سيلفان شالوم :بوش قطع علاقته بعرفات بعد أن أسمعناه شريطا بصوته يصدر فيه أوامر شراء سفينة الأسلحة
غزة-دنيا الوطن
نفى وزير الخارجية الاسرائيلي، سيلفان شالوم، ان تتجه الحكومة الاسرائيلية، بعد خطة الفصل الى عمليات تكثيف للاستيطان وقال ان المهمة الأولى ستكون استئناف المفاوضات حول تطبيق «خريطة الطريق». لكنه اشترط أن يقوم الفلسطينيون أولا بالايفاء بالتزاماتهم في المرحلة الأولى من هذه الخريطة وهي بالأساس تفكيك التنظيمات المسلحة ووقف العمليات التفجيرية واطلاق الصواريخ. وهدد شالوم في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بالعودة الى احتلال قطاع غزة من جديد في حالة عودة العمليات الفلسطينية. ودعا شالوم الفلسطينيين الى تخفيض سقف أحلامهم وقال ان ما كان اقترحه رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود باراك على عرفات ورفضه، لن يقترحه بعد أي رئيس حكومة اسرائيلي في القريب. واعتبر المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى تخوم اسرائيل أمرا جنونيا. وكشف ان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أخبره انه كان قد أبلغ عرفات ان الولايات المتحدة لا يمكن ان توافق على حق العودة. وكشف ان اسرائيل أسمعت الرئيس جورج بوش شريطا مسجلا بصوت الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات، وهو يعطي الأمر بشراء سفينة السلاح «كارين ايه»، وهو الشريط الذي تسبب في قرار الرئيس الأميركي بمقاطعة عرفات. وقال شالوم ان هذا هو الوقت المناسب لاخراج العلاقات السرية القائمة حاليا بين اسرائيل والعديد من الدول العربية الى النور وجعلها علنية، مما يساعد الرأي العام الاسرائيلي على القبول بتنازلات اسرائيلية للفلسطينيين. وفيما يلي نص الحوار مع شالوم:
* اذن، يمكن القول إن موقفك من خطة الفصل تطور الى درجة التأييد فأنت كنت في البداية معارضا لها.
ـ أنا اعترضت بشكل مبدئي على هذه الخطة بسبب كونها أحادية الجانب. وما زلت مقتنعا بأن خطة أحادية الجانب هي أقل جودة من اتفاق بيننا وبين الفلسطينيين.
* ألا تعترض على المبدأ ان تنسحب اسرائيل من غزة وتزيل وتخلي المستوطنات؟
ـ الانسحاب من غزة يمكن الحديث عنه ولكن عندما تفعل ذلك باتفاق تكون الأمور مختلفة، مضمونا وشكلا. فالطرف الآخر عندها يكون ملزما بأشياء معينة. في حينه قال لي رئيس الوزراء (أرييل شارون) ان موقفي صحيح ولكن لا يوجد لنا شريك في الطرف الفلسطيني نعقد معه اتفاقا. فقد كان يومها ياسر عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية. وأنا كان رأيي مختلفا حول الطريقة التي يجب ان نعالج فيها عرفات. لكن هذه قضية أخرى.
* كان رأيك أن يتم طرد عرفات أو حتى اغتياله؟
ـ رأيت في حينه انه لا يمكن التوصل الى اتفاق معه. لا بد أنك تذكر ان رئيس الشاباك (رئيس جهاز المخابرات العامة في اسرائيل، آفي ديختر) قال ذات مرة ان ما قدمه رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود باراك، الى عرفات من اقتراحات سياسية لتسوية الصراع ورفضه، لن يجد قبولا في اسرائيل، الا اذا تولى رئاسة الحكومة عندنا النائب عبد المالك دهامشة (رئيس كتلة الحركة الاسلامية في اسرائيل) ووزارة الدفاع النائب أحمد طيبي (رئيس الحركة العربية للتغيير في اسرائيل). فقد اقترح أكثر من 90 % من الضفة الغربية وتعويضهم عن الباقي بصحراء حلوتسا (منطقة تقع جنوب قطاع غزة) وتسليمهم الأحياء العربية في القدس الشرقية. ومثل هذه الاقتراحات لن تجد رئيس حكومة اسرائيلية يقترحها في القريب. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن نموذج غزة بعد خطة الفصل مهم لنا جميعا من أجل المستقبل. فاذا نجح سنتمكن من التقدم الى الأمام في مشروع «خريطة الطريق». واذا لم ينجح ونرى ان غزة تواصل ارسال الصواريخ نحو أشكلون وأشدود ومحطات توليد الكهرباء ومصانع تكرير البترول وغيرها، فلن يكون هناك رئيس حكومة في المستقبل يقترح أمورا كهذه. أنت تعرف ان ما حصل عليه باراك بعد اقتراحاته تلك هو انتفاضة فلسطينية مسلحة. وقد أرسله المواطنون الاسرائيليون الى البيت بعد ستة أشهر فقط من طرحه الفكرة. لذلك يجب أن تنجح هذه التجربة. ومن الأهمية بمكان أن يفهم ابو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) أن عليه ان يعمل كل ما في وسعه من أجل أن نتمكن من التقدم الى الأمام بفضل خطة الفصل. فاذا لم يفعل واذا استمرت الصواريخ والعمليات الارهابية فاننا سنضطر الى الرد. وستكون هنا عملية «سور واق» ثالثة (يقصد العمليات الحربية، علما بأن الجيش الاسرائيلي أطلق اسم السور الواقي على عملية الاجتياح للضفة الغربية في سنة 2003 ولقطاع غزة في سنة 2004). ما نفعله نحن اليوم بخطة الفصل هو مبعث أمل وهو تعبير عن الارادة الاسرائيلية بالسلام. وهذا ليس سهلا.
* ماذا تقصد ليس سهلا؟
ـ اقصد ان خطة الفصل تواجه بمعارضة شديدة جدا في اسرائيل.
* لكن غالبية الشعب تؤيدها؟
ـ لذلك أنا أيدت اجراء استفتاء شعبي حولها. فلو وافق شارون على ذلك لكان حصل على أكثرية ولكانت المعارضة أقل حجما وحدة بكثير.
