كنعان ودع اسرته قبل أن يطلق الرصاص:الأسد سلم مبارك أشرطة مصورة للتحقيقات مع الضباط السوريين

كنعان ودع اسرته قبل أن يطلق الرصاص:الأسد سلم مبارك أشرطة مصورة للتحقيقات مع الضباط السوريين
دمشق -دنيا الوطن- شاكر الجوهري

تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد لمحطة C.N.N. الأميركية تفتح بابا يؤدي إلى تحديد بعض الأسباب التي دفعت اللواء غازي كنعان إلى الإنتحار.

ابتداء، يجب أن نؤكد امران:

الأول: أن كنعان قد انتحر، ولم ينحر، كما حاولت جهات اعلامية الترويج لذلك، لأسباب مختلفة. وهذا ثابت من حقيقة أن كنعان هو الذي بادر للإتصال مع الزميلة وردة الزامل من اذاعة "صوت لبنان" الناطقة باسم القوات اللبنانية (فصيل سياسي مسيحي)، ليعلن في نهاية تصريحه "إني أعتقد أن هذا آخر تصريح يمكن أن أعطيه".

الثاني: أن انتحار كنعان يؤشر إلى رجولة لا يتم فعل الإنتحار دون توفرها في مستويات عالية، وذلك بغض النظر عن كون الإنتحار فعلا محرما، كما يؤشر إلى اعتداد كبير بالذات، ورفض للإفتراء والإهانة، اللذان استشعرهما وزير الداخلية السوري في التقرير الذي بثته قناة NEW T.V. اللبنانية المعارضة لسوريا.

التقرير المسبب للإنتحار يتمحور حول معلومات غير منسوبة لمصادر، تقول إن كنعان حين مثل أمام لجنة التحقيق الدولية برئاسة ديتليف ميلس في منتجع مونتي روزا، لم ينتظر أن يوجه له أي سؤال، وأنه بادر المحقق قائلا "أنا غازي كنعان حاكم لبنان سنوات طويلة، إذا سألتموني عن الفساد والرشوات.. نعم لقد شاركت فيها، كنت أتسلم شيكات وأوزعها على اللبنانيين والسوريين، ولم أنس أن أحتفظ بنسخ عنها، وتلك الكرتونة مملوءة بمثلها، ولكن انتبهوا، فإنها تحمل توقيع الرئيس الشهيد رفيق الحريري". وتابع كنعان، وفقا للتقرير "إذا كنا مستفيدين إلى هذا الحد من شريكنا، فكيف نقتله..؟".

عدم صحة تقرير المحطة اللبنانية ثابت وواضح من عدم منطقية أن يفتح كنعان الحديث عن ملف "الفساد والرشوات" منذ أول لحظات التحقيق الذي ينصب اساسا على حادث اغتيال الحريري، ثم ينتحر جراء فتح المحطة التلفزيونية لهذا الملف..!

ثم إنه لأمر لافت أن يؤكد كنعان في معرض نفيه لتقرير المحطة، قناعته بصوابية وأهمية الدور السوري في لبنان "لقد خدمنا مصلحة لبنان بشرف وأمانة".."ولم نوفر دما أثمر معهم (اللبنانيون) عن وحدة لبنان وتحريره في وقت كان مستحيلا بدون سوريا".

كنعان كان مصمما على الإنتحار، ولقد استغرق اتخاذه قرار الإنتحار ثم التنفيذ وقتا كافيا لكي يتراجع عن قراره لو كان قد اتخذه في لحظة انفعال.

خطة الإنتحار

بثت محطة NEW T.V. تقريرها مساء الثلاثاء، فقرر كنعان الإنتحار لأنه لم يحتمل ما رآه ظلما يحيق به..لكنه لم يفعل ذلك من فوره،وإنما انتظر إلى صباح اليوم التالي، حيث وضع خطة متكاملة للإنتحار، إذ كتب التصريح الذي أعطاه لإعلامية اتصل بها في إذاعة "صوت لبنان"، ليرد على تقرير التلفزيون المسيحي المعارض عبر إذاعة "القوات اللبنانية".. الفصيل المسيحي الرئيسي في لبنان، وليطلب توزيع هذا التصريح كذلك علة فضائية L.B.C. التابعة هي الأخرى للقوات اللبنانية، ولتلفزيون المستقبل المملوك من قبل الحريري، ووسائل اعلامية أخرى.

