في كتابه الجديد ..فليشر : بوش لايعاني من عقدة نقص وغير متعجرف وسياسة كلينتون فاقمت مشكلات الشرق الأوسط

في كتابه الجديد ..فليشر : بوش لايعاني من عقدة نقص وغير متعجرف وسياسة كلينتون فاقمت مشكلات الشرق الأوسط
ابوظبي – دنيا الوطن-جمال المجايدة

يسجل كتاب (تحت الأضواء: الرئيس والصحافة وسنواتي في البيت الأبيض) مذكرات آري فليشر خلال عمله متحدثاً رسمياً باسم البيت الأبيض، بين عامي 2000 و2004. وآري فليشر أحد أعضاء المجموعة اليهودية التي لعبت أدواراً بارزة في إدارة جورج بوش الابن، وساهمت في تكريس سيطرة المحافظين الجدد على مفاصل القرار السياسي في الولايات المتحدة. ويُذكر لفليشر أنه بدا مؤيداً لاغتيال صدام حسين حين قال "إن ثمن رصاصة أرخص بكثير من تكلفة حرب"، كذلك فقد وصف سياسة بيل كلينتون تجاه عملية السلام بأنها "فاقمت مشكلات الشرق الأوسط"، في إشارة إلى اهتمامه بالقضية وحرصة على دفع مسيرة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الأمام. وقد اضطر فليشر إلى الاعتذار عن التصريحين لاحقاً.

يعد الكتاب الصادر في واشنطن و الذي اعد طبعته العربية مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ابوظبي يعد "مذكرة دفاع" متحمسة عن سياسات جورج دبليو بوش، الرئيس الأكثر تعرضا للانتقاد والهجوم داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويرسم فليشر صورة لبوش تظهره قائداً حازما قوي الشخصية، قادراً على الاستماع إلى مختلف وجهات النظر والموازنة بينها، واتخاذ القرار الصائب والمضي في تنفيذه، وأن ذلك قد برز في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ففور أن اتضح أن الولايات المتحدة تتعرض للهجوم أخبر الرئيس مستشاريه أن الدولة ستعتبر في حالة حرب، وأن إدارته ستتعقب المسؤولين عن الهجمات. وعندما تأكد أن تنظيم القاعدة هو المسؤول نجح بوش في حشد الأمة، بفضل فطنته وطريقته في اتخاذ القرارات، وخطابه الواثق.

يقارن فليشر بين كلينتون وبوش، فيشير إلى أن بوش لا يتردد في اتخاذ قراراته، ويتمتع بقدرة على رؤية "الصورة الكبيرة" أو العامة، لكنه، في الوقت نفسه، يجيد التعامل مع التفاصيل إذا اقتضت الأمور ذلك. كذلك فإن بوش لا يحب التفكير في خطبه بصوت عال، ويفضل أن تكون قصيرة وبسيطة وواضحة. وفي حين يتمتع كلينتون بقدرة عالية على شرح الآراء المؤيدة والمعارضة لسياسة ما علانية قبل إعلان القرار، فإن بوش يفضل سماع وجهات النظر المختلفة في المكتب البيضاوي قبل إظهار موقفه علانية. وعلى عكس كلينتون فإن بوش بمجرد أن يتقدم ببرنامج ما إلى الكونجرس لا يكون مستعداً لتقديم تنازلات.

ويشير فليشر إلى أن بوش على دراية بأن الصورة التي يرسمها لذاته والسياسات التي يطرحها لا تلقى قبولاً كبيراً في المجتمع الدولي. وقد لفت جورج روبرتسون الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) نظره إلى أن بوش "حينما يتحدث الإنجليزية فإن الأوروبيين يسمعونها تكساسية (نسبة إلى ولاية تكساس)"، وهي إشارة إلى أن بوش يجب أن يستخدم لهجة أكثر ديبلوماسية في خطبه العامة، غير أن بوش قال لروبرتسون إن "هذا هو أسلوبي، ولا أستطيع تغييره". وحين وجهت الانتقادات إلى بوش لاختزاله الحرب على الإرهاب في "الخير مقابل الشر"، بما ينطوي عليه ذلك من تبسيط، فإنه فسر موقفه بأن تبسيط الأمور من شأنه أن يبقي "الصورة الكبيرة" واضحة. ويعلق فليشر على ذلك بقوله إن هذا الأسلوب يعطي وضوحاً وأملاً، وخير مثال على ذلك هو دعوة ريجان البسيطة لميخائيل جورباتشوف، عند زيارته لبرلين أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، لـ "هدم ذلك الحائط".

