من اين نبدأ الاصلاح ؟ بقلم: الشيخ ابراهيم صرصور
من اين نبدأ الاصلاح ؟؟....
بقلم الشيخ ابراهيم صرصور
رئيس الحركة الاسلامية في فلسطين 48
كثرت النظريات والافكار المطروحة لاصلاح الاوضاع على الساحتين العربية والاسلامية ، تتراوح بين نظريات مغرقة في التغريب والتبعية ، ومرتبطة بدوائر دول الاستكبار والامبريالية العالمية ، واخرى مغرقة في التقليد ، ترفض كل جديد ، وتصرعلى ان تعيش على موروثات الماضي ، لا في ثوابت الامة التي لا تتغير ، ولكن في الجوانب والقضايا المتعلقة بشؤون الحياة المتجددة والمتطورة ، والتي اباح الله سبحانه وتعالى وشرعه الحنيف لنا ان نستحدث لها ما يناسبها في كل زمان ومكان ، بل جعلت الشريعة هذا النهج من اوجب الواجبات ، لانه بدونه لن تتم للامة نهضتها ، ولن تتحقق مرادات الله سبحانه فيها ، وهو الذي خلق كل زمان وكل مكان ، بل سيعتبر ذلك قصورا في الدين ، وحاشا لاسلامنا ان يكون فيه مثل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول { اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا } .
بين تلك النظريات المُفَرِّطَةِ وهذه المُفْرِطَةِ ، تقف نظرية وسطية ، عرفت الادواء التي اصابت الامة ، فوصفت لها من الدواء ما يجمع الخيربعضه الى بعض ، احياء لها بعد موات ، وتجديدا لاوضاعها التي ارتكست بعد عقود طويلة من الانحطاط ، واخرى مثلها من الاستعمار وعقود اطول من الدكتاتورية والتسلط والهزائم والتخلف والتفرق .
بكلمات اخرى ، هنالك من رجال الفكر والسياسة في شرقنا الاسلامي من تجرأ الى حد الدعوة الى ترك الدين واهماله ، والغاء التاريخ والحضارة وطرح ذلك بالكلية جانبا ، وإلى قبول مفتوح وبلا قيود لمنتوج الغرب غثه وسمينه ، وخيره وشره على اعتبار ذلك - على حد زعمهم ، الطريق الاوحد لخلاص الامة وتقدمها . وما عرفوا ان هذا هو طريق هلاكها واندثارها وزوالها ، وهي الامة التي ما عزت الا بالدين ، وما سادت الا بالعبودية لله ولشرعه ، وما قادت الا باسم الله وحده لا شريك له . كان هؤلاء منذ ظهروا وَرَمًا سرطانيا في جسد الامة يقعدها عن النهوض لمهامها الجليلة ولدورها العظيم " وسوسا " ينخر في عظامها ويذبح اجيالها بسكين الخنوع للشهوات والنزوات ، حتى اضحى مشروعهم في الامة مشروع هدم لكل فضيلة ، يسعى لتحويل اجيالها الى مجموعات من العابثين المسترسلين مع اهوائهم ، يألفون اصحاب الفجور ، ويتكبكبون في قعر نار اللذات والدنايا والمحظورات ، فلا يجدون سعادتهم المزيفة الا في الهروب من الحياة بشتى الطرق . فالحياة في نظر هؤلاء عبء لا يطاق وكل المثل والاخلاق والفضائل في نظرهم خرافات لا وجود لها الا في عالم الاوهام ، ومن اجل ان يخلصوا من هذا كله ، تجدهم يعمدون الى صور من النسيان يتفننون في ابداعها ، فتراهم يتقلبون في حُطَمَةِ الشقاء والتعاسة . {وما ادراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة انها عليهم مؤصدة في عمد ممدة } . فتارة يغوصون في لُجَجِ احلام اليقظة المتلاطمة واخرى باحتساء كميات من الخمرة حتى الثمالة ، او ادمان المخدرات وحبوب المهدئات والفاحش من وسائل الاعلام والفضائيات التي تسعى كلها ( لتدويث ) مجتمعاتنا العربية والاسلامية ، فلا يقوموا لمواجهة التحديات والدفاع عن الكرامة والارض والمقدسات .