وبعد أن اطمأن لإذاعة تصريحه، واستمع إليه بنفسه..وسمع صوته يعلن "إني أعتقد أن هذا سيكون آخر تصريح يمكن أن أعطيه".. غادر مكتبه متوجها إلى منزله، حيث ودع زوجته ومن تواجد من ابنائه في المنزل دون أن يشعر أحدا بما اعتزم.. وقد يكون رتب بعض الأوراق التي تحتاجها اسرته بعد انتحاره، وعاد لمكتبه في وزارة الداخلية، كي يطلق الرصاص على نفسه هناك، بعيدا عن اسرته التي لم يرد أن تكون فاجعتها صاعقة وهي تراه يلفظ انفاسه الأخيرة، وكي يكون هناك شهود كثر على أنه انتحر ولم ينحر، فلا يؤدي انتحاره إلى الإساءة لنظام الحكم والحزب اللذان كان من أبرز اركانهما.

حقيقة يجب أن نقر بها نحن الذين فوجئنا بعدم انتحار بعض الذين الحقوا كوارث بالأمة..

لا جدال في أن هذا الإنتحار المناقبي يدلل كذلك على شعور عميق ومتمكن بالعظمة، من قبل رجل عاش العظمة فعلا طوال ثلاثة عقود بدأها بتولي مسؤولية الإستخبارات العسكرية في محافظة حمص، وتابعها في لبنان، حيث كان مسؤول الإستخبارات العسكرية السورية فيه طوال أكثر من عشرين عاما، بدأت عام 1982، واستمرت حتى عام 2003، كان خلالها صانع الرؤساء ورؤساء الوزارات والوزراء والنواب في لبنان..

وقد انتهى كنعان، وهو لا يزال رجلا مهما، إذ كان من أقوى رجال الحكم في سوريا، خاصة بعد انتهاء أدوار الثالوث القوي السابق برئاسة عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية لعقود خلت، وعضوية حكمت الشهابي رئيس الأركان، وعلي دوبا رئيس الإستخبارات العسكرية السابق.

تجارب مع الضغوط النفسية

وكنعان الذي لم يحتمل التشكيك في نزاهته، سبق أن تحمل ضغوطا نفسية كبيرة بعد سحبه من لبنان، دون أن يقوده ذلك إلى الإنتحار.

كانت تجربته الأولى مع الضغوط النفسية حين تولى مسؤولية الأمن السياسي في سوريا، فأراد أن تكون مسؤوليته شاملة، كما كان عليه الحال في لبنان، لكنه اصطدم مع حسن خليل قائد الإستخبارات العسكرية، الذي أصر على أن تظل المسؤولية الأمنية عن الفصائل الفلسطينية في سوريا بيد "الضابطة الفدائية" العائدة للإستخبارات. وحين حسم الرئيس بشار الأسد الأمر لصالح خليل، بعد أن كادت الأمور تتطور إلى درجة التصادم بين الجهازين الأمنيين، التزم كنعان بالقرار.

تجربة كنعان الثانية مع الضغوط النفسية تمثلت في مغادرته الأمن السياسي لبعض الوقت كان خلاله دون وظيفة او مهام، وذلك قبل أن تسند له وزارة الداخلية.

وربما تكون تجربة كنعان الأكثر قساوة مع الضغوط النفسية تمثلت في زيارة قام بها إلى لبنان بعد انتهاء عمله هناك، وذلك لمراجعة علاجية في مستشفي أوتيل ديو، فكان أن لقي معاملة من مساعده السابق، وخلفه على رأس الإستخبارات العسكرية السورية في لبنان العميد رستم غزالة، وصفها الإعلام اللبناني في حينه بأنها كانت فوقية..!

