القاعدة... وقصة البحث عن السلاح النووي الجزء الاول:تفاصيل رحلة القنابل النووية من شوارع موسكو إلى كهف بن لادن في الجبال الأفغانية
غزة-دنيا الوطن
لم يعد خطر تنظيم القاعدة مقتصرا على عملية بسيارة مفخخة، أو هجوم بطائرة مخطوفة، أو إلقاء قنبلة بدائية الصنع على مركز شرطة أو قطار أنفاق، ولكنه تعدى ذلك إلى حدود استخدام أسلحة نووية ضد دول كبرى تأتي الولايات المتحدة في مقدمتها.
وعلى الرغم من عدم توافر دليل يقيني على امتلاك القاعدة لمثل هذا السلاح، إلا أن أجهزة الاستخبارات الغربية بادرت إلى إصدار عدة تحذيرات حول احتمال وقوع هجوم من هذا النوع على مدن ومصالح أمريكية وأوروبية معتمدة في ذلك على معلومات متعددة المصادر عن محاولات قديمة قام بها زعيم هذا التنظيم أسامة بن لادن للحصول على معدات ومواد تؤهل أنصاره لدخول هذا المجال.
وقد أطلق الخبراء على هذا الهجوم وصف "الكارثة" معتبرين أن اعتداءات سبتمبر 2001 ثم مدريد 2004 ولندن عام 2005، أحداث بسيطة بالمقارنة بما يمكن أن يخلفه عمل نووي يقدم عليه أنصار بن لادن، وفي هذا السياق قدم الكاتب بول وليامز في كتاب صدر حديثا بعنوان "ارتباط القاعدة: الإرهاب الدولي، الجريمة المنظمة، الكارثة المقدمة" عرضا شاملا لمحاولات القاعدة لإنتاج سلاح نووي، مستكملا بذلك ما قدمه سابقا تحت عنوان "انتقام أسامة: 11/9 القادمة"، أما تفاصيل هذه المحاولات فتعرضها "الوطن"، كما قدمها وليامز مع التحفظ المبدئي على مساعيه للمرادفة بين الدين الإسلامي والأعمال الإرهابية التي يقوم بها تنظيم القاعدة.
ويحاول وليامز في كتابه هذا أن يستكشف أبعاد التهديد الذي تتعرض إليه أمريكا من المنظمات الإرهابية، ويحاول أن يقدم دلائل على أن تنظيم القاعدة قد بنى علاقات وارتباطات مع عصابات الجريمة المنظمة التي يدعي أنها تمول المنظمات الإرهابية بأموال المخدرات التي تبيعها في أوروبا والولايات المتحدة، ويدعي الكاتب أن القاعدة استطاعت بالفعل الحصول على أسلحة نووية من خلال ارتباطاتها مع المتمردين الشيشان الذين كانوا قد حصلوا عليها خلال الحرب الباردة عن طريق الرشوة والسرقة، كما يتحدث الكاتب عن وجود علاقة مريبة بين تنظيم القاعدة وعصابات ناشطة في السلفادور تسمي نفسها "مارا سالفاتروشا" ويعتقد ويليامز أن هذه العصابات قامت بتهريب أسلحة دمار شامل وعملاء تابعين للقاعدة عبر الحدود المكسيكية إلى داخل الولايات المتحدة مقابل مبالغ مالية ضخمة، ويقول ويليامز إن القاعدة تمكنت من خلال علاقتها بالجريمة المنظمة من إنشاء فرع قوي للقاعدة في أمريكا اللاتينية، ومن تنظيم خلايا إرهابية في مدن الولايات المتحدة الرئيسية، ويعبر ويليامز عن اعتقاده من أن أسامة بن لادن قد وصل إلى مرحلة من القوة يستطيع من خلالها أن يحقق حلمه بضرب أمريكا بسلاح نووي. ومع أن سلطات الأمن الأمريكية تعمل ليل نهار لمنع وقوع مثل هذا الهجوم، إلا أن العديد من الخبراء العسكريين والأمنيين الأمريكيين يعترفون باحتمال وقوع هجوم نووي داخل الولايات المتحدة، ربما في المستقبل القريب.
لكن كتاب "ارتباط القاعدة" ليس من النوع البريء، فالكاتب يحرص من الصفحات الأولى على تقديم أدلة ليس فقط على مدى العداء الذي يكنه قادة القاعدة لأمريكا، ولكن على أن الإسلام نفسه يقدم ذرائع لمثل أولئك الإرهابيين لتنفيذ أعمالهم الإجرامية، فالكاتب يحرص على نشر مقابلة أجراها أسامة بن لادن مع صحيفة باكستانية بعد هجمات سبتمبر في التمهيد للكتاب، وبعدها مباشرة ينشر في مقدمة الكتاب مقالا نشر على الإنترنت في تلك الفترة ونسب إلى سليمان أبو غيث، المتحدث باسم تنظيم القاعدة في حينه.
ويقسم الكاتب "ارتباط القاعدة" إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، يبدأ كلا منها بآيات من القرآن الكريم تتحدث عن الجهاد، وذلك ليقنع القارئ بأن المشكلة تكمن في الإسلام نفسه وليس في تنظيم القاعدة أو غيره من التنظيمات الإرهابية المتشددة. كما يقسم كل جزء من هذه الأجزاء إلى فصول بحسب الموضوعات التي تتناولها.
يطلق الكاتب اسم "المافيا الإسلامية" على الجزء الأول من الكتاب، ويقدم له بآيات من سورة القارعة، وفي الفصل الأول من هذا الجزء، والذي يقدم له بأقوال لأسامة بن لادن وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي جميعها تتحدث عن الجهاد والمفهوم الثوري للإسلام، يتحدث ويليامز عن خلفية بن لادن وطفولته ونشأته، ثم ينتقل إلى الفترة التي توجه فيها إلى أفغانستان عام 1979م للمشاركة في القتال ضد القوات السوفييتية التي احتلت ذلك البلد، وكان يومها لا يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر، وفي أفغانستان يتعاون بن لادن مع عبدالله عزام في فتح "مكتب الخدمات" الذي كان مركز تجنيد للمجاهدين في بيشاور.
يقول ويليامز إن الولايات المتحدة كانت تقدم دعما كبيرا للمجاهدين ضد السوفييت وصل إلى 700 مليون دولار عام 1988، حتى إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت تشحن البغال من ولاية تينيسي إلى أفغانستان لحمل أسلحة المقاتلين في التلال. وفي عام 1980 وصل أيمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد الإسلامي في مصر إلى أفغانستان والتقى مع بن لادن وعزام وبدأ التعاون والتنسيق بين الثلاثة.
بعد وفاة عزام عام 1989 في حادثة اغتيال لم يكشف سرها حتى الآن التقى بن لادن مع زعماء تنظيم الجهاد الإسلامي واتفقوا على تأسيس تنظيم القاعدة الذي كان يهدف إلى متابعة الجهاد في جميع أنحاء العالم في سبيل تأسيس إمبراطورية خلافة إسلامية توحد جميع مسلمي العالم تحت راية واحدة. وكان ذلك الحلم يعتمد على تنظيم القاعدة لتحقيقه من خلال الجهاد ضد الدول "الكافرة" من جهة، وضد بعض الحكام العرب والمسلمين الذين كان يعتبرهم قادة القاعدة "عملاء" للغرب من الجهة الثانية، وكانت الولايات المتحدة طبعا هي الهدف الأول لهذا التنظيم، ومنذ البداية لاحظ بن لادن والظواهري أهمية الحصول على أسلحة دمار شامل لضرب أمريكا إذا كان للانتصار عليها أي حظ من النجاح.
وكان أول مركز لقيادة القاعدة في ضواحي بيشاور في باكستان. وحسب المعلومات الاستخباراتية الأخيرة، فقد تم نقل القيادة حاليا إلى وادي دير على الحدود الشمالية الغربية في باكستان. ويقول أحد مخبري الاستخبارات الأمريكية إن بن لادن كان يعتمد على خدمات مفسر للأحلام اسمه أبو معز المصري الذي كان يحضر جميع جلسات مجلس الشورى ويلتقي بن لادن بشكل يومي.
يقول ويليامز إن بن لادن عاد إلى السعودية بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، وحاول أن ينشر فكره هناك، مما أدى إلى طرده من المملكة، فذهب إلى السودان حيث حاول إعادة بناء تنظيمه. وفي نهاية عام 1991، كان حوالي 1000ـ2000 من أعضاء القاعدة قد دخلوا واستقروا في السودان، حيث أقيم عدد من معسكرات التدريب كان أكبرها قرب سوبا، على بعد سبعة أميال من الخرطوم على النيل الأزرق.
لكن وجود بن لادن في السودان كلفه كثيراً من الناحية المادية، وكاد يصل إلى الإفلاس بسبب استثماراته الكثيرة في عدد كبير من المشروعات وفي إنشاء المعسكرات التدريبية. وبحلول عام 1995، اضطر بن لادن إلى تقليص رواتب جميع أعضاء التنظيم إلى حد كبير، ووصل به الأمر أنه لم يتمكن من تجديد رخصة الطيران لقائد طائرته بسبب شح الموارد المادية.
كما أن موارد بن لادن المالية تضررت كثيراً بسبب الملايين التي صرفها في سعيه للحصول على أسلحة دمار شامل. ويشير ويليامز إلى محاكمة ناشط القاعدة بأمريكا جمال الفضل عام 2001، والتي اعترف فيها أن زعيم القاعدة اختاره للتفاوض مع عميلين في السوق السوداء في الخرطوم، يعتقد أن أحدهما ضابط ووزير سابق في الحكومة السودانية اسمه صالح عبدالمبروك، أما الآخر فهو تاجر اسمه بشير. وقد جرى الاجتماع الأول في عمارة في شارع الجمهورية، حيث طلب العميلان من الفضل مبلغ 1.5 مليون دولار عن كل كيلوجرام يورانيوم بالإضافة إلى عمولتهما، واشترطا أن يتم الدفع خارج السودان. ووافق قادة القاعدة على السعر شرط أن يكون اليورانيوم من النوع الذي يمكن استخدامه في صنع الأسلحة. وجرى الاجتماع الثاني بين الفضل والعميلين في قرية بيت المال شمال الخرطوم، حيث اطلع الفضل على أسطوانة صغيرة طولها حوالي 3 أقدام وعليها مواصفات تبين أنها من منشأ جنوب إفريقي. وبعد إجراء الترتيبات لاختبار اليورانيوم استغنت القاعدة عن خدمات الفضل ودفعوا له 10.000 دولار كأتعاب، مما أغضب الفضل. وقد أجري الاختبار فيما بعد في شمال قبرص، لكن الفضل قال إنه لا يعرف شيئاً عن نتائجه ولا عن تطورات الاتفاق والمفاوضات.