اولئك هم الخطر الاكبر على الامة ، وبدون ان نعمل لازالتهم فلا رجاء في خلاص ولا نصر ولا فلاح ، فمن يقوم بهذه المهمة الكبرى والوظيفة العظمى ؟؟
اذا طرحنا جانبا كل الدعوات التغريبية وعكفنا على النظر المعمق في الدراسات والدعوات الجادة التي تحاول ان ترسم طريقا لنهضة الامة من خلال الجمع بين الماضي والحاضر والمزج بين الاصالة والحداثة ، فان احدا لا يشك في ان بداية الاصلاح لا بد ان تبدأ من خلال اعلان عام ، يجمع كل قطاعات الامة على مستوى الانظمة والشعوب ليطلق الجميع مشروع المصالحة مع الله سبحانه وبرنامج الاصلاح المرتكز الى مرجعية الشرع والدين .
من ابجديات المشروع الذي نتمناه ان يكون فيه دَفَقُ الثورة على كل السلبيات في حياة الافراد والجماعات ، الثورة على انطلاق الغرائز ، وسطوة الاهواء ، وتحكم الشهوات والنزوات ... ثورة على حكم الجاهلية بكل صورة واشكاله والرجوع الخالص الى الله وما ارتضاه لعباده المؤمنين ... ثورة على حالة التفرق والتمزق التي عبثت في شرف الامة وكرامتها ... ثورة على حب السلطان والصراع على الجاه والمال ... ثورة على حالة غياب المبادىء والقيم والاخلاق من حياة المجتمعات ... ثورة على كل صور التخلف والهزيمة والمرض ، وثورة لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى .
هذه الثورة في حياتنا كفيلة بتغيير مسار التاريخ ، وضمانة لانطلاقة الامة من اغلالها ، ولتحريرها من اصفادها ، بهذه الثورة تصفو الحياة من جديد ، وتشرق الارض بنور ربها من جديد ، وتعود البسمة الى محيا الارض والانسان والمقدسات من جديد ... عندها وعندها فقط سيشفي الله صدور قوم مؤمنين ، فلا ينطقون عندها الا بالحمد لله رب العالمين .
رمضان الذي تسرع ايامه مفارقة لنا ، فما تبقى منه الا ايام معدودات ، يدعونا الى تدارك ما فات والاستعداد الكامل لما هو آت ، ويحضنا الى النظر في عاجلنا وآجلنا والتهيء لوعد الله الذي لن يتأخر ، ولصعود الاسلام والمسلمين بعز عزيز او بذل ذليل .
ليال جليلة فيها ليلة خير من الف شهر...
ما زالت هنالك فرصة ، وما زال هنالك متسع لجبر ما انكسر مما مضى من ايام رمضان المبارك ... ما زلنا في ثلث المغفرة ، وامامنا جولة اخيرة هي ثلث العتق من النار ، تزدحم فيها الخيرات وتُفَتَّحُ فيها ابواب البركات وتزداد صلة الارض بالسموات ، وتزدان الدنيا ومن فيها وما فيها بانوار عشرة ايام وفوقها ليلة القدر ....
في الليالي العشرة الاخيرة من رمضان ، كان من عادته صلى الله عليه وسلم فيها ان يشد مئزره ويوقظ اهله ، وكأنما هو في سباق مع الزمن وفي استعداد للقاء حبيب ، وهو الذي غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف سيكون حالنا نحن يا ترى ؟؟!!
