الأردن: مراكز القوي تتبادل الإتهامات .. وهيئة فساد عملاقة تفتح ملفات بعض الكبار

غزة-دنيا الوطن

الزج بإسم طاهر المصري كمرشح لتولي حكومة ثورة بيضاء بعد اسابيع قليلة في الأردن لاينطوي إلا علي محاولة جديدة للتجديف خارج التيار في توقيت لا يمكن ضبطه علي اي ساعة منطقية في عمان الآن، فالنخبة تشتبك وتتعارك فيما بينها والمصري منذ وقت مبكر إعتزل حالة الفوضي النخبوية التي أطاحت برؤوس وأبدلتها بغيرها قد تطيح قريبا بدورها.

ولا يوجد عمليا أساس او وجاهة في التحدث عن ترئيس المصري حاليا، فهذا السياسي المخضرم والهادئ تعرض منذ اسابيع لظلم قال أبطاله انه عفوي عندما عين عضوا في لجنة الأجندة الملكية، ويومها قبل المصري حتي لا يتهم بالجحود والنكران والإحجام عن عمل وطني لكنه قبل علي مضض ولاحظ بعين الخبر كيف تواجه لجان الأجندة المكلفة بصياغة المستقبل صعوبات بالتنفس وكيف اصبحت مهددة بالإنهيار إلا إذا حصل تغيير دراماتيكي في البلاد علي صعيد النخبة طبعا.

والمسألة لا علاقة لها بالجدارة، فالمصري أجدر سياسيا ومهنيا وشعبيا من غالبية الذين شكلوا حكومات في السنوات الست الماضية لكنه وطوال فترات الصراع الممتدة بين أجنحة ومراكز القوي داخل مؤسسات النظام بقي ممتنعا إلا عن اللعب النظيف وإمتلك رؤية نقدية إلي حد ما تجاه ما يجري ولا يشعر بالحماس لتولي المسؤولية في مثل هذا الظرف العصيب وهذه كلها أسباب تحول دون المصري والموقع الرئاسي.

والمفارقة المرصودة حاليا في عمان تقول بأن الجميع يستعجل رحيل حكومة الرئيس عدنان بدران وتوقعات رحيلها تزداد حدة كلما إقترب الوقت المقرر لإعلان وثيقة الأجندة الوطنية رغم ان هذه الحكومة لم تجلس بعد علي كرسيها ولم تفعل شيئا ولم يرد لها بوضوح ان تفعل شيئا.

وعلي نحو مفاجئ ايضا قفزت قائمة الأسماء التقليدية ونهشت الشائعات الجميع فلا توجد ولا قراءة واحدة فقط تقول بان الرئيس بدران باق في موقعه من سوء حظه وحمي الشائعات والتسريبات تقول الآن ما لم يقل في اي وقت سابق مما يوحي بان ماكينة الشائعات ممنهجة وتمهد فيما يبدو لوضع ما سيحصل في البلاد فعلا.

وفجأة ايضا أصبح بعض كبار الرموز مشتبها بهم في نادي الفساد والفاسدين والقائمة تطال كثيرين ممن لا زالوا في مواقع اساسية في مؤسسات القرار. والماكينة نفسها تقول بان المخضرم زيد الرفاعي سيرحل عن موقعه الأزلي كرئيس لمجلس الأعيان قريبا فيما يوجد مرشح وحيد للجلوس في مكانه هو عبد السلام المجالي والأخير مرشح للموقع ليس لإنه أكفأ من الرفاعي أو لان وجوده سينطوي علي إضافة نوعية في تاريخ البلاد بل لسبب واحد هو الإشارة بغموض لإن رئاسة شقيقه عبد الهادي المجالي لمجلس النواب في مهب الريح ، فالتجرية الأردنية لا تحتمل شقيقين معا في رئاستي الأعيان والنواب في نفس الوقت مما يعني ان تعيين عبد السلام رئيسا للأعيان سينطوي علي رسالة ضمنية تطلب من عبد الهادي الخروج من اللعبة دون ان يعني ذلك ان الأخير سيمتثل فورا وإن كان يتطلع كما يقول مقربون منه دوما علي تشكيل حكومة يسميها أنصاره حكومة إنقاذ وطني.

وعبد الهادي المجالي احد أندر الأذكياء في اللعبة السياسية الأردنية وميزته انه قدم منذ أعوام دلائل عملية علي ان الإمتثال ليس شرطا او لم يعد شرطا للبقاء في طبقة السكان العليا في لعبة القرار ولعبة الديمقراطية وهو نفسه قال لصحافيين حاوروه مؤخرا ولم يستطيعوا نشر كل ما لديه ان الحكومة حاربته في إنتخابات 2003 وحاولت إسقاطه لكنه نجح غصبا عنها والحكومة التي يتحدث عنها عبد الهادي هنا هي حصريا حكومة علي أبو الراغب.

وأبو الراغب بدوره وبعد أن كان أطول الرؤساء عمرا في عهد الملك عبدالله الثاني تقلصت أخباره ومناوراته في لعبة النخبة السياسية وعند الحديث عن وزارة جديدة ستخلف وزارة بدران الجديدة بدورها لا احد يرشح الرئيس العتيق علي أبو الراغب ورغم ان الرؤساء بالعادة يشاغبون علي الحكومات التي تخلفهم إلا ان أبو الراغب تميز عن أقرانه بالمشاغبة علي الحكومة التي أعقبت حكومته وهي حكومة فيصل الفايز في رسالة تقول بانه لا يشعر حتي بوجود حكومة بدران حتي يشارك بحفلة النميمة عليها كما يفعل السياسيون بالعادة.

وسوء حظ وزارة بدران العاثر أوصلها لوضع مقيت فكرته عدم وجود شغب يستهدفها من أعضاء نادي الرؤساء السابقين مما يعني انها غير موجودة بالنسبة لهؤلاء أو انها آيلة للسقوط علي حد تعبير احد النواب. والإستثناء الوحيد يتعلق برموز وزارة الرئيس فيصل الفايز، فهؤلاء هم وحدهم الذين تفرحهم سقطات الحكومة التي خلفتهم عملا بتقليد أردني قديم يقول بان كل حكومة تذهب تلعن التي تأتي.

وحتي الآن لا يوجد بوصلة يمكن الإستعانة بها لتبرير مستوي الشائعات التي تنتشر كالهشيم في الوسط السياسي إبتداء من حرد نائب الرئيس الدكتور مروان المعشر وإنتهاء بمداهمة وتفتيش بيوت بعض المسؤولين الكبار في سياق ترتيبات حملة مفترضة لقطف بعض الرؤوس تحت عنوان الفساد وإستغلال الوظيفة.

وهذه الشائعات لا تصدر بكل الأحوال من ذهنية المواطن المتعب والمرهق بإرتفاع الأسعار، وقياسا لطبيعة مفاصلها وحيثياتها يمكن القول انها مبنية علي شواهد وتفاصيل لا يعرف بها ولا يوجهها إلا المحترفون في أوساط الصالونات السياسية وفي اوساط النخب بما في ذلك النخب التي تملك ادوات السلطة او تخبرها.

وبالعادة ووفقا للمألوف الأردني تمهد شائعات من هذا الطراز لحدث او تحول حساس ومهم لا يتوقف عند حدود تشكيل وزارة جديدة بل يتعدي نحو مرحلة جديدة ستقودها الوزارة الجديدة لكن الواضح ان هذا الهدف الوطني النبيل إفتراضيا تدفع كلفته سمعة البلاد وسمعة الشخصية العامة إلي ان يتحقق، فبعض الأسماء التي تطالها تسريبات الفساد الآن كانت مسؤولة في ظرف ما عن حماية الفساد وكانت تنظر علي جميع الأردنيين في هذا المضمار.

ويقال من جملة ما تقوله المعلومات ان هيئة مكافحة الفساد التي أمر بها القصر الملكي وتستعجلها الحكومة ستولد عملاقة أصلا ومبرمج لها ان تحظي بمصداقية وشعبية سريعة وذلك غير ممكن بدون وجود تصور مسبق حول ملفات فساد محددة ستبدأ بها اللجنة المشار إليها.

وإذا كانت الهيئة عملاقة فعلا فلابد من تجهيز كميات إضافية لها من الطعام حتي يقتنع الرأي العام بان رفع الأسعار رافقته فعلا حرب حقيقية علي الفساد والفاسدين علما بان شخصيات بارزة للغاية داخل عمان بدأت تتحدث يوميا عن الفساد وعلما بان شخصيات بارزة ايضا متهمة ضمنيا الآن بأنها وراء حملة التسريب الخارجية للمعلومات المضللة عن الفساد.

ويعني ذلك بانه لابد من دعم هيئة مكافحة الفساد التي اصبح وجودها السريع مطلبا وطنيا ملحا، الأمر الذي يفسر حالة التشابك والصراع غير المسبوقة بين مراكز القوي حاليا علما بان لجنة صغيرة شكلها رئيس البرلمان تلعب نفس اللعبة تقريبا وتدقق حاليا بملفات وزير المالية الأسبق باسم عوض ألله ووفق آلية غير مسبوقة إستندت علي ترك عشرات الفاسدين المفترضين والوهميين والإنشغال بفساد مفترض عند شخص واحد إختير كهدف للتدقيق البرلماني وهو تدقيق تمارسه لجنة أغلبية أعضائها من الخصوم السياسيين والعلنيين للوزير الهدف.

وهذه مفارقة أردنية من الصعب ان تحصل في مكان آخر مع ان هذه اللجنة الصغيرة مؤهلة للتلاشي كفرق حساب في حالة بروز لعبة مقايضات سياسية وبرلمانية أكبر منها لها علاقة بإنتخابات رئاسة البرلمان.

*القدس العربي

التعليقات