وفي ملف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الخاص بأسامة بن لادن (واسمه "أليك")، هناك تأكيد بأن اليورانيوم موضوع الصفقة كان قد سرق من منشأة فاليندابا النووية قرب بريتوربا في جنوب إفريقيا. ويحوي الملف تحويلاً بنكياً بقيمة 1.5 مليون دولار سحبها بن لادن من بنك بودابست لدفع قيمة كيلو اليورانيوم الذي كان العقبة الأولى. لكن الملف لا يقدم دليلاً على أن البيع قد تم بالفعل.
ويتحدث ويليامز عن محاولات أخرى قام بها تنظيم القاعدة لشراء أسلحة نووية من روسيا، وكان المسؤول عن تلك العمليات مهندس كهرباء عراقياً اسمه ممدوح سالم، ألقي القبض عليه فيما بعد في ألمانيا عام 1998 وهو يحاول شراء عدة كيلو جرامات من اليورانيوم لصالح بن لادن، وتم تسليمه للولايات المتحدة.
ويقول ويليامز إنه لا أحد يعرف تماماً كمية المواد النووية التي تمكنت القاعدة من الحصول عليها من خلال محاولاتها المستمرة، لكن تلك الجهود يبدو أنها أثمرت لأن وكالة الاستخبارات المركزية كشفت فيما بعد أن بن لادن أنشأ مختبراً في الخرطوم عام 1993 وكان يشرف عليه عالم فيزياء من دولة شرق أوسطية للعمل على تصنيع سلاح نووي.
بعد المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 مارست الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على السودان، وقامت السودان في البداية بعرض تسليمه إلى الولايات المتحدة، لكن أمريكا رفضت ذلك العرض لأنها لم تكن تملك أدلة كافية لإدانته في ذلك الوقت في محكمة أمريكية الأمر الذي جعله يخرج باتجاه باكستان.
الفصل الثاني من الكتاب يتحدث عن عودة بن لادن إلى أفغانستان وكيف عامله نظام طالبان كضيف عزيز. ويقول ويليامز إن قادة حركة طالبان رأوا في بن لادن ورجاله هدية من السماء. فقد كانوا في حاجة ماسة إلى مقاتلين متمرسين في حربهم ضد تحالف الشمال، كما أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى أموال بن لادن لدفع رواتب الجنود وشراء الذخيرة وإصلاح البنية التحتية في أفغانستان.
وفي 23 أغسطس 1996 أعلن بن لادن الجهاد على أمريكا بسبب تواجد قواتها على أراضي السعودية. وأعلنت عدة جماعات متطرفة تأييدها لابن لادن من جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما بدأ بن لادن يتلقى معونات مالية من جهات وجمعيات تحت مسميات مختلفة. وقدم بن لادن مساعدات ضخمة لحركة طالبان على شكل ذخيرة وأسلحة وسيارات وطعام ومشاف ميدانية.
في الفصل الثالث يتحدث ويليامز عن تجارة المخدرات في أفغانستان إلى الغرب. ويؤكد ويليامز أن المليارات التي جمعها بن لادن لتدمير الولايات المتحدة جاء معظمها من تجارة المخدرات والتحالف الذي عقده مع حركة طالبان وعصابات بوباس التركية والمافيا الألبانية، وتأكيداً لذلك يشير إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالي اعترف عام 2004 أن المافيا الألبانية أصبحت تشكل مصدر الخطر الأكبر في مجال الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، حتى إنها تفوقت أو كادت على المافيا الإيطالية التقليدية. كان بعض المهاجرين المسلمين من ألمانيا قد تمكنوا من السيطرة على جزء لا بأس به من تجارة المخدرات في أمريكا في التسعينيات من القرن الماضي.
وكان أعضاء المافيا الألبانية يمارسون أعمالهم بلا رحمة ولا شفقة لدرجة أرعبت حتى عائلات المافيا الإيطالية والعصابات الأخرى، كما تمكنت المافيا الألبانية من التغلب على جميع منظمات الجريمة المنظمة في أوروبا أيضاً، وأصبحت تسيطر على تهريب المخدرات والتزوير وسرقة الجوازات وتجارة الأعضاء الإنسانية والرقيق الأبيض والخطف والقتل. والغريب أن بعض تجار المخدرات الألبان كانوا مسلمين ملتزمين حسب ادعائهم، وكانوا يعتبرون عملهم نوعاً من الجهاد ضد الغرب. يقول ويليامز إن الشرطة الإيطالية بدأت تراقب المكالمات الهاتفية لأبرز تجار المخدرات في ميلانو عاجم جاشي. وخلال إحدى المحادثات التلفونية، قال عاجم لمزوديه الأتراك إن عليهم أن يستمروا في إرسال شحنات الهيروين إليه حتى خلال شهر رمضان، وبرر ذلك بأنه يخدم الهدف النهائي "في إغراق الكفار النصارى في المخدرات". ويقول عاجم في مكالمة تلفونية أخرى عن تجارته التي بلغ حجمها مليار دولار: "لقد اكتشفنا أن المخدرات ليست فقط مصدر ثروة ولكنها أيضاً أداة لإضعاف النصرانية".
بدأ تحرك "المجاهدين" إلى منطقة البلقان عام 1992 بعد أن وصل الحزب الإسلامي في البوسنة إلى السلطة، وفي عام 1995، وصل عدد المتطوعين المسلمين في الجيش البوسني إلى حوالي 6000 شخص. وكان بن لادن قد حصل على جواز سفر بوسني عام 1994 وزار مركزا للقاعدة في زينيتشا في ألبانيا كان الظواهري قد نظمه، وكان عبارة عن مزرعة معزولة تم تحويلها إلى "مركز أبحاث" للأسلحة المتطورة. كما أشرف بن لادن على إنشاء مركز تدريب وقيادة للقاعدة في تروبجي في ألبانيا، وعلى تشكيل خلايا في كرواتيا وماسيدونيا وصوفيا، حيث التقى مع قيادة عصابات البوباس التركية. وبمباركة من البوباس، أنشأ بن لادن مختبراً في هيلان كوكو داخل الجزء التركي من قبرص خصصه لاختبار المواد النووية، بما في ذلك اليورانيوم المخصب الذي أمنه له جمال الفضل. وفي عام 1996 قام بن لادن بزيارة أخرى إلى ألبانيا حيث التقى مع قادة خلاياه في البلقان لدراسة إمكانية السيطرة على تجارة المخدرات العالمية عوضاً عن المافيا الصقلية التي كانت قد أصبحت شريكة لعصابات البوباس في تجارة الهيروين.
وخلال زيارته للمنطقة عام 1996، نجح بن لادن في عقد علاقة عمل بين المافيا الألبانية والبوباس التركية وحركة طالبان. وحتى لا يعتمد في تجارة المخدرات على طريق واحدة تمر من إيران وكوسوفا، اتفق بن لادن مع بعض قادة الشيشان مثل شامل باساييف وشقيقه شيرفاني لإعادة فتح ما يعرف بطريق المخدرات الإنجازي. وكان هذا الطريق يقود من أفغانستان عبر خوروج في طاجكستان وأوش في كيرقيزستان وصولاً إلى فيدنسكي رايون في الشيشان. من هناك، يتم نقل المخدرات إلى ميناء سوخومي حيث يتم تحميلها على سفن تركية وتشحن تحت رقابة البوباس إلى ميناء فاما جوستا في شمال قبرص. هناك يتم تقسيمها إلى شحنات صغيرة من قبل المافيا الألبانية لتوزيعها في كافة أنحاء العالم.
وما إن عاد بن لادن من رحلته تلك إلى أفغانستان، حتى بدأ الهيروين يتدفق إلى صوفيا وفاما جوستا بمعدل 6 آلاف طن شهرياً، وازدهر العمل وانخفضت الأسعار. ونشأ عن ذلك كابوس تمثل في زيادة عدد مدمني المخدرات، وأظهرت دراسة لمركز ناشيونال هاوسهولد سورفي أن هناك 149.000 مدمن جديد على الهيروين عام 1998م في الولايات المتحدة وكانوا يحتاجون إلى علاج لإدمانهم. وكان 80% من المدمنين تحت سن 26 سنة. كما ازدهرت تجارة الهيروين في أوروبا إلى حد كبير، وبين عامي 1996ـ2001 استهلك الأوروبيون الهيروين بمعدل يفوق 15 طناً كل سنة، وهو ضعف الكمية المباعة لأمريكا، وكان 90% من هذه الكمية يأتي من أفغانستان. ومع أن زعيم طالبان الملا عمر أعلن عن منع زراعة خشخاش الأفيون عام 2000، إلا أن ذلك لم يتم تطبيقه على الأرض، واتضح أن تلك الخطوة كان الهدف منها خداع الرأي العام العالمي والحصول على اعتراف الأمم المتحدة بالإمارة الإسلامية في أفغانستان. وقد أظهرت أقمار التجسس الصناعية التابعة لحلف شمال الأطلسي أن مناطق زراعية أكبر في أفغانستان كانت مخصصة لزراعة خشخاش الأفيون عام 2000 أكثر من أي عام آخر.
نجح تنظيم القاعدة في الوصول إلى شيء كبير على طريق امتلاك الأسلحة النووية، غير أن هذا الشيء بقي غير محدد بدقة من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية التي توقفت معلوماتها عند حدود تتبع رحلة هذا التنظيم في البحث عن مواد نووية، دون أن تعرف بالضبط كيف استفاد منها.
