الانترنت عش الكذابين وقليلي الحياء! بقلم:سليمان بودالية
الانترنت عش الكذابين وقليلي الحياء!
بقلم سليمان بودالية. صحفي جزائري
[email protected]
دون الحديث عن الكتب و الأبحاث العلمية و البرمجيات التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية، تعتبر الانترنت وسيلة اتصال مهمة، فهي لا تقرب المسافات فقط، بل تكاد تلغيها، كما تلغي باقي وسائل الاتصال الأخرى، حيث تستطيع احتواءها و تجعلها مادة لها.
فبرامج الإذاعة و التلفزيون أصبحت في متناول المبحرين بمجرد نقرة اتصال، بأخبارها و أفلامها و موسيقاها، و البريد الالكتروني أصبح أسرع من لمح البصر، و الرسالة تعبر المحيطات في ثوان، فلا تحتاج طابعا بريديا و لا تسجيلا لضمان وصولها لصاحبها.
أما في مجال الهاتف فقد أضحت الانترنت منافسا شرسا لشركات الاتصالات عبر العالم بهاتف الانترنت المجاني الذي لا يتطلب غير التسجيل لطلب رقم افتراضي، أو اسم مستخدم للتكلم بالصوت و الصورة و الكتابة بدفع سعر الاتصال بالانترنت لا أكثر ... ناهيك عن الأسعار التنافسية التي تعرضها على اتصالات الكمبيوتر بالهاتف الثابت ...
من التقنيات الحديثة في الاتصال بالانترنت تقنية المحادثة أو " التشات" و التي انتشرت في العالم انتشار النار في الهشيم، فصارت منها منتديات دينية و منتديات صحية، و منتديات لأعراق و أجناس، و منتديات للزواج الطبيعي و أخرى لزواج الشواذ وأخرى للتعارف البريء، و ما لا يحصى من المجالات..
انتشار هذه المنتديات صاحبه زحف الرذيلة و قلة الأخلاق، حتى أصبح دخول منتدى حوار أو محادثة مثيرا للخوف بدرجة دخول موقع إباحي، حيث لا تأمن على نفسك ملفات التجسس و لا اختطاف اتصالك و لا أمن أخلاقك ببعض المناظر المقززة و الأفكار التي تتعارض و ثقافتك وأخلاقك، وحتى ولو كان لهذه المخاطر علاج تقيك منه الانترنت نفسها بما يتوفر عليها من برامج قهر الجواسيس و الفيروسات و أخرى لإيقاف ظهور الخلاعة و باقي أمراض العصر الالكتروني، فإن ما لم تستطع الانترنت علاجه هو دناءة بعض البشر الذي يدخلون مواقع الحوار الجاد فيسممون عقول من يحاورهم بطرق إقناع من أخطر ما يكون، و من هؤلاء ما يدخلون باسم التعارف فيعطون مواقعهم الشخصية المرتبطة بشبكات بيع الأجساد، فيجد المرء نفسه مقادا إلى موقع خلاعة و قد كانت وجهته الإطلاع على صور فتى أو فتاة أراد أن يعرف وجهه أو وجهها، بكل براءة.
أما باعة الأحلام، كهؤلاء الذين يكلمونك من جوار بيتك وهم يدعون بأنهم في البلد الفلاني أو العلاني، أو أنهم مسئولون في شركة كذا أو متجر كذاك، وهم في حقيقة الأمر يدفعون ثمن الاتصال بالانترنت عن طريق الاقتراض، فباعة الأحلام هؤلاء لهم قصصهم!
لقد صادفت كثيرا من هذه الأشكال ، فأحداهن اتصلت بي على موقع هاتف انترنت، دق الجرس، ثم راحت تكتب لي، و لأنها حيتني بالفرنسية، رديت عليه بالعربية، لكوني اطلعت على بطاقتها الشخصية التي نسيت أنها ملأتها بهاتف من أرقامه 213، مفتاح الجزائر الدولي،.. الفتاة، تظاهرت بأنها فرنسية و لم تفهم "صباح الخير"، التي كتبتها بحروف لغة فولتير، وهنا سألتها ما إذا كان مفتاح 213 في الجزائر أم فرنسا،، فتداركت وقالت أنها فرنسية في الجزائر، لتضيف أن اسمها أمينة وهي مسلمة، على اعتبار أن والدها جزائري و أمها فرنسية!
