البنك الدولي: السلطة أمام خيارين ..تخفيض الرواتب أو تخفيض أعداد الـموظفين

غزة-دنيا الوطن

أكّـد نايجل روبرتس، الـمدير والـممثل الـمقيـم للبنك الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أن انتعاش قطاع غزة "لا يمكن أن يتحقق، ما لـم يتم تشغيل الـمعابر الحدودية، وما لـم يتم انسياب حركة الناس والبضاعة بطريقة نظامية، وبأعداد وكميات تفوق نظيرتها خلال السنوات القليلة الـماضية"، وقال "ما لـم تتم استعادة الحركة، فإننا لن نستطيع إنعاش الاقتصاد وبث الرّوح فيه من جديد، ودون ذلك الانتعاش سيكون من الصعب كثيراً إيجاد بيئة تستطيع أن تنجح السلطة الفلسطينية في أداء وظائفها من خلالها، وأن يتم نقل قضية مفاوضات الوضع النهائي إلى واجهة الأحداث".

وأشار روبرتس في حديث لصحافيين فلسطينيين، أمس، إلى أن السلطة الفلسطينية تنتظر عجزاً في الـموازنة من الـمحتمل أن يصل، في العام الـمقبل، إلى 800 مليون دولار أميركي، وقال: لا أعتقد أن الـمانحين سيقومون بتمويل فجوة مالية بهذا الحجم، وأضاف: لقد خلقت السلطة الفلسطينية لنفسها أزمة مالية خطرة خرجت فيها نفقات الرواتب عن نطاق السيطرة بصورة جوهرية، مشيراً إلى "أن السلطة الفلسطينية تواجه الآن بعض الخيارات غير السارّة، فإما أنها ستضطر إلى تخفيض الرواتب وإما أن تقوم بتخفيض عدد العاملين، وهما خياران أحلاهما مُـرّ" وقال: إذا لـم تمارس السلطة الفلسطينية عملية ضبطٍ للـمالية العامة لديها، فإنه سيصبح من الصعب على الـمانحين تبرير الاستمرار في تقديم الدعم للـموازنة.

وكان روبرتس يتحدث لمناسبة قرب انهاء مهام عمله في منصبه، حيث سيخلفه في هذا المنصب د. ديفيد كريغ، نيوزيلاندي الجنسية، ويحمل درجة جامعية في الهندسة من بلده الأصلي، وشهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة غرينوبل في فرنسا، والتحق بالبنك الدولي العام 1984 كخبير اقتصادي في مجال الطاقة، بعد أن شغل مناصب مماثلة لذلك المنصب في نيوزيلندا، وبابوا غينيا الجديدة. وقد تركّز مساره المهني لدى البنك الدولي في العمل في روسيا، وأوروبا الشرقية، وغرب إفريقيا، وفي آخر تعيين له شغل منصب "مدير" مجموعة مؤلفة من ست دول في غرب إفريقيا.

وشدد روبرتس على ان "من الضروري في الوقت الحاضر، الخروج من مرحلة الانتفاضة وتعزيز عملية إعادة الارتباط والتعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، وقال "كما دأبنا على الإشارة إليه خلال السنة والنصف الأخيرة، فإن إحدى الخطوات الضرورية الأولى لذلك، هي العمل على جعل الاقتصاد الفلسطيني يتحرك من جديد، ومحاولة استعادة الوضع الذي كان سائداً عشية اندلاع الانتفاضة. إن العمل الذي كنا وما نزال نقوم به بشأن المعابر الحدودية، وبشأن استعادة الحركة في الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام، يشكّل إلى حدٍّ كبير جزءاً من هذه العملية".