لم تكن هذه الأجهزة بحاجة إلى جهد كبير للتوصل إلى أن بن لادن، قد سعى في اتجاهات عدة للحصول على اليورانيوم، وأنه بات عارفا بطرق الوصول إليه، إلا أن المساحة التالية لذلك بقيت غامضة، باستثناء معلومات عامة يقول بعضها إن بن لادن وصل إلى حلمه وصار قادرا على ضرب أمريكا نووياً.
وعلى ما أظهرت المعلومات التي نشرها الكاتب بول وليامز في كتاب صدر حديثا بعنوان "ارتباط القاعدة: الإرهاب الدولي، الجريمة المنظمة، الكارثة المقدمة" فقد سعت القاعدة إلى عقد مجموعة من الصفقات النووية خلال وجودها في السودان ثم عبر بعض العناصر في جنوب إفريقيا والشيشان، وذلك قبل أن تقيم مركزا متخصصا في هذا المجال بمنطقة البلقان.
في الحلقة الثانية من عرضها لهذا الكتاب المهم تواصل "الوطن" تتبع رحلة القاعدة بحثا عن السلاح النووي، والأسباب التي ساعدتها في الوصول لهدفها، ثم الدواعي التي تجعلها تؤجل هجومها ذلك، وفي ذلك يقول وليامز إن الملايين التي جمعتها القاعدة من تجارة المخدرات استخدمتها في 3 حروب: الأولى، كانت حرب طالبان ضد تحالف الشمال، وقد كلفت هذه الحرب أكثر مما كان يتوقع لها لأن أحمد مسعود كان مخططاً استراتيجياً بارعاً. كانت قوات طالبان تتوجه إلى سهول شامالي كل عام لتحارب قوات أحمد مسعود لكنها لم تتمكن مطلقاً من تحقيق انتصار حاسم. وفي النهاية، أرسل أسامة بن لادن 3 من أتباعه إلى قيادة تحالف الشمال، وتمكن هؤلاء من دخول القيادة بعد أن ادعوا أنهم صحفيين وقاموا بتفجير قنبلة أدت إلى مقتل مسعود مع 4 من حراسه في 9 سبتمبر 2001.
الحرب الثانية، كانت الصراع في كوسوفو. ففي عام 1997 زار بن لادن ألبانيا للمرة الثالثة للمساعدة في تأسيس جيش تحرير كوسوفو وقد وضع بن لادن حوالي 500 - 700 مليون دولار لتأسيس هذا الجيش، كما قدم 500 مقاتل من العرب المتمرسين في القتال لتدريب مجندي هذا الجيش في مركز قيادة القاعدة في البلقان الذي كان موجوداً في تروبجي في ألبانيا، وفي معسكر تدريب آخر في مقدونيا.
في هذه المرحلة كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وإدارة الرئيس كلنتون تعتبران جيش تحرير كوسوفو "مقاتلين من أجل الحرية"، وقدموا المساعدة على شكل التدريب العسكري واستشارات ميدانية. وهكذا كانت الولايات المتحدة، في تحالف غير مباشر مع مجموعة كانت تحوي أعداء عقدوا العزم على تدميرها بحلول عام 1998.
ومع عودة الألبان إلى ديارهم في كوسوفو عام 1999، بعد أن أجبر الرئيس الصربي سلوبودان ميلسوفيتش بعد قصف أمريكي لبلاده على الامتثال للتسوية الأمريكية دخل معهم أنصار بن لادن الذين كانت لهم قاعدة كبيرة من خلال جيش تحرير كوسوفو وهكذا حقق بن لادن انتصاراً حاسماً، حيث انتشرت أفكاره في كل بلدة وقرية، كما فتحت الحرب أبواب أوروبا الخلفية لمرور المخدرات وأسلحة الدمار الشامل.
أما الحرب الثالثة، فكانت "الجهاد" ضد الولايات الأمريكية. ففي فبراير 1998 أصدر بن لادن فتواه الثانية التي طلبت من أتباعه ومؤيديه قتل الأمريكيين وحلفائهم في كل مكان من العالم. وفي 7 أغسطس التالي قدم بن لادن دليلاً قوياً على جديته عندما أمر بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، مما أدى إلى مقتل 234 شخصاً، 12 منهم فقط أمريكيون، فيما فشلت خطة نسف السفارة الأمريكية في كامبالا (أوغندا) بفضل وشاية من عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وردت القوات الأمريكية بعد حوالي أسبوعين بقصف معسكرات القاعدة في أفغانستان وقصف مصنع أدوية الشفاء قرب الخرطوم في السودان.
ورد بن لادن في 10 أكتوبر 2000 بضرب الباخرة "كول" في ميناء عدن في اليمن وقتل في العملية 17 أمريكياً. واعتبر بن لادن عدم رد أمريكا على هذه العملية بشكل جدي علامة ضعف ربما شجعته على اتخاذ الخطوة التالية الأكثر خطورة وقوة: هجمات 11 سبتمبر 2001.
كانت هجمات سبتمبر غاية في الدقة والتخطيط، وتسببت بضربة موجعة للولايات المتحدة. وفي 20 سبتمبر 2001، ألقى الرئيس جورج بوش كلمة أعلن فيها شن حرب شاملة على الإرهاب، واعتبر أي دولة تؤوي أو تدعم الإرهاب دولة عدوة للولايات المتحدة، وطالب دول العالم أن تأخذ موقعاً من اثنين: إما مع الولايات المتحدة، أو مع "الإرهابيين".
وثائق في أفغانستان
بدأ غزو أفغانستان في 7 أكتوبر 2001 وأصابت أول موجة من الصواريخ الأمريكية منزل زعيم طالبان الملا عمر وقتل ابنه البالغ من العمر 10 سنوات. وبحلول 9 نوفمبر، استطاعت القوات الأمريكية وحلفاؤها السيطرة على مدينة مزار الشريف ووضعت حداً لحكم طالبان، وفي 12 نوفمبر دخلت تلك القوات إلى كابول.
لم يكن الغزو بالصعوبة التي توقعها الأمريكيون، لكن اكتشاف وثائق في كابول تحوي تعليمات عن كيفية صنع أسلحة كيماوية من مواد منزلية بسيطة أثار قلق أمريكا. كما اكتشفت أيضاً وثائق عن كيفية صنع قنابل نووية قذرة من مادة "تي إن تي" والبلوتونيوم. وكانت الوثائق مخبأة في منزل كانت قيادة القاعدة تستخدمه، وكانت باللغات العربية والأوردو والألمانية والإنجليزية. كما اكتشفت القوات الأمريكية في أحد مراكز القاعدة في قندهار شيئا آخر أعطى انطباعاً عن نوايا بن لادن المستقبلية، وهو وجود يورانيوم -38 داخل إسطوانة مطلية بالرصاص ومع أن ذلك اليورانيوم ليس من النوع الذي يصلح لصنع سلاح نووي، إلا أنه يمكن خلطه مع متفجرات تقليدية لإنتاج "قنبلة نووية قذرة". وقد أدى استعداد مقاتلي القاعدة لترك مثل هذا الكنز الثمين أثناء انسحابهم إلى زيادة التوقعات بأنهم أخذوا معهم ما هو أهم من ذلك بكثير. وقد تعزز هذا الاعتقاد من خلال تقرير سري للاستخبارات البريطانية يفيد بأن اثنين من عملائها اخترقوا عام 2001 معسكرا للتدريب تابعاً للقاعدة في أفغانستان. وبعد أسابيع من التدريب المكثف بايع العميلان أمير الجماعة وتم إرسالهما إلى هيرات غرب أفغانستان للتدرب على عمليات خاصة. وهناك زاروا مختبرا للقاعدة كان بعض العلماء والفنيين فيه يضعون اللمسات الأخيرة على سلاح نووي متطور قاموا بصناعته من نظائر مشعة. وفي 2 مارس 2002, قبضت قوات الأمن الباكستانية على خالد شيخ محمد, أحد قيادي تنظيم القاعدة, واعترف بأن بن لادن كان يحضر لـ "عاصفة جحيم نووية" في الولايات المتحدة الأمريكية شبيهة بقنبلة هيروشيما عام 1945. وقال شيخ محمد إن تسلسل القيادة في "هيروشيما الأمريكية" كان ينتهي في القمة بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعالم غامض اسمه "الدكتور إكس".
القنابل الطليقة
في الجزء الثاني من الكتاب يطلق ويليامز اسم "جواهر التاج" على الأسلحة النووية التي يملكها بن لادن، وهو يكرس الفصل الخامس الذي يبدأ به هذا الجزء للحديث عن "القنابل النووية الطليقة".
يقول ويليامز إن "بداية النهاية" حصلت في 27 سبتمبر 1991, عندما أعلن جورج بوش الأب أن الولايات المتحدة ستسحب بشكل أحادي كل الأسلحة النووية من قواتها حول العالم شريطة أن يفعل رئيس الاتحاد السوفيتي حينها ميخائيل جور باتشوف الشيء نفسه. وبعث ذلك الإعلان السرور في قلوب الناس في البلدين. لكن سحب روسيا لأسلحتها النووية التي بلغ عددها 22000 سلاح نووي. أدى لإغلاق مصانع ومنشآت شيوعية وارتفاع نسبة البطالة إلى 30% وارتفاع التضخم ليصل 2000%, وبالتالي مما ارتفاع نسب الجريمة والفساد.
باختصار تحولت القوة العظمى الثانية في العالم إلى دولة من دول العالم الثالث. وبالطبع. كان الجيش أهم ضحايا ذلك التحول, وتم تسريح عدد كبير من الضباط والجنود. كما أن بعض الجنود لجؤوا إلى التسول لسد رمقهم, وكان أكثر من 10 جنود روس يموتون يوميا نتيجة لأسباب لا علاقة لها بالحرب, ومن ضمنها الانتحار وسوء التغذية. ولم يكن الجنود ولا حتى كبار الضباط يستلمون مرتباتهم بشكل منتظم, وبدأ الضباط يبيعون كل شيء في متناول أيديهم.
