جنين والانسحاب الإسرائيلي المرتقب
غزة-دنيا الوطن
مع بداية العد التنازلي للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، كموعد محدد قابل للتنفيذ في منتصف آب الجاري، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون رسم خارطة خطته المسماة: "فك الارتباط"، كهدف استراتيجي يتصل بانسحاب جزئي لا يتبعه بعد ذلك أي إجراء آخر ينسجم واستكمال أي انسحاب قادم، في الضفة الغربية أو في أي منطقة أخرى في فلسطين المحتلة.
شارون قال للعالم إنه سينسحب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، ولكنه كثيراً ما أسقط فكرة الانسحاب من شمال الضفة، مع العلم بأن هذا الانسحاب يقتصر على إخلاء 4 مستعمرات في جنين، وفي مقابل ذلك، وفي مقابل هذا التنازل الإسرائيلي الذي يعتبره شارون مؤلماً، سيسعى كما هو واضح الآن، إلى تكريس سياسة الاستعمار في الضفة. وقد صرح شارون مؤخراً لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، بأن "التوراة هي أقوى وثيقة سياسية ويهودا والسامرة (أي الضفة الغربية)، هي مهد اليهودية".
ولكي يرضي شارون مستعمريه بخطة الإخلاء، أصر على بناء جدار الفصل العنصري في الضفة، ليلتهم ما مساحته 58% من المساحة الإجمالية للضفة، بالتوازي مع بناء المستعمرات وتسمينها، ناهيك عن السعي الشاروني الحثيث لتهويد القدس الشرقية وخنقها بالجدار كما السعي إلى إفراغها من أهلها، ومثال على ذلك، ما حدث قبل فترة عن إخطار إسرائيلي لأهالي بلدة سلوان بهدم 88 منزلاً.
بالتأكيد ستكون عيون شارون مفتوحة على الضفة الغربية، ذلك أن تصريحه لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية لم يأت من فراغ، وبالتالي فإن شارون لن يقدم على خطة تتصل بالإخلاء من مستعمرات، دون نقلها إلى جهة أخرى والتهام الأراضي وتوسيعها ومصادرتها.
يدور الحديث بالإضافة إلى الإخلاء الإسرائيلي لـ17 مستعمرة و13 موقعاً استعمارياً في قطاع غزة، يدور الحديث عن 4 مستعمرات أخرى في شمال الضفة، وبالتحديد في جنين، ومن الأهمية بمكان، معرفة هذه المستعمرات التي قد تنسحب منها إسرائيل خلال الأيام القادمة.
مقدمة عن الاستعمار في جنين:
بما أن الاستعمار داء دهم الأرض الفلسطينية عامة، وفق سياسة الاحتلال التوسعية القائمة على هضم الأرض الفلسطينية على مراحل مخططة ومدروسة، فلم تسلم منه محافظة جنين، حيث كان لها كباقي محافظات الوطن نصيب وافر من مصادرات الأراضي وبناء المستعمرات ومعسكرات التدريب على أراضي وممتلكات أهالي المحافظة، وذلك بحكم موقعها الاستراتيجي الهام، والمتوسط بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 (الخط الأخضر)، وباقي مدن الضفة الغربية.
إن أول مستعمرة زرعتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي في جنين، كانت مستعمرة "محيولا" الواقعة في عين البيضاء/ طوباس، وبعدها بدأت تلك الحكومة بزرع المستعمرات تلو الأخرى، حتى بلغ عدد المستعمرات في جنين إلى 21 مستعمرة.
مستعمرة "ميحولا" بنيت عام 1969، وتبلغ مساحتها الإجمالية 233 دونماً، وتعتبر مستعمرة زراعية، فيما تعتبر "مسكون" آخر مستعمرة بنيت في جنين (1986)، وتبلغ مساحتها الإجمالية 50 دونماً، وتقع هذه المستعمرة في بلدة تياسير وهي مستعمرة عسكرية.
وبعد اتفاق أوسلو صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي آلاف الدونمات من أراضي جنين، لعدة أسباب منها: استخدامها كمكب لنفايات المستعمرين والمخيمات العسكرية، ولتوسيع مستعمرات مثل قاديم وجانيم، بالإضافة إلى شق طرق التفافية وبناء أخرى لحماية المستعمرات وكطرق لها.
في ضوء الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي من بعض المستعمرات في الضفة الغربية، أعلنت قوات الاحتلال عن أسماء المستعمرات التالية: (قاديم، جانيم، حومش، صانور)، التي ستنسحب منها في محافظة جنين، في إطار خطة فك الارتباط أحادي الجانب.
المستعمرات في جنين:
تقع محافظة جنين في أقصى شمال الضفة الغربية، فيما يبلغ عدد المستعمرات فيها 21 مستعمرة، من أصل 160 مقامة على أراضي الضفة بما فيها القدس. يوجد 9 مستعمرات مبنية على أراضي محافظة جنين، أما الـ12 مستعمرة الأخرى الباقية فهي مبنية على أراضي طوباس وطمون والعين البيضا والأغوار الشمالية في المدينة.
وتقسم المستعمرات في محافظة جنين حسب الموقع الجغرافي إلى 3 أقسام هي:
1. القسم الأول ويضم المستعمرات على طول الحدود مع نهر الأردن (الأغوار) في منطقة طوباس.
2. القسم الثاني ويضم المستعمرات على طول الخط الأخضر من غرب محافظة جنين، وقد عمدت سلطات الاحتلال إلى إدخال معظمها داخل جدار الفصل العنصري في أواخر عام 2002، وهي (شاكيد وريحان وحنانيت).
3. القسم الثالث ويضم المستعمرات في وسط أراضي محافظة جنين وتنقسم إلى:
" جانيم، قاديم، صانور، حومش، وهي التي سيتم إخلاؤها.
" مابودوثان، حرميش، وهي مربطة بشوارع التفافية وبشبكة دوريات عسكرية على مدار الساعة.
المستعمرات المنوي إخلاءها:
أولاً: مستعمرة قاديم:
أقيمت هذه المستعمرة على أراضي بلدة قباطية عام 1981، وتقدر مساحتها بـ166 دونماً، وهي متاخمة لمستعمرة جانيم، حيث يحدها من الشرق قرية عابا، ومن الشمال مدينة جنين (حي الألمانية). أما من الغرب يحدها مدينة جنين وحي السويطات.
وتقدر عدد الوحدات السكنية حوالي 80 وحدة سكنية، ويوجد بها ملاعب لكرة السلة واليد والطائرة، ومبنى لمجلس خدمات (بريد هاتف).
كانت تستخدم هذه المستعمرة للأغراض المدنية في بدء تأسيسها، وتتبع إدارياً للعفولة، وهي من المستعمرات التعاونية، لكنها مع بدء انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000، تحولت كغيرها من المستعمرات إلى معسكرات وقواعد عسكرية تجتمع بها آليات جيش الاحتلال، للانطلاق منها أثناء الاجتياحات التي تعرضت لها مدينة جنين. وفي العام 2004، قامت قوات الاحتلال باقتلاع مساحة من الأشجار الحرجية المحيطة بالمستعمرة من الجهة الغربية والجنوبية، لاستخدامها كمعسكر لتدريب جنود جيش الاحتلال.
وقبل أيام رحلت اثنا عشر عائلة من المستعمرين، ولم يبقى بها إلا بضع العائلات وجنود الحراسة ومعسكر التدريب.
ثانياً: مستعمرة جانيم:
تقع مستعمرة جانيم في الركن الشرقي لمدينة جنين، حيث يحدها من الشمال قرية عابا ومدينة جنين (حي الألمانية)، ومن الشرق بلدة دير أبو ضعيف، والجنوب قرية أم التوت وخربة سبعين، ومن الغرب مستعمرة قاديم ومدينة جنين وحي السويطات.
أقيمت هذه المستعمرة في عام 1983، أثناء الهجمة الاستعمارية الشرسة التي شهدتها أراضي الضفة الغربية على أراضي بلدة دير أبو ضعيف وقرية عابا الشرقية، وتقدر مساحتها بـ185 دونم، وقد عمل المستعمرون في عام 1999 على زيادة مساحة المستعمرة بواسطة السيطرة على أراضي قرية عابا الشرقية المتاخمة للسمتعمرة، وذلك باقتلاع أشجار اللوز والزيتون، بهدف توسيع مساحة المستعمرة لبناء وحدات سكنية جديدة لاستيعاب مزيد من المهاجرين إلى إسرائيل باسم اليهودية. تستخدم هذه المستعمرة لأغراض مدنية، وهي من المستعمرات التعاونية التابعة لمدينة العفولة، حيث كانت تشهد حركة سكانية ملحوظة طوال السنوات التي سبقت انتفاضة الأقصى، من العام 2000، حيث أخذ عدد السكان يتناقص بشكل ملحوظ مع اشتداد انتفاضة الأقصى، كما أنه كان يوجد فيها مصنع للمواد الكيماوية، والذي أغلق ما بين العام 1998 و1999، حيث حاول الاحتلال التخلص من مخلفات المصنع من المواد الكيماوية بإلقائها في قرية أم التوت الفلسطينية، والتي تنذر بكارثة بيئية تهدد حياة السكان الفلسطينيين.
كان يوجد في هذه المستعمرة مفقصة صيصان، إلى أن أغلقت وتحولت إلى مصنع للمواد الكيماوية، كما يوجد بها صالة أفراح، وروضة أطفال ومبنى خدمات مركز هاتف وبريد.
وقد وضع جيش الاحتلال نقطة عسكرية دائمة بين مستعمرتي قاديم وجانيم، تعمل على مراقبة الأوضاع الأمنية في المنطقة وتوفير الأمن والحماية للمستعمرين، ولهذا منع المزارعون الفلسطينيون من بلدات قباطية ودير أبو ضعيف في بداية انتفاضة الأقصى من الوصول إلى أراضيهم وفلاحتها.
ثالثاً: مستعمرة حومش:
تقع مستعمرة حومش والتي ترتفع عن سطح البحر بـ680 م إلى الجنوب الشرقي من بلدة سيلة الظهر، وبالتحديد على جبل يسمى (العتيبات)، وكلها على أراضي حكومية تتبع سيلة الظهر وبرقة.
" تبلغ مساحة المستعمرة حوالي 1000 دونم.
" تم إنشاؤها عام 1978.
" يربطها بالشارع الرئيسي (نابلس، جنين) شارع معبد بطول حوالي 1 كم، وعرض من 5 إلى 6 أمتار.
" تقدر عدد الوحدات السكنية بها حوالي 105 شقة، ويوجد بها بنية تحتية جيدة، ومنطقة صناعية بمساحة 1200 م2، بحيث تتكون من مصنع طعام ومحددة ومصنع لغمازات السيارات والدعاميات، وتقدر المساحة الملحقة بهذه المنطقة حوالي 7 دونم، كلها معبدة.
" في حرب الخليج عام 1990 تم نصب صواريخ باتريوت بها.
رابعاً: مستعمرة ترسلة (صانور):
" تقع على الطريق الرئيسي (جنين-صانور) بالقرب من قرية عجة.
" بنيت عام 1977، وتقدر مساحتها 77 دونماً. وهي مستعمرة مدنية.
" تجري الشرطة الإسرائيلية فيها الآن مناورات تدريبية لإخلاء المستعمرين بالقوة.
مع كل ما سبق، لا يتفاءل الفلسطينيون كثيراً إزاء نية إسرائيل للانسحاب "المجاني" من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. فحتى اللحظة إسرائيل تسمن المستعمرات في الضفة. وفي الرابع من الشهر الجاري، نشرت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءً لبناء 72 وحدة سكنية في مستعمرة "بيتار عليت"، وكتلة "عتصيون" الاستعمارية التي تخطط إسرائيل لضمها بعد استكمال بناء الجدار العنصري غربي بيت جالا وجنوب بيت لحم.
هناك سيناريوهات كثيرة يمكن تناولها في إطار سياسات إسرائيل الغامضة تجاه خطة الانفصال وتجاه الفلسطينيين، وهذه السيناريوهات كالتالي:
1. إسرائيل ربما تريد من خلال الانسحاب من مستعمراتها في الضفة وغزة، إرساء هدف استراتيجي وهو اختزال الدولة الفلسطينية في إطار غزة وشمال الضفة فقط، ولن يتبع بعد ذلك أي انسحاب قادم.
2. ربما تحاول إسرائيل القول للعالم إننا اتخذنا خطوة جريئة لتحريك عملية السلام، وهذه الخطوة نعلنها أمام العالم بإصرارنا على الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة. وهنا سيصور شارون انسحابه على أنه انسحاب عن معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة.
3. إسرائيل قد تسعى من خلال الانسحاب، رسم صورة للعالم بأن السلطة الوطنية غير قادرة على صياغة أوضاعها بعد الانسحاب المرتقب، وبالتالي سيكون لدى إسرائيل الذريعة اللازمة للتنصل من استحقاقات السلام، ومن رؤية الرئيس جورج بوش بقيام دولتين تعيشان جنباً إلى جنب.
4. رحيل إسرائيل عن غزة وشمال الضفة، قد يكون هروباً من مطالبات المجتمع الدولي بتطبيق خارطة الطريق، التني تنص على تجميد المستعمرات والدخول نحو السلام بشكل يعطي للفلسطينيين حقوقهم المشروعة.
5. ربما لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، وبالتالي نصبح أمام مماطلات أوتوماتيكية تتجدد لمجرد عدم رغبة إسرائيل في دفع عملية السلام بالهروب وتحميل السلطة مسؤولية تقصيرها عن الكثير من الأكاذيب التي تخلقها إسرائيل.
6. قد يكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة إلى غزة وفقط. بمعنى أن هذا الانسحاب هو في إطار غزة وتحت مظلة إعادة الانتشار، وبالنسبة لشمال الضفة لن يكون هناك انسحاب بالمطلق.
7. قد تحاول إسرائيل زج اليمين المتطرف لإقصاء مشروع شارون عن التنفيذ، بعد أن أعطى شارون موعداً محدداً لتنفيذ الخطة، مما يعني تفعيل رسالة شكلية مفادها بأن الحكومة الإسرائيلية صادقة في تنفيذ خطة الانفصال، إلا أن اليمين المتطرف ماض ومصر على وقفها.
قد تكون السيناريوهات والمفارقات الإسرائيلية كثيرة في تنفيذ أو تأجيل أو وقف تنفيذ خطة الانفصال، ولكن الأهم من ذلك أن شارون يبقى كاذباً ومخادعاً حتى ينتهي الاحتلال وتطبق خطة الانفصال بكاملها. أما الجانب الفلسطيني فهو يطالب بمجموعة من الأجوبة حول مصير الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من القطاع وشمال الضفة الغربية، ولديه العديد من المطالبات قبيل الخطة وبعدها، وهي:
1. أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مقدمة لمزيد من انسحابات أخرى، وخطوة نحو تحرير القدس.
2. ربط خطة الانفصال بخارطة الطريق.
3. الانسحاب الكامل والشامل من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية بدون أي مماطلة أو تسويف.
4. أن يكون الانسحاب نظيفاً وهادئاً.
5. أن يكون الانسحاب قادراً على تحقيق السيادة الفلسطينية على أراضيها بالكامل.
6. أهمية التواصل بين الضفة وغزة، وربطها بطريق الممر الآمن، وضمان حرية الحركة للأفراد والبضائع وعدم تحويل القطاع إلى سجن كبير غير متصل مع العالم، والتأكيد على أهمية بناء مطار الشهيد ياسر عرفات.
7. مطالبة المجتمع الدولي بتقديم الدعم المادي والمعنوي للسلطة الوطنية الفلسطينية.
*المركز الصحافي الدولي
مع بداية العد التنازلي للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، كموعد محدد قابل للتنفيذ في منتصف آب الجاري، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون رسم خارطة خطته المسماة: "فك الارتباط"، كهدف استراتيجي يتصل بانسحاب جزئي لا يتبعه بعد ذلك أي إجراء آخر ينسجم واستكمال أي انسحاب قادم، في الضفة الغربية أو في أي منطقة أخرى في فلسطين المحتلة.
شارون قال للعالم إنه سينسحب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، ولكنه كثيراً ما أسقط فكرة الانسحاب من شمال الضفة، مع العلم بأن هذا الانسحاب يقتصر على إخلاء 4 مستعمرات في جنين، وفي مقابل ذلك، وفي مقابل هذا التنازل الإسرائيلي الذي يعتبره شارون مؤلماً، سيسعى كما هو واضح الآن، إلى تكريس سياسة الاستعمار في الضفة. وقد صرح شارون مؤخراً لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، بأن "التوراة هي أقوى وثيقة سياسية ويهودا والسامرة (أي الضفة الغربية)، هي مهد اليهودية".
ولكي يرضي شارون مستعمريه بخطة الإخلاء، أصر على بناء جدار الفصل العنصري في الضفة، ليلتهم ما مساحته 58% من المساحة الإجمالية للضفة، بالتوازي مع بناء المستعمرات وتسمينها، ناهيك عن السعي الشاروني الحثيث لتهويد القدس الشرقية وخنقها بالجدار كما السعي إلى إفراغها من أهلها، ومثال على ذلك، ما حدث قبل فترة عن إخطار إسرائيلي لأهالي بلدة سلوان بهدم 88 منزلاً.
بالتأكيد ستكون عيون شارون مفتوحة على الضفة الغربية، ذلك أن تصريحه لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية لم يأت من فراغ، وبالتالي فإن شارون لن يقدم على خطة تتصل بالإخلاء من مستعمرات، دون نقلها إلى جهة أخرى والتهام الأراضي وتوسيعها ومصادرتها.
يدور الحديث بالإضافة إلى الإخلاء الإسرائيلي لـ17 مستعمرة و13 موقعاً استعمارياً في قطاع غزة، يدور الحديث عن 4 مستعمرات أخرى في شمال الضفة، وبالتحديد في جنين، ومن الأهمية بمكان، معرفة هذه المستعمرات التي قد تنسحب منها إسرائيل خلال الأيام القادمة.
مقدمة عن الاستعمار في جنين:
بما أن الاستعمار داء دهم الأرض الفلسطينية عامة، وفق سياسة الاحتلال التوسعية القائمة على هضم الأرض الفلسطينية على مراحل مخططة ومدروسة، فلم تسلم منه محافظة جنين، حيث كان لها كباقي محافظات الوطن نصيب وافر من مصادرات الأراضي وبناء المستعمرات ومعسكرات التدريب على أراضي وممتلكات أهالي المحافظة، وذلك بحكم موقعها الاستراتيجي الهام، والمتوسط بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 (الخط الأخضر)، وباقي مدن الضفة الغربية.
إن أول مستعمرة زرعتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي في جنين، كانت مستعمرة "محيولا" الواقعة في عين البيضاء/ طوباس، وبعدها بدأت تلك الحكومة بزرع المستعمرات تلو الأخرى، حتى بلغ عدد المستعمرات في جنين إلى 21 مستعمرة.
مستعمرة "ميحولا" بنيت عام 1969، وتبلغ مساحتها الإجمالية 233 دونماً، وتعتبر مستعمرة زراعية، فيما تعتبر "مسكون" آخر مستعمرة بنيت في جنين (1986)، وتبلغ مساحتها الإجمالية 50 دونماً، وتقع هذه المستعمرة في بلدة تياسير وهي مستعمرة عسكرية.
وبعد اتفاق أوسلو صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي آلاف الدونمات من أراضي جنين، لعدة أسباب منها: استخدامها كمكب لنفايات المستعمرين والمخيمات العسكرية، ولتوسيع مستعمرات مثل قاديم وجانيم، بالإضافة إلى شق طرق التفافية وبناء أخرى لحماية المستعمرات وكطرق لها.
في ضوء الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي من بعض المستعمرات في الضفة الغربية، أعلنت قوات الاحتلال عن أسماء المستعمرات التالية: (قاديم، جانيم، حومش، صانور)، التي ستنسحب منها في محافظة جنين، في إطار خطة فك الارتباط أحادي الجانب.
المستعمرات في جنين:
تقع محافظة جنين في أقصى شمال الضفة الغربية، فيما يبلغ عدد المستعمرات فيها 21 مستعمرة، من أصل 160 مقامة على أراضي الضفة بما فيها القدس. يوجد 9 مستعمرات مبنية على أراضي محافظة جنين، أما الـ12 مستعمرة الأخرى الباقية فهي مبنية على أراضي طوباس وطمون والعين البيضا والأغوار الشمالية في المدينة.
وتقسم المستعمرات في محافظة جنين حسب الموقع الجغرافي إلى 3 أقسام هي:
1. القسم الأول ويضم المستعمرات على طول الحدود مع نهر الأردن (الأغوار) في منطقة طوباس.
2. القسم الثاني ويضم المستعمرات على طول الخط الأخضر من غرب محافظة جنين، وقد عمدت سلطات الاحتلال إلى إدخال معظمها داخل جدار الفصل العنصري في أواخر عام 2002، وهي (شاكيد وريحان وحنانيت).
3. القسم الثالث ويضم المستعمرات في وسط أراضي محافظة جنين وتنقسم إلى:
" جانيم، قاديم، صانور، حومش، وهي التي سيتم إخلاؤها.
" مابودوثان، حرميش، وهي مربطة بشوارع التفافية وبشبكة دوريات عسكرية على مدار الساعة.
المستعمرات المنوي إخلاءها:
أولاً: مستعمرة قاديم:
أقيمت هذه المستعمرة على أراضي بلدة قباطية عام 1981، وتقدر مساحتها بـ166 دونماً، وهي متاخمة لمستعمرة جانيم، حيث يحدها من الشرق قرية عابا، ومن الشمال مدينة جنين (حي الألمانية). أما من الغرب يحدها مدينة جنين وحي السويطات.
وتقدر عدد الوحدات السكنية حوالي 80 وحدة سكنية، ويوجد بها ملاعب لكرة السلة واليد والطائرة، ومبنى لمجلس خدمات (بريد هاتف).
كانت تستخدم هذه المستعمرة للأغراض المدنية في بدء تأسيسها، وتتبع إدارياً للعفولة، وهي من المستعمرات التعاونية، لكنها مع بدء انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000، تحولت كغيرها من المستعمرات إلى معسكرات وقواعد عسكرية تجتمع بها آليات جيش الاحتلال، للانطلاق منها أثناء الاجتياحات التي تعرضت لها مدينة جنين. وفي العام 2004، قامت قوات الاحتلال باقتلاع مساحة من الأشجار الحرجية المحيطة بالمستعمرة من الجهة الغربية والجنوبية، لاستخدامها كمعسكر لتدريب جنود جيش الاحتلال.
وقبل أيام رحلت اثنا عشر عائلة من المستعمرين، ولم يبقى بها إلا بضع العائلات وجنود الحراسة ومعسكر التدريب.
ثانياً: مستعمرة جانيم:
تقع مستعمرة جانيم في الركن الشرقي لمدينة جنين، حيث يحدها من الشمال قرية عابا ومدينة جنين (حي الألمانية)، ومن الشرق بلدة دير أبو ضعيف، والجنوب قرية أم التوت وخربة سبعين، ومن الغرب مستعمرة قاديم ومدينة جنين وحي السويطات.
أقيمت هذه المستعمرة في عام 1983، أثناء الهجمة الاستعمارية الشرسة التي شهدتها أراضي الضفة الغربية على أراضي بلدة دير أبو ضعيف وقرية عابا الشرقية، وتقدر مساحتها بـ185 دونم، وقد عمل المستعمرون في عام 1999 على زيادة مساحة المستعمرة بواسطة السيطرة على أراضي قرية عابا الشرقية المتاخمة للسمتعمرة، وذلك باقتلاع أشجار اللوز والزيتون، بهدف توسيع مساحة المستعمرة لبناء وحدات سكنية جديدة لاستيعاب مزيد من المهاجرين إلى إسرائيل باسم اليهودية. تستخدم هذه المستعمرة لأغراض مدنية، وهي من المستعمرات التعاونية التابعة لمدينة العفولة، حيث كانت تشهد حركة سكانية ملحوظة طوال السنوات التي سبقت انتفاضة الأقصى، من العام 2000، حيث أخذ عدد السكان يتناقص بشكل ملحوظ مع اشتداد انتفاضة الأقصى، كما أنه كان يوجد فيها مصنع للمواد الكيماوية، والذي أغلق ما بين العام 1998 و1999، حيث حاول الاحتلال التخلص من مخلفات المصنع من المواد الكيماوية بإلقائها في قرية أم التوت الفلسطينية، والتي تنذر بكارثة بيئية تهدد حياة السكان الفلسطينيين.
كان يوجد في هذه المستعمرة مفقصة صيصان، إلى أن أغلقت وتحولت إلى مصنع للمواد الكيماوية، كما يوجد بها صالة أفراح، وروضة أطفال ومبنى خدمات مركز هاتف وبريد.
وقد وضع جيش الاحتلال نقطة عسكرية دائمة بين مستعمرتي قاديم وجانيم، تعمل على مراقبة الأوضاع الأمنية في المنطقة وتوفير الأمن والحماية للمستعمرين، ولهذا منع المزارعون الفلسطينيون من بلدات قباطية ودير أبو ضعيف في بداية انتفاضة الأقصى من الوصول إلى أراضيهم وفلاحتها.
ثالثاً: مستعمرة حومش:
تقع مستعمرة حومش والتي ترتفع عن سطح البحر بـ680 م إلى الجنوب الشرقي من بلدة سيلة الظهر، وبالتحديد على جبل يسمى (العتيبات)، وكلها على أراضي حكومية تتبع سيلة الظهر وبرقة.
" تبلغ مساحة المستعمرة حوالي 1000 دونم.
" تم إنشاؤها عام 1978.
" يربطها بالشارع الرئيسي (نابلس، جنين) شارع معبد بطول حوالي 1 كم، وعرض من 5 إلى 6 أمتار.
" تقدر عدد الوحدات السكنية بها حوالي 105 شقة، ويوجد بها بنية تحتية جيدة، ومنطقة صناعية بمساحة 1200 م2، بحيث تتكون من مصنع طعام ومحددة ومصنع لغمازات السيارات والدعاميات، وتقدر المساحة الملحقة بهذه المنطقة حوالي 7 دونم، كلها معبدة.
" في حرب الخليج عام 1990 تم نصب صواريخ باتريوت بها.
رابعاً: مستعمرة ترسلة (صانور):
" تقع على الطريق الرئيسي (جنين-صانور) بالقرب من قرية عجة.
" بنيت عام 1977، وتقدر مساحتها 77 دونماً. وهي مستعمرة مدنية.
" تجري الشرطة الإسرائيلية فيها الآن مناورات تدريبية لإخلاء المستعمرين بالقوة.
مع كل ما سبق، لا يتفاءل الفلسطينيون كثيراً إزاء نية إسرائيل للانسحاب "المجاني" من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. فحتى اللحظة إسرائيل تسمن المستعمرات في الضفة. وفي الرابع من الشهر الجاري، نشرت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءً لبناء 72 وحدة سكنية في مستعمرة "بيتار عليت"، وكتلة "عتصيون" الاستعمارية التي تخطط إسرائيل لضمها بعد استكمال بناء الجدار العنصري غربي بيت جالا وجنوب بيت لحم.
هناك سيناريوهات كثيرة يمكن تناولها في إطار سياسات إسرائيل الغامضة تجاه خطة الانفصال وتجاه الفلسطينيين، وهذه السيناريوهات كالتالي:
1. إسرائيل ربما تريد من خلال الانسحاب من مستعمراتها في الضفة وغزة، إرساء هدف استراتيجي وهو اختزال الدولة الفلسطينية في إطار غزة وشمال الضفة فقط، ولن يتبع بعد ذلك أي انسحاب قادم.
2. ربما تحاول إسرائيل القول للعالم إننا اتخذنا خطوة جريئة لتحريك عملية السلام، وهذه الخطوة نعلنها أمام العالم بإصرارنا على الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة. وهنا سيصور شارون انسحابه على أنه انسحاب عن معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة.
3. إسرائيل قد تسعى من خلال الانسحاب، رسم صورة للعالم بأن السلطة الوطنية غير قادرة على صياغة أوضاعها بعد الانسحاب المرتقب، وبالتالي سيكون لدى إسرائيل الذريعة اللازمة للتنصل من استحقاقات السلام، ومن رؤية الرئيس جورج بوش بقيام دولتين تعيشان جنباً إلى جنب.
4. رحيل إسرائيل عن غزة وشمال الضفة، قد يكون هروباً من مطالبات المجتمع الدولي بتطبيق خارطة الطريق، التني تنص على تجميد المستعمرات والدخول نحو السلام بشكل يعطي للفلسطينيين حقوقهم المشروعة.
5. ربما لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، وبالتالي نصبح أمام مماطلات أوتوماتيكية تتجدد لمجرد عدم رغبة إسرائيل في دفع عملية السلام بالهروب وتحميل السلطة مسؤولية تقصيرها عن الكثير من الأكاذيب التي تخلقها إسرائيل.
6. قد يكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة إلى غزة وفقط. بمعنى أن هذا الانسحاب هو في إطار غزة وتحت مظلة إعادة الانتشار، وبالنسبة لشمال الضفة لن يكون هناك انسحاب بالمطلق.
7. قد تحاول إسرائيل زج اليمين المتطرف لإقصاء مشروع شارون عن التنفيذ، بعد أن أعطى شارون موعداً محدداً لتنفيذ الخطة، مما يعني تفعيل رسالة شكلية مفادها بأن الحكومة الإسرائيلية صادقة في تنفيذ خطة الانفصال، إلا أن اليمين المتطرف ماض ومصر على وقفها.
قد تكون السيناريوهات والمفارقات الإسرائيلية كثيرة في تنفيذ أو تأجيل أو وقف تنفيذ خطة الانفصال، ولكن الأهم من ذلك أن شارون يبقى كاذباً ومخادعاً حتى ينتهي الاحتلال وتطبق خطة الانفصال بكاملها. أما الجانب الفلسطيني فهو يطالب بمجموعة من الأجوبة حول مصير الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من القطاع وشمال الضفة الغربية، ولديه العديد من المطالبات قبيل الخطة وبعدها، وهي:
1. أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مقدمة لمزيد من انسحابات أخرى، وخطوة نحو تحرير القدس.
2. ربط خطة الانفصال بخارطة الطريق.
3. الانسحاب الكامل والشامل من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية بدون أي مماطلة أو تسويف.
4. أن يكون الانسحاب نظيفاً وهادئاً.
5. أن يكون الانسحاب قادراً على تحقيق السيادة الفلسطينية على أراضيها بالكامل.
6. أهمية التواصل بين الضفة وغزة، وربطها بطريق الممر الآمن، وضمان حرية الحركة للأفراد والبضائع وعدم تحويل القطاع إلى سجن كبير غير متصل مع العالم، والتأكيد على أهمية بناء مطار الشهيد ياسر عرفات.
7. مطالبة المجتمع الدولي بتقديم الدعم المادي والمعنوي للسلطة الوطنية الفلسطينية.
*المركز الصحافي الدولي

التعليقات