* الكنيست في اسرائيل هي السلطة العليا في هذا المجال. وقد اتخذت قرارها بالأكثرية الساحقة؟
ـ السؤال هو هل الكنيست يعبر عن ارادة الشعب؟
* بالتأكيد، فكل استطلاعات الرأي أكدت وجود أكثرية للخطة طول الوقت؟
ـ لهذا ولأنني واثق من تأييد الشعب اقترحت الذهاب الى استفتاء.
* في هذه الأيام تنتظم مجموعة كبيرة من أعضاء اللجنة المركزية في حزب الليكود تطلب منك ومن أربعة وزراء آخرين معروفين بمعارضة خطة الفصل أن تستقيلوا من الحكومة احتجاجا على الانسحاب والا فانهم سيحاسبونكم في الانتخابات الداخلية القادمة. فماذا ستفعل؟
ـ فليتوجهوا.
* أنت تستطيع الوعد أمامنا الآن بأنك لن تستقيل؟
ـ القضية ليست وعدا. أنا لم أستقل.
* ولن تستقيل لكي تتخلص من شارون وتعاقبه على خطته؟
ـ أنا هنا كنائب لرئيس الحكومة ووزير للخارجية.
* هل تتوقع أن تستمر حكومتكم حتى نهاية دورتها في نوفمبر (شرين الثاني) 2006؟
ـ لست واثقا من هذا.
* كيف تنظر الى تطور الأمور اذن بعد تطبيق خطة الفصل. فقد استقال وزير المالية بنيامين نتنياهو وبدأ السعي الى اسقاط الحكومة وتقديم موعد الانتخابات للاطاحة بشارون؟
ـ الأمر يتعلق أولا برئاسة الليكود ومن ينتخب رئيسا لحزب العمل. ان احتمال أن يصوت حزب العمل مع ميزانية الدولة يقترب من المستحيل. فاذا لم يصوت معها فان الانتخابات ستجري في 30 يونيو (حزيران) 2006. واذا انتخب لرئاسة حزب العمل شخص غير شيمعون بيريس، فمن المحتمل أن يتم تقديم الانتخابات الى موعد أقرب. أنا قلت قبل سنة ان الانتخابات ستجري في الفترة ما بين فبراير (شباط) ويونيو (حزيران) 2006 وما زلت مقتنعا بذلك.
* من الذي يمكن القول انه غير معني بتقديم موعد الانتخابات؟
ـ أولا رئيس الحكومة. فكل رئيس حكومة يريد البقاء في منصبه حتى نهاية الدورة. ولكن اذا توفرت أكثرية لهذه الغاية فلن يكون أمامه مفر.
* هل أنت شريك في التوقعات باقامة حزب جديد تحت قيادة شارون وبيريس ويوسف لبيد (زعيم حزب شينوي الليبرالي)؟
ـ لا أدري، يجب أن تسألهم. أنا لست شريكا في خطة كهذه وأريد أن يبقى الليكود موحدا.
* هل سيكون ذلك الليكود برئاسة شارون أو نتنياهو؟
ـ أنا وقفت مع شارون طول الوقت. كنت الوحيد الذي وقف معه ثلاث مرات في سنة 1999 وسنة 2000 وسنة 2003 وقد انتصرنا عندما ذهبنا معا .
* اذن سيكون مجديا أن تظلا معا؟
ـ كل شيء ممكن. مع ان الصحف تتحدث عن وجود اتفاق بيني وبين شارون على البقاء معا فانني أقول لك للمرة الأولى انه لا يوجد لي اتفاق مع شارون.
* لن تكون مع نتنياهو، فالعلاقات بينكما ليست على ما يرام؟
ـ في البداية يجب ان نعرف من سيكون مع من. أنت نفسك تحدثت عن امكانية قيام حزب جديد ولكن شارون سيبقى في الليكود. هكذا قال لي. ولا يوجد سبب لأن لا أصدقه.
* لا أسمعك تقاطعني وتقول أنك لربما ستنافس أنت على منصب الرئاسة؟
ـ ربما يحدث هذا. وقد أتيحت لي الفرصة في سنة 2001 ولكنني لم انتهزها.
* هل تشعر أنك أخطأت لأنك لم تنتهز الفرصة؟
ـ أنا انسان مؤمن، وكما يقول العرب: «كل شيء مكتوب».
عودة اللاجئين
* أريد أن أعود، بعد اذنك الى ما قلته حول الفلسطينيين بانه لن يأتي قائد اسرائيلي يقترح على الفلسطينيين ما اقترحه باراك. فلماذا لا تفكر بأن الفلسطينيين أيضا لن تجد لديهم قائدا مثل ابو مازن قادر على اقتراح عملية سلام حقيقي مع اسرائيل تنطوي على تنازلات وتفاهمات مختلفة؟
ـ ربما. أنا لا أستطيع ان أضع نفسي في مكانهم.
* ولكنك تضع نفسك في موقف مشابه وتطرح عليهم أن يتفهموا دوافعك؟
ـ لا. أنا لا أطلب منهم. أنا أحدد بالأساس ما هي امكانياتنا وقدراتنا. فاذا كان الفلسطينيون يريدون الانتظار عشر سنوات أخرى فهذا شأنهم. لكنني أعتقد ان هناك امكانية واقعية اليوم للتوصل الى تسوية تقوم على حل عادل. ولكن اذا جاء ابو مازن وتحدث عن عودة اللاجئين التي تعتبر في نظري حلا جنونيا وبلا أي أمل، فان هذا يعني انه لن يكون هناك حل أبدا.
* وأين العدل في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين. هل هو بابقائهم مشردين؟
ـ الحل يجب ان يكون واقعيا. لن تجد رئيس حكومة اسرائيليا يوافق على عودة اللاجئين الى تخوم اسرائيل. أتعرف، يحضرني الآن لقاء مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قبل حوالي السنة في أركنسو في افتتاح المكتبة العامة على اسمه. فقد وصلت الى هناك قبل الاحتفال بيوم وجلست معه في لقاء كان مخططا له أن يدوم عشرين دقيقة فاستمر ساعة ونصف الساعة، فروى لي ما كان قاله للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في يوليو (تموز) سنة 2000 في كامب ديفيد، فقال: «نحن لن نؤيدك في أي يوم من الأيام في مطلبك بحق العودة. أتعرف لماذا؟ لأنه مطلب يفتقد للمنطق. أتعرف لماذا يفتقد للمنطق؟ لأنك تطلب اقامة دولة للشعب الفلسطيني. ومن يطلب اقامة دولة، هل يعقل ان يطالب باخراج بعض سكانها منها لينتقلوا الى دولة أخرى؟».
