تبادل اتهامات بين المسلمين والمسيحيين والبابا شنوده يرفض تقديم اعتذار

تبادل اتهامات بين المسلمين والمسيحيين والبابا شنوده يرفض تقديم اعتذار
غزة-دنيا الوطن

فيما عاد الهدوء الحذر إلى مدينة الإسكندرية التي شهدت مظاهرات غاضبة نظمها مسلمون احتجاجا على مسرحية عرضتها كنيسة قبطية تشمنت ما قيل إنه إساءات للإسلام، رفض البابا شنودة الثالث بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر تقديم اعتذار عن المسرحية، ونفى السبت 22-10-2005م ان تكون تضمنت اي اساءة "للمقدسات الدينية" واكد رفضه "مؤاخذة المسيحيين على شائعات" روجتها بعض الصحف، وذلك فيما تواصل تبادل الاتهامات بين المسلمين والأقباط بعد المواجهات ودخل ذلك في صميم الحملة الانتخابية.

وقال البابا شنوده في بيان اصدره, وبثته وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية, بعد اجتماع مع المجلس الملي للاقباط الارثوذكس الذي يضم ثمانية من كبار الشخصيات القبطية المدنية, ان "بعض الجهات تسعى لاحداث فتنة والاضرار بالوحدة الوطنية في مصر".

ونفى البابا "قيام احدى كنائس حي محرم بك (بالاسكندرية) باهانة الاسلام أو القرآن الكريم وفقا لما نشرته صحيفتا (الميدان) و(الاسبوع) الاسبوعيتين"، واتهم البابا "هذه النوعية من الصحف بانها تسعى الى اثارة الفتنة الطائفية في مصر في الوقت الذى نتمتع فيه بالسلام والهدوء فى شهر رمضان المبارك".

واضاف البيان ان "المسرحية المشار اليها عرضت منذ عامين لمدة يوم واحد داخل اسوار الكنيسة ولم يرها مسلم واحد, وكانت تتحدث عن التطرف ولم تتحدث عن المقدسات الدينية, مشيرا الى انها لم تثر شيئا حين عرضت ومحاولة اثارتها الان يهدف الى تفتيت الوحدة الوطنية".

وتساءل البيان "هل نترك الصحف التى تثير الفتنة ويؤاخذ المسيحيون على مجرد الشائعات التى تروجها تلك الصحف بان هناك اساءة للاسلام ؟"، واخذ البيان على المتظاهرين "احاطتهم للكنيسة والطرق على الابواب بعنف وترديد شعارات معادية, مما القى الرعب فى قلوب المصلين".

واعرب الباب عن امله في "الا يكون للانتخابات التشريعية المقبلة دور فى اثارة او استغلال تلك الاحداث".

كما اصدر البابا بيانا مشتركا مع شيخ الازهر محمد سيد طنطاوي موجه الى "المسلمين والمسيحيين" اكدا فيه ان ما حدث في الاسكندرية "احزننا جميعا لا سيما ونحن في شهر رمضان المبارك نقيم الموائد الرمضانية ونتناول طعام الافطار على مائدة واحدة مسلمين ومسيحيين".

ودعا شنوده وطنطاوي "الجميع الى الهدوء من اجل نشر نعمة السلام والامان والمحبة". واضاف البيان المشترك "اذا كان قد حدث ما اسيء فهمه فمن الواجب ان نعالجه بروح الحوار والتفاهم خاصة والامر الان تتولاه سلطات التحقيق لتقول كلمتها الفاصلة".

وكان ثلاثة اشخاص قتلوا الجمعة في مواجهات مع الشرطة خلال تظاهرات قام بها عدة الاف من المسلمين احتجاجا على توزيع شريط مدمج للمسرحية التي تحمل عنوان "كنت اعمى وفتحت" والتي يؤكدون انها تضمنت اهانة للنبي محمد.

هدوء حذر في الاسكندرية

وفي تلك الأثناء، ساد هدوء حذر مدينة الاسكندرية السبت بعد يوم من اشتباكات عنيفة بين الشرطة ومتظاهرين اسلاميين احتجوا على المسرحية التي عرضت داخل كنيسة مار جرجيس بالمدينة ويقولون انها مسيئة للدين الاسلامي.

في الوقت نفسه قال مسؤول في حركة الاخوان المسلمين ان الجماعة بدأت مساع حميدة بهدف التهدئة وازالة الاحتقان بين المحتجين وبين الكنيسة، ونفى أن تكون للجماعة أية مسئولية عن تصعيد التوتر الطائفي واتهم أجهزة في الدولة بترويج تلك الشائعات لتحقيق مصالح انتخابية بالسعي لضرب عصفورين بحجر واحد هما الأقباط والإخوان الذين يخوضون الانتخابات بقوة في المدينة .