ما اعظم ان نُحَوِّلَ ما تبقى من ايام رمضان الى ورشة ننقطع فيها لله سبحانه الا من ضرورة ، نسعى فيها اليه جل في علاه ونَحْفِد ، ونجدّ من أجل رضوانه ونجتهد ، فلا يقطعنا عن ذلك شيء ولا يحول بيننا وبينه حائل او مانع .
ما اعظم ان ننسى فيما بقي من دقائق رمضان الدنيا وما فيها ، وندير ظهور قلوبنا لبريقها اللامع ، والقها الزائف وزهرتها الفانية ، ونلزم باب الله سبحانه ضارعين مستغفرين ، آيبين تائبين ، وفي رحمة الله ومغفرته طامعين .
ما اعظم ان نسمع الزواجر حتى تنزاح عن قلوبنا كوابيس الغفلة ، ومنها ما قال الامام ابن الجوزي رحمه الله :
( يا اخوة الغفلة تيقظوا ، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا ، فبالله اخبروني : من أسوأ حالا ممن استعبده هواه ، أمن أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه ؟ ما للغفلة قد شملت قلوبكم ، وما للجهالة قد سترت عنكم عيوبكم ؟ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة وقوارعه بكم واقعة ، وطلائعه عليكم طالعة وفجائعه لعذركم قاطعة ، وسهامه فيكم نافذة ، واحكامه بنواصيكم آخذة ؟؟ فحتى متى؟ والى متى ؟ وعلام التخلف والمقام ؟ اتطمعون في مقام الابد ؟ كلا والواحد الصمد ، ان الموت لبالمرصاد ، فلا يبقى على والد ولا ولد ، فجدوا - رحمكم الله - في خدمة مولاكم واقلعوا عن الذنوب فلعله يتولاكم ) .
لم يبق لنا بعد ذلك الا ان نبكي على حالنا ، ونبكي ثم نبكي ، لعل الله سبحانه ينظر الينا نظرة ترفعنا ويرحمنا بها ، فنفوز بسعادة الدارين ، وخيري الدنيا والآخرة .
يرحمك الله يا ابا بكر...
من منا لا يعرف فضيلة الشيخ سعيد بلال ؟؟ .. من منا لا يعرف الشيخ ابا بكر؟؟ .. لا اعتقد أن احدا من ابناء الحركة الاسلامية الا وسمع به ، وتحدث اليه ، افاد من علمه وخبرته ودرايته . لقد عرفناه منذ ان انفتحت عيوننا على واقع العمل الاسلامي منذ بداية السبعينات .. كنا كطلاب في الثانوية نراه ، نسمعه ، لكننا لم نكن نستطيع الاقتراب من حماه ، فنحن ما زلنا المريدين الذين عرف كل منا حدوده فلم نتجاوزها ، خصوصا مع علماء اجلاء مثل الشيخ بلال رحمه الله .
دخلنا الجامعة ، وزاد وعينا لما يجري من حولنا ، وازداد اعجابنا بهذا الرجل المُصِرِّ على ان يكون واحدا منا نحن المسلمين داخل الخط الاخضر ، وان كان مسكنه هناك في مدينة نابلس ، وميدانه الوظيفي والدعوي اساسا في الضفة الغربية وقطاع غزة . منذ ان شاءت الاقدار بعد كارثة عام 1967 بان يلتقي الفلسطينيون على جانبي الخط الاخضر على أمر قد قُدر ، فما من شك أن الشيخ سعيد بلال - رحمه الله رحمة واسعة - كان ممن ساهموا وبشكل مباشر في ان استوت سفينة الدعوة الاسلامية في الداخل الفلسطيني على الجودي .