* ما القصد بانتقال سكانه الى دولة أخرى؟
ـ ان الحديث عن حق العودة يعني اعادة اللاجئين الفلسطينيين الموجودين اليوم في قطاع غزة وعددهم يزيد عن 1.3 مليون نسمة الى تخوم اسرائيل. وهذا، فضلا عن انه يهدد كيان اسرائيل وطابعها كدولة يهودية، يعني ان يفرغ عرفات دولته من السكان. وهذا غير منطقي. لذلك فان وراء هذا المطلب لا توجد مسألة حق يطالبون به، انما هناك شيء آخر غير نظيف.
* اذا كان هذا المطلب غير بريء، فكيف أسمي تجاهلك التام للقرار الذي اتخذته القمة العربية في بيروت والذي يتحدث عن تسوية قضية اللاجئين بالاتفاق بين الطرفين؟ ان هذا القرار يعني انه لن يكون حل لقضية اللاجئين لا توافق عليه اسرائيل. فماذا تريد أكثر من ذلك؟
ـ لكن ابو مازن يقول انه لن يتنازل في يوم من الأيام عن حق العودة. وفي لقاء واي بلانتيشن كان موقفه الأكثر تطرفا. أنا لا أذكر اذا كان في كامب ديفيد أم لا.
* لقد كان في كامب ديفيد لكنه اضطر الى المغادرة لكي يشارك في حفل عرس لابنه؟
ـ أجل. هناك أبدى الموقف الأكثر تطرفا. فاذا كان ابو مازن يريد في اطار ممارسة حق العودة ان ينقل فلسطينيين الى صفد، بلده الأصلي، فان ذلك يدل على مؤامرة ضد الدولة اليهودية وليس بحثا عن تسوية سلمية معها.
* ما لديك بعد للقول ضد ابو مازن؟ يبدو لي انك تناصبه هو أيضا العداء، وربما تعدون له مخططا شبيها بمخطط افقاد الشرعية الذي نجحتم به ضد ياسر عرفات؟
ـ لا. ان ابو مازن في نظري أفضل بما لا يقاس من عرفات، ليس لنا نحن بل للشعب الفلسطيني. انه يهتم بمصالح شعبه وليس مثل عرفات الذي كان همه الوحيد هو مصلحته. عرفات كان رمزا ولأنه كذلك لم ينتبه الناس الى الفساد الذي مارسه. لقد خصص مليون دولار لزوجته في الشهر الواحد.
* عرفات مات، وأنت ما زلت تحاسبه. دعنا نعود الى موضوعنا وقل لي ما الذي تخططونه ضد ابو مازن؟
ـ نحن لا نخطط شيئا. بالعكس، أبو مازن يهتم بالانسان العادي ويقول انه يريد احقاق حقوق شعبه بالمفاوضات فقط. ويرى انه اذا اختار الفلسطينيون الارهاب فان العالم سيقف مع اسرائيل واذا اختار الحوار فالعالم سيقف مع الفلسطينيين. لكن لكل انسان أخطاء. والخطأ الأكبر لدى ابو مازن انه لا يفهم ان سكوته على حماس سيلحق الضرر به. حماس تحاول في الظاهر المساس بنا في اسرائيل بواسطة العمليات الارهابية، لكنها لا تهدد الوجود الاسرائيلي. وهي أكثر من يعرف انها عندما تقول انها ستبيد اسرائيل انما تقول كلاما فارغا يباع في سوق النخاسين. ولهذا تهدد فعلا وجود ابو مازن شخصيا وتهدد طريقه السياسي العاقل. انها تهدد حياة ابو مازن. فالاغتيالات هي أسلوب عمل في هذه المنطقة.
* في اسرائيل أيضا يهددون شارون وقد سبق أن اغتالوا رئيس حكومة؟
ـ واضح. العودة الى احتلال غزة
* انت تعرف ان في محيط ابو مازن توجد قناعة بأن اسرائيل متضايقة من ابو مازن لأن العالم ينظر اليه كرجل سلام وانها تخطط لتشويه سمعته هو الآخر؟
ـ هذه نظرية المؤامرة. دائما يحسبون بأن اليهود يتآمرون. ينسحبون من غزة في اطار مؤامرة. يتآمرون من أجل التخلص من أبو مازن. ماذا أقول لك. انه كلام فارغ. نحن نعتقد ان ابو مازن أفضل ألف مرة من عرفات. انه رجل سلام. بينما عرفات كانت رجل حرب. لماذا حارب الرئيس جورج بوش عرفات، أتعرف لماذا؟ لأننا أسمعناه تسجيلا بصوت عرفات وهو يعطي الأوامر بجلب سفينة السلاح «كارين ايه». ابو مازن انسان تستطيع الكلام معه. ومعه اناس آخرون يفكرون مثله، أعرف منهم وزير الاعلام السابق نبيل عمرو، الذي عملت معه في اللجنة ضد التحريض. وقد حاولوا اغتياله واضطر الأطباء الى قطع رجله.
* ماذا سيحدث بعد الانسحاب من غزة: تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية أو المفاوضات لاستمرار المسيرة السياسية؟
ـ نحن نريد أن تستمر المفاوضات. ولكن هذا منوط بما سيفعله ابو مازن في موضوع مكافحة الارهاب. فلا يمكن له ان يواصل السماح للتنظيمات المسلحة ان تعمل. يجب تفكيكها ونزع سلاحها.
* لماذا لا تأخذون بالاعتبار ما يقوله ابو مازن من انه لا يريد حربا أهلية وانه يريد تفكيك التنظيمات بطريقة سلمية. فمثلما يتعامل شارون مع معارضيه بصبر وتفاهم يتعامل ابو مازن مع معارضيه؟
ـ أولا نحن لسنا معنيين بحرب أهلية فلسطينية. ولا حاجة الى حرب كهذه. ابو مازن لديه 70 ألف شرطي مسلح، فلكي يسيطروا على ألف أو ألفين مسلح من «حماس» و«الجهاد»، لن يحتاجوا الى حرب أهلية. ثم ان الحديث يدور عن سلطة تسعى لأن تكون دولة. فهل توجد دولة تسمح لميليشيات مسلحة أن تعمل تحت سيادتها؟ هل يسمح الأردن أو مصر أو أية دولة أخرى في العالم بذلك؟ بل ان عرفات نفسه، قبل عهد ابو مازن، فعلها في سنة 1996. ففي حينه قلنا له اما ان تكافح الارهاب او ان تعود الى تونس. لقد اعتقل ألف عنصر من حركة «حماس» وقتل 12 شخصا منهم واعتقل عددا من قادتهم ونتف لحاهم. أنا لا أريد أن يفعل ذلك ابو مازن، ما أريده هو ان يثبت لنا انه قائد معني وقادر على ادارة دولة، حتى نتعامل معه على هذا الأساس.