وقال مسؤولون أمنيون ان الشرطة ألقت القبض على حوالي 60 شخصا بعد المظاهرات التي جرت نهار وليلة الجمعة امام مبنى كنيسة مار جرجيس في وسط الاسكندرية احتجاجا على عرض المسرحية وشرائط مدمجة لها تم توزيعها في المدينة.

وكان متظاهر لقي الجمعة مصرعه بعد اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين الذين كانوا يحاولون اقتحام الكنيسة. ولم تتضح كيفية وفاة المتظاهر الا ان وزارة الدخلية قالت انه توفي جراء التدافع بينما يقول متظاهرون ان الشرطة كانت تطلق رصاصات مطاطية ربما اصابته واحدة منها.

وبدأت حركة الاحتجاجات الاسبوع الماضي عندما قام مئات من المسلمين بالتظاهر امام مبنى الكنيسة مطالبين القيادات الدينية المسيحية بالاعتذار عن عرض المسرحية التي يتهمونها بانها توجه اهانات للمسلمين.

الا ان التظاهرات اشتدت الجمعة بعد ان انضم الاف من سكان الاسكندرية المسلمين مما ادى الى مصادمات بينهم وبين اعداد غفيرة من رجال الامن المركزي تم ارسالهم لحماية الكنيسة.

ورفع المتظاهرون شعارات تطالب الكنيسة بالاعتذار عن عرض المسرحية كما رددوا هتافات "لا إله الا الله محمد رسول الله " و "بالروح بالدم نفديك يا اسلام".

وكان طالب مسلم قد طعن راهبة قبطية بسكين يوم الاربعاء الماضي داخل الكنيسة نفسها كما جرح رجل حاول انقاذها وأصابهما بجروح بليغة.

ويقول منظمو الاحتجاجات ان اقراصا مدمجة تم توزيعها للمسرحية تبين انها مسيئة للاسلام. ومنحوا رأس الكنيسة القبطية البابا شنودة الثالث مهلة لتقديم الاعتذار ومعاقبة من سمح بعرض المسرحية في الكنيسة.

الا ان راعي كنيسة مارجرجيس الاب اغوستينوس قال لوكالة يونايتد برس انترناشونال ان مسرحية "كنت أعمى والآن أبصر"عرضت ليوم واحد عام 2003 وتم منع عرضها في الكنيسة بعد ذلك كما نأى بالكنيسة عن توزيع الاقراص التي يحتج عليها المتظاهرون.

واتهمت وزارة الداخلية عناصر سمتها بالتحريضية بالوقوف وراء حركة الاحتجاجات الا انها لم تحدد هويتهم.

وتصور المسرحية التي تدور احداثها في قالب كوميدي قصة متخيلة لشاب مسيحي أشهر إسلامه, ثم انضم الى صفوف إحدى الجماعات الإسلامية, ثم عاد فقرر الهرب إلى الكنيسة بعد أن وجد نفسه غير مقتنع بالقرآن, واستمرت مطاردته من جانب عناصر هذه الجماعة.

وكان مسؤولون في الكنيسة القبطية قد ذكروا ان المسرحية تم عرضها قبل عامين وانها لا تسيء الى الاسلام بل تتناول بعض اشكال التطرف الديني مشددين على ان قيام صحف مستقلة مصرية بالتحريض ضد الكنيسة حاليا هو "بسبب الانتخابات البرلمانية القادمة".

وتقول مصادر امنية انه على الرغم من عرض المسرحية عام 2003 الا انه تم طباعة الالاف النسخ منها على أقراص كومبيوتر مدمجة وتوزيعها على طلبة الجامعات والمدارس في الاسكندرية خلال الاسبوع المنصرم.

وتتهم اجهزة الامن المصرية بعض التيارات الدينية باستغلال القضية لاغراض انتخابية.

وقد دعا مفتى مصر الشيخ على جمعة المصريين الى التسامح والعفو وعدم ‏الانسياق وراء الشائعات، ونفى جمعة في تصريحات له ‏وجود قرص مدمج يسىء للاسلام قد تسبب توزيعه فى هذه الاحداث, مشيرا الى أن هناك من يحاول اثاره الفتنة ‏والزعم بأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر هشة لتحقيق مصالح شخصية أو ‏‏دعاية انتخابية بعيدة عن مصالح الوطن.

وتعتزم جماعة الاخوان المسلمين –التي تقود جهود المصالحة- الدفع بعناصر بارزة للتنافس على دوائر مدينة الاسكندرية خلال انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) التي تبدأ مرحلتها الاولى في 9 نوفمبر/تشرين الاول القادم، وقد نفى قيادي بارز في الجماعة بالاسكندرية ان يكون للاخوان اي ضلع في التظاهرات واتهم اجهزة الدولة بالترويج لمثل هذه الاقاويل للنيل من الاخوان اثناء الحملة الانتخابية.