لقد سَكَنَتْ قضيتنا في قلبه ، وعمرت صدره الحنون ، واثقلت جسده الضعيف ، الا انه كان وعلى مدى سنوات طويلة تجاورت العقود الثلاث السند الذي لا يُبارى للحركة الاسلامية في الداخل ، والفارس الذي لا يُشَقُّ له غبار ... يصول ويجول في عطاء موصول دائم لا يفتر ابدا .. لقد رأى في الحركة الاسلامية داخل الخط الاخضر خط الدفاع الاول عن الارض والانسان والمقدسات .. لقد قرأ ببصيرته الثاقبة صفحات المستقبل للقضية الفلسطينية ، وعرف بحسه المرهف ان رحلة الخلاص طويلة ، ولا بد من اجل النهوض بها والقيام لها من اعداد يُلْغى عنصر الزمن فيه ، ولا يعترف الا بالعمل والتضحيات بلا حدود ، وتفويض الامر بعد ذلك لله وحده في ان يُعَجِّلَ او يُؤَجِّل ، فتلك مشيئته وله وحده الخلق والامر .
ما جلست معه ، ولا تحدثت اليه وعلى مدى اكثر من عقدين الا وازددت حبا فيه ، واعجابا بخصاله ، وخصوصا في المرحلة الاخيرة التي اصيب فيها بانواع البلاء التي لو صُبَّ شيء منها على الايام كُنَّ لياليا .. اصيب في السنوات الاخيرة بمرض خبيث اصاب حنجرته مما استدعى علاجا مكثفا صبر عليه دون شكوى ... وفي كل مرة كنت اتحدث اليه واسأل عن صحته كان يقول : [ الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني ] ... لم يتوقف الامر عن هذا الحد ، بل تجاوزه الى اولاده الذين لم يبق حوله منهم احد ، بعد ان غيبتهم سجون الاحتلال الاسرائيلي ، حيث صدرت ضدهم احكام بالسجن لسنوات طويلة ... لقد كان لذلك كله اثره عليه ، الا ان رضاه بقضاء الله سبحانه جعل من هذه المصائب كلها مركبه الى حب الله ، والحبل الموصول معه سبحانه ... لقد رأى في تلك الابتلاءات امتحانا لايمانه ، فحرص دائما على الا يرى الله منه الا ما يُحِبُّ ... فما لانت له قناة ، وما غابت من محياه ابتسامتة وبشاشته ، وما فقد أبدا روح الدعابة التي اشتهر بها حتى في اكثر الظروف صعوبة وشدة ... الا انه وجد سلواه في كثير من الاحيان في كتابة الشعر يعبر فيه عن مكنونات صدره ، ويخفف به من احمال نفسه .
لقد ودعته تلفونيا قبل اسبوعين وهو يغادر الى الاردن لتلقي العلاج ، ولتقديم التعازي بوفاة ابن عمه وشقيق زوجته الفاضلة ام بكر ... لقد كان سعيدا بهذه الزيارة ، وقد ابلغني ابنه عمر ان اباه قد اجرى عملية ناجحة والحمد لله ، الا ان المفاجأة كانت صاعقة ، حينما ابلغت ان تدهورا خطيرا طرأ على وضعه الصحي ، مما ادى الى ادخاله الى قسم العناية المكثفة ، حيث وافته المنية عصر الاربعاء الماضي ... نعم للحظة لم اصدق ما سمعت ، فكيف يكون هذا وانا الذي ودعته قبل ايام ... لم يكن هنالك ما يدعو الى القلق .. شعرت بسعادته لهذه الرحلة ، الا ان الله سبحانه قد قدر له انهاء رحلته في الدنيا ، وبداية رحلته السعيدة - ان شاء الله - الى جنانه في الاخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا .
انا والله لفقدك يا شيخ سعيد لمحزونون ، لكننا لا نقول الا ما يرضي الله ، فانا لله وانا اليه راجعون ... عزاؤنا في الشيخ ابي بكرأنه عاش حياته لله تعالى ، ومضى الى ربه سبحانه وهو مطمئن الى عفوه ، واثق في رحمته ومغفرته ... كيف لا وهو الذي قبض الله روحه في الثلث الثاني من رمضان المبارك ، ثلث المغفرة .
رحمك الله يا ابا بكر رحمة واسعة ، وجمعنا واياك في الجنة ، وتحت لواء حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ... اللهم آمين ...