الفتاة لم تتأخر أن تعرض علي أن نرى بعضنا البعض، فقلت لها أنني لا أملك كاميرا موصولة بالكمبيوتر، فقالت لي: لا.. بل أنها تقصد أن نمارس الحب! رغم قولي أنني متزوج، ووفي لزوجتي أم أبنائي، فقد أصرت الفتاة ، ذات الـ 21 ربيعا على عرضها، ولما نهيتها عن هذا الكلام الوقح، وأنها تشوه صورة بنات مدينتها كلهن، بعرض جسدها، قالت أنها ليست من المدينة التي ذكرتها، و ليست امرأة.... بل رجل!؟
التفت إلى الرجل وقلت أنه من العار أن يتنكر المرء لجزائريته و عروبته و يتظاهر بأنه فرنسي، ولرجولته، فيقول انه امرأة، فقال انه يدخل تحت اسم امرأة لاجتذاب المتحدثين، فالناس يتكلمون مع الفتيات أكثر، فقلت له أنه عليه أن يفتخر بجنسيته و جنسه، فقال أن الرجولة فعلا مثار فخر، أما أن يكون الفخر بكونه جزائريا، فلا يتفق معي، فهذه البلاد لا يفتخر بالانتساب إليها عاقل، ليبرر ذلك بانسداد الأفق و الفقر و الظلم و كذا وكذا..فلما سألته عن كم بلد فقير في العالم قال أن الفقراء أكثر من الأغنياء، ليستدرك أن الجزائر ليست مثل تلك، و أنها غنية ولكن مسيروها أفقروها، فسألته، و ما ذنب العروس الجميلة إذا منع عنها أهلها الخطاب؟ ما ذنب بلادنا نكرهها، ونحن نعلم أنها بلدنا الذي لا يحملنا غيره، ولن نعود إلا إليه، مهما اغتربنا، وليس ملكا للذي يحرمنا من خيراتها..لم يجد صديقي غير تبرير كلامه برغبته في الهجرة، و أنه يريد فرنسا لسهولة الفرنسية بالنسبة للجزائريين، وعليه أن يصبر على التمييز العنصري و على طرد المهاجرين لأجل مستقبله!
صديقي لم يجد ما يقول بعد أن أحطت به من كل جانب غير الاعتذار على ما بدر منه شاكرا لي الدرس الذي أعطيته له..و قد وعدني بالعودة لمحادثتي ولكني لم أر له رسما بعد ذلك..
أما رجل آخر، والذي قال انه طبيب من المغرب، فقد راح يقص علي قصص عمله في فرنسا و تجربته الطويلة، قبل أن يفاجئني بصورة الملك محمد الخامس، رحمه الله، قائلا أنها صورة صديقه ، ولما أكدت عليه، هل تقصد الملك؟ قال نعم، وحكى لي حكاية لقائهما الأول و تعارفهما ! ولأني لا املك دليلا على كذبه فقد بلعت القصة دون مضغ و لا مراجعة، إلى أن قال صديق مغربي آخر عرفت بينهما، أن الرجل مهوس بالكذب، حيث قال له في وقت سابق أنه صديق زين العابدين، رئيس تونس! ليحدثني بعد ذلك عن قوله عني أنني صحفي متطفل على الصحافة، وما عملي إلا جمع أخبار متفرقة، من هنا و هناك، تعليقا على إعلامه بكوني أعمل لجريدة في بلادي!
