الحكومة الأردنية لعبت مع تنظيم الزرقاوي لعبة إستخبارات معقدة

الحكومة الأردنية لعبت مع تنظيم الزرقاوي لعبة إستخبارات معقدة
غزة-دنيا الوطن

أفرح القبض علي الإرهابية العراقية أم عمير الشارع الأردني طوال اليومين الماضيين، فقد خرج الأردنيون بالالاف للشوارع تعبيرا عن فرحهم بالقبض علي إنتحارية عراقية كانت تنوي تفجير نفسها بحزام ناسف مع زوجها في حفل العرس في فندق راديسون ساس.

ولم تعلن السلطات عن توقيت وكيفية إعتقال الإنتحارية العراقية لكن بعض ملابسات قصة أم عمير تدلل علي ان الحكومة الأردنية لعبت مع تنظيم الزرقاوي لعبة إستخبارات معقدة إنتصرت فيها بالنهاية .

وبدأت القصة عندما أعلن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بان المنفذين ثلاثة رجال وسيدة مما يعزز القناعة بان التنظيم إعتقد في اللحظات الأولي بان المرأة فجرت نفسها في نفس المكان، وبطبيعة الحال سارعت السلطات للتأكد من الحيثيات وتم العثور علي جثة فتاة مقطوعة الرأس تبين لاحقا انها أردنية من ضحايا العمل الإجرامي.

وسرعان ما بدأت سلطات عمان بدوائر التحليل والربط الإستخباري، فقد تلقت إتصالا من صاحب إحدي الشقق في منطقة تلاع العلي المحاذية لغرب العاصمة يفيد بان اربعة عراقيين بينهم إمرأة إستأجروا شقة في إحدي البنايات ولم يعودوا لمقر الشقة بعد التفجيرات. وبهذه الإفادة تأكدت السلطات من وجود إرهابية رابعة مما يوحي بان التنظيم كان يعتقد بانها قتلت في الإنفجار فعلا وسارع للإعلان عن التفاصيل ووعد بكشف أسماء الإنتحاريين في إطار تركيز الزرقاوي علي إعلان نصر من اي نوع علي جهاز المخابرات الأردني.

وبذكاء شديد تمسكت الحكومة الأردنية بنفي رواية وجود إنتحارية رابعة طوال يومين حــــتي تتمكن السلطات مــــن القبض عليها وتم إجراء تحليل إستخباراتي ســـــريع للغاية إنتهي بمحاصرة الأماكن والقبض علي الإنتحــــارية العراقية التي إعترفت بمشاركتها في المهــــــمة وفشلها في نزع صاعق التفجــــير وإضطرارهـــــا لمغادرة الفنـدق قبل ان يفجر زوجها المكان.

وبالقياس الفني شكل القبض السريع علي ام عمير العراقية إنجازا أمنيا لجهاز المخابرات الأردني وهي خطوة تسببت بإنفراج داخلي وشعبي وببعض الإحتفالات لأنها ساهمت في إشاعة أجواء الإطمئنان خصوصا وان السلطات إعتقلت ايضا عدة أشخاص مرتبطين بتنظيم القاعدة فيما حرمت تفجيرات الفنادق تماما مجموعات القاعدة والزرقاوي من اي دعم معنوي وسط الأردنيين بعد الآن.

فالتفجيرات وكما يقول الكثير من المراقبين عززت شعبيا موقع السلطة في مواجهة القاعدة وتفرعاتها ونقلت الرأي العام الأردني تماما في الخندق المعادي للزرقاوي وللقاعدة وهو موقف تم التعبير عنه شعبيا علي نطاق واسع.

وساهم ايضا في أجواء الإنفراج تمكن السلطات وسط مشاعر الغضب الشعبي والظروف الإستثنائية التي مرت بها البلاد من الكشف عن كامل تفاصيل العملية الإرهابية وبوقت قياسي بما في ذلك أسماء المنفذين واماكن تواجدهم وكيفية التنفيذ والتوقيتات ولون السيارة التي إستخدموها، وهذا الكشف لعب دورا في تماسك المجتمع الأردني سريعا وفي إظهار قدرات المؤسسة الأمنية علي التحقيق والإستدعاء والمتابعة والكشف عن التفاصيل مما عزز ثقة المواطن بالجهاز الأمني.