بقلم الشيخ ابراهيم صرصور
رئيس الحركة الاسلامية في فلسطين 48
كثرت النظريات والافكار المطروحة لاصلاح الاوضاع على الساحتين العربية والاسلامية ، تتراوح بين نظريات مغرقة في التغريب والتبعية ، ومرتبطة بدوائر دول الاستكبار والامبريالية العالمية ، واخرى مغرقة في التقليد ، ترفض كل جديد ، وتصرعلى ان تعيش على موروثات الماضي ، لا في ثوابت الامة التي لا تتغير ، ولكن في الجوانب والقضايا المتعلقة بشؤون الحياة المتجددة والمتطورة ، والتي اباح الله سبحانه وتعالى وشرعه الحنيف لنا ان نستحدث لها ما يناسبها في كل زمان ومكان ، بل جعلت الشريعة هذا النهج من اوجب الواجبات ، لانه بدونه لن تتم للامة نهضتها ، ولن تتحقق مرادات الله سبحانه فيها ، وهو الذي خلق كل زمان وكل مكان ، بل سيعتبر ذلك قصورا في الدين ، وحاشا لاسلامنا ان يكون فيه مثل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول { اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا } .
بين تلك النظريات المُفَرِّطَةِ وهذه المُفْرِطَةِ ، تقف نظرية وسطية ، عرفت الادواء التي اصابت الامة ، فوصفت لها من الدواء ما يجمع الخيربعضه الى بعض ، احياء لها بعد موات ، وتجديدا لاوضاعها التي ارتكست بعد عقود طويلة من الانحطاط ، واخرى مثلها من الاستعمار وعقود اطول من الدكتاتورية والتسلط والهزائم والتخلف والتفرق .
بكلمات اخرى ، هنالك من رجال الفكر والسياسة في شرقنا الاسلامي من تجرأ الى حد الدعوة الى ترك الدين واهماله ، والغاء التاريخ والحضارة وطرح ذلك بالكلية جانبا ، وإلى قبول مفتوح وبلا قيود لمنتوج الغرب غثه وسمينه ، وخيره وشره على اعتبار ذلك - على حد زعمهم ، الطريق الاوحد لخلاص الامة وتقدمها . وما عرفوا ان هذا هو طريق هلاكها واندثارها وزوالها ، وهي الامة التي ما عزت الا بالدين ، وما سادت الا بالعبودية لله ولشرعه ، وما قادت الا باسم الله وحده لا شريك له . كان هؤلاء منذ ظهروا وَرَمًا سرطانيا في جسد الامة يقعدها عن النهوض لمهامها الجليلة ولدورها العظيم " وسوسا " ينخر في عظامها ويذبح اجيالها بسكين الخنوع للشهوات والنزوات ، حتى اضحى مشروعهم في الامة مشروع هدم لكل فضيلة ، يسعى لتحويل اجيالها الى مجموعات من العابثين المسترسلين مع اهوائهم ، يألفون اصحاب الفجور ، ويتكبكبون في قعر نار اللذات والدنايا والمحظورات ، فلا يجدون سعادتهم المزيفة الا في الهروب من الحياة بشتى الطرق . فالحياة في نظر هؤلاء عبء لا يطاق وكل المثل والاخلاق والفضائل في نظرهم خرافات لا وجود لها الا في عالم الاوهام ، ومن اجل ان يخلصوا من هذا كله ، تجدهم يعمدون الى صور من النسيان يتفننون في ابداعها ، فتراهم يتقلبون في حُطَمَةِ الشقاء والتعاسة . {وما ادراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة انها عليهم مؤصدة في عمد ممدة } . فتارة يغوصون في لُجَجِ احلام اليقظة المتلاطمة واخرى باحتساء كميات من الخمرة حتى الثمالة ، او ادمان المخدرات وحبوب المهدئات والفاحش من وسائل الاعلام والفضائيات التي تسعى كلها ( لتدويث ) مجتمعاتنا العربية والاسلامية ، فلا يقوموا لمواجهة التحديات والدفاع عن الكرامة والارض والمقدسات .