* اذا لم يفعل، لن تكون مفاوضات ولا «خريطة طريق»؟! ـ لماذا؟ نحن بعد انهاء خطة الفصل متجهون نحو «خريطة الطريق» مباشرة وبكل جدية واخلاص. لكن يجب انهاء المرحلة الأولى من «خريطة الطريق». من جهتنا عملنا المطلوب وزيادة، خصوصا بعد الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. ويجب على الفلسطينيين ان يؤدوا واجباتهم في فرض الهدوء ووقف العنف وتفكيك التنظيمات المسلحة وفرض سيادة القانون ومنع التهريب ومنع اطلاق الصواريخ على بلداتنا. فاذا لم يفعلوا، سنضطر ليس فقط لوقف المسيرة، بل أيضا للرد على هذه العمليات كما يجب.
* هل يوجد احتمال أن تعودوا لاحتلال قطاع غزة؟
ـ اذا كان هناك ارهاب وصواريخ، فماذا تتوقع منا. أن نمتص الصواريخ والقتل والارهاب ولا نفعل شيئا؟
* وماذا عن خطط رئيس الحكومة، أرييل شارون، على الصعيد السياسي الحزبي والمصير الشخصي. فهو يريد استرداد القوى التي فقدها بسبب خطة الفصل ويقال ان ذلك سيكون بواسطة قرارات واجراءات ستكون على حساب الفلسطينيين، مثل تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية.
ـ يقال ويقال. هل تريدني ان أرد على كل ما يقال؟
* ما أريده هو ان لا تتهرب من الاجابة على سؤالي. بامكانك مثلا ان ترد بالقول ان اسرائيل لن تكثف الاستيطان.
ـ أنا لم أسمع شارون يقول هذا الكلام. ما سمعته هو انه يريد الانتقال الى «خريطة الطريق» وأنا أصدقه. المشكلة هي ان كان الطرف الآخر معنيا بذلك.
العالم العربي واسرائيل
* أنت مقتنع بأن المهمة الأولى لك بعد خطة الفصل هي ان تفتح باب العالم العربي على اسرائيل. كيف ستفعل ذلك؟
ـ هذا هو ما آمل تحقيقه. لكن لا بد أولا من الاشارة الى ان لاسرائيل توجد علاقات مع العديد من الدول العربية، ومن يعتقد بغير ذلك يكون مخطئا. لكن هذه العلاقات حتى الآن سرية. الأمر يثير السخرية في نظري، لكن هذا هو الواقع. وأنا أقول للقادة العرب الذين ألتقيهم: ما الحكمة من هذه السرية؟ أتخشون من ان العلاقات بيننا تضر بالفلسطينيين وبالقضية الفلسطينية، ولكننا كما ترون نلتقي مع المسؤولين الفلسطينيين يوميا وأمام كاميرات التلفزيون. فهل صرتم فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين؟
* أنت تقصد زعماء عربا من دول لا تقيم علاقات مع اسرائيل؟
ـ أجل.
* لن تقول لي أسماء، أعرف، ولكن هل هؤلاء هم رؤساء أو وزراء خارجية؟
ـ دعني من اعطاء أية تفاصيل. فعندما تنشر أمور كهذه تؤدي الى قطع العلاقات، وقد حدث أمر كهذا في السابق.
* حدث مع تشاد وهي ليست دولة عربية؟
ـ انها دولة اسلامية وأنا أقصد العلاقات مع الدول العربية والاسلامية. فهذه لا توجد بيننا وبينها أية مشاكل أو نزاعات. بل توجد كل الامكانيات لتحقيق التعاون في شتى المجالات، من البيئة الى الصناعة فالزراعة وغيرها. ان علاقات كهذه تشجع الجمهور الاسرائيلي على القبول بخطوات كبيرة الى الأمام في المفاوضات السلمية مع الفلسطينيين. ان الجمهور الاسرائيلي اليوم طافح بالتشكيك بالعرب وبمواقفهم. فكل خطوة عربية ايجابية باتجاه اسرائيل تساهم في تغيير موقف الرأي العام عندنا بشكل ايجابي.
* وماذا يقول لك المسؤولون العرب عندما تقول لهم هذه الكلمات؟
ـ يقولون لي معك حق ولكنهم ينتظرون سنوح فرصة جيدة ومناسبة لذلك.
* وما هي هذه الفرصة؟
ـ أعتقد ان انتهاء خطة الفصل بنجاح هو أفضل فرصة.
* العراق، هل هي بالحساب في هذا البرنامج؟
ـ لا. العراق ليس ناضجا لهذه الامكانية بعد.
* أنت بذلت جهودا كبيرة لتحسين العلاقات بين اسرائيل واوروبا. فهل أصبح لهذه القارة دور فاعل في المسيرة السلمية في الشرق الأوسط؟
ـ أعتقد ان اوروبا هي اليوم شريكة في العملية بشكل جزئي، وهذا أمر جديد اذ لم يكن لها أي دور.
* وهل هذا التطور ناجم عن تغيير في سياسة اوروبا أم في السياسة الاسرائيلية؟
ـ التغيير هو لدى الأوروبيين. فهم مقتنعون بضرورة اتخاذ مواقف متوازنة حتى يتاح لهم ان يكونوا وسيطا غير متحيز. فأدخلوا «حماس» الى قائمة التنظيمات الارهابية وأوقفوا بث قناة «المنار» وعملوا على اخراج القوات السورية من لبنان. وأعربوا عن استعدادهم لدعم القوى المعتدلة في السلطة الفلسطينية وفي العالم العربي. بالطبع هم لا يتكلمون بنفس لغتنا ومفاهيمنا، ويصرون على ابقاء الخطوط مفتوحة مع قوى مساندة للارهاب، لكنهم ملتزمون بمكافحة الارهاب وهذا مهم جدا.