فتح المعابر

وأضاف "ان انتعاش قطاع غزة لا يمكن أن يتحقق، ما لم يتم تشغيل المعابر الحدودية، وما لم يتم انسياب حركة الناس والبضائع بطريقة منتظمة وبأعداد وكميات تفوق نظيرتها خلال السنوات القليلة الماضية. وإننا نقدّر أن الحاجة تقتضي خروج حوالي 150 شاحنة من الصادرات يومياً من قطاع غزة لكي يتسنى دعم مستوى معافىً وسليم من النشاط الاقتصادي. وتجدر الإشارة إلى أن مجموع عدد الشاحنات التي كانت تخرج يومياً من قطاع غزة خلال شهري أيلول وتشرين الأول من هذا العام كان يقدر بحوالي 10 شاحنات، منخفضاً من 25 شاحنة يومياً خلال الأشهر التي سبقت تاريخ فك الارتباط مع القطاع. وليس ثمة سبيل يستطيع قطاع غزة بواسطته البقاء على قيد الحياة استناداً إلى هذا الأساس من حركة الصادرات. فما لم تتم استعادة الحركة، فإننا لن نستطيع إنعاش الاقتصاد وبثّ الرّوح فيه من جديد، ومن دون ذلك الانتعاش سيكون من الصعب كثيراً إيجاد بيئة تستطيع أن تنجح السلطة الفلسطينية في أداء وظائفها من خلالها، وأن يتم نقل قضية مفاوضات الوضع النهائي إلى واجهة الأحداث".

الآفاق الاقتصادية في قطاع غزة

وعما اذا كان بالامكان التغلب على التحديات القائمة في غزة وتحقيق الانتعاش ما بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة قال روبرتس "لا توجد إجابات سهلة على هذا السؤال بالنسبة لقطاع غزة. وثمة حاجة ماسَّة لتحقيق الاستقرار في الوضعين الاجتماعي والاقتصادي، في حين يسعى المانحون لعمل ما بوسعهم للمساعدة في تقديم التمويل الإضافي للمشاريع. وهذا هو السبب الذي جعل جيمس وولفنسون يركز على إعداد ما يسمّى "برنامج ما بعد الانسحاب"، الذي يعتبر محاولةً لتسريع مساهمات المانحين، وإيجاد فرص العمل وحسٍّ من التفاؤل على جناح السرعة".

وأضاف "لكن الآفاق الاقتصادية في قطاع غزة لا تعتبر مستعصيةً. فالقطاع يشهد حالة خطرة من الفقر، ومشكلات الانفصال الاجتماعي المكاني، ومعدل مرتفع من النمو السكاني. ولكن قطاع غزة أيضاً، من ناحية أخرى، يحتل موقعاً جغرافياً ممتازاً، ويمتاز بتاريخ طويل من الانفتاح على العالم، وبكوكبة من الطاقات الكامنة لدى أصحاب الأعمال المبادرين الروّاد، وبتوافر الإمكانية لديه للوصول إلى مبالغ كبيرة من المساعدات التي يقدمها المانحون وبامتيازات للنفاذ إلى السوقين الأوروبية والأميركية".

شروط الانتعاش

وتابع "إن الاستثمار في هذه الطاقات الكامنة يعني ضرورة تلبية عدد من الشروط المسبقة. فأولاً، قطاع غزة لا يستطيع أن ينمو ويتطور في جوٍّ يُفسده العنف، ولا يمكن للمرء ببساطة أن يتأمل حدوث تنمية طبيعية في ظل إطلاق النار. وثانياً، يجب فتح الحدود الخارجية لقطاع غزة، وإلا فإنه سيُصاب بالشلل ويصبح مستعصياً على الحكم والسيطرة عليه. وثالثاً، فإن الإدارة الفلسطينية لا بد لها من أن تتحسَّن. فالمستثمرون لن يأتوا إلى بيئة يرون أن الفوضى تعمها والفساد ينتشر فيها، ولن يعملوا في هذه البيئة التي لا يتم حكمها بطريقة كفؤة ملائمة".