أما الذي استغربت له، فحكاية شاب من الغرب الجزائري، اتصل بي على أحد برامج المحادثة، و سألني عن أوضاع البلاد والطقس، و حدثني عن شوقه لمدينته الجميلة، ورغم أنه قال بأنه زارها في الصيف الماضي فقط أثناء عطلته السنوية، لم أنتبه أنها مدة لا تبرر كل ذلك الشوق الذي أبداه لمدينته، لكنه لم يكفيه أن يقول انه في باريس و أضاف انه يعمل في مصنع عطور ، بصفة مدير عام، وأنه أقام حفلة دعائية لعطر جديد، صنع خصيصا لابنة الرئيس الفرنسي، التي حدثته شخصيا عن استغرابها لكونه جزائري وفي سن 27 في منصب المدير..
و لأن الرجل استغفلني بجد، فقد سألني عن سرعة الاتصال بالإنترنت عندي، فقلت أنها 128 كيلو بايت في الثانية، ليعلق أن لديه 8 ميجا بيات، من الخدمة التي يظهر إشهارها في التلفزيون الفرنسي، وهي سريعة جدا.. و لأنه استغفلني أكثر، حدثني عن حب زوجته الفرنسية للجزائر قبل أن يعرض علي أن أتكلم مع صهره الفرنسي، وإذا بي أسمع فرنسية ركيكة فضحت اللعبة من أساسها، وواصل الكذاب ليقسم لي أنه في باريس، ولما أكدت له أنني على يقين انه يكذب، قال لي أليست مدينته جميلة مثل باريس وهي بمثابة باريس في الجزائر؟
إحداهن كلمتني بفرنسية فصحى، و لما قالت لي أنها من المغرب الأقصى، طلبت منها أن تكلمني بالعربية، فلا داعي لاستعمال لغة أجنبية و كلانا عربيان، فبررت لي ذلك بأنها تحمل ليسانس في اللغة الفرنسية، و حتى ولو عرضت عليها أن تكلمني باللهجة المغربية بلا إشكال، فأنها أصرت على فرنسيتها، تحدثني بها و أجيب بالعربية، واصفة إياي بالمعقد قبل أن تقطع الخط، عاجزة عن إجابتي على سؤال طرحته عليها بالإنجليزية، وهي التي بررت لي مخاطبتي بلغة الغير بالتفتح !
أحدهم مرة، و على ما يبدو كان محتالا محترفا، أرسل إلي رسالة يطلب مني فيها مساعدته لتحويل مبالغ مالية مهمة من بلده الافريقي، فهو يخاف عليها المصادرة بعد مقتل والده الشخصية المهمة في البلاد ، ليعرض علي نسبة من المبلغ الكلي و كان بمئات الملايين من الدولارات مقابل استثمار هذه الأموال و قبل ذلك وضعها في حسابي البنكي تأمينا لها. المحتال طلب مني تفاصيل حساب البنك لدي لإرسال المبلغ، ولأن ذلك الشخص الذي ادعى أنه مسلم و وثق بي لأنه تأكد من اسمي و بلدي بأني أخ له في العقيدة تصادف اتصاله بي مع عروض مالية أخرى مشابهة من دول افريقية فقد ذكرت له ذلك فقال بأنه هو نفسه الذي فعل للتأكد من جديتي..و الغرابة أنني لما سألت بعض العارفين قيل لي أن معرفته اسم البنك و التفاصيل الدقيقة حول الحساب يمكنه من سحب كل ما فيه من أموال، فحمدت الله أنني لم أنسق وراء أرقامه الوهمية ولم أكن طماعا، كما حدث مع آخرين سمعت عنهم في بلدان أخرى.
أما آخرين، فقد بدؤوني بالشتم مجانا، منهم يهودي قال لي كلاما لا أفهمه بلغته، ليقول لي في الختام بعربية ركيكة "حمار..أنا يهود.." قبل أن يقطع الخط، وآخرون، يضيفون اسمي إلى قوائم معارفهم، ولما أسألهم عن هوياتهم يشتمونني ، و وآخرون من المغرب الشقيق على الأخص، يسألونني عن موقفي من قضية الصحراء الغربية، و في أذهانهم حكم مسبق ، و آخرون يفاخرون بتطور بلدهم ويقارنونها بالجزائر البترولية..و هكذا..ولا أريد ذكر المزيد من تجارب مثيرة مع أشباح الانترنت...أو قصص عش الكذابين، كما صرت أسميه.