نفى وزير الخارجية الاسرائيلي، سيلفان شالوم، ان تتجه الحكومة الاسرائيلية، بعد خطة الفصل الى عمليات تكثيف للاستيطان وقال ان المهمة الأولى ستكون استئناف المفاوضات حول تطبيق «خريطة الطريق». لكنه اشترط أن يقوم الفلسطينيون أولا بالايفاء بالتزاماتهم في المرحلة الأولى من هذه الخريطة وهي بالأساس تفكيك التنظيمات المسلحة ووقف العمليات التفجيرية واطلاق الصواريخ. وهدد شالوم في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بالعودة الى احتلال قطاع غزة من جديد في حالة عودة العمليات الفلسطينية. ودعا شالوم الفلسطينيين الى تخفيض سقف أحلامهم وقال ان ما كان اقترحه رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود باراك على عرفات ورفضه، لن يقترحه بعد أي رئيس حكومة اسرائيلي في القريب. واعتبر المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى تخوم اسرائيل أمرا جنونيا. وكشف ان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أخبره انه كان قد أبلغ عرفات ان الولايات المتحدة لا يمكن ان توافق على حق العودة. وكشف ان اسرائيل أسمعت الرئيس جورج بوش شريطا مسجلا بصوت الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات، وهو يعطي الأمر بشراء سفينة السلاح «كارين ايه»، وهو الشريط الذي تسبب في قرار الرئيس الأميركي بمقاطعة عرفات. وقال شالوم ان هذا هو الوقت المناسب لاخراج العلاقات السرية القائمة حاليا بين اسرائيل والعديد من الدول العربية الى النور وجعلها علنية، مما يساعد الرأي العام الاسرائيلي على القبول بتنازلات اسرائيلية للفلسطينيين. وفيما يلي نص الحوار مع شالوم:
* اذن، يمكن القول إن موقفك من خطة الفصل تطور الى درجة التأييد فأنت كنت في البداية معارضا لها.
ـ أنا اعترضت بشكل مبدئي على هذه الخطة بسبب كونها أحادية الجانب. وما زلت مقتنعا بأن خطة أحادية الجانب هي أقل جودة من اتفاق بيننا وبين الفلسطينيين.
* ألا تعترض على المبدأ ان تنسحب اسرائيل من غزة وتزيل وتخلي المستوطنات؟
ـ الانسحاب من غزة يمكن الحديث عنه ولكن عندما تفعل ذلك باتفاق تكون الأمور مختلفة، مضمونا وشكلا. فالطرف الآخر عندها يكون ملزما بأشياء معينة. في حينه قال لي رئيس الوزراء (أرييل شارون) ان موقفي صحيح ولكن لا يوجد لنا شريك في الطرف الفلسطيني نعقد معه اتفاقا. فقد كان يومها ياسر عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية. وأنا كان رأيي مختلفا حول الطريقة التي يجب ان نعالج فيها عرفات. لكن هذه قضية أخرى.
* كان رأيك أن يتم طرد عرفات أو حتى اغتياله؟
ـ رأيت في حينه انه لا يمكن التوصل الى اتفاق معه. لا بد أنك تذكر ان رئيس الشاباك (رئيس جهاز المخابرات العامة في اسرائيل، آفي ديختر) قال ذات مرة ان ما قدمه رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، ايهود باراك، الى عرفات من اقتراحات سياسية لتسوية الصراع ورفضه، لن يجد قبولا في اسرائيل، الا اذا تولى رئاسة الحكومة عندنا النائب عبد المالك دهامشة (رئيس كتلة الحركة الاسلامية في اسرائيل) ووزارة الدفاع النائب أحمد طيبي (رئيس الحركة العربية للتغيير في اسرائيل). فقد اقترح أكثر من 90 % من الضفة الغربية وتعويضهم عن الباقي بصحراء حلوتسا (منطقة تقع جنوب قطاع غزة) وتسليمهم الأحياء العربية في القدس الشرقية. ومثل هذه الاقتراحات لن تجد رئيس حكومة اسرائيلية يقترحها في القريب. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن نموذج غزة بعد خطة الفصل مهم لنا جميعا من أجل المستقبل. فاذا نجح سنتمكن من التقدم الى الأمام في مشروع «خريطة الطريق». واذا لم ينجح ونرى ان غزة تواصل ارسال الصواريخ نحو أشكلون وأشدود ومحطات توليد الكهرباء ومصانع تكرير البترول وغيرها، فلن يكون هناك رئيس حكومة في المستقبل يقترح أمورا كهذه. أنت تعرف ان ما حصل عليه باراك بعد اقتراحاته تلك هو انتفاضة فلسطينية مسلحة. وقد أرسله المواطنون الاسرائيليون الى البيت بعد ستة أشهر فقط من طرحه الفكرة. لذلك يجب أن تنجح هذه التجربة. ومن الأهمية بمكان أن يفهم ابو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) أن عليه ان يعمل كل ما في وسعه من أجل أن نتمكن من التقدم الى الأمام بفضل خطة الفصل. فاذا لم يفعل واذا استمرت الصواريخ والعمليات الارهابية فاننا سنضطر الى الرد. وستكون هنا عملية «سور واق» ثالثة (يقصد العمليات الحربية، علما بأن الجيش الاسرائيلي أطلق اسم السور الواقي على عملية الاجتياح للضفة الغربية في سنة 2003 ولقطاع غزة في سنة 2004). ما نفعله نحن اليوم بخطة الفصل هو مبعث أمل وهو تعبير عن الارادة الاسرائيلية بالسلام. وهذا ليس سهلا.
* ماذا تقصد ليس سهلا؟
ـ اقصد ان خطة الفصل تواجه بمعارضة شديدة جدا في اسرائيل.
* لكن غالبية الشعب تؤيدها؟
ـ لذلك أنا أيدت اجراء استفتاء شعبي حولها. فلو وافق شارون على ذلك لكان حصل على أكثرية ولكانت المعارضة أقل حجما وحدة بكثير.
* الكنيست في اسرائيل هي السلطة العليا في هذا المجال. وقد اتخذت قرارها بالأكثرية الساحقة؟
ـ السؤال هو هل الكنيست يعبر عن ارادة الشعب؟
* بالتأكيد، فكل استطلاعات الرأي أكدت وجود أكثرية للخطة طول الوقت؟
ـ لهذا ولأنني واثق من تأييد الشعب اقترحت الذهاب الى استفتاء.