واكد روبرتس ان البنك الدولي وعدداً آخر من المانحين (بمن فيهم الاتحاد الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية) حريصون تماماً على دعم عملية الإصلاح القانوني وقد كانوا كذلك على مدى سنوات عديدة، مشيرا الى انه "ولسوء الحظ، فإن السلطة الفلسطينية قد أبدت مقدرة ضئيلة على تحقيق التحسينات في هذا المجال".

وقال "إن الفساد مشكلة خطرة، ولا يحتاج الأمر إلى الاطلاع على التقديرات الأخيرة التي أصدرتها منظمة الشفافية الدولية لمعرفة حجم هذا الفساد. وإن الفلسطينيين أنفسهم هم أشدّ الناس انتقاداً للسلطة الفلسطينية في هذا المجال. فقد دأب 80% أو أكثر من الفلسطينيين، على مرّ السنين، على الإفصاح، من خلال استطلاعات الرأي، عن اعتقادهم بأن السلطة الفلسطينية تشهد درجة خطرة من الفساد، وقد طالبوا بإحداث تغيير في الوضع الحالي".

آليات مكافحة الفساد

وأضاف "يمكننا أن نساعد السلطة الفلسطينية في التصدّي لمشكلة الفساد هذه ومعالجتها ـ وهي مشكلة تتعلق بالتصورات وبواقع حقيقي ـ وذلك فيما لو أرادت السلطة الفلسطينية ذلك. بيد أن مهاجمة الفساد أمر شديد الصعوبة ويتطلب مجموعة متنوعة ومتضافرة من التدابير، ومنها :

أولاً: التدبير المتعلق بالشفافية بحيث تكون نشاطات السلطة الفلسطينية أكثر انفتاحاً على التدقيق والفحّص من قبل الجمهور العام. وهذا بدوره يتطلب حرية أكبر في نشر المعلومات لكي يستطيع المواطنون المعنيون المساعدة في إخضاع المسؤولين الحكوميين للمساءَلة. وثانياً، هذه التدابير تتعلق بوجود تعريف قانوني واضح يحدد الأمور التي تُشكِّل الفساد، مع وجود عقوبات واضحة للمخالفين. وبعد ذلك نحتاج إلى وجود استعداد لدى السلطة لإدانة ومعاقبة هؤلاء المسؤولين الذين كانوا ولا يزالون يسيئون استخدام مناصبهم على مدى السنوات القليلة الماضية، بصرف النظر عن علو مراتبهم".

أزمة مالية خطرة

واعتبر روبرتس ان "السلطة الفلسطينية خلقت لنفسها أزمة مالية خطرة خرجت فيها نفقات الرواتب عن نطاق السيطرة بصورة جوهرية"، مشيرا الى انه "وبالرّغم من الجهود التي يبذلها وزير المالية للحفاظ على النظام، فقد أظهر المجلس التشريعي الفلسطيني ومجلس الوزراء تقديراً ضئيلاً للحاجة إلى تقييد هذه النفقات، واستسلما معاً للضغط الذي تمارسه مختلف الجماعات من قوات الأمن وجهاز الخدمة المدنية".

وقال "إنني أستطيع تفهم الأسباب التي تجعل العاملين في القطاع العام الاستمرار في المطالبة بزيادة الرواتب .. فعندما يتم توزيع الراتب العادي الذي يتم استلامه من السلطة على جميع الذين تتم إعالتهم من هذا الراتب، لا يحصل كل شخص منهم إلا على مقدار ضئيل لا يكفي حاجته. ومن ناحية أخرى، فإن رواتب العاملين في القطاع العام ازدادت بنسبة 7% سنوياً طوال أعوام الانتفاضة، في الوقت الذي استوعب فيه القطاع الخاص عبء الارتفاع المتزايد في معدل البطالة، وعبء البطالة ذاتها وبقاء مستويات الرواتب راكدة على حالها".

وأضاف "إن نتيجة زيادة الرواتب بهذه الطريقة تؤدي إلى معاناة الجمهور العام: إذ لا تتوافر إلا أموال قليلة لدفع التكاليف الجارية للمدارس والمستشفيات ولصيانة المرافق العامة. فعشية اندلاع الانتفاضة، كانت الموازنة التقديرية متوازنة، ولم تكن هناك حاجة للدعم الخارجي. أما الآن، فمع أن الإيرادات قد عادت ـ بدرجة ملحوظة تماماً ـ إلى مستوياتها ما قبل الانتفاضة، فإن السلطة الفلسطينية تنتظر عجزاً في الموازنة من المحتمل أن يصل في العام القادم إلى 800 مليون دولار. ولا أعتقد أن المانحين سيقومون بتمويل فجوة مالية بهذا الحجم. تجدر الإشارة إلى أن إجمالي مبلغ دعم الموازنة الذي تلقّته السلطة العام 2004 بلغ حوالي 350 مليون دولار، ويتوقع أن يتم استلام مبلغ مماثل لدعم الموازنة في هذا العام".

خيارات مرة

وتابع روبرتس "تواجه السلطة الفلسطينية الآن بعض الخيارات غير السارة. فإما أنها ستضطر إلى تخفيض الرواتب وإما أن تقوم بتخفيض عدد العاملين، وهما خياران أحلاهما مر. فإذا ما قامت بتخفيض عدد الموظفين، فإن ذلك لا بد وأن يكون من كوادر الدوائر الأمنية. وهذا أمر لا يمكن القيام به في هذه الأيام عن طريق وضع شباب، غير مدرّبين نسبياً في الشوارع مرة أخرى بسبب وجود فرصة كبيرة في بقاء معدلات البطالة مرتفعة خلال السنوات القليلة القادمة (بنسبة تصل إلى أواخر العشرينيات في المئة في الضفة، وإلى أكثر من 30% في قطاع غزة). وهذا يوحي بضرورة استخدام نهج "تخفيض عدد العاملين" يتعدى ببساطة مجرد تقديم حُزَمٍ تقاعدية نقدية".

وزاد "فهؤلاء العاملون بحاجة إلى إعادة تدريب، وإلى فرص ليباشروا أعمالهم الاستثمارية الخاصة، وإلى إعادة إدماجهم في الحياة المدنية. وهذا يعني استخدام نهج لتخفيض النفقات، مختلف عن النهج الذي يمكن اعتماده في اقتصاد يشهد معدلات منخفضة للبطالة. وأود أن أضيف شيئاً آخر أيضاً: فإذا لم تمارس السلطة الفلسطينية عملية ضبطٍ للمالية العامة لديها، فإنه سيصبح من الصعب على المانحين تبرير الاستمرار في تقديم الدعم للموازنة. إن الحاجة تدعو الآن إلى وجود قيادة واضحة للمالية العامة ابتداءً من رأس السلطة الفلسطينية، وإلى تعريف لبرنامج للتكيّف المالي يستمر لعدة سنوات، يمكنه أن يؤدي إلى إحداث خفض تدريجي للعجز في المالية العامة. ولو أن السلطة الفلسطينية تُظهر التزاماً حقيقياً هنا، فإنني أعتقد أن المانحين يجب أن يضاعفوا جهدهم ودعمهم لعملية التكيّف، بمستويات أعلى من مستويات الدعم التي شهدتها السنوات الثلاث السابقة".

تقرير حول انعكاسات فك الارتباط

واشار روبرتس الى انه "نظراً لمختلف المطالب الأخرى التي واجهناها هذا العام، بما في ذلك مشاركتنا المكثّفة في عملية فك الارتباط، وفي المفاوضات التي عقدت في هذا الصيف، لم يتوافر لدينا الوقت لإعداد التقارير الربع سنوية التي خططنا لإعدادها".