بقلم سليمان بودالية. صحفي جزائري
[email protected]
دون الحديث عن الكتب و الأبحاث العلمية و البرمجيات التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية، تعتبر الانترنت وسيلة اتصال مهمة، فهي لا تقرب المسافات فقط، بل تكاد تلغيها، كما تلغي باقي وسائل الاتصال الأخرى، حيث تستطيع احتواءها و تجعلها مادة لها.
فبرامج الإذاعة و التلفزيون أصبحت في متناول المبحرين بمجرد نقرة اتصال، بأخبارها و أفلامها و موسيقاها، و البريد الالكتروني أصبح أسرع من لمح البصر، و الرسالة تعبر المحيطات في ثوان، فلا تحتاج طابعا بريديا و لا تسجيلا لضمان وصولها لصاحبها.
أما في مجال الهاتف فقد أضحت الانترنت منافسا شرسا لشركات الاتصالات عبر العالم بهاتف الانترنت المجاني الذي لا يتطلب غير التسجيل لطلب رقم افتراضي، أو اسم مستخدم للتكلم بالصوت و الصورة و الكتابة بدفع سعر الاتصال بالانترنت لا أكثر ... ناهيك عن الأسعار التنافسية التي تعرضها على اتصالات الكمبيوتر بالهاتف الثابت ...
من التقنيات الحديثة في الاتصال بالانترنت تقنية المحادثة أو " التشات" و التي انتشرت في العالم انتشار النار في الهشيم، فصارت منها منتديات دينية و منتديات صحية، و منتديات لأعراق و أجناس، و منتديات للزواج الطبيعي و أخرى لزواج الشواذ وأخرى للتعارف البريء، و ما لا يحصى من المجالات..
انتشار هذه المنتديات صاحبه زحف الرذيلة و قلة الأخلاق، حتى أصبح دخول منتدى حوار أو محادثة مثيرا للخوف بدرجة دخول موقع إباحي، حيث لا تأمن على نفسك ملفات التجسس و لا اختطاف اتصالك و لا أمن أخلاقك ببعض المناظر المقززة و الأفكار التي تتعارض و ثقافتك وأخلاقك، وحتى ولو كان لهذه المخاطر علاج تقيك منه الانترنت نفسها بما يتوفر عليها من برامج قهر الجواسيس و الفيروسات و أخرى لإيقاف ظهور الخلاعة و باقي أمراض العصر الالكتروني، فإن ما لم تستطع الانترنت علاجه هو دناءة بعض البشر الذي يدخلون مواقع الحوار الجاد فيسممون عقول من يحاورهم بطرق إقناع من أخطر ما يكون، و من هؤلاء ما يدخلون باسم التعارف فيعطون مواقعهم الشخصية المرتبطة بشبكات بيع الأجساد، فيجد المرء نفسه مقادا إلى موقع خلاعة و قد كانت وجهته الإطلاع على صور فتى أو فتاة أراد أن يعرف وجهه أو وجهها، بكل براءة.
أما باعة الأحلام، كهؤلاء الذين يكلمونك من جوار بيتك وهم يدعون بأنهم في البلد الفلاني أو العلاني، أو أنهم مسئولون في شركة كذا أو متجر كذاك، وهم في حقيقة الأمر يدفعون ثمن الاتصال بالانترنت عن طريق الاقتراض، فباعة الأحلام هؤلاء لهم قصصهم!
لقد صادفت كثيرا من هذه الأشكال ، فأحداهن اتصلت بي على موقع هاتف انترنت، دق الجرس، ثم راحت تكتب لي، و لأنها حيتني بالفرنسية، رديت عليه بالعربية، لكوني اطلعت على بطاقتها الشخصية التي نسيت أنها ملأتها بهاتف من أرقامه 213، مفتاح الجزائر الدولي،.. الفتاة، تظاهرت بأنها فرنسية و لم تفهم "صباح الخير"، التي كتبتها بحروف لغة فولتير، وهنا سألتها ما إذا كان مفتاح 213 في الجزائر أم فرنسا،، فتداركت وقالت أنها فرنسية في الجزائر، لتضيف أن اسمها أمينة وهي مسلمة، على اعتبار أن والدها جزائري و أمها فرنسية!
الفتاة لم تتأخر أن تعرض علي أن نرى بعضنا البعض، فقلت لها أنني لا أملك كاميرا موصولة بالكمبيوتر، فقالت لي: لا.. بل أنها تقصد أن نمارس الحب! رغم قولي أنني متزوج، ووفي لزوجتي أم أبنائي، فقد أصرت الفتاة ، ذات الـ 21 ربيعا على عرضها، ولما نهيتها عن هذا الكلام الوقح، وأنها تشوه صورة بنات مدينتها كلهن، بعرض جسدها، قالت أنها ليست من المدينة التي ذكرتها، و ليست امرأة.... بل رجل!؟
التفت إلى الرجل وقلت أنه من العار أن يتنكر المرء لجزائريته و عروبته و يتظاهر بأنه فرنسي، ولرجولته، فيقول انه امرأة، فقال انه يدخل تحت اسم امرأة لاجتذاب المتحدثين، فالناس يتكلمون مع الفتيات أكثر، فقلت له أنه عليه أن يفتخر بجنسيته و جنسه، فقال أن الرجولة فعلا مثار فخر، أما أن يكون الفخر بكونه جزائريا، فلا يتفق معي، فهذه البلاد لا يفتخر بالانتساب إليها عاقل، ليبرر ذلك بانسداد الأفق و الفقر و الظلم و كذا وكذا..فلما سألته عن كم بلد فقير في العالم قال أن الفقراء أكثر من الأغنياء، ليستدرك أن الجزائر ليست مثل تلك، و أنها غنية ولكن مسيروها أفقروها، فسألته، و ما ذنب العروس الجميلة إذا منع عنها أهلها الخطاب؟ ما ذنب بلادنا نكرهها، ونحن نعلم أنها بلدنا الذي لا يحملنا غيره، ولن نعود إلا إليه، مهما اغتربنا، وليس ملكا للذي يحرمنا من خيراتها..لم يجد صديقي غير تبرير كلامه برغبته في الهجرة، و أنه يريد فرنسا لسهولة الفرنسية بالنسبة للجزائريين، وعليه أن يصبر على التمييز العنصري و على طرد المهاجرين لأجل مستقبله!
صديقي لم يجد ما يقول بعد أن أحطت به من كل جانب غير الاعتذار على ما بدر منه شاكرا لي الدرس الذي أعطيته له..و قد وعدني بالعودة لمحادثتي ولكني لم أر له رسما بعد ذلك..
أما رجل آخر، والذي قال انه طبيب من المغرب، فقد راح يقص علي قصص عمله في فرنسا و تجربته الطويلة، قبل أن يفاجئني بصورة الملك محمد الخامس، رحمه الله، قائلا أنها صورة صديقه ، ولما أكدت عليه، هل تقصد الملك؟ قال نعم، وحكى لي حكاية لقائهما الأول و تعارفهما ! ولأني لا املك دليلا على كذبه فقد بلعت القصة دون مضغ و لا مراجعة، إلى أن قال صديق مغربي آخر عرفت بينهما، أن الرجل مهوس بالكذب، حيث قال له في وقت سابق أنه صديق زين العابدين، رئيس تونس! ليحدثني بعد ذلك عن قوله عني أنني صحفي متطفل على الصحافة، وما عملي إلا جمع أخبار متفرقة، من هنا و هناك، تعليقا على إعلامه بكوني أعمل لجريدة في بلادي!
أما الذي استغربت له، فحكاية شاب من الغرب الجزائري، اتصل بي على أحد برامج المحادثة، و سألني عن أوضاع البلاد والطقس، و حدثني عن شوقه لمدينته الجميلة، ورغم أنه قال بأنه زارها في الصيف الماضي فقط أثناء عطلته السنوية، لم أنتبه أنها مدة لا تبرر كل ذلك الشوق الذي أبداه لمدينته، لكنه لم يكفيه أن يقول انه في باريس و أضاف انه يعمل في مصنع عطور ، بصفة مدير عام، وأنه أقام حفلة دعائية لعطر جديد، صنع خصيصا لابنة الرئيس الفرنسي، التي حدثته شخصيا عن استغرابها لكونه جزائري وفي سن 27 في منصب المدير..
و لأن الرجل استغفلني بجد، فقد سألني عن سرعة الاتصال بالإنترنت عندي، فقلت أنها 128 كيلو بايت في الثانية، ليعلق أن لديه 8 ميجا بيات، من الخدمة التي يظهر إشهارها في التلفزيون الفرنسي، وهي سريعة جدا.. و لأنه استغفلني أكثر، حدثني عن حب زوجته الفرنسية للجزائر قبل أن يعرض علي أن أتكلم مع صهره الفرنسي، وإذا بي أسمع فرنسية ركيكة فضحت اللعبة من أساسها، وواصل الكذاب ليقسم لي أنه في باريس، ولما أكدت له أنني على يقين انه يكذب، قال لي أليست مدينته جميلة مثل باريس وهي بمثابة باريس في الجزائر؟
إحداهن كلمتني بفرنسية فصحى، و لما قالت لي أنها من المغرب الأقصى، طلبت منها أن تكلمني بالعربية، فلا داعي لاستعمال لغة أجنبية و كلانا عربيان، فبررت لي ذلك بأنها تحمل ليسانس في اللغة الفرنسية، و حتى ولو عرضت عليها أن تكلمني باللهجة المغربية بلا إشكال، فأنها أصرت على فرنسيتها، تحدثني بها و أجيب بالعربية، واصفة إياي بالمعقد قبل أن تقطع الخط، عاجزة عن إجابتي على سؤال طرحته عليها بالإنجليزية، وهي التي بررت لي مخاطبتي بلغة الغير بالتفتح !
أحدهم مرة، و على ما يبدو كان محتالا محترفا، أرسل إلي رسالة يطلب مني فيها مساعدته لتحويل مبالغ مالية مهمة من بلده الافريقي، فهو يخاف عليها المصادرة بعد مقتل والده الشخصية المهمة في البلاد ، ليعرض علي نسبة من المبلغ الكلي و كان بمئات الملايين من الدولارات مقابل استثمار هذه الأموال و قبل ذلك وضعها في حسابي البنكي تأمينا لها. المحتال طلب مني تفاصيل حساب البنك لدي لإرسال المبلغ، ولأن ذلك الشخص الذي ادعى أنه مسلم و وثق بي لأنه تأكد من اسمي و بلدي بأني أخ له في العقيدة تصادف اتصاله بي مع عروض مالية أخرى مشابهة من دول افريقية فقد ذكرت له ذلك فقال بأنه هو نفسه الذي فعل للتأكد من جديتي..و الغرابة أنني لما سألت بعض العارفين قيل لي أن معرفته اسم البنك و التفاصيل الدقيقة حول الحساب يمكنه من سحب كل ما فيه من أموال، فحمدت الله أنني لم أنسق وراء أرقامه الوهمية ولم أكن طماعا، كما حدث مع آخرين سمعت عنهم في بلدان أخرى.
أما آخرين، فقد بدؤوني بالشتم مجانا، منهم يهودي قال لي كلاما لا أفهمه بلغته، ليقول لي في الختام بعربية ركيكة "حمار..أنا يهود.." قبل أن يقطع الخط، وآخرون، يضيفون اسمي إلى قوائم معارفهم، ولما أسألهم عن هوياتهم يشتمونني ، و وآخرون من المغرب الشقيق على الأخص، يسألونني عن موقفي من قضية الصحراء الغربية، و في أذهانهم حكم مسبق ، و آخرون يفاخرون بتطور بلدهم ويقارنونها بالجزائر البترولية..و هكذا..ولا أريد ذكر المزيد من تجارب مثيرة مع أشباح الانترنت...أو قصص عش الكذابين، كما صرت أسميه.

التعليقات