* في هذه الأيام تنتظم مجموعة كبيرة من أعضاء اللجنة المركزية في حزب الليكود تطلب منك ومن أربعة وزراء آخرين معروفين بمعارضة خطة الفصل أن تستقيلوا من الحكومة احتجاجا على الانسحاب والا فانهم سيحاسبونكم في الانتخابات الداخلية القادمة. فماذا ستفعل؟
ـ فليتوجهوا.
* أنت تستطيع الوعد أمامنا الآن بأنك لن تستقيل؟
ـ القضية ليست وعدا. أنا لم أستقل.
* ولن تستقيل لكي تتخلص من شارون وتعاقبه على خطته؟
ـ أنا هنا كنائب لرئيس الحكومة ووزير للخارجية.
* هل تتوقع أن تستمر حكومتكم حتى نهاية دورتها في نوفمبر (شرين الثاني) 2006؟
ـ لست واثقا من هذا.
* كيف تنظر الى تطور الأمور اذن بعد تطبيق خطة الفصل. فقد استقال وزير المالية بنيامين نتنياهو وبدأ السعي الى اسقاط الحكومة وتقديم موعد الانتخابات للاطاحة بشارون؟
ـ الأمر يتعلق أولا برئاسة الليكود ومن ينتخب رئيسا لحزب العمل. ان احتمال أن يصوت حزب العمل مع ميزانية الدولة يقترب من المستحيل. فاذا لم يصوت معها فان الانتخابات ستجري في 30 يونيو (حزيران) 2006. واذا انتخب لرئاسة حزب العمل شخص غير شيمعون بيريس، فمن المحتمل أن يتم تقديم الانتخابات الى موعد أقرب. أنا قلت قبل سنة ان الانتخابات ستجري في الفترة ما بين فبراير (شباط) ويونيو (حزيران) 2006 وما زلت مقتنعا بذلك.
* من الذي يمكن القول انه غير معني بتقديم موعد الانتخابات؟
ـ أولا رئيس الحكومة. فكل رئيس حكومة يريد البقاء في منصبه حتى نهاية الدورة. ولكن اذا توفرت أكثرية لهذه الغاية فلن يكون أمامه مفر.
* هل أنت شريك في التوقعات باقامة حزب جديد تحت قيادة شارون وبيريس ويوسف لبيد (زعيم حزب شينوي الليبرالي)؟
ـ لا أدري، يجب أن تسألهم. أنا لست شريكا في خطة كهذه وأريد أن يبقى الليكود موحدا.
* هل سيكون ذلك الليكود برئاسة شارون أو نتنياهو؟
ـ أنا وقفت مع شارون طول الوقت. كنت الوحيد الذي وقف معه ثلاث مرات في سنة 1999 وسنة 2000 وسنة 2003 وقد انتصرنا عندما ذهبنا معا .
* اذن سيكون مجديا أن تظلا معا؟
ـ كل شيء ممكن. مع ان الصحف تتحدث عن وجود اتفاق بيني وبين شارون على البقاء معا فانني أقول لك للمرة الأولى انه لا يوجد لي اتفاق مع شارون.
* لن تكون مع نتنياهو، فالعلاقات بينكما ليست على ما يرام؟
ـ في البداية يجب ان نعرف من سيكون مع من. أنت نفسك تحدثت عن امكانية قيام حزب جديد ولكن شارون سيبقى في الليكود. هكذا قال لي. ولا يوجد سبب لأن لا أصدقه.
* لا أسمعك تقاطعني وتقول أنك لربما ستنافس أنت على منصب الرئاسة؟
ـ ربما يحدث هذا. وقد أتيحت لي الفرصة في سنة 2001 ولكنني لم انتهزها.
* هل تشعر أنك أخطأت لأنك لم تنتهز الفرصة؟
ـ أنا انسان مؤمن، وكما يقول العرب: «كل شيء مكتوب».
عودة اللاجئين
* أريد أن أعود، بعد اذنك الى ما قلته حول الفلسطينيين بانه لن يأتي قائد اسرائيلي يقترح على الفلسطينيين ما اقترحه باراك. فلماذا لا تفكر بأن الفلسطينيين أيضا لن تجد لديهم قائدا مثل ابو مازن قادر على اقتراح عملية سلام حقيقي مع اسرائيل تنطوي على تنازلات وتفاهمات مختلفة؟
ـ ربما. أنا لا أستطيع ان أضع نفسي في مكانهم.
* ولكنك تضع نفسك في موقف مشابه وتطرح عليهم أن يتفهموا دوافعك؟
ـ لا. أنا لا أطلب منهم. أنا أحدد بالأساس ما هي امكانياتنا وقدراتنا. فاذا كان الفلسطينيون يريدون الانتظار عشر سنوات أخرى فهذا شأنهم. لكنني أعتقد ان هناك امكانية واقعية اليوم للتوصل الى تسوية تقوم على حل عادل. ولكن اذا جاء ابو مازن وتحدث عن عودة اللاجئين التي تعتبر في نظري حلا جنونيا وبلا أي أمل، فان هذا يعني انه لن يكون هناك حل أبدا.
* وأين العدل في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين. هل هو بابقائهم مشردين؟
ـ الحل يجب ان يكون واقعيا. لن تجد رئيس حكومة اسرائيليا يوافق على عودة اللاجئين الى تخوم اسرائيل. أتعرف، يحضرني الآن لقاء مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قبل حوالي السنة في أركنسو في افتتاح المكتبة العامة على اسمه. فقد وصلت الى هناك قبل الاحتفال بيوم وجلست معه في لقاء كان مخططا له أن يدوم عشرين دقيقة فاستمر ساعة ونصف الساعة، فروى لي ما كان قاله للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في يوليو (تموز) سنة 2000 في كامب ديفيد، فقال: «نحن لن نؤيدك في أي يوم من الأيام في مطلبك بحق العودة. أتعرف لماذا؟ لأنه مطلب يفتقد للمنطق. أتعرف لماذا يفتقد للمنطق؟ لأنك تطلب اقامة دولة للشعب الفلسطيني. ومن يطلب اقامة دولة، هل يعقل ان يطالب باخراج بعض سكانها منها لينتقلوا الى دولة أخرى؟».