اولئك هم الخطر الاكبر على الامة ، وبدون ان نعمل لازالتهم فلا رجاء في خلاص ولا نصر ولا فلاح ، فمن يقوم بهذه المهمة الكبرى والوظيفة العظمى ؟؟
اذا طرحنا جانبا كل الدعوات التغريبية وعكفنا على النظر المعمق في الدراسات والدعوات الجادة التي تحاول ان ترسم طريقا لنهضة الامة من خلال الجمع بين الماضي والحاضر والمزج بين الاصالة والحداثة ، فان احدا لا يشك في ان بداية الاصلاح لا بد ان تبدأ من خلال اعلان عام ، يجمع كل قطاعات الامة على مستوى الانظمة والشعوب ليطلق الجميع مشروع المصالحة مع الله سبحانه وبرنامج الاصلاح المرتكز الى مرجعية الشرع والدين .
من ابجديات المشروع الذي نتمناه ان يكون فيه دَفَقُ الثورة على كل السلبيات في حياة الافراد والجماعات ، الثورة على انطلاق الغرائز ، وسطوة الاهواء ، وتحكم الشهوات والنزوات ... ثورة على حكم الجاهلية بكل صورة واشكاله والرجوع الخالص الى الله وما ارتضاه لعباده المؤمنين ... ثورة على حالة التفرق والتمزق التي عبثت في شرف الامة وكرامتها ... ثورة على حب السلطان والصراع على الجاه والمال ... ثورة على حالة غياب المبادىء والقيم والاخلاق من حياة المجتمعات ... ثورة على كل صور التخلف والهزيمة والمرض ، وثورة لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى .
هذه الثورة في حياتنا كفيلة بتغيير مسار التاريخ ، وضمانة لانطلاقة الامة من اغلالها ، ولتحريرها من اصفادها ، بهذه الثورة تصفو الحياة من جديد ، وتشرق الارض بنور ربها من جديد ، وتعود البسمة الى محيا الارض والانسان والمقدسات من جديد ... عندها وعندها فقط سيشفي الله صدور قوم مؤمنين ، فلا ينطقون عندها الا بالحمد لله رب العالمين .
رمضان الذي تسرع ايامه مفارقة لنا ، فما تبقى منه الا ايام معدودات ، يدعونا الى تدارك ما فات والاستعداد الكامل لما هو آت ، ويحضنا الى النظر في عاجلنا وآجلنا والتهيء لوعد الله الذي لن يتأخر ، ولصعود الاسلام والمسلمين بعز عزيز او بذل ذليل .
ليال جليلة فيها ليلة خير من الف شهر...
ما زالت هنالك فرصة ، وما زال هنالك متسع لجبر ما انكسر مما مضى من ايام رمضان المبارك ... ما زلنا في ثلث المغفرة ، وامامنا جولة اخيرة هي ثلث العتق من النار ، تزدحم فيها الخيرات وتُفَتَّحُ فيها ابواب البركات وتزداد صلة الارض بالسموات ، وتزدان الدنيا ومن فيها وما فيها بانوار عشرة ايام وفوقها ليلة القدر ....
في الليالي العشرة الاخيرة من رمضان ، كان من عادته صلى الله عليه وسلم فيها ان يشد مئزره ويوقظ اهله ، وكأنما هو في سباق مع الزمن وفي استعداد للقاء حبيب ، وهو الذي غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف سيكون حالنا نحن يا ترى ؟؟!!
ما اعظم ان نُحَوِّلَ ما تبقى من ايام رمضان الى ورشة ننقطع فيها لله سبحانه الا من ضرورة ، نسعى فيها اليه جل في علاه ونَحْفِد ، ونجدّ من أجل رضوانه ونجتهد ، فلا يقطعنا عن ذلك شيء ولا يحول بيننا وبينه حائل او مانع .