ويرفض فليشر وصف بوش بأنه متعجرف أو أنه ينفرد باتخاذ القرار، وبدلاً من ذلك يرى فليشر أن الرئيس يميل بطبعه إلى احترام آليات صنع القرار، ويفضل حل المشكلات بطريقة ديبلوماسية. ويستشهد المؤلف بحادثة طائرة الاستطلاع الأمريكية التي أجبرت على الهبوط في الصين في مارس/آذار 2001، فقد فضل بوش ألا يصعد الأمور أو يصل بها إلى مرحلة المواجهة. وبعد أسبوعين فقط أعادت بكين الطائرة وطاقمها إلى الولايات المتحدة.

وحول الاتهام الذي وجه إلى بوش بأنه عين شخصيات قوية في إدارته، مثل كولن باول ودونالد رامسفيلد لتعويض قلة معرفته وخبرته بالشؤون الدولية والدفاعية، فإن فليشر يرى أن ذلك، على العكس، يؤكد أن بوش لا يعاني عقد النقص التي يمكن أن تعبر عن نفسها في الخوف من وجود مستشارين أقوياء يمتلكون وجهات نظر مختلفة، ومعرفة متخصصة تفوق معرفته، بل إنه يفضل العمل مع رجال من هذا الطراز.

ويخصص فليشر فصلاً من كتابه لعلاقة البيت الأبيض بوسائل الإعلام، وهو لا يبدو على وفاق كبير مع كثير من وسائل الإعلام الأمريكية، إذ يشير إلى أن هذه الوسائل حرفت تعليقاته أو أخرجتها من سياقها في مناسبات متعددة. ويقول فليشر إن أسلوب الهجوم الذي تتبعه الصحافة ووسائل الإعلام يحتم على المتحدث الرسمي تبني موقف دفاعي، وتجعله حذراً جداً في كل ما يقول، وقد أدى هذا الحرص إلى تقليل قيمة البيانات الصادرة عن البيت الأبيض. وقد كانت هناك شكوى من الصحفيين والإعلاميين، فحواها أنه أصبح من العسير الوصول إلى موظفي البيت الأبيض والاتصال بهم في إدارة بوش، خلافاً لما كان عليه الحال في عهد كلينتون، ويعلق فليشر على هذه الشكوى بأنه لم تكن هناك استراتيجية للتقييد، أو الحد من حرية الاتصال، وأن قلة الاهتمام بالحديث إلى وسائل الإعلام كانت، ببساطة، انعكاساً لرغبات كبار المسؤولين الذين يعملون مع الرئيس بوش.

ويعتقد فليشر أن التحيز الصحفي والإعلامي ضد إدارة بوش كان مشكلة رئيسية للبيت الأبيض، وأن مؤسسة الإعلام الوطنية في الولايات المتحدة يسودها ذوو التوجهات الليبرالية، والمعارضون للحزب الجمهوري. وعلى الرغم من أن الإعلام الأمريكي يتعامل بقسوة مع كلا الحزبين لدى ظهور فضيحة أو مشكلة ما، فإن الديمقراطيين ينالون، عادة، نقداً أقل من ذلك الذي يناله الجمهوريون في القضايا اليومية العادية. ويضرب فليشر مثالاً على نزوع الإعلام إلى التحيز ضد الجمهوريين بتفجير محطة "سي بي إس" لقضية سجل خدمة بوش في الحرس الوطني الخاص، وإلحاحها عليها قبل أن تعترف بأنها لم تناقش الموضوع بصورة صحيحة. وفي المقابل، فإن الصحف والشبكات التلفزيونية لم توجه الاهتمام ذاته إلى السجل الضعيف لجون كيري، المرشح الرئاسي، حين كان عضواً في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ. كذلك انعكس التحيز ضد الجمهوريين في التغطية السلبية للحرب على العراق.