* ما القصد بانتقال سكانه الى دولة أخرى؟
ـ ان الحديث عن حق العودة يعني اعادة اللاجئين الفلسطينيين الموجودين اليوم في قطاع غزة وعددهم يزيد عن 1.3 مليون نسمة الى تخوم اسرائيل. وهذا، فضلا عن انه يهدد كيان اسرائيل وطابعها كدولة يهودية، يعني ان يفرغ عرفات دولته من السكان. وهذا غير منطقي. لذلك فان وراء هذا المطلب لا توجد مسألة حق يطالبون به، انما هناك شيء آخر غير نظيف.
* اذا كان هذا المطلب غير بريء، فكيف أسمي تجاهلك التام للقرار الذي اتخذته القمة العربية في بيروت والذي يتحدث عن تسوية قضية اللاجئين بالاتفاق بين الطرفين؟ ان هذا القرار يعني انه لن يكون حل لقضية اللاجئين لا توافق عليه اسرائيل. فماذا تريد أكثر من ذلك؟
ـ لكن ابو مازن يقول انه لن يتنازل في يوم من الأيام عن حق العودة. وفي لقاء واي بلانتيشن كان موقفه الأكثر تطرفا. أنا لا أذكر اذا كان في كامب ديفيد أم لا.
* لقد كان في كامب ديفيد لكنه اضطر الى المغادرة لكي يشارك في حفل عرس لابنه؟
ـ أجل. هناك أبدى الموقف الأكثر تطرفا. فاذا كان ابو مازن يريد في اطار ممارسة حق العودة ان ينقل فلسطينيين الى صفد، بلده الأصلي، فان ذلك يدل على مؤامرة ضد الدولة اليهودية وليس بحثا عن تسوية سلمية معها.
* ما لديك بعد للقول ضد ابو مازن؟ يبدو لي انك تناصبه هو أيضا العداء، وربما تعدون له مخططا شبيها بمخطط افقاد الشرعية الذي نجحتم به ضد ياسر عرفات؟
ـ لا. ان ابو مازن في نظري أفضل بما لا يقاس من عرفات، ليس لنا نحن بل للشعب الفلسطيني. انه يهتم بمصالح شعبه وليس مثل عرفات الذي كان همه الوحيد هو مصلحته. عرفات كان رمزا ولأنه كذلك لم ينتبه الناس الى الفساد الذي مارسه. لقد خصص مليون دولار لزوجته في الشهر الواحد.
* عرفات مات، وأنت ما زلت تحاسبه. دعنا نعود الى موضوعنا وقل لي ما الذي تخططونه ضد ابو مازن؟
ـ نحن لا نخطط شيئا. بالعكس، أبو مازن يهتم بالانسان العادي ويقول انه يريد احقاق حقوق شعبه بالمفاوضات فقط. ويرى انه اذا اختار الفلسطينيون الارهاب فان العالم سيقف مع اسرائيل واذا اختار الحوار فالعالم سيقف مع الفلسطينيين. لكن لكل انسان أخطاء. والخطأ الأكبر لدى ابو مازن انه لا يفهم ان سكوته على حماس سيلحق الضرر به. حماس تحاول في الظاهر المساس بنا في اسرائيل بواسطة العمليات الارهابية، لكنها لا تهدد الوجود الاسرائيلي. وهي أكثر من يعرف انها عندما تقول انها ستبيد اسرائيل انما تقول كلاما فارغا يباع في سوق النخاسين. ولهذا تهدد فعلا وجود ابو مازن شخصيا وتهدد طريقه السياسي العاقل. انها تهدد حياة ابو مازن. فالاغتيالات هي أسلوب عمل في هذه المنطقة.
* في اسرائيل أيضا يهددون شارون وقد سبق أن اغتالوا رئيس حكومة؟
ـ واضح. العودة الى احتلال غزة
* انت تعرف ان في محيط ابو مازن توجد قناعة بأن اسرائيل متضايقة من ابو مازن لأن العالم ينظر اليه كرجل سلام وانها تخطط لتشويه سمعته هو الآخر؟
ـ هذه نظرية المؤامرة. دائما يحسبون بأن اليهود يتآمرون. ينسحبون من غزة في اطار مؤامرة. يتآمرون من أجل التخلص من أبو مازن. ماذا أقول لك. انه كلام فارغ. نحن نعتقد ان ابو مازن أفضل ألف مرة من عرفات. انه رجل سلام. بينما عرفات كانت رجل حرب. لماذا حارب الرئيس جورج بوش عرفات، أتعرف لماذا؟ لأننا أسمعناه تسجيلا بصوت عرفات وهو يعطي الأوامر بجلب سفينة السلاح «كارين ايه». ابو مازن انسان تستطيع الكلام معه. ومعه اناس آخرون يفكرون مثله، أعرف منهم وزير الاعلام السابق نبيل عمرو، الذي عملت معه في اللجنة ضد التحريض. وقد حاولوا اغتياله واضطر الأطباء الى قطع رجله.
* ماذا سيحدث بعد الانسحاب من غزة: تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية أو المفاوضات لاستمرار المسيرة السياسية؟
ـ نحن نريد أن تستمر المفاوضات. ولكن هذا منوط بما سيفعله ابو مازن في موضوع مكافحة الارهاب. فلا يمكن له ان يواصل السماح للتنظيمات المسلحة ان تعمل. يجب تفكيكها ونزع سلاحها.
* لماذا لا تأخذون بالاعتبار ما يقوله ابو مازن من انه لا يريد حربا أهلية وانه يريد تفكيك التنظيمات بطريقة سلمية. فمثلما يتعامل شارون مع معارضيه بصبر وتفاهم يتعامل ابو مازن مع معارضيه؟
ـ أولا نحن لسنا معنيين بحرب أهلية فلسطينية. ولا حاجة الى حرب كهذه. ابو مازن لديه 70 ألف شرطي مسلح، فلكي يسيطروا على ألف أو ألفين مسلح من «حماس» و«الجهاد»، لن يحتاجوا الى حرب أهلية. ثم ان الحديث يدور عن سلطة تسعى لأن تكون دولة. فهل توجد دولة تسمح لميليشيات مسلحة أن تعمل تحت سيادتها؟ هل يسمح الأردن أو مصر أو أية دولة أخرى في العالم بذلك؟ بل ان عرفات نفسه، قبل عهد ابو مازن، فعلها في سنة 1996. ففي حينه قلنا له اما ان تكافح الارهاب او ان تعود الى تونس. لقد اعتقل ألف عنصر من حركة «حماس» وقتل 12 شخصا منهم واعتقل عددا من قادتهم ونتف لحاهم. أنا لا أريد أن يفعل ذلك ابو مازن، ما أريده هو ان يثبت لنا انه قائد معني وقادر على ادارة دولة، حتى نتعامل معه على هذا الأساس.
* اذا لم يفعل، لن تكون مفاوضات ولا «خريطة طريق»؟! ـ لماذا؟ نحن بعد انهاء خطة الفصل متجهون نحو «خريطة الطريق» مباشرة وبكل جدية واخلاص. لكن يجب انهاء المرحلة الأولى من «خريطة الطريق». من جهتنا عملنا المطلوب وزيادة، خصوصا بعد الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. ويجب على الفلسطينيين ان يؤدوا واجباتهم في فرض الهدوء ووقف العنف وتفكيك التنظيمات المسلحة وفرض سيادة القانون ومنع التهريب ومنع اطلاق الصواريخ على بلداتنا. فاذا لم يفعلوا، سنضطر ليس فقط لوقف المسيرة، بل أيضا للرد على هذه العمليات كما يجب.
* هل يوجد احتمال أن تعودوا لاحتلال قطاع غزة؟
ـ اذا كان هناك ارهاب وصواريخ، فماذا تتوقع منا. أن نمتص الصواريخ والقتل والارهاب ولا نفعل شيئا؟
* وماذا عن خطط رئيس الحكومة، أرييل شارون، على الصعيد السياسي الحزبي والمصير الشخصي. فهو يريد استرداد القوى التي فقدها بسبب خطة الفصل ويقال ان ذلك سيكون بواسطة قرارات واجراءات ستكون على حساب الفلسطينيين، مثل تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية.
ـ يقال ويقال. هل تريدني ان أرد على كل ما يقال؟
* ما أريده هو ان لا تتهرب من الاجابة على سؤالي. بامكانك مثلا ان ترد بالقول ان اسرائيل لن تكثف الاستيطان.
ـ أنا لم أسمع شارون يقول هذا الكلام. ما سمعته هو انه يريد الانتقال الى «خريطة الطريق» وأنا أصدقه. المشكلة هي ان كان الطرف الآخر معنيا بذلك.
العالم العربي واسرائيل
* أنت مقتنع بأن المهمة الأولى لك بعد خطة الفصل هي ان تفتح باب العالم العربي على اسرائيل. كيف ستفعل ذلك؟
ـ هذا هو ما آمل تحقيقه. لكن لا بد أولا من الاشارة الى ان لاسرائيل توجد علاقات مع العديد من الدول العربية، ومن يعتقد بغير ذلك يكون مخطئا. لكن هذه العلاقات حتى الآن سرية. الأمر يثير السخرية في نظري، لكن هذا هو الواقع. وأنا أقول للقادة العرب الذين ألتقيهم: ما الحكمة من هذه السرية؟ أتخشون من ان العلاقات بيننا تضر بالفلسطينيين وبالقضية الفلسطينية، ولكننا كما ترون نلتقي مع المسؤولين الفلسطينيين يوميا وأمام كاميرات التلفزيون. فهل صرتم فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين؟
* أنت تقصد زعماء عربا من دول لا تقيم علاقات مع اسرائيل؟
ـ أجل.
* لن تقول لي أسماء، أعرف، ولكن هل هؤلاء هم رؤساء أو وزراء خارجية؟
ـ دعني من اعطاء أية تفاصيل. فعندما تنشر أمور كهذه تؤدي الى قطع العلاقات، وقد حدث أمر كهذا في السابق.
* حدث مع تشاد وهي ليست دولة عربية؟
ـ انها دولة اسلامية وأنا أقصد العلاقات مع الدول العربية والاسلامية. فهذه لا توجد بيننا وبينها أية مشاكل أو نزاعات. بل توجد كل الامكانيات لتحقيق التعاون في شتى المجالات، من البيئة الى الصناعة فالزراعة وغيرها. ان علاقات كهذه تشجع الجمهور الاسرائيلي على القبول بخطوات كبيرة الى الأمام في المفاوضات السلمية مع الفلسطينيين. ان الجمهور الاسرائيلي اليوم طافح بالتشكيك بالعرب وبمواقفهم. فكل خطوة عربية ايجابية باتجاه اسرائيل تساهم في تغيير موقف الرأي العام عندنا بشكل ايجابي.
* وماذا يقول لك المسؤولون العرب عندما تقول لهم هذه الكلمات؟
ـ يقولون لي معك حق ولكنهم ينتظرون سنوح فرصة جيدة ومناسبة لذلك.
* وما هي هذه الفرصة؟
ـ أعتقد ان انتهاء خطة الفصل بنجاح هو أفضل فرصة.
* العراق، هل هي بالحساب في هذا البرنامج؟
ـ لا. العراق ليس ناضجا لهذه الامكانية بعد.
* أنت بذلت جهودا كبيرة لتحسين العلاقات بين اسرائيل واوروبا. فهل أصبح لهذه القارة دور فاعل في المسيرة السلمية في الشرق الأوسط؟
ـ أعتقد ان اوروبا هي اليوم شريكة في العملية بشكل جزئي، وهذا أمر جديد اذ لم يكن لها أي دور.
* وهل هذا التطور ناجم عن تغيير في سياسة اوروبا أم في السياسة الاسرائيلية؟
ـ التغيير هو لدى الأوروبيين. فهم مقتنعون بضرورة اتخاذ مواقف متوازنة حتى يتاح لهم ان يكونوا وسيطا غير متحيز. فأدخلوا «حماس» الى قائمة التنظيمات الارهابية وأوقفوا بث قناة «المنار» وعملوا على اخراج القوات السورية من لبنان. وأعربوا عن استعدادهم لدعم القوى المعتدلة في السلطة الفلسطينية وفي العالم العربي. بالطبع هم لا يتكلمون بنفس لغتنا ومفاهيمنا، ويصرون على ابقاء الخطوط مفتوحة مع قوى مساندة للارهاب، لكنهم ملتزمون بمكافحة الارهاب وهذا مهم جدا.

التعليقات