وقال "ومع ذلك، فإننا الآن نقترب من إنهاء إعداد تقرير حول المحصلة الاقتصادية للشهور الستة الأولى من هذا العام، وحول التقدم الذي تمّ إحرازه في عملية تفكيك منشآت الإغلاق وتقوية عملية الإصلاح الفلسطينية". وسيتم تقديم هذا التقرير إلى لجنة الارتباط الخاصة للدول الماتحة (AHLC) في كانون الأول، وسوف يساعدنا جميعنا في التوصل إلى إجماع في الرأي حول ما حدث على مدى السنة الماضية، وكنتيجة لفك الارتباط، وحول الاستجابة التي يجب علينا كمانحين تقديمها في العام القادم".

وعما اذا كان راضيا عما حققه خلال فترة عمله مسؤولا للبنك الدولي في الاراضي الفلسطينية قال روبرتس "لا، إنني لست راضياً عن ذلك. ولا يمكن لأي شخص كان، عمل ولا يزال يعمل على مدى هذه الفترة الطويلة على عملية السلام كما عملت، أن يغادر هذه البلاد وهو يعمل بإِحساس كبير من الإنجاز. فإننا على مسافة بعيدة جداً من تحقيق السلام، وأتحمل قسطاً خاصاً بي من اللوم في عدم تحقيق ذلك. لقد كان بإمكاني، لا بل كان ينبغي، أن أُنجز قدراً أكبر. لقد فاتني عدد من الفرص، وقد أصدرت أحكاماً شخصية سيئة، وفي كثير من الأحيان خذلتني شجاعتي".

وأضاف "لقد كنت ولا أزال أعمل في مجال النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني على مدى اثني عشر عاماً حتى الآن، وقد بدأ عملي هذا في واشنطن أولاً، وهنا في الآونة الأخيرة. وقد يكون من غير الملائم القول بأن هذا النزاع قد أصبح نزاعاً خاصاً بي نظراً لأنه يمكنني أن أغادر، لا بل إنني سوف أغادر الاراضي الفلسطينية قريباً. ولكنني عِشْتُ وتعايشت مع هذا النزاع بطريقتي الخاصة لمدة طويلة حتى الآن".

وتابع "امر يدعو للارتياح، ألا وهو وجود إجماع واضح في الرأي حول الاقتصاد الفلسطيني، وحول أهمية وكيفية إنعاشه. فمعظم الناس يقبلون دونما أي تساؤل الآن بأن وجود اقتصاد فلسطيني مزدهر يعتبر أمراً حيوياً وأساسياً إذا ما أُريد تحقيق أمن مستدام للفلسطينيين والإسرائيليين، وللمحافظة على نوع ما من العملية السياسية. ومن الواضح أيضاً ما تقتضيه استعادة الاستقرار والازدهار الاقتصادي".

الشعور بالرضا

واكد روبرتس "إنني أشعر بالرضا عن العمل الذي قمنا به بشأن الإغلاق على مدى السنوات الثلاث الماضية"، وقال "البعض يشعر بأن هذه الفكرة تستحوذ علينا استحواذاً تاماً، ولكنني لا أتفق معهم في ذلك"، وأضاف "لقد تبنى وولفينسون العمل الذي قام به البنك الدولي، وجعله محور أجندته، وهي أجندة نقلها إلى المستوى السياسي بطريقة لم يكن بمقدور البنك أن يقوم بها. وكان لدى وولفينسون أيضاً الشجاعة للقيام بذلك. فمن ناحية، كان الأمر بالنسبة للبنك يتعلق بتحليل ما كان ينبغي عمله، وبالنسبة لوولفينسون، من ناحية أخرى ثمة شيء آخر يقوله: "احكموا عليَّ إن كنت سأنفِّذ هذه الأجندة أم لا". إن هذا الوضوح، والضغط الذي يحدثه على كل شخص لتجنّب الفشل قد أدَّيا إلى توليد قدر من الضغط الخارجي من أجل التغيير، يفوق ما شهدناه هنا منذ سنوات عديدة".