ويرى فليشر أن هذا النزوع الليبرالي المتزايد هو ما يؤدي إلى ظهور قنوات إخبارية محافظة سياسياً مثل "فوكس نيوز"، وأن هناك تنامياً في شعور الشك لدى الجمهور الأمريكي حول الدور الذي تساهم به وسائل الإعلام في الحوار الوطني بالولايات المتحدة، تؤكده كثير من استطلاعات الرأي التي أجرتها جهات مستقلة. ويقول فليشر إن انحسار ثقة الجمهور في وسائل الإعلام الأمريكية يعود إلى ابتعادها عن التركيز على مهمتها التقليدية في جمع المعلومات، وتركيزها بدلا من ذلك على التقاط الأمور الخلافية فيما يتعلق بالبيت الأبيض، وتضخيم مظاهر الصراع السياسي، والاهتمام بالقصص المثيرة.

وفيما يتعلق بأحداث سبتمبر/أيلول 2001 وردود فعل الرئيس تجاهها، يرى فليشر أن بوش أظهر فاعليته من خلال إيضاحه أنه والحكومة يمارسان مهامهما بشكل طبيعي. وكان قرار بوش باعتبار الدولة في حالة حرب مهماً لأسباب عديدة، فمنذ بداية التخطيط لعملية "الحرية الراسخة" (غزو أفغانستان) كانت في ذهن المخططين العسكريين أهداف واضحة، إلى جانب المساندة القوية من جانب الرئيس. وقد أعلن بوش أنه لا يحارب خلية إرهابية واحدة، وإنما يحارب الإرهاب، وكان ذلك عاملاً من عوامل نجاح الهجوم على أفغانستان، إلى جانب حقيقة أن الولايات المتحدة لم تفقد سوى عدد قليل من الضحايا. إضافة إلى ذلك فإن حسم بوش ساهم في تكوين تحالف دولي بسرعة، وتبدو صورة واضحة لذلك في تخلي حكومة باكستان السريع عن "طالبان"، وتقديمها مساعدات قيمة للعمليات العسكرية الأمريكية.

وفي أعقاب أحداث سبتمبر/أيلول حرص بوش على الاهتمام بحقوق العرب الأمريكيين، وطالب بألا يتعرضوا لأي تمييز بجريرة أعمال ارتكبها متطرفون صودف أنهم يقاسمونهم عقيدتهم ذاتها. والتقى بوش القيادات الإسلامية بالمركز الإسلامي بواشنطن ليؤكد موقفه.

وبمجرد أن بدأت عملية "الحرية الراسخة" اتسمت سياسة البيت الأبيض بحذر شديد فيما يتعلق بمستقبل أفغانستان بعد الحرب، وكانت تصريحات فليشر تؤكد أن الهدف العام هو أن تصبح أفغانستان دولة مستقرة خالية من العنف والإرهاب. وفي مواجهة تذكير وسائل الإعلام الأمريكية الجمهور بحرب فيتنام كان بوش يعتقد أن الحرب الدائرة حينها تختلف عن حرب فيتنام، لأن الرأي العام يتوقع خسائر في الأرواح، وبالتالي فإن الأقرب هو مقارنة الحرب على الإرهاب بالحرب العالمية الثانية أكثر من مقارنتها بحرب فيتنام.

ويحرص فليشر في تناوله للحرب على العراق عام 2003، على نفي أي نية مسبقة لبوش في غزو العراق، وهي النية التي أكدتها كثير من الشهادات والدراسات والمذكرات التي أصدرها مقربون من مراكز صناعة القرار الأمريكي. ويقول فليشر إن موقف بوش من العراق في الشهور الأولى لرئاسته كان يقوم على تنفيذ نظام العقوبات، وإنه ليس هناك أي دليل على أن الإدارة الأمريكية كانت تخطط لعمل عسكري ضد صدام حسين. وفي منتصف 2002، قرر بوش تصعيد ضغطه على العراق، بعد أن أصبح أكثر اقتناعاً بأن تبني سياسة قاسية هو الحل الوحيد للتعامل مع المخاطر التي يشكلها النظام العراقي. وعلى الرغم من أن بوش أبدى استعداداً للتصرف بصورة فردية في التعامل مع نظام صدام حسين، خلال احتدام الأزمة معه، فإنه كان حريصاً على العمل مع الأمم المتحدة في الملف العراقي، وكانت رغبته في التعاون معها صادقة ومخلصة، وأن الوسائل الديبلوماسية لم تكن، إطلاقاً، مجرد تمرين ضروري قبل بدء الصراع كما قيل. ويؤكد فليشر أن بوش صرح كثيراً بأن قرارا إلزام القوات المسلحة بالقتال صعب، ولا يمكن الإقدام على اتخاذه بسهولة، ودون تدبر وروية.