ما اعظم ان ننسى فيما بقي من دقائق رمضان الدنيا وما فيها ، وندير ظهور قلوبنا لبريقها اللامع ، والقها الزائف وزهرتها الفانية ، ونلزم باب الله سبحانه ضارعين مستغفرين ، آيبين تائبين ، وفي رحمة الله ومغفرته طامعين .
ما اعظم ان نسمع الزواجر حتى تنزاح عن قلوبنا كوابيس الغفلة ، ومنها ما قال الامام ابن الجوزي رحمه الله :
( يا اخوة الغفلة تيقظوا ، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا ، فبالله اخبروني : من أسوأ حالا ممن استعبده هواه ، أمن أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه ؟ ما للغفلة قد شملت قلوبكم ، وما للجهالة قد سترت عنكم عيوبكم ؟ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة وقوارعه بكم واقعة ، وطلائعه عليكم طالعة وفجائعه لعذركم قاطعة ، وسهامه فيكم نافذة ، واحكامه بنواصيكم آخذة ؟؟ فحتى متى؟ والى متى ؟ وعلام التخلف والمقام ؟ اتطمعون في مقام الابد ؟ كلا والواحد الصمد ، ان الموت لبالمرصاد ، فلا يبقى على والد ولا ولد ، فجدوا - رحمكم الله - في خدمة مولاكم واقلعوا عن الذنوب فلعله يتولاكم ) .
لم يبق لنا بعد ذلك الا ان نبكي على حالنا ، ونبكي ثم نبكي ، لعل الله سبحانه ينظر الينا نظرة ترفعنا ويرحمنا بها ، فنفوز بسعادة الدارين ، وخيري الدنيا والآخرة .
يرحمك الله يا ابا بكر...
من منا لا يعرف فضيلة الشيخ سعيد بلال ؟؟ .. من منا لا يعرف الشيخ ابا بكر؟؟ .. لا اعتقد أن احدا من ابناء الحركة الاسلامية الا وسمع به ، وتحدث اليه ، افاد من علمه وخبرته ودرايته . لقد عرفناه منذ ان انفتحت عيوننا على واقع العمل الاسلامي منذ بداية السبعينات .. كنا كطلاب في الثانوية نراه ، نسمعه ، لكننا لم نكن نستطيع الاقتراب من حماه ، فنحن ما زلنا المريدين الذين عرف كل منا حدوده فلم نتجاوزها ، خصوصا مع علماء اجلاء مثل الشيخ بلال رحمه الله .
دخلنا الجامعة ، وزاد وعينا لما يجري من حولنا ، وازداد اعجابنا بهذا الرجل المُصِرِّ على ان يكون واحدا منا نحن المسلمين داخل الخط الاخضر ، وان كان مسكنه هناك في مدينة نابلس ، وميدانه الوظيفي والدعوي اساسا في الضفة الغربية وقطاع غزة . منذ ان شاءت الاقدار بعد كارثة عام 1967 بان يلتقي الفلسطينيون على جانبي الخط الاخضر على أمر قد قُدر ، فما من شك أن الشيخ سعيد بلال - رحمه الله رحمة واسعة - كان ممن ساهموا وبشكل مباشر في ان استوت سفينة الدعوة الاسلامية في الداخل الفلسطيني على الجودي .
