخبرة فرنسا وبلجيكا وهولندا وبريطانيا والشيشان والكثير غيرها، فإن الشبان الاوروبيين الذين يعتنقون الاسلام، يكونون صيدا سهلا في كثير من الاحيان للقيام بعمليات انتحارية او تفجيرية، بسبب عدم وعيهم السياسي او الديني ورغبتهم في اظهار تمسكهم بالدين الجديد الذي انتموا اليه، ويساعدهم على هذا وجود مشاكل سياسية متفاقمة في العديد من البلاد الاسلامية. وكان شاب الماني قد توجه قبل بضع سنوات إلى فلسطين للقيام بعملية انتحارية في القدس ولكن السلطات الاسرائلية ألقت عليه القبض ولا يزال في السجن حتى اليوم. وقال الدكتور أنس كاريتش عميد كلية الدراسات الاسلامية بسراييفو لـ«الشرق الاوسط» : «منذ زمن ليس بقليل تتساءل الكثير من وسائل الاعلام، هل يتطرف المسلمون في البلقان نتيجة للمذابح التي تعرض لها المسلمون» في كوسوفا والبوسنة؟

التعليقات