وضمن هذا الوضع والفوضى, من غير المعقول افتراض أن عملية نقل 22000 سلاح نووي من مواقع استراتيجية إلى مخازن منتشرة في جميع أنحاء روسيا، قد حدثت دون ضياع أي منها. لقد كان إغراء تحقيق أرباح سريعة أقوى من أن يقاومه أي شخص يمر بالظروف الصعبة جدا التي كان يمر بها الجيش الروسي في ذلك الوقت. فقد وصل سعر كيلو كرومنيوم - 50 إلى 25000 دولار وسيسيوم - 137 إلى مليون دولار ولثيوم إلى 10 ملايين دولار. وكان الزبائن في ذلك الوقت يتضمنون كوريا الشمالية وليبيا والقاعدة.
وخلال السنوات الثلاث الأولى لانهيار الاتحاد السوفيتي ازدهرت سوق الأسلحة النووية. ومع أن الشرطة في روسيا وليتوانيا وألمانيا وتشيكيا استطاعت منع عدد لا بأس به في محاولات تهريب الأسلحة النووية, إلا أنه من السذاجة الافتراض أن الشرطة تمكنت من إفشال جميع محاولات التهريب. ففي عام 1992 كانت هناك تقارير تقول مثلا إن إيران استطاعت شراء 3 رؤوس نووية من كازاخستان مقابل 150 مليون دولار. وقد وصل الأمر إلى درجة من الفوضى جعلت المدعي العام الروسي يقول حينها إن "البطاطا كانت محاطة بحراسة أفضل" من المواد النووية في مورمانسك, وروسيا.
في هذه الظروف أصبحت المافيا الشيشانية أقوى منظمة في روسيا في تهريب المواد النووية إلى دول وجماعات أخرى. في 1993, استطاع أعضاء هذه المافيا الحصول على كمية غير محددة من اليورانيوم المخصب من كازاخستان. وتم نقل أكثر من 6 كجم من جروزني, إلى إسطنبول. وقد استطاع الإنتربول بعد 6أشهر القبض على 4 رجال أعمال أتراك و4 عملاء للاستخبارات الإيرانية وتمت مصادرة 2.5 كجم من ذلك اليورانيوم, أما الكمية الباقية فلم يتم العثور عليها.
وفي 23 نوفمبر 1995, أثبت شامل باسايف, أحد قادة الثوار الشيشان, قدرة الثوار النووية عندما اتصل مع فريق عمل تلفزيوني وأرشدهم إلى قنبلة مشعة زرعت في حديقة قرب موسكو. وبعد ذلك بفترة قصيرة, أخبر دودايف, زعيم المقاتلين الشيشان, وزارة الخارجية الأمريكية أنه يمتلك أسلحة نووية تكتيكية, وقال إنه مستعد لبيعها لأي دولة أو منظمة إرهابية,, إذا لم تعترف الولايات المتحدة باستقلال الشيشان.
وفي يناير 1996, استلم مركز دراسات عدم انتشار الأسلحة النووية في معهد مونتيري للدراسات الدولية معلومات من أحد كبار مستشاري الرئيس الروسي وقتها بوريس يلتسين بأن عددا غير محدود من القنابل النووية الصغيرة كان قد تم صنعها للاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) ولم تظهر أبدا على قائمة الأسلحة النووية السوفيتية. وفي شهر مايو 1997, خلال اجتماع مغلق مع وفد الكونجرس الأمريكي, قال سكرتير مجلس الأمن الروسي السابق ألكساندر ليبيد إن أكثر من 84 سلاحاً نووياً صغيراً اختفى من الترسانة الروسية, وقد تكون هذه الأسلحة في يد مجموعة من الإسلاميين المتطرفين. وقال ليبيد إن هذه القنابل الصغيرة كانت قد طورت بحيث يمكن حمل إحداها في حقيبة صغيرة.
وبعد رفض إدارة كلينتون الاجتماع مع دودايف أو تنفيذ مطالبه كانت هناك تقارير بأن المسلحين الشيشان باعوا 20 حقيبة نووية لأسامة بن لادن مقابل 30 مليون دولار، و2000 كجم من هيرويين رقم 4 النقي يقدر ثمنها بحوالي 700 مليون دولار، وقد أكدت مصادر استخباراتية وصحفية كثيرة حدوث هذه الصفقة. وفي عام 1998 قال رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في أمريكا هشام قباني أمام لجنة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية إن أسامة بن لادن اشترى بالفعل القنابل النووية الصغيرة من الشيشان وأن العديد من هذه القنابل قد وصل بالفعل إلى الولايات المتحدة، وأن أكثر من 5000 من عناصر القاعدة تلقوا تدريبات لتنفيذ "هيروشيما الأمريكية" وأعاد الشيخ قباني هذه التأكيدات للصحفيين بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وفي 11 أكتوبر 2001 التقى جورج تنيت رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الوقت، مع الرئيس بوش ونقل له أنباء عن وصول حقيبتين نوويتين على الأقل إلى أيادي ناشطين للقاعدة داخل الولايات المتحدة. وكانت قدرة كل حقيبة التفجيرية تصل إلى اثنين كيلو طن، وكان الرقم التسلسلي لإحدى هاتين الحقيبتين 9999 وتاريخ صنعها في روسيا 1988 كما أن بن لادن نفسه لم ينكر احتمال حصوله على أسلحة نووية خلال عدة مقابلات أجراها على مدى عدة سنوات مع صحفيين أجانب.
لقد استطاع بن لادن أن يضيف أسلحة نووية أكثر إلى ترسانته فيما بعد. ففي عام 1998 اشترى 20 رأساً نووياً في كازاخستان وتركمانستان وروسيا وأوكرانيا. وفي مختبرات القاعدة أزال العلماء اليورانيوم والبلوتونيوم حتى يمكن إعادة تصنيعها ووضعها في قنابل نووية صغيرة لتسهيل نقلها.
الهجوم القادم
يبدأ ويليامز الفصل السادس من كتابه بطرح تساؤل كبير: إذا حصل بالفعل بيع الحقائب النووية عام 1996 فلماذا لم تحدث هيروشيما الأمريكية بعد؟ هذا التأخير دفع بالبعض للاعتقاد بأن القنابل النووية التي في حوزة القاعدة لم تعد قابلة للانفجار. الجنرال إيجور فولينكين، رئيس الوكالة المسؤولة عن تخزين وأمن الأسلحة النووية في الجيش الروسي، قال إن القاعدة لا تملك الخبرة اللازمة لصيانة الحقائب النووية، لأن هذه الأسلحة يجب تفكيكها كل 3 أشهر حتى يمكن إعادة شحن المواد النووية فيها، لكن علماء الفيزياء الأمريكيين في مركز منع انتشار الأسلحة النووية لا يوافقون على هذا الرأي، ويقولون إن الحقائب النووية على الأغلب تحوي اليورانيوم والبلوتونيوم وأضيف إليها مادة الترينيوم التي تعوض عن الكمية المطلوبة من المتفجرات التقليدية. ولا يحتاج البلوتونيوم ولا اليورانيوم صيانة كثيرة وحتى التريتيوم لا يحتاج إلى الصيانة المتكررة.
لكن الاعتقاد بأن بن لادن اشترى هذه الأسلحة مقابل ملايين الدولارات ليخزنها في كهفه دون الاهتمام بالصيانة يستند إلى الفكرة الخاطئة بأنه محارب بدوي متخلف لا يملك أي معرفة عن الأسلحة المتطورة, ويؤكد ويليامز أن بن لادن "مهندس ذو تدريب عال وهو أحد أفضل الموهوبين في التكتيك العسكري... في العصر الحديث".
لقد كان بن لادن, في رأي ويليامز, حريصا على تأمين الصيانة المناسبة. فما أن حصل على الأسلحة حتى دفع مبالغ تقدر بـ 60 - 100 مليون دولار للحصول على مساعدة علماء نوويين من روسيا والصين وباكستان. وبين 1996 - 2001 كان بن لادن يدفع مقابل خدمات عدد من الفنيين الذين كانوا يعملون في القوات الخاصة الروسية سابقا. هؤلاء الفنيون كانوا قد تلقوا تدريبات على فتح وتشغيل الأسلحة لمنع أي استخدام غير مسموح به.
ويقول ويليامز إن هناك اعتقاداً بأن التأخير في استخدام هذه الأسلحة يرجع إلى شخصية بن لادن المعروف بالصبر. فقد بدأ يخطط لتفجيرات السفارات الأمريكية في إفريقيا منذ أن كان في السودان عام 1993, وقد ظل يعد للهجوم على السفينة كول سنتين, فضلا عن انه ترك فاصلا زمنيا يصب ل 8 سنوات بين محاولة تفجير مركز التجارة العالمي الأول وهجمات 11 سبتمبر.
الهجوم القادم, كما يقول بعض الخبراء, سيكون متزامنا في وقت واحد في عدة مواقع من الولايات المتحدة, على رأسها. نيويورك وبوسطن وفيلا دلفيا وميامي وشيكاغو وواشنطن وهيوستن ولاس فيجاس ولوس أنجلوس وفالديزني في ألاسكا. ولتنسيق مثل هذا الهجوم, يتطلب الأمر ليس فقط شحن القنابل النووية., ولكن أيضا تشكيل خلايا وتدريب علماء واختبار مواقع وتجهيز الأسلحة دون أن يكتشفها رجال الأمن الأمريكيين. إن بن لادن لا بد وأنه حريص على ألا يضيع "مجوهرات التاج" التي كلفته مئات الملايين في هجوم ليس مخططا بشكل جيد.
ويعتقد ويليامز أن السبب الآخر لتأخير هجوم القاعدة النووي على أمريكا قد يكون محاولات القاعدة الحصول على الأسلحة النووية التكتيكية التي كان السوفييت قد أدخلوها سرا إلى الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة ودفنوها في أماكن نائية في مناطق مختلفة في البلد ليتمكن العملاء السوفييت من الوصول إليها واستخدامها في حال حدوث حرب نووية بين القوتين العظميين. الكثير من هذه الأسلحة كانت حقائب نووية.
لم يعد خطر تنظيم القاعدة مقتصرا على عملية بسيارة مفخخة، أو هجوم بطائرة مخطوفة، أو إلقاء قنبلة بدائية الصنع على مركز شرطة أو قطار أنفاق، ولكنه تعدى ذلك إلى حدود استخدام أسلحة نووية ضد دول كبرى تأتي الولايات المتحدة في مقدمتها.
وعلى الرغم من عدم توافر دليل يقيني على امتلاك القاعدة لمثل هذا السلاح، إلا أن أجهزة الاستخبارات الغربية بادرت إلى إصدار عدة تحذيرات حول احتمال وقوع هجوم من هذا النوع على مدن ومصالح أمريكية وأوروبية معتمدة في ذلك على معلومات متعددة المصادر عن محاولات قديمة قام بها زعيم هذا التنظيم أسامة بن لادن للحصول على معدات ومواد تؤهل أنصاره لدخول هذا المجال.
وقد أطلق الخبراء على هذا الهجوم وصف "الكارثة" معتبرين أن اعتداءات سبتمبر 2001 ثم مدريد 2004 ولندن عام 2005، أحداث بسيطة بالمقارنة بما يمكن أن يخلفه عمل نووي يقدم عليه أنصار بن لادن، وفي هذا السياق قدم الكاتب بول وليامز في كتاب صدر حديثا بعنوان "ارتباط القاعدة: الإرهاب الدولي، الجريمة المنظمة، الكارثة المقدمة" عرضا شاملا لمحاولات القاعدة لإنتاج سلاح نووي، مستكملا بذلك ما قدمه سابقا تحت عنوان "انتقام أسامة: 11/9 القادمة"، أما تفاصيل هذه المحاولات فتعرضها "الوطن"، كما قدمها وليامز مع التحفظ المبدئي على مساعيه للمرادفة بين الدين الإسلامي والأعمال الإرهابية التي يقوم بها تنظيم القاعدة.
ويحاول وليامز في كتابه هذا أن يستكشف أبعاد التهديد الذي تتعرض إليه أمريكا من المنظمات الإرهابية، ويحاول أن يقدم دلائل على أن تنظيم القاعدة قد بنى علاقات وارتباطات مع عصابات الجريمة المنظمة التي يدعي أنها تمول المنظمات الإرهابية بأموال المخدرات التي تبيعها في أوروبا والولايات المتحدة، ويدعي الكاتب أن القاعدة استطاعت بالفعل الحصول على أسلحة نووية من خلال ارتباطاتها مع المتمردين الشيشان الذين كانوا قد حصلوا عليها خلال الحرب الباردة عن طريق الرشوة والسرقة، كما يتحدث الكاتب عن وجود علاقة مريبة بين تنظيم القاعدة وعصابات ناشطة في السلفادور تسمي نفسها "مارا سالفاتروشا" ويعتقد ويليامز أن هذه العصابات قامت بتهريب أسلحة دمار شامل وعملاء تابعين للقاعدة عبر الحدود المكسيكية إلى داخل الولايات المتحدة مقابل مبالغ مالية ضخمة، ويقول ويليامز إن القاعدة تمكنت من خلال علاقتها بالجريمة المنظمة من إنشاء فرع قوي للقاعدة في أمريكا اللاتينية، ومن تنظيم خلايا إرهابية في مدن الولايات المتحدة الرئيسية، ويعبر ويليامز عن اعتقاده من أن أسامة بن لادن قد وصل إلى مرحلة من القوة يستطيع من خلالها أن يحقق حلمه بضرب أمريكا بسلاح نووي. ومع أن سلطات الأمن الأمريكية تعمل ليل نهار لمنع وقوع مثل هذا الهجوم، إلا أن العديد من الخبراء العسكريين والأمنيين الأمريكيين يعترفون باحتمال وقوع هجوم نووي داخل الولايات المتحدة، ربما في المستقبل القريب.
لكن كتاب "ارتباط القاعدة" ليس من النوع البريء، فالكاتب يحرص من الصفحات الأولى على تقديم أدلة ليس فقط على مدى العداء الذي يكنه قادة القاعدة لأمريكا، ولكن على أن الإسلام نفسه يقدم ذرائع لمثل أولئك الإرهابيين لتنفيذ أعمالهم الإجرامية، فالكاتب يحرص على نشر مقابلة أجراها أسامة بن لادن مع صحيفة باكستانية بعد هجمات سبتمبر في التمهيد للكتاب، وبعدها مباشرة ينشر في مقدمة الكتاب مقالا نشر على الإنترنت في تلك الفترة ونسب إلى سليمان أبو غيث، المتحدث باسم تنظيم القاعدة في حينه.
ويقسم الكاتب "ارتباط القاعدة" إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، يبدأ كلا منها بآيات من القرآن الكريم تتحدث عن الجهاد، وذلك ليقنع القارئ بأن المشكلة تكمن في الإسلام نفسه وليس في تنظيم القاعدة أو غيره من التنظيمات الإرهابية المتشددة. كما يقسم كل جزء من هذه الأجزاء إلى فصول بحسب الموضوعات التي تتناولها.
يطلق الكاتب اسم "المافيا الإسلامية" على الجزء الأول من الكتاب، ويقدم له بآيات من سورة القارعة، وفي الفصل الأول من هذا الجزء، والذي يقدم له بأقوال لأسامة بن لادن وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي جميعها تتحدث عن الجهاد والمفهوم الثوري للإسلام، يتحدث ويليامز عن خلفية بن لادن وطفولته ونشأته، ثم ينتقل إلى الفترة التي توجه فيها إلى أفغانستان عام 1979م للمشاركة في القتال ضد القوات السوفييتية التي احتلت ذلك البلد، وكان يومها لا يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر، وفي أفغانستان يتعاون بن لادن مع عبدالله عزام في فتح "مكتب الخدمات" الذي كان مركز تجنيد للمجاهدين في بيشاور.
يقول ويليامز إن الولايات المتحدة كانت تقدم دعما كبيرا للمجاهدين ضد السوفييت وصل إلى 700 مليون دولار عام 1988، حتى إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت تشحن البغال من ولاية تينيسي إلى أفغانستان لحمل أسلحة المقاتلين في التلال. وفي عام 1980 وصل أيمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد الإسلامي في مصر إلى أفغانستان والتقى مع بن لادن وعزام وبدأ التعاون والتنسيق بين الثلاثة.
بعد وفاة عزام عام 1989 في حادثة اغتيال لم يكشف سرها حتى الآن التقى بن لادن مع زعماء تنظيم الجهاد الإسلامي واتفقوا على تأسيس تنظيم القاعدة الذي كان يهدف إلى متابعة الجهاد في جميع أنحاء العالم في سبيل تأسيس إمبراطورية خلافة إسلامية توحد جميع مسلمي العالم تحت راية واحدة. وكان ذلك الحلم يعتمد على تنظيم القاعدة لتحقيقه من خلال الجهاد ضد الدول "الكافرة" من جهة، وضد بعض الحكام العرب والمسلمين الذين كان يعتبرهم قادة القاعدة "عملاء" للغرب من الجهة الثانية، وكانت الولايات المتحدة طبعا هي الهدف الأول لهذا التنظيم، ومنذ البداية لاحظ بن لادن والظواهري أهمية الحصول على أسلحة دمار شامل لضرب أمريكا إذا كان للانتصار عليها أي حظ من النجاح.
وكان أول مركز لقيادة القاعدة في ضواحي بيشاور في باكستان. وحسب المعلومات الاستخباراتية الأخيرة، فقد تم نقل القيادة حاليا إلى وادي دير على الحدود الشمالية الغربية في باكستان. ويقول أحد مخبري الاستخبارات الأمريكية إن بن لادن كان يعتمد على خدمات مفسر للأحلام اسمه أبو معز المصري الذي كان يحضر جميع جلسات مجلس الشورى ويلتقي بن لادن بشكل يومي.
يقول ويليامز إن بن لادن عاد إلى السعودية بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، وحاول أن ينشر فكره هناك، مما أدى إلى طرده من المملكة، فذهب إلى السودان حيث حاول إعادة بناء تنظيمه. وفي نهاية عام 1991، كان حوالي 1000ـ2000 من أعضاء القاعدة قد دخلوا واستقروا في السودان، حيث أقيم عدد من معسكرات التدريب كان أكبرها قرب سوبا، على بعد سبعة أميال من الخرطوم على النيل الأزرق.
لكن وجود بن لادن في السودان كلفه كثيراً من الناحية المادية، وكاد يصل إلى الإفلاس بسبب استثماراته الكثيرة في عدد كبير من المشروعات وفي إنشاء المعسكرات التدريبية. وبحلول عام 1995، اضطر بن لادن إلى تقليص رواتب جميع أعضاء التنظيم إلى حد كبير، ووصل به الأمر أنه لم يتمكن من تجديد رخصة الطيران لقائد طائرته بسبب شح الموارد المادية.
كما أن موارد بن لادن المالية تضررت كثيراً بسبب الملايين التي صرفها في سعيه للحصول على أسلحة دمار شامل. ويشير ويليامز إلى محاكمة ناشط القاعدة بأمريكا جمال الفضل عام 2001، والتي اعترف فيها أن زعيم القاعدة اختاره للتفاوض مع عميلين في السوق السوداء في الخرطوم، يعتقد أن أحدهما ضابط ووزير سابق في الحكومة السودانية اسمه صالح عبدالمبروك، أما الآخر فهو تاجر اسمه بشير. وقد جرى الاجتماع الأول في عمارة في شارع الجمهورية، حيث طلب العميلان من الفضل مبلغ 1.5 مليون دولار عن كل كيلوجرام يورانيوم بالإضافة إلى عمولتهما، واشترطا أن يتم الدفع خارج السودان. ووافق قادة القاعدة على السعر شرط أن يكون اليورانيوم من النوع الذي يمكن استخدامه في صنع الأسلحة. وجرى الاجتماع الثاني بين الفضل والعميلين في قرية بيت المال شمال الخرطوم، حيث اطلع الفضل على أسطوانة صغيرة طولها حوالي 3 أقدام وعليها مواصفات تبين أنها من منشأ جنوب إفريقي. وبعد إجراء الترتيبات لاختبار اليورانيوم استغنت القاعدة عن خدمات الفضل ودفعوا له 10.000 دولار كأتعاب، مما أغضب الفضل. وقد أجري الاختبار فيما بعد في شمال قبرص، لكن الفضل قال إنه لا يعرف شيئاً عن نتائجه ولا عن تطورات الاتفاق والمفاوضات.
وفي ملف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الخاص بأسامة بن لادن (واسمه "أليك")، هناك تأكيد بأن اليورانيوم موضوع الصفقة كان قد سرق من منشأة فاليندابا النووية قرب بريتوربا في جنوب إفريقيا. ويحوي الملف تحويلاً بنكياً بقيمة 1.5 مليون دولار سحبها بن لادن من بنك بودابست لدفع قيمة كيلو اليورانيوم الذي كان العقبة الأولى. لكن الملف لا يقدم دليلاً على أن البيع قد تم بالفعل.
ويتحدث ويليامز عن محاولات أخرى قام بها تنظيم القاعدة لشراء أسلحة نووية من روسيا، وكان المسؤول عن تلك العمليات مهندس كهرباء عراقياً اسمه ممدوح سالم، ألقي القبض عليه فيما بعد في ألمانيا عام 1998 وهو يحاول شراء عدة كيلو جرامات من اليورانيوم لصالح بن لادن، وتم تسليمه للولايات المتحدة.
ويقول ويليامز إنه لا أحد يعرف تماماً كمية المواد النووية التي تمكنت القاعدة من الحصول عليها من خلال محاولاتها المستمرة، لكن تلك الجهود يبدو أنها أثمرت لأن وكالة الاستخبارات المركزية كشفت فيما بعد أن بن لادن أنشأ مختبراً في الخرطوم عام 1993 وكان يشرف عليه عالم فيزياء من دولة شرق أوسطية للعمل على تصنيع سلاح نووي.
بعد المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 مارست الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على السودان، وقامت السودان في البداية بعرض تسليمه إلى الولايات المتحدة، لكن أمريكا رفضت ذلك العرض لأنها لم تكن تملك أدلة كافية لإدانته في ذلك الوقت في محكمة أمريكية الأمر الذي جعله يخرج باتجاه باكستان.
الفصل الثاني من الكتاب يتحدث عن عودة بن لادن إلى أفغانستان وكيف عامله نظام طالبان كضيف عزيز. ويقول ويليامز إن قادة حركة طالبان رأوا في بن لادن ورجاله هدية من السماء. فقد كانوا في حاجة ماسة إلى مقاتلين متمرسين في حربهم ضد تحالف الشمال، كما أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى أموال بن لادن لدفع رواتب الجنود وشراء الذخيرة وإصلاح البنية التحتية في أفغانستان.
وفي 23 أغسطس 1996 أعلن بن لادن الجهاد على أمريكا بسبب تواجد قواتها على أراضي السعودية. وأعلنت عدة جماعات متطرفة تأييدها لابن لادن من جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما بدأ بن لادن يتلقى معونات مالية من جهات وجمعيات تحت مسميات مختلفة. وقدم بن لادن مساعدات ضخمة لحركة طالبان على شكل ذخيرة وأسلحة وسيارات وطعام ومشاف ميدانية.
في الفصل الثالث يتحدث ويليامز عن تجارة المخدرات في أفغانستان إلى الغرب. ويؤكد ويليامز أن المليارات التي جمعها بن لادن لتدمير الولايات المتحدة جاء معظمها من تجارة المخدرات والتحالف الذي عقده مع حركة طالبان وعصابات بوباس التركية والمافيا الألبانية، وتأكيداً لذلك يشير إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالي اعترف عام 2004 أن المافيا الألبانية أصبحت تشكل مصدر الخطر الأكبر في مجال الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، حتى إنها تفوقت أو كادت على المافيا الإيطالية التقليدية. كان بعض المهاجرين المسلمين من ألمانيا قد تمكنوا من السيطرة على جزء لا بأس به من تجارة المخدرات في أمريكا في التسعينيات من القرن الماضي.
وكان أعضاء المافيا الألبانية يمارسون أعمالهم بلا رحمة ولا شفقة لدرجة أرعبت حتى عائلات المافيا الإيطالية والعصابات الأخرى، كما تمكنت المافيا الألبانية من التغلب على جميع منظمات الجريمة المنظمة في أوروبا أيضاً، وأصبحت تسيطر على تهريب المخدرات والتزوير وسرقة الجوازات وتجارة الأعضاء الإنسانية والرقيق الأبيض والخطف والقتل. والغريب أن بعض تجار المخدرات الألبان كانوا مسلمين ملتزمين حسب ادعائهم، وكانوا يعتبرون عملهم نوعاً من الجهاد ضد الغرب. يقول ويليامز إن الشرطة الإيطالية بدأت تراقب المكالمات الهاتفية لأبرز تجار المخدرات في ميلانو عاجم جاشي. وخلال إحدى المحادثات التلفونية، قال عاجم لمزوديه الأتراك إن عليهم أن يستمروا في إرسال شحنات الهيروين إليه حتى خلال شهر رمضان، وبرر ذلك بأنه يخدم الهدف النهائي "في إغراق الكفار النصارى في المخدرات". ويقول عاجم في مكالمة تلفونية أخرى عن تجارته التي بلغ حجمها مليار دولار: "لقد اكتشفنا أن المخدرات ليست فقط مصدر ثروة ولكنها أيضاً أداة لإضعاف النصرانية".
بدأ تحرك "المجاهدين" إلى منطقة البلقان عام 1992 بعد أن وصل الحزب الإسلامي في البوسنة إلى السلطة، وفي عام 1995، وصل عدد المتطوعين المسلمين في الجيش البوسني إلى حوالي 6000 شخص. وكان بن لادن قد حصل على جواز سفر بوسني عام 1994 وزار مركزا للقاعدة في زينيتشا في ألبانيا كان الظواهري قد نظمه، وكان عبارة عن مزرعة معزولة تم تحويلها إلى "مركز أبحاث" للأسلحة المتطورة. كما أشرف بن لادن على إنشاء مركز تدريب وقيادة للقاعدة في تروبجي في ألبانيا، وعلى تشكيل خلايا في كرواتيا وماسيدونيا وصوفيا، حيث التقى مع قيادة عصابات البوباس التركية. وبمباركة من البوباس، أنشأ بن لادن مختبراً في هيلان كوكو داخل الجزء التركي من قبرص خصصه لاختبار المواد النووية، بما في ذلك اليورانيوم المخصب الذي أمنه له جمال الفضل. وفي عام 1996 قام بن لادن بزيارة أخرى إلى ألبانيا حيث التقى مع قادة خلاياه في البلقان لدراسة إمكانية السيطرة على تجارة المخدرات العالمية عوضاً عن المافيا الصقلية التي كانت قد أصبحت شريكة لعصابات البوباس في تجارة الهيروين.
وخلال زيارته للمنطقة عام 1996، نجح بن لادن في عقد علاقة عمل بين المافيا الألبانية والبوباس التركية وحركة طالبان. وحتى لا يعتمد في تجارة المخدرات على طريق واحدة تمر من إيران وكوسوفا، اتفق بن لادن مع بعض قادة الشيشان مثل شامل باساييف وشقيقه شيرفاني لإعادة فتح ما يعرف بطريق المخدرات الإنجازي. وكان هذا الطريق يقود من أفغانستان عبر خوروج في طاجكستان وأوش في كيرقيزستان وصولاً إلى فيدنسكي رايون في الشيشان. من هناك، يتم نقل المخدرات إلى ميناء سوخومي حيث يتم تحميلها على سفن تركية وتشحن تحت رقابة البوباس إلى ميناء فاما جوستا في شمال قبرص. هناك يتم تقسيمها إلى شحنات صغيرة من قبل المافيا الألبانية لتوزيعها في كافة أنحاء العالم.
وما إن عاد بن لادن من رحلته تلك إلى أفغانستان، حتى بدأ الهيروين يتدفق إلى صوفيا وفاما جوستا بمعدل 6 آلاف طن شهرياً، وازدهر العمل وانخفضت الأسعار. ونشأ عن ذلك كابوس تمثل في زيادة عدد مدمني المخدرات، وأظهرت دراسة لمركز ناشيونال هاوسهولد سورفي أن هناك 149.000 مدمن جديد على الهيروين عام 1998م في الولايات المتحدة وكانوا يحتاجون إلى علاج لإدمانهم. وكان 80% من المدمنين تحت سن 26 سنة. كما ازدهرت تجارة الهيروين في أوروبا إلى حد كبير، وبين عامي 1996ـ2001 استهلك الأوروبيون الهيروين بمعدل يفوق 15 طناً كل سنة، وهو ضعف الكمية المباعة لأمريكا، وكان 90% من هذه الكمية يأتي من أفغانستان. ومع أن زعيم طالبان الملا عمر أعلن عن منع زراعة خشخاش الأفيون عام 2000، إلا أن ذلك لم يتم تطبيقه على الأرض، واتضح أن تلك الخطوة كان الهدف منها خداع الرأي العام العالمي والحصول على اعتراف الأمم المتحدة بالإمارة الإسلامية في أفغانستان. وقد أظهرت أقمار التجسس الصناعية التابعة لحلف شمال الأطلسي أن مناطق زراعية أكبر في أفغانستان كانت مخصصة لزراعة خشخاش الأفيون عام 2000 أكثر من أي عام آخر.
نجح تنظيم القاعدة في الوصول إلى شيء كبير على طريق امتلاك الأسلحة النووية، غير أن هذا الشيء بقي غير محدد بدقة من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية التي توقفت معلوماتها عند حدود تتبع رحلة هذا التنظيم في البحث عن مواد نووية، دون أن تعرف بالضبط كيف استفاد منها.
لم تكن هذه الأجهزة بحاجة إلى جهد كبير للتوصل إلى أن بن لادن، قد سعى في اتجاهات عدة للحصول على اليورانيوم، وأنه بات عارفا بطرق الوصول إليه، إلا أن المساحة التالية لذلك بقيت غامضة، باستثناء معلومات عامة يقول بعضها إن بن لادن وصل إلى حلمه وصار قادرا على ضرب أمريكا نووياً.
وعلى ما أظهرت المعلومات التي نشرها الكاتب بول وليامز في كتاب صدر حديثا بعنوان "ارتباط القاعدة: الإرهاب الدولي، الجريمة المنظمة، الكارثة المقدمة" فقد سعت القاعدة إلى عقد مجموعة من الصفقات النووية خلال وجودها في السودان ثم عبر بعض العناصر في جنوب إفريقيا والشيشان، وذلك قبل أن تقيم مركزا متخصصا في هذا المجال بمنطقة البلقان.
في الحلقة الثانية من عرضها لهذا الكتاب المهم تواصل "الوطن" تتبع رحلة القاعدة بحثا عن السلاح النووي، والأسباب التي ساعدتها في الوصول لهدفها، ثم الدواعي التي تجعلها تؤجل هجومها ذلك، وفي ذلك يقول وليامز إن الملايين التي جمعتها القاعدة من تجارة المخدرات استخدمتها في 3 حروب: الأولى، كانت حرب طالبان ضد تحالف الشمال، وقد كلفت هذه الحرب أكثر مما كان يتوقع لها لأن أحمد مسعود كان مخططاً استراتيجياً بارعاً. كانت قوات طالبان تتوجه إلى سهول شامالي كل عام لتحارب قوات أحمد مسعود لكنها لم تتمكن مطلقاً من تحقيق انتصار حاسم. وفي النهاية، أرسل أسامة بن لادن 3 من أتباعه إلى قيادة تحالف الشمال، وتمكن هؤلاء من دخول القيادة بعد أن ادعوا أنهم صحفيين وقاموا بتفجير قنبلة أدت إلى مقتل مسعود مع 4 من حراسه في 9 سبتمبر 2001.
الحرب الثانية، كانت الصراع في كوسوفو. ففي عام 1997 زار بن لادن ألبانيا للمرة الثالثة للمساعدة في تأسيس جيش تحرير كوسوفو وقد وضع بن لادن حوالي 500 - 700 مليون دولار لتأسيس هذا الجيش، كما قدم 500 مقاتل من العرب المتمرسين في القتال لتدريب مجندي هذا الجيش في مركز قيادة القاعدة في البلقان الذي كان موجوداً في تروبجي في ألبانيا، وفي معسكر تدريب آخر في مقدونيا.
في هذه المرحلة كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وإدارة الرئيس كلنتون تعتبران جيش تحرير كوسوفو "مقاتلين من أجل الحرية"، وقدموا المساعدة على شكل التدريب العسكري واستشارات ميدانية. وهكذا كانت الولايات المتحدة، في تحالف غير مباشر مع مجموعة كانت تحوي أعداء عقدوا العزم على تدميرها بحلول عام 1998.
ومع عودة الألبان إلى ديارهم في كوسوفو عام 1999، بعد أن أجبر الرئيس الصربي سلوبودان ميلسوفيتش بعد قصف أمريكي لبلاده على الامتثال للتسوية الأمريكية دخل معهم أنصار بن لادن الذين كانت لهم قاعدة كبيرة من خلال جيش تحرير كوسوفو وهكذا حقق بن لادن انتصاراً حاسماً، حيث انتشرت أفكاره في كل بلدة وقرية، كما فتحت الحرب أبواب أوروبا الخلفية لمرور المخدرات وأسلحة الدمار الشامل.
أما الحرب الثالثة، فكانت "الجهاد" ضد الولايات الأمريكية. ففي فبراير 1998 أصدر بن لادن فتواه الثانية التي طلبت من أتباعه ومؤيديه قتل الأمريكيين وحلفائهم في كل مكان من العالم. وفي 7 أغسطس التالي قدم بن لادن دليلاً قوياً على جديته عندما أمر بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، مما أدى إلى مقتل 234 شخصاً، 12 منهم فقط أمريكيون، فيما فشلت خطة نسف السفارة الأمريكية في كامبالا (أوغندا) بفضل وشاية من عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وردت القوات الأمريكية بعد حوالي أسبوعين بقصف معسكرات القاعدة في أفغانستان وقصف مصنع أدوية الشفاء قرب الخرطوم في السودان.
ورد بن لادن في 10 أكتوبر 2000 بضرب الباخرة "كول" في ميناء عدن في اليمن وقتل في العملية 17 أمريكياً. واعتبر بن لادن عدم رد أمريكا على هذه العملية بشكل جدي علامة ضعف ربما شجعته على اتخاذ الخطوة التالية الأكثر خطورة وقوة: هجمات 11 سبتمبر 2001.
كانت هجمات سبتمبر غاية في الدقة والتخطيط، وتسببت بضربة موجعة للولايات المتحدة. وفي 20 سبتمبر 2001، ألقى الرئيس جورج بوش كلمة أعلن فيها شن حرب شاملة على الإرهاب، واعتبر أي دولة تؤوي أو تدعم الإرهاب دولة عدوة للولايات المتحدة، وطالب دول العالم أن تأخذ موقعاً من اثنين: إما مع الولايات المتحدة، أو مع "الإرهابيين".
وثائق في أفغانستان
بدأ غزو أفغانستان في 7 أكتوبر 2001 وأصابت أول موجة من الصواريخ الأمريكية منزل زعيم طالبان الملا عمر وقتل ابنه البالغ من العمر 10 سنوات. وبحلول 9 نوفمبر، استطاعت القوات الأمريكية وحلفاؤها السيطرة على مدينة مزار الشريف ووضعت حداً لحكم طالبان، وفي 12 نوفمبر دخلت تلك القوات إلى كابول.
لم يكن الغزو بالصعوبة التي توقعها الأمريكيون، لكن اكتشاف وثائق في كابول تحوي تعليمات عن كيفية صنع أسلحة كيماوية من مواد منزلية بسيطة أثار قلق أمريكا. كما اكتشفت أيضاً وثائق عن كيفية صنع قنابل نووية قذرة من مادة "تي إن تي" والبلوتونيوم. وكانت الوثائق مخبأة في منزل كانت قيادة القاعدة تستخدمه، وكانت باللغات العربية والأوردو والألمانية والإنجليزية. كما اكتشفت القوات الأمريكية في أحد مراكز القاعدة في قندهار شيئا آخر أعطى انطباعاً عن نوايا بن لادن المستقبلية، وهو وجود يورانيوم -38 داخل إسطوانة مطلية بالرصاص ومع أن ذلك اليورانيوم ليس من النوع الذي يصلح لصنع سلاح نووي، إلا أنه يمكن خلطه مع متفجرات تقليدية لإنتاج "قنبلة نووية قذرة". وقد أدى استعداد مقاتلي القاعدة لترك مثل هذا الكنز الثمين أثناء انسحابهم إلى زيادة التوقعات بأنهم أخذوا معهم ما هو أهم من ذلك بكثير. وقد تعزز هذا الاعتقاد من خلال تقرير سري للاستخبارات البريطانية يفيد بأن اثنين من عملائها اخترقوا عام 2001 معسكرا للتدريب تابعاً للقاعدة في أفغانستان. وبعد أسابيع من التدريب المكثف بايع العميلان أمير الجماعة وتم إرسالهما إلى هيرات غرب أفغانستان للتدرب على عمليات خاصة. وهناك زاروا مختبرا للقاعدة كان بعض العلماء والفنيين فيه يضعون اللمسات الأخيرة على سلاح نووي متطور قاموا بصناعته من نظائر مشعة. وفي 2 مارس 2002, قبضت قوات الأمن الباكستانية على خالد شيخ محمد, أحد قيادي تنظيم القاعدة, واعترف بأن بن لادن كان يحضر لـ "عاصفة جحيم نووية" في الولايات المتحدة الأمريكية شبيهة بقنبلة هيروشيما عام 1945. وقال شيخ محمد إن تسلسل القيادة في "هيروشيما الأمريكية" كان ينتهي في القمة بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعالم غامض اسمه "الدكتور إكس".
القنابل الطليقة
في الجزء الثاني من الكتاب يطلق ويليامز اسم "جواهر التاج" على الأسلحة النووية التي يملكها بن لادن، وهو يكرس الفصل الخامس الذي يبدأ به هذا الجزء للحديث عن "القنابل النووية الطليقة".
يقول ويليامز إن "بداية النهاية" حصلت في 27 سبتمبر 1991, عندما أعلن جورج بوش الأب أن الولايات المتحدة ستسحب بشكل أحادي كل الأسلحة النووية من قواتها حول العالم شريطة أن يفعل رئيس الاتحاد السوفيتي حينها ميخائيل جور باتشوف الشيء نفسه. وبعث ذلك الإعلان السرور في قلوب الناس في البلدين. لكن سحب روسيا لأسلحتها النووية التي بلغ عددها 22000 سلاح نووي. أدى لإغلاق مصانع ومنشآت شيوعية وارتفاع نسبة البطالة إلى 30% وارتفاع التضخم ليصل 2000%, وبالتالي مما ارتفاع نسب الجريمة والفساد.
باختصار تحولت القوة العظمى الثانية في العالم إلى دولة من دول العالم الثالث. وبالطبع. كان الجيش أهم ضحايا ذلك التحول, وتم تسريح عدد كبير من الضباط والجنود. كما أن بعض الجنود لجؤوا إلى التسول لسد رمقهم, وكان أكثر من 10 جنود روس يموتون يوميا نتيجة لأسباب لا علاقة لها بالحرب, ومن ضمنها الانتحار وسوء التغذية. ولم يكن الجنود ولا حتى كبار الضباط يستلمون مرتباتهم بشكل منتظم, وبدأ الضباط يبيعون كل شيء في متناول أيديهم.
وضمن هذا الوضع والفوضى, من غير المعقول افتراض أن عملية نقل 22000 سلاح نووي من مواقع استراتيجية إلى مخازن منتشرة في جميع أنحاء روسيا، قد حدثت دون ضياع أي منها. لقد كان إغراء تحقيق أرباح سريعة أقوى من أن يقاومه أي شخص يمر بالظروف الصعبة جدا التي كان يمر بها الجيش الروسي في ذلك الوقت. فقد وصل سعر كيلو كرومنيوم - 50 إلى 25000 دولار وسيسيوم - 137 إلى مليون دولار ولثيوم إلى 10 ملايين دولار. وكان الزبائن في ذلك الوقت يتضمنون كوريا الشمالية وليبيا والقاعدة.
وخلال السنوات الثلاث الأولى لانهيار الاتحاد السوفيتي ازدهرت سوق الأسلحة النووية. ومع أن الشرطة في روسيا وليتوانيا وألمانيا وتشيكيا استطاعت منع عدد لا بأس به في محاولات تهريب الأسلحة النووية, إلا أنه من السذاجة الافتراض أن الشرطة تمكنت من إفشال جميع محاولات التهريب. ففي عام 1992 كانت هناك تقارير تقول مثلا إن إيران استطاعت شراء 3 رؤوس نووية من كازاخستان مقابل 150 مليون دولار. وقد وصل الأمر إلى درجة من الفوضى جعلت المدعي العام الروسي يقول حينها إن "البطاطا كانت محاطة بحراسة أفضل" من المواد النووية في مورمانسك, وروسيا.
في هذه الظروف أصبحت المافيا الشيشانية أقوى منظمة في روسيا في تهريب المواد النووية إلى دول وجماعات أخرى. في 1993, استطاع أعضاء هذه المافيا الحصول على كمية غير محددة من اليورانيوم المخصب من كازاخستان. وتم نقل أكثر من 6 كجم من جروزني, إلى إسطنبول. وقد استطاع الإنتربول بعد 6أشهر القبض على 4 رجال أعمال أتراك و4 عملاء للاستخبارات الإيرانية وتمت مصادرة 2.5 كجم من ذلك اليورانيوم, أما الكمية الباقية فلم يتم العثور عليها.
وفي 23 نوفمبر 1995, أثبت شامل باسايف, أحد قادة الثوار الشيشان, قدرة الثوار النووية عندما اتصل مع فريق عمل تلفزيوني وأرشدهم إلى قنبلة مشعة زرعت في حديقة قرب موسكو. وبعد ذلك بفترة قصيرة, أخبر دودايف, زعيم المقاتلين الشيشان, وزارة الخارجية الأمريكية أنه يمتلك أسلحة نووية تكتيكية, وقال إنه مستعد لبيعها لأي دولة أو منظمة إرهابية,, إذا لم تعترف الولايات المتحدة باستقلال الشيشان.
وفي يناير 1996, استلم مركز دراسات عدم انتشار الأسلحة النووية في معهد مونتيري للدراسات الدولية معلومات من أحد كبار مستشاري الرئيس الروسي وقتها بوريس يلتسين بأن عددا غير محدود من القنابل النووية الصغيرة كان قد تم صنعها للاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) ولم تظهر أبدا على قائمة الأسلحة النووية السوفيتية. وفي شهر مايو 1997, خلال اجتماع مغلق مع وفد الكونجرس الأمريكي, قال سكرتير مجلس الأمن الروسي السابق ألكساندر ليبيد إن أكثر من 84 سلاحاً نووياً صغيراً اختفى من الترسانة الروسية, وقد تكون هذه الأسلحة في يد مجموعة من الإسلاميين المتطرفين. وقال ليبيد إن هذه القنابل الصغيرة كانت قد طورت بحيث يمكن حمل إحداها في حقيبة صغيرة.
وبعد رفض إدارة كلينتون الاجتماع مع دودايف أو تنفيذ مطالبه كانت هناك تقارير بأن المسلحين الشيشان باعوا 20 حقيبة نووية لأسامة بن لادن مقابل 30 مليون دولار، و2000 كجم من هيرويين رقم 4 النقي يقدر ثمنها بحوالي 700 مليون دولار، وقد أكدت مصادر استخباراتية وصحفية كثيرة حدوث هذه الصفقة. وفي عام 1998 قال رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في أمريكا هشام قباني أمام لجنة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية إن أسامة بن لادن اشترى بالفعل القنابل النووية الصغيرة من الشيشان وأن العديد من هذه القنابل قد وصل بالفعل إلى الولايات المتحدة، وأن أكثر من 5000 من عناصر القاعدة تلقوا تدريبات لتنفيذ "هيروشيما الأمريكية" وأعاد الشيخ قباني هذه التأكيدات للصحفيين بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وفي 11 أكتوبر 2001 التقى جورج تنيت رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الوقت، مع الرئيس بوش ونقل له أنباء عن وصول حقيبتين نوويتين على الأقل إلى أيادي ناشطين للقاعدة داخل الولايات المتحدة. وكانت قدرة كل حقيبة التفجيرية تصل إلى اثنين كيلو طن، وكان الرقم التسلسلي لإحدى هاتين الحقيبتين 9999 وتاريخ صنعها في روسيا 1988 كما أن بن لادن نفسه لم ينكر احتمال حصوله على أسلحة نووية خلال عدة مقابلات أجراها على مدى عدة سنوات مع صحفيين أجانب.
لقد استطاع بن لادن أن يضيف أسلحة نووية أكثر إلى ترسانته فيما بعد. ففي عام 1998 اشترى 20 رأساً نووياً في كازاخستان وتركمانستان وروسيا وأوكرانيا. وفي مختبرات القاعدة أزال العلماء اليورانيوم والبلوتونيوم حتى يمكن إعادة تصنيعها ووضعها في قنابل نووية صغيرة لتسهيل نقلها.
الهجوم القادم
يبدأ ويليامز الفصل السادس من كتابه بطرح تساؤل كبير: إذا حصل بالفعل بيع الحقائب النووية عام 1996 فلماذا لم تحدث هيروشيما الأمريكية بعد؟ هذا التأخير دفع بالبعض للاعتقاد بأن القنابل النووية التي في حوزة القاعدة لم تعد قابلة للانفجار. الجنرال إيجور فولينكين، رئيس الوكالة المسؤولة عن تخزين وأمن الأسلحة النووية في الجيش الروسي، قال إن القاعدة لا تملك الخبرة اللازمة لصيانة الحقائب النووية، لأن هذه الأسلحة يجب تفكيكها كل 3 أشهر حتى يمكن إعادة شحن المواد النووية فيها، لكن علماء الفيزياء الأمريكيين في مركز منع انتشار الأسلحة النووية لا يوافقون على هذا الرأي، ويقولون إن الحقائب النووية على الأغلب تحوي اليورانيوم والبلوتونيوم وأضيف إليها مادة الترينيوم التي تعوض عن الكمية المطلوبة من المتفجرات التقليدية. ولا يحتاج البلوتونيوم ولا اليورانيوم صيانة كثيرة وحتى التريتيوم لا يحتاج إلى الصيانة المتكررة.
لكن الاعتقاد بأن بن لادن اشترى هذه الأسلحة مقابل ملايين الدولارات ليخزنها في كهفه دون الاهتمام بالصيانة يستند إلى الفكرة الخاطئة بأنه محارب بدوي متخلف لا يملك أي معرفة عن الأسلحة المتطورة, ويؤكد ويليامز أن بن لادن "مهندس ذو تدريب عال وهو أحد أفضل الموهوبين في التكتيك العسكري... في العصر الحديث".
لقد كان بن لادن, في رأي ويليامز, حريصا على تأمين الصيانة المناسبة. فما أن حصل على الأسلحة حتى دفع مبالغ تقدر بـ 60 - 100 مليون دولار للحصول على مساعدة علماء نوويين من روسيا والصين وباكستان. وبين 1996 - 2001 كان بن لادن يدفع مقابل خدمات عدد من الفنيين الذين كانوا يعملون في القوات الخاصة الروسية سابقا. هؤلاء الفنيون كانوا قد تلقوا تدريبات على فتح وتشغيل الأسلحة لمنع أي استخدام غير مسموح به.
ويقول ويليامز إن هناك اعتقاداً بأن التأخير في استخدام هذه الأسلحة يرجع إلى شخصية بن لادن المعروف بالصبر. فقد بدأ يخطط لتفجيرات السفارات الأمريكية في إفريقيا منذ أن كان في السودان عام 1993, وقد ظل يعد للهجوم على السفينة كول سنتين, فضلا عن انه ترك فاصلا زمنيا يصب ل 8 سنوات بين محاولة تفجير مركز التجارة العالمي الأول وهجمات 11 سبتمبر.
الهجوم القادم, كما يقول بعض الخبراء, سيكون متزامنا في وقت واحد في عدة مواقع من الولايات المتحدة, على رأسها. نيويورك وبوسطن وفيلا دلفيا وميامي وشيكاغو وواشنطن وهيوستن ولاس فيجاس ولوس أنجلوس وفالديزني في ألاسكا. ولتنسيق مثل هذا الهجوم, يتطلب الأمر ليس فقط شحن القنابل النووية., ولكن أيضا تشكيل خلايا وتدريب علماء واختبار مواقع وتجهيز الأسلحة دون أن يكتشفها رجال الأمن الأمريكيين. إن بن لادن لا بد وأنه حريص على ألا يضيع "مجوهرات التاج" التي كلفته مئات الملايين في هجوم ليس مخططا بشكل جيد.
ويعتقد ويليامز أن السبب الآخر لتأخير هجوم القاعدة النووي على أمريكا قد يكون محاولات القاعدة الحصول على الأسلحة النووية التكتيكية التي كان السوفييت قد أدخلوها سرا إلى الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة ودفنوها في أماكن نائية في مناطق مختلفة في البلد ليتمكن العملاء السوفييت من الوصول إليها واستخدامها في حال حدوث حرب نووية بين القوتين العظميين. الكثير من هذه الأسلحة كانت حقائب نووية.

التعليقات