وساعد في الإنجاز الأمني السريع عمليات التنسيق الإستخباري السريعة بين عمان والحكومة العراقية التي قالت تقارير محلية انها قدمت معلومات ثمينة وتعاونت بشكل إيجابي مع الأردن في تقديم بيانات ومعلومات عن هوية المجموعة المنفذة.

ومن الواضح ان هفوة تنظيم القاعدة بالإعلان عن وجود إمرأة بين المشاركين سمحت بإعتقال الإنتحارية الرابعة التي يري المتابعون انها تشكل الآن صيدا ثمينا رغم ضعف شخصيتها ومعلوماتها لصالح تحصيل معلومات عن طبيعة التحشيد والإستقطاب في بعض محافظات العراق.

ومن الواضح ايضا ان الأحداث الأخيرة في عمان كشفت عن جاهزية إيجابية في التعامل مع أحداث مماثلة عند بعض القطاعات وتحديدا الدفاع المدني وإدارة الأمن العام والقطاع الصحي حيث لعبت هذه الأجهزة دورا سريعا ومهما في إحتواء المشهد ومعالجة آثار التفجيرات في إطار تطبيق عملي لخطط مهمة لم يكن المواطن الأردني يعرف عنها.

وبعد خمسة أيام من التفجيرات التي أدت لوقوع العشرات من الضحايا إستعادت عمان تماما حياتها بشكل طبيعي ونجحت في إمتصاص الصدمة وسط أجواء توحد إجتماعية غير مسبوقة فيما لا زالت الفعاليات الشعبية والفنية والثقافية والإعلامية تنظم عشرات النشاطات اليومية في سياق التلاحم الإجتماعي وفي سياق التنديد بالإرهاب.

وفي الإطار يؤكد مراقبون محايدون بان تفجيرات فنادق عمان ألحقت ضررا بالغا في صورة وحضور تنظيم القاعدة وعلي المدي الأبعد بالعمل الجهادي التفجيري في اوساط الشعـــــبين الأردني والفلسطـــــيني خصوصا وان بيانات الزرقــــــاوي التي اعقبت التفجيرات تدلل علي عدم وجود هدف منطقي من التفجـــــيرات إلا توجيه رسالة كيدية لإزعاج السلـــــطات الأمنية الأردنية وإظهار القدرة علي توجيه الضربات لها في إطار طابع شخصي للمواجهة أراده الزرقاوي مع الأجهزة الأردنية لكنه إنتهي بوجود ثأر جماعي بين الزرقاوي وبين الأردنيين جميعا.

وتفيد كل التقديرات بان الزرقاوي أرسل الإنتحاريين للفنادق كأهداف سهلة حتي يقول بانه يستطــــيع إختراق الأمن الأردني وليس لأهـداف وطنية او جهادية او حتي دينية، ولعـــل ذلك ما تسبب بالألم للمزاج الشعبي ونتج عنه آثار عكسية حاولت رسائل إلكترونية تابعة للقاعدة مواجهتها عبر التعبير عن الأسف لوقوع الضحايا المدنيين مع العلم بان الأسف قياسا بمزاج الشارع الآن لن يكون مفيدا.

وهذه التقديرات تشير الي ان تفجيرات الفنادق تسببت بنتائج عكسية، فقد ظهرت حالة إحاطة شعبية بالأجهزة الأمنية الأردنية وأصبحت العلاقة أكثر تماسكا بين الشارع وأجهزة الأمن التي ظهرت أهميتها في حوادث من هذا النوع بصرف النظر عن تبريرات الزرقاوي حول العلاقة بين الأمن الأردني والأمن الأمريكي خصوصا وان هذه العلاقة مكشوفة للرأي العام وليست سرا.

ويعني ذلك ببساطة ان الأمن الأردني هو المنتصر الآن في معركة الشعبية بعدما أرسل الزرقاوي رسالة دموية للأردنيين دفعتهم للتنصل والتبرؤ منه وهو مافعله أقاربه واولاد عمومته في مدينة الزرقاء.

ومن الواضح الآن ان المؤسسة الأمنية الأردنية ستحصل علي المزيد من الدعم الإقليمي والدولي بعد ان إلتف الجمهور حولها علي قاعدة بسيطة عبر عنها أحد الجرحي وهو راقد علي سرير الشفاء عندما قال لا نريد تحرير بغداد او القدس إذا كان الثمن إحراق عمان .

*القدس العربي

التعليقات