لقد سَكَنَتْ قضيتنا في قلبه ، وعمرت صدره الحنون ، واثقلت جسده الضعيف ، الا انه كان وعلى مدى سنوات طويلة تجاورت العقود الثلاث السند الذي لا يُبارى للحركة الاسلامية في الداخل ، والفارس الذي لا يُشَقُّ له غبار ... يصول ويجول في عطاء موصول دائم لا يفتر ابدا .. لقد رأى في الحركة الاسلامية داخل الخط الاخضر خط الدفاع الاول عن الارض والانسان والمقدسات .. لقد قرأ ببصيرته الثاقبة صفحات المستقبل للقضية الفلسطينية ، وعرف بحسه المرهف ان رحلة الخلاص طويلة ، ولا بد من اجل النهوض بها والقيام لها من اعداد يُلْغى عنصر الزمن فيه ، ولا يعترف الا بالعمل والتضحيات بلا حدود ، وتفويض الامر بعد ذلك لله وحده في ان يُعَجِّلَ او يُؤَجِّل ، فتلك مشيئته وله وحده الخلق والامر .
ما جلست معه ، ولا تحدثت اليه وعلى مدى اكثر من عقدين الا وازددت حبا فيه ، واعجابا بخصاله ، وخصوصا في المرحلة الاخيرة التي اصيب فيها بانواع البلاء التي لو صُبَّ شيء منها على الايام كُنَّ لياليا .. اصيب في السنوات الاخيرة بمرض خبيث اصاب حنجرته مما استدعى علاجا مكثفا صبر عليه دون شكوى ... وفي كل مرة كنت اتحدث اليه واسأل عن صحته كان يقول : [ الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني ] ... لم يتوقف الامر عن هذا الحد ، بل تجاوزه الى اولاده الذين لم يبق حوله منهم احد ، بعد ان غيبتهم سجون الاحتلال الاسرائيلي ، حيث صدرت ضدهم احكام بالسجن لسنوات طويلة ... لقد كان لذلك كله اثره عليه ، الا ان رضاه بقضاء الله سبحانه جعل من هذه المصائب كلها مركبه الى حب الله ، والحبل الموصول معه سبحانه ... لقد رأى في تلك الابتلاءات امتحانا لايمانه ، فحرص دائما على الا يرى الله منه الا ما يُحِبُّ ... فما لانت له قناة ، وما غابت من محياه ابتسامتة وبشاشته ، وما فقد أبدا روح الدعابة التي اشتهر بها حتى في اكثر الظروف صعوبة وشدة ... الا انه وجد سلواه في كثير من الاحيان في كتابة الشعر يعبر فيه عن مكنونات صدره ، ويخفف به من احمال نفسه .
لقد ودعته تلفونيا قبل اسبوعين وهو يغادر الى الاردن لتلقي العلاج ، ولتقديم التعازي بوفاة ابن عمه وشقيق زوجته الفاضلة ام بكر ... لقد كان سعيدا بهذه الزيارة ، وقد ابلغني ابنه عمر ان اباه قد اجرى عملية ناجحة والحمد لله ، الا ان المفاجأة كانت صاعقة ، حينما ابلغت ان تدهورا خطيرا طرأ على وضعه الصحي ، مما ادى الى ادخاله الى قسم العناية المكثفة ، حيث وافته المنية عصر الاربعاء الماضي ... نعم للحظة لم اصدق ما سمعت ، فكيف يكون هذا وانا الذي ودعته قبل ايام ... لم يكن هنالك ما يدعو الى القلق .. شعرت بسعادته لهذه الرحلة ، الا ان الله سبحانه قد قدر له انهاء رحلته في الدنيا ، وبداية رحلته السعيدة - ان شاء الله - الى جنانه في الاخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا .
انا والله لفقدك يا شيخ سعيد لمحزونون ، لكننا لا نقول الا ما يرضي الله ، فانا لله وانا اليه راجعون ... عزاؤنا في الشيخ ابي بكرأنه عاش حياته لله تعالى ، ومضى الى ربه سبحانه وهو مطمئن الى عفوه ، واثق في رحمته ومغفرته ... كيف لا وهو الذي قبض الله روحه في الثلث الثاني من رمضان المبارك ، ثلث المغفرة .
رحمك الله يا ابا بكر رحمة واسعة ، وجمعنا واياك في الجنة ، وتحت لواء حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ... اللهم آمين ...

التعليقات