وقال علي عبد الفتاح ليونايتد برس انترناشونال ان الاخوان يقومون بمساع حميدة هدفها نزع فتيل المشكلة وتهدئة الاوضاع في المدينة، واضاف "ان من يقف وراء هذه الفتنة يريد ان يضرب عصفورين بحجر, الاخوان والاقباط". وأكد " غير اننا لن نسمح لهم بذلك".

تبادل اتهامات بين المسلمين والمسيحيين

وكان للأحداث تأثيرها بالفعل على مجريات الحملة الانتخابية بالإسكندرية حيث حرص المرشحون المختلفون على التعليق عليها، وفي هذا السياق قال ماهر خلة وهو مرشح مسيحي لانتخابات مجلس الشعب في حي محرم بك لوكالة الأنباء الفرنسية ان "المتظاهرين احرقوا نسخا من الانجيل" واضاف "هذا غير مقبول على الاطلاق ولا يمكن حتى ان نقبل اعتذارا عن هذه الوقائع" مؤكدا انه قدم طلبا الى الحزب الوطني (الحاكم) الذي ينتمي اليه لسحب ترشيحه للانتخابات من اجل "تهدئة النفوس". واكد خلة ان المسرحية التي اثارت الاحتجاجات "لم تتضمن اي اساءة للاسلام".

ولكن مرشحا للاخوان في نفس المنطقة هو اسامة جادو قال لوكالة الأنباء الفرنسية انه "لا بد ان يصدر عن الكنيسة بيان توضيحي على الاقل لتهدئة المشاعر لان شريط المسرحية شاهده الكثيرون وهو يتضمن اساءة للاسلام".

من جهتها اصدرت حركة كفاية بيانا دعت فيه الى "تحقيق نزيه تعلن نتائجه على الراي العام"، ودعت الحركة الى "التصدي لمؤامرة الفتنة الطائفية" مؤكدة انها "تستهدف اشعال الشغب وتحويل الانظار بعيدا عن مطالب الاصلاح ومواجهة الفساد والاستبداد".

وناقش الرئيس المصري حسني مبارك خلال اجتماع مع مجموعة من الوزراء صباح اليوم الاحداث التي شهدتها الاسكندرية، ونقل المتحدث باسم الرئاسة المصرية عن مبارك قوله انه "ينبغي التعامل مع هذا الموضوع من منطلق روح مصر السمحة التي تنظر الى ابنائها مسلمين واقباط باعتبارهم نسيجا واحدا متداخلا وجناحين لا غنى عنهما للوحدة الوطنية لمصر وشعبها".

قس يقول ان المسيحيين خائفون

وقد قال قس محلي ان المسيحيين بمدينة الاسكندرية في شمال مصر أغلقوا متاجرهم ولزموا منازلهم اليوم ولم يجازفوا بالخروج لخوفهم بعد الاحتجاجات العنيفة التي جرت خارج الكنيسة.

وقال القس يوحنا نصيف من كنيسة القديس مرقص للاقباط الكاثوليك بالاسكندرية ان حفل الافطار السنوي الذي يشارك فيه مسيحيون ومسلمون بالكنيسة ألغي بعد احتجاجات يوم الجمعة التي قتل خلالها ثلاثة اشخاص.

وابلغ نصيف وكالة رويترز للأنباء "المسيحيون لزموا منازلهم منذ الامس وهم خائفون"، بعد المظاهرات التي شهدت تم تكسير واجهات عدة محلات مملوكة لمسيحيين واحراق سياراتهم وباب كنيسة صغيرة في حي محرم بك.

وقال ان المسرحية التي تحمل عنوان "كنت أعمى ولكني اليوم ابصرت" عرضها شبان منذ أكثر من عامين. وأضاف ان "متطرفين" قاموا في الاونة الاخيرة بوضع نسخة مسجلة منها على الانترنت. ومضى يقول "كانت المسرحية تتحدث عن التطرف وهي ضد التشدد. واعتمدت المسرحية على فيلم "الارهابي" الذي أنتج في التسعينيات ولعب بطولته النجم عادل امام.

ويتعامل الفيلم مع موضوع المتشددين الاسلاميين الذين كانوا في ذلك الوقت يشنون تمردا ضد الحكومة المصرية.

وطالب المحتجون باعتذار عن المسرحية. ولكن نصيف قال انه لا يرى ضرورة لتقديم اعتذار، وأضاف "المسيحيون يرفضون اهانة أي دين. المسيحيون يحبون أشقاءهم المسلمين".

ويشكل الاقباط ما يتراوح بين خمسة وعشرة في المئة من سكان مصر البالغ عددهم 72 مليون نسمة غالبيتهم من المسلمين.

والعلاقات بين المسلمين والاقباط سلمية وودية بشكل عام. وفي عام 1999 قتل 22 شخصا في اشتباكات بين الجانبين في قرية الكشح بصعيد مصر الا ان هذه الاحداث نادرة وتندلع عادة بسبب خلافات محلية.

التعليقات