ويرى المؤلف أن قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي هدد فيه باستخدام الفيتو في مواجهة أي قرار من مجلس الأمن يخول القيام بعمل عسكري ضد العراق، قاد إلى عكس ما أراد صاحبه، وساعد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على اتخاذ قرار الحرب، حيث أتاح لبوش وتوني بلير الدفع بعدم منطقية السياسة الفرنسية.

ويقول فليشر إن بوش لم يكن يمتلك خطة مفصلة لإعادة إعمار العراق بعد انتهاء الحرب، بيد أنه كان متأكداً من أن عملية تحرير العراق ستقابل باحتفالات شعبية من العراقيين. وقد تحدث الرئيس الأمريكي قبل الحرب عن إمكانية إنشاء نظام كونفدرالي، مما يعني، على الأقل، وعي البيت الأبيض بضرورة التوفيق بين الجماعات العرقية المختلفة داخل العراق.

وأخيراً فإن عملية السلام في الشرق الأوسط كانت المحطة النهائية لفليشر في كتابه. ويرفض فليشر القول بأن بوش حاول "التخلي" عن قضية السلام في الشرق الأوسط خلال الأشهر الأولى لرئاسته. ففي مارس/آذار 2001، وفي أول اجتماع لبوش مع أرييل شارون قال الرئيس الأمريكي إنه مستعد للقاء عرفات إذا استطاع الفلسطينيون وقف العنف ضد الأهداف الإسرائيلية، لكنه تخلى لاحقاً عن تعهده بتنظيم اجتماعات مع الفلسطينيين والإسرائيليين لإيمانه بأن عرفات لم يكن مهتماً بتحقيق السلام.

كان بوش محبطاً من تردد الأوروبيين في ممارسة الضغوط على ياسر عرفات. وفي اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الأول 2001، تجنب بوش عرفات عمداً، حينما حاول الأخير مصافحته. وكان الرئيس الأمريكي مؤمناً بأن فشل عرفات في تحمل مسؤولياته كقائد للفلسطينيين قد دفع مزيداً منهم إلى تأييد "حماس". وقد دفع إنكار عرفات دوره في قضية السفينة "كارين إيه"، التي كانت تحمل أسلحة من إيران إلى المقاومين الفلسطينيين، دفع ذلك بوش إلى عدم الوثوق به. وفي يونيو/حزيران 2002، دعا بوش الفلسطينيين إلى انتخاب قيادة جديدة لهم.

ويرى فليشر أن الأسباب التي أدت ببوش إلى تبني موقف متشد تحاه عملية السلام هي عدم ثقته بعرفات، وتجديد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 أواصر الصلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على الإرهاب، كذلك فقد بدأ بوش يفيق من أوهام سابقة بناها على رأي القادة العرب، مفادها أن عرفات هو الزعيم الوحيد المتاح بين الفلسطينيين في ذلك الوقت. وبدأ بوش يؤمن بأن إنشاء دولة فلسطينية قوية من شأنه ان يسمح بظهور قيادة فلسطينية أكثر اعتدالاً.

وبحلول عام 2003، توسمت واشنطن في محمود عباس أن يكون القائد الجديد الذي يمكنها التعامل معه. وحين التقى شارون عباس في العقبة عام 2003، في اجتماع شارك فيه الأمريكيون، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي عانق نظيره الفلسطيني "وكأنه أخ طال فراقه"، حسب وصف فليشر.

وإجمالاً، يرى المؤلف أن سياسة البيت الأبيض تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط تعد دليلاً آخر على أن بوش قائد قوي، وأنه كان على استعداد لاستخدام القوة والتأثير اللذين يمتلكهما من أجل تحقيق تغيير حقيقي في الشرق الأوسط .

التعليقات