مشاريع البنك الدولي

وشدد روبرتس على أن لمشاريع البنك الدولي "سجلات حافلة بالإنجازات الممتازة وقد أسهمت إسهاماً حقيقياً في الأراضي الفلسطينية"، وقال "لقد قمنا بإنفاق حوالي 6% من الأموال التي تم صرفها منذ العام 1993، وقمنا بإدارة نسبة أخرى مقدارها 14% بالنيابة عن المانحين الآخرين. وقد موَّلت هذه المبالغ التي تم إنفاقها مشروعات للبنية التحتية ـ بالأرقام الصافية ـ أكثر من المشروعات التي نفّذها أيُّ مانح آخر بصفة منفردة. لقد أَحصيتُ ما يزيد على 2000 مشروع عندما تفحصتها في الأسبوع الماضي، وإنني متأكد من أن هذا الرقم أقل من التقدير الحقيقي لعددها. ومن هذه المشاريع: الآبار، وتعبيد الشوارع، والجسور، والمدارس، وإعادة تأهيل مساحات من الأراضي.. وهذه كلها مشاريع أَحدَثَتْ فَرْقاً وأثراً مهماً لشخص ما، مع أن هذا الأثر قد يكون سريع الزَّوال أو غير مكتمل.

حمينا السلطة من الانهيار

وأضاف "لقد قمنا (أي البنك الدولي) بدور رئيس في حمايــة السلطة الفلسطينية من الانهيار من خلال دعم الموازنة الذي قدمناه عَبْرَ الصندوق الاستئماني المعروف باسم صندوق (Holst) في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وعَبْرَ صندوق الإصلاح القائم حالياً. وقد كنا متفوّقين على غيرنا من المانحين في مبادرة إيجاد فرص العمل في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، واستطعنا تدبير أموال استحدثت 53 ألف فرصة عمل من الأعمال المؤقتة. جدير بالذكر أن هذا سيدلُّ على أن البرنامج قد استقطب بعض أفضل الكوادر الفنية لدى البنك الدولي وأكثرها تفانياً في أداء العمل. إن هؤلاء هم الأشخاص الذين يَتميَّز بهم البنك. فهم من ذوي الكفاءة الذين يؤدون عملهم بهدوء، من دون تكلّف ولا ضغط ولا ضوضاء، وباحتراف ومهنية حقيقية. لقد حظيت بامتياز كبير جداً في تقديم خدماتي مع هؤلاء الزملاء".

وأضاف "ولكنني لا أشعر بالندم على ما أنفقته من وقت كبير على السياسات والاستراتيجيات. وفي نهاية المطاف، فإن الافتقار إلى المشاريع والافتقار إلى الأموال من المانحين ليسا السببين الوحيدين في تقزّم الاقتصاد الفلسطيني، وجعل العديد من الفلسطينيين فقراء. فالأموال لن تصلح الأمور هنا. لقد طُلب منا ـ أي من البنك الدولي ـ الحضور إلى هذه البلاد قبل اثني عشر عاماً في مسعى جماعي لوضع حد للاحتلال والنزاع، وللقيام بذلك بطريقة تكون ناجحة بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. لقد ذكرت سابقاً أنّه لا بد لأي حلٍّ كان من أن يبني على ما تحقق من استقرار في الاقتصاد الفلسطيني وعلى نموه. وكما ورد في تقريرنا لشهر كانون الأول 2004، فإن الازدهار لا يمثل ضمانةً للسلام، بل إن العكس هو الصحيح بكل تأكيد. فإذا ما كان هناك اقتصاد آخذ في الانهيار، وإذا ما شهدت أوساط الشباب معدلات مرتفعة من البطالة، ومستويات سائدة من الفقر ومن انقطاع الأمل الاجتماعي، سيكون هناك أساس ضئيل للوصول إلى حل توفيقي وإلى المصالحة".

التعليقات