القاهرة:المفطرون على موائد الرحمن ينتهون إلى الضرب بالشلاليت

القاهرة:المفطرون على موائد الرحمن ينتهون إلى الضرب بالشلاليت
غزة-دنيا الوطن

ماذا يعني غياب الشرطة المصرية عن دورها في الأيام الأولي لشهر رمضان؟

جرت العادة ان نسمع في هذه الأيام عن إغلاق عدد من المقاهي وعدد من المطاعم في وسط مدينة القاهرة وأحيانا في بعض الضواحي، وعادة ما يتعرض مرتادو هذه الأماكن لحرج بالغ بسبب هول المفاجأة التي قد تعرضهم لفضيحة في حال اصطحابهم إلي أقسام الشرطة، فمعظم الذين يمارسون الإفطار يحرصون علي سريته لأسباب مختلفة، لا سيما اذا لم تكن لديهم أعذار شرعية بالإفطار كالمرض أو السفر.

و قد تراوحت أصداء هذه الصورة في مصر في حقب مختلفة، فقد كانت حقبة الستينيات والسبعينيات أكثر ليبرالية في مشايعة الإفطار جهرا، وكان من المألوف أن يسير المسلم في الشارع وهو يدخن أو يأكل، وكان ذلك يرتبط بالمناخ السياسي العام الذي أشاع نوعا من الحرية الاجتماعية الواسعة بدت في صور شتي منها الأزياء النسائية التي شهدت اعلي تجلياتها في الميكرو والميني جيب.

الوضع اختلف تماما في الثمانينيات حيث شهد الجهر بالإفطار تضييقا واسعا ظلت مظاهره حتي أيامنا هذه، فقد شهدت هذه الفترة مداً إسلاميا واسعا ومتنوعاً انتهي بالمواجهة الدامية بين تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية من ناحية والدولة من ناحية أخري.

في هذه الفترة كان ثمة تضييق واسع علي الجهر بالإفطار فاختفت جميع المظاهر المصاحبة لهذا النوع من السلوك، فقد اختفت تماما ظاهرة التدخين أو الأكل في الشارع وعلي مرأي من الناس وباتت معظم المقاهي والمطاعم تغلق أبوابها في وجه المفطرين، بل تنتهز بعض هذه الأماكن فرصة الصوم لإجراء التجديدات اللازمة في شكلها وفي مرافقها.

وقد ظلت الشرطة حتي العام الماضي تطارد هذه الأماكن بالغلق لا سيما في الأيام الأولي من رمضان، لكن يبدو أن مناخ الحرية المتسع نسبيا كان سببا مباشرا في التغاضي عن هذه الظاهرة في أيامنا المباركة، رغم ذلك ظلت مقاه قليلة ونادرة تعمل وسط المدينة، أما المطاعم فقد أغلقت أبوابها عدا المطاعم فئة النجوم الخمس التي يرتادها السائحون وقلة من المصريين.

أما إخوتنا من الأقباط فقد ظلوا هم دائما الأكثر حرصا علي احترام مشاعر المسلمين حيال شهرهم الكريم، وليس غريبا ان نجد عددا كبير من الموظفين الأقباط يقضون يوم عملهم وسط إخوانهم من المسلمين دون أن يتناولوا شيئا علي الإطلاق، وإذ حدث ذلك فغالبا ما يكون سرا وفي غرفة جانبية معزولة عن جموع الصائمين من الموظفين.

وقد اختلفت ظاهرة العقوبة علي الإفطار في عصور مختلفة، وإن احتفظت في كل العصور بكونها ظاهــــرة اجتماعية مرذولة، وتنال كثيرا من هيبة صاحبها، ففي العصر العثماني كان المحتسب يعاقب كل المفطرين لغير سبب شرعي، وكانت تتلخص العقوبة في التشهير والتجريس وسط الاستهزاء بالمفطر من العوام، حيث يسيرون خلف المفطر وهم يقولون يا فاطر رمضان.. يا خاسر دينك، كلبتنا السودا تقطع مصارينك وكانت المطاعم والمقاهي تغلق أبوابها طيلة نهار رمضان.

ويذكر الجبرتي أنه بالمناداة في أول رمضان كان علي النصاري أن يمشوا علي عادتهم مع المسلمين أولا ولا يتجاهرون بالأكل والشرب في الأسواق ولا يشربون الدخان ولا شيء من ذلك بمرأي منهم كل ذلك للاستجلاب لخواطر الرعية، حتي ان بعض الرعية من الفقهاء مر علي بعض النصاري وهو يشرب الدخان فانتهره فرد عليه ردا شنيعا فنزل ذلك المتعمم وضرب النصراني واجتمع عليه الناس وحصر حاكم الخطة فرفعها علي قائمقام فسأل النصاري الحاضرين عن عادتهم في ذلك فأخبروه أن من عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يشربون في الأسواق ولا بمرأي من المسلمين أبداً، فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله.

ومن الأحداث الطريفة أن محب وعاشق الأدب والأدباء المستشار مصطفي النحاس رحمه الله، وهـــــو بالمناسبة حفيد مصطفــــي النحاس باشا الوطني المعروف وزعيم حزب الوفد، كان مع صديقه الشاعــــر فرج مكسيم وهو قبطي لا يصوم بالطبع وكان النحاس مفطــــرا ولا يصوم بداً، وقد هداهما شيطانهما إلي الإفطار بإحدي موائد الرحمن كنـــوع من التغيير والفنتازيا، وكان ذلك في مطالع التسعينيات، وعندما دلف الرجـــلان إلي المائدة بلباسهما الفخم وبزاتهما الأنيقة حتي احتفي بهــــما الحضور وصاحب المائدة، لكن التأفف الذي بدا علي كليــــهما من اتساخ المكان والأطـــباق والملاعق دفع مكسيم للتلفظ بألفاظ جارحة، وكان صديقه يحاول تهدئته ولا يفلح، وبينــما يناديه باسمه عرف الحضور بأنه قبطي وأن صديقـــه مفطر فما كان منهم إلا أن انهالوا عليهما ضربا وركلا، وهم يقولون: مكسيم يا بن الكلب!! وعايز معلقة نظيفة .

*القدس العربي

التعليقات