اشاعات التعديل والتسليم

لذا يصعب تصور أن يكون انتحار كنعان تم جراء شعوره بأن تعديلا وزاريا بات وشيكا، وأنه سيشمله إلى جانب وزراء مهمين آخرين، كما تروج شائعات لم تتأكد على كل حال، وإن كانت شائعة NEW.T.V. أدت إلى انتحار كنعان، فإن هناك شائعة أخرى قد تكون أدت إلى انتحار الوزير.. تلك هي شائعة التوصل إلى صفقة بين سوريا وأميركا تقضي بتسليم بعض الضباط السوريين للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري بهدف انقاذ نظام الحكم في سوريا من تبعات الإتهام الذي قد يوجه إليه.. وهي شائعة لا تصمد أمام التدقيق والتمحيص فيها، ومقارنتها بالحقائق النافية لها.. تماما كما هو تقرير NEW T.V. لا يصمد أمام التدقيق والتمحيص. لكن كنعان الذي جعله انفعاله يغفل عن نقاط ضعف تقرير المحطة التلفزيونية، ربما جعله يغفل كذلك عن عدم توافق شائعة التسليم مع الحقائق الأخرى، جراء تصوره امكانية توقيفه دون أن يتاح له الدفاع عن نفسه أمام الرأي العام، وهو ما حرص على فعله،والتأكد من حدوثه قبل أن يطلق الرصاص على نفسه.

تصريحات الأسد

الآن نعود إلى ما بدأنا به.. نعود إلى تصريحات الرئيس بشار الأسد لقناة C.N.N. الأميركية، التي أدلى بها على عجل يوم انتحار كنعان.

يقول الأسد في هذه التصريحات، وفي معرض الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت سوريا مستعدة لأن تسلم ضباطا سوريين محتمل تورطهم في اغتيال الحريري، كي يحاكموا أمام محكمة دولية.."إذا كان فعلا هناك شخص سوري متورط (باغتيال الحريري)، فهو يعتبر في القانون السوري خائن ويعاقب بأشد العقوبات، وهذه خيانة، ومن الطبيعي أن نحاكمه، أو أن يحاكم في مكان آخر".

سوريا إذا كانت مستعدة لأن تسلم أي متورط في اغتيال الحريري إلى محكمة دولية من أجل تجنيب الدولة تبعات مثل هذا التورط.

هذا ما يفهم من تصريحات الأسد. ولكن هل كان متوقعا منه أن يقول غير ما قاله، وأن يعلن مثلا رفض تسليم أي متهم للشرعية الدولية..؟

لم يكن متوقعا أن يقول الرئيس غير ما قاله في ضوء ما عرف عن سوريا من براغماتية عالية، وكذلك.. وهذا هو الأهم، في ضوء انهدام اركان الإتهامات التي وجهت بشأن اغتيال الحريري، وعدم توصل تحقيقات لجنة ميلس إلى أية ادانة حتى الآن، وفق أدق المعلومات التي توصلنا إليها، وهذا ما قاله الرئيس الأسد في التصريحات المشار إليها.

انهدام اركان الإتهام

لقد انهدم ركنان اساسيان من اركان الإتهام إلى سوريا هما:

الأول: تأكد لجنة ميلس من عدم صحة ما روج سابقا من قبل المعارضة السابقة في لبنان، التي اصبحت حاكمة، بشأن اكتشاف شقة في بيروت قالت أنه كانت تعقد فيها اجتماعات التخطيط لاغتيال الحريري.

الثاني: انكشاف أمر شاهد الزور محمد زهير الصديق، الذي قدم نفسه للجنة ميلس باعتباره سكرتير اللواء حسن خليل قائد الإستخبارات العسكرية السورية، وأنه شاهد على اصدار الأوامر والتخطيط السوري لاغتيال الحريري.

تقول معلوماتنا أن شاهد الزور واجه أثناء التحقيق اللواء جميل السيد مدير الأمن العام اللبناني السابق، الموقوف على ذمة التحقيق في قضية اغتيال الحريري. وقد كان الشاهد ملثما أثناء المواجهة، وقال للسيد "إنك اجتمعت مع ضباط سوريين وخططتم معا لاغتيال الحريري".. فطلب السيد من الشاهد تحديد تواريخ عقد هذه اللقاءات، ولما حدد الشاهد بعض التواريخ، قال السيد للجنة التحقيق يمكنكم الرجوع إلى مفكرتي الشخصية الموجودة لديكم للتأكد من أنه كانت لدي اجتماعات وارتباطات رسمية في هذه التواريخ. ثم إنقض السيد على الشاهد محاولا نزع اللثام عن وجهه لمعرفة شخصيته، فانهال عليه المحققون بالضرب لوقفه عن فعل ذلك، ما أدى إلى اصابته في رأسه. وتم تسريب اشاعة تقول إن السيد ضرب رأسه بالحائط أثناء مثوله للتحقيق.

وتؤكد المصادر أن لجنة التحقيق تأكدت من أن الصديق ليس صادقا، وأنه لم يسبق أن عمل سكرتيرا للواء حسن خليل، وأنه ليس ضابطا برتبة عقيد في الإستخبارات السورية، وأنه لا يحمل أي رتبة كما ادعى.. وأنه درزي يمت بصلة قربى للوزير مروان حمادة الذي سبق أن تعرض لمحاولة اغتيال لا يزال يتهم سوريا بالوقوف ورائها.

إلى ذلك، تؤكد المصادر أن لجنة ميلس لم تتوصل بعد اكتمال تحقيقاتها إلى أية أدلة قانونية تدين أيا من الضباط اللبنانيين أو السوريين باغتيال الحريري.

وتقول المصادر إن التقرير الذي تعكف اللجنة على اعداده، كي تقدمه لمجلس الأمن الدولي نهاية الشهر الجاري، لا يتضمن أدلة قطعية بشأن الجهة التي أمرت بالإغتيال، أو خططت له، أو نفذته، وأن ما توفر للجنة هو عبارة عن قرائن لا ترتقي إلى مستوى الأدلة القضائية.

احراج السنيورة

لذلك، تضيف المصادر، إن حكومة فؤاد السنيورة، المصابة بإحراج كبير، تطالب بتمديد فترة عمل لجنة ميلس، علها تصل إلى أدلة تعفيها من الإحراج، وهي التي اوقفت قادة الأجهزة الأمنية في لبنان (اللواء جميل السيد مدير الأمن العام السابق، العميد علي الحاج مدير قوى الأمن الداخلي السابق، العميد ريمون عازر مدير الإستخبارات العسكرية السابق، اضافة إلى العميد مصطفى حمدان قائد لواء الحرس الجمهوري).

وأكثر ما يحرج حكومة السنيورة هو أن عدم ادانة الضباط الذين انتهى التحقيق معهم، يعني كذلك براءة الرئيس إميل لحود، وسوريا من دم الحريري.

فيما يتعلق بالتحقيق مع الضباط السوريين في منتجع مونتي روزا، تؤكد المصادر أنه لم يخلص هو الآخر إلى أية ادانة، بل إنه تحول الآن إلى ورقة بالغة الأهمية في اليد السورية.

تقول المصادر إن الجانب السوري كان توصل إلى اتفاق مع لجنة ميلس يقضي بتصوير وقائع التحقيق مع الشخصيات السورية تلفزيونيا. وهكذا تم نصب كاميرتين داخل غرفة التحقيق، وجهت احداهما إلى وجه المحقق، والأخرى إلى وجه الضابط السوري الذي يخضع للتحقيق، فأصبح لدى سوريا محاضر حرفية لجلسات التحقيق، موثقة بالصوت والصورة. وأثناء زيارته المفاجئة والعاجلة للقاهرة مؤخرا، تقول المصادر إن الرئيس الأسد قدم للرئيس المصري نسخا من اشرطة التصوير للتحقيقات مع الضباط السوريين، ما جعل الرئيس حسني مبارك يتحول إلى الدفاع عن الموقف السوري وينفي تورط سوريا في اغتيال الحريري.

بالرغم من كل ما سبق، فإن تقرير لجنة ميلس بعد اعلانه المرتقب، يتوقع أن يثير من الأسئلة والتساؤلات أكثر مما يتوقع أن يقدمه من الإجابات، ما دام لم يصل إلى ادانات قطعية، وما دام عدم كفاية الأدلة لا يقود إلى التجريم. وسيظل هناك من يربط بين اغتيال الحريري وانتحار كنعان، متجاهلا أن كنعان كان وزيرا للداخلية في سوريا، ولم يكن مسؤولا عن الإستخبارات العسكرية السورية في لبنان يوم اغتيال الحريري، وأنه لم يكن على علاقة حسنة مع خلفه في لبنان العميد رستم غزاله، أو مع مدير الإستخبارات العسكرية السورية اللواء حسن خليل، سواء بسواء.

التعليقات