الشاعر و الصحفي محمد بلمو يحاور الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري

الشاعر و الصحفي محمد بلمو يحاور الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري

السوسيولوجيا معرفة شقية تسعى

إلى اكتشاف شروط إنتاج "الاجتماعي"

* أجرى الحوار : محمد بلمو

لم يكن عبد الرحيم العطري زميلنا في مهنة المتاعب, ليتحول إلى "موظف" قابع في دواليب الإدارة, لقد كان مسكونا – ومايزال - بالسؤال عن اللامفكر فيه والمسكوت عنه! ولهذا فعندما غادر الجريدة (قصدا أو عفوا) ليلتحق بالشبيبة والرياضة, لم يكن مقتنعا بجدوى الابتعاد عن السؤال والشغب, فلم تمض إلا شهور معدودة حتى "خرج" علينا بكتاب رائع يدافع فيه عن السوسيولوجيا مؤكدا نوعا من الالتزام المعرفي والنضال الفكري من أجل ألق السؤال واستمراريته.

في هذا الحوار نصر على محاصرة الزميل عبد الرحيم بالسؤال.. فإلى البدء.

الحاجة إلى ...

 في البدء هل استطاعت السوسيولوجيا أن تجذر مكانتها في سلم العلوم الإنسانية؟

 إن النتائج العلمية التي اهتدت إليها السوسيولوجيا, والتي ساهمت في فهم وتفسير الكثير من آليات الإنتاج المجتمعي, ساعدت السوسيولوجيا على تجذير موقعها في شجرة العلوم عموما, فالاجتهادات السوسيولوجية, والتي لامست مختلف مناحي الحياة وراهنت بقوة على مقاربة شروط إنتاج "الاجتماعي", جعلت النقاش التاريخي حولة "عملية" السوسيولوجيا يدخل في خانة "الترف الفكري". ذلك أن علم الاجتماع اليوم وبفضل فتوحاته وقراءاته المختلفة لتضاريس الفعل البشري في جانبه المؤسساتي أيضا, أثبت جدارته وجدواه في مشهدنا العام.

n وهل أضحت بذلك السوسيولوجيا حاجة معرفية يتوجب الدفاع عنها؟

l أي نعم, لقد غدت السوسيولوجيا حاجة معرفية ومجتمعية قصوى, تتأكد وتتقوى مع تعقد وتشعب الظواهر الاجتماعية. فما يفرزه الواقع الاجتماعي من حالات وظواهر يفترض وجود السؤال السوسيولوجي من أجل الفهم والاحتواء، إذن فالسوسيولوجيا كعلم يتحدد مسعاه المعرفي في قراءة وتحليل التضاريس المجتمعية صارت تتبوأ مكانة رفيعة وتمثل حاجة ملحة تحركها دوافع علمية وعملية، تتجلى أولاها في توسيع دوائر العلم والمعرفة حول المجتمع وظواهره, وتبرز ثانيها في نتائجها العلمية التي تفيد في تخطيط السياسات الوطنية التنموية وتجاوز حالات التخلف بإصاخة السمع لصوت السوسيولوجيا، وهذا كله يفرض الدفاع عن الحضور السوسيولوجي وبالضبط عن الموقف السوسيولوجي.

حالة الاستثناء!

n لكن أليست هناك أسباب تستوجب هذا الدفاع؟

l بالطبع هناك أسباب أخرى موضوعية تجعل من الدفاع عن السوسيولوجيا مهمة سوسيولوجية حيوية, يجب التعاطي معها بمزيد من العناية, فالدفاع عن الموقف السوسيولوجي لا تبرره الحاجة إلى علم الاجتماع, ولا توجبه حصرا الأهمية العلمية والعملية لنتائجه واجتهاداته, ولكن تؤججه عوامل أخرى مرتبطة بالوضع العام الذي ينخرط فيه هذا العلم في البلدان الثالثية تحديدا.

إن السوسيولوجيا معرفة شقية تتوجه بأسلحتها وأدواتها إلى المجتمع "لهزمه" معرفيا, وفضح كل ما يعتمل في دواخله, وعلى أكثر من صعيد, إنها مسكونة بقلق السؤال, ولهذا تبقى دائما متهمة بالشغب والفضول, لأنها لا تطمئن للجاهز.. وهذا كله.. يجعلها تعيش حالة الاستثناء.

فبسبب ما تفرزه من تساؤلات, وما تنتهي إليه من خلاصات تكشف عورة المجتمع وشروط إنتاج "الاجتماعي" بما في ذلك هياكل السلطة ومصالح مالكي وسائل الإنتاج والإكراه والقهر في المجتمع. وكذا حضور المقدس والطابو وما إلى ذلك من الأسئلة الكبرى. إنها بسبب ذلك كله تظل علما مطلوبا حيا أو ميتا « WANTED », ومنه يصير الدفاع عن استمرار الشريط السوسيولوجي وضمان نزاهته العلمية رهانا سوسيولوجيا يجب الانخراط فيه بلا هوادة.

الحدود الحمراء !!

n وهل بمقدور السوسيولوجيا هزم كل أسئلة المجتمع, بما فيها تلك التي قلتم إنها تتعلق بمصالح مالكي الإنتاج والإكراه؟!

l يجب أن نعي جيدا بأن المقاربة السوسيولوجية عموما هي مجرد محاولة معرفية تتسلح بنظريات ومناهج, وتركب صهوة تساؤلات شقية وذكية في آن, وتتوجه بالدرس والتحليل لموضوع زئبقي عصي على القبض, وبذلك تظل مجرد محاولة لا تدعي الكمال أو الاكتمال, لكن هذا لا يؤثر في شرط عمليتها وفاعليتها.

والواقع أنه عندما نطرح مسألة "هزم" المجتمع معرفيا فإننا نطرحه كطموح علمي نسعى من خلاله قراءة الظواهر الاجتماعية وتشريحها بآليات جديدة واعتمادا بالطبع على جهاز مفاهيمي محدد, وفوق ذلك فمسألة "الهزيمة" أو "الهزم" هنا لا ينبغي أن تؤخذ كحمولة عسكرية/صدامية, ولكن كمطمح معرفي ينطلق من النسبية في الطرح والتحليل.

ومن جهة أخرى فالسوسيولوجيا تتصدى للمجتمع من جميع جوانبه من خلال تخصصاتها اللامعدودة والتي تتسع يوميا باتساع وشيوع الظواهر الاجتماعية, وفي كل الأزمنة والأمكنة تتأسس فروع سوسيولوجية جديدة تسعى إلى قراءة "الاجتماعي" دونما اعتبار لسلطته أو مكانته في هرمية المجتمع, فسوسيولوجيا السلطة مثلا تنفتح بامتياز على مصالح مالكي وسائل الإنتاج والإكراه مثلما تهتم فروع سوسيولوجية أخرى أكثر إثارة للخلاف والاختلاف. وعلى العموم فليس هناك مفهوم التافه أو الصعب في مطبخ السوسيولوجيا مثلما لا يوجد منطق للحدود الحمراء ولعل هذا هو ما يجعلها مستهدفة ومحاصرة حتى إشعار آخر, ومن هناك تأتي الصعوبة الخاصة بعلم الاجتماع.

الاتباع والإبداع! ‍

n ألم يحن الوقت للحديث عن سوسيولوجيا محلية الصنع؟

l أعتقد أن علم الاجتماع هو محصلة نهائية لتراكم معرفي إنساني وكوني لا يرتبط فقط "بالنحن" أو "بالآخر" وعليه فلا يمكننا القول من باب التعصب الدغمائي وعقدة الاعتداء بالماضي أن ابن خلدون هو مبدع السوسيولوجيا أو أننا أصحاب السبق في ذلك, شخصيا أرفض هذا الأمر وأعتبر أن علم الاجتماع هو مجهود تاريخي شارك الكثيرون في صنعه منذ البدء الانساني, وما دام الأمر يتعلق بكونية هذا العلم فإن المحاولات التي تشغل وترهن أفقها مثلا "بأسلمة علم الاجتماع" أو "مغربته" فقط لا جدوى منها, وسوف لن تتجاوز أفقها الصدوي.

لكن يمكن الحديث بموزاة ذلك عن المواءمة عن التبيئة وليس عن رفض سوسيولوجيا الآخر التي هي "سوسيولوجيانا" أيضا. فالسوسيولوجيا الكولونيالية مثلا ساهمت وإلى حد كبير في تفسير المجتمع المغربي وإن كانت لا تتصف دوما بالبراءة المعرفية وتقف وراءها أسباب امبريالية, فهذا لا يعني ضرورة إقصائها من دوائر اهتمامنا, بل على العكس من ذلك يتوجب علينا الانصات لها, وعلى كل فالسوسيولوجيا التي نحتاجها هي التي تدمن النقد والمساءلة وتستفيد من جميع النظريات والمقاربات وتستحضر في الآن ذاته خصوصية الحقول الاجتماعية المدروسة. إنها سوسيولوجيا ترتكن ليس إلى النقل والاتباع بل إلى الافادة والابداع والتجاوز.

***

الملحق الثقافي لجريدة الميثاق الوطني br />

التعليقات