الإعلام لا يسلط الضوء سوى على الفضائح... أين نساء مصر و «هوانمها» في تظاهرات القاهرة؟

الإعلام لا يسلط الضوء سوى على الفضائح... أين نساء مصر و «هوانمها» في تظاهرات القاهرة؟
غزة-دنيا الوطن

تعج شوارع القاهرة هذه الأيام وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية بعشرات التحركات والحركات الهادفة إلى تحريك المياه الراكدة على الساحة المصرية السياسية، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فنسمع في كل يوم عن مسيرة هنا أو تظاهرة هناك. فهذه تظاهرة حركة «كفاية» ترفع راية «لا للتوريث» و»لا للتجديد»؛ وهذه حركة «لا بد» تدعو المصريين إلى التظاهر حليقي الرؤوس ضد «احتلال النظام الحاكم». وعلى رغم الإيجابية الشديدة لهذه التحركات التي بثت الأمل في نفوس الكثيرين ممن اعتقدوا أن إرادة الشعب نامت إلى الأبد، يثير الغياب الواضح للدور النسائي الكثير من علامات الاستفهام والتعجب. صحيح أن التظاهرات السلمية تلك تشهد مشاركة عدد من الوجوه النسائية، لكنها تبقى محدودة مقارنة بمشاركة الرجال. والظاهرة الغريبة أن الإعلام لم يسلط الضوء على الجانب النسوي في هذه الحركات المطالبة بالإصلاح والتغيير، إلا من خلال فضيحة الاعتداء الجنسي الذي كان ضحيته عدد من الشابات والنساء من الصحافيات والمحاميات اللواتي كن يشاركن في تظاهرة سلمية في أيار (مايو) الماضي. لكن المتابع لأخبار هذه الحركات، لا يجد تصريحاً مثلاً باسم حركة «كفاية» نابعاً من أحد الناشطات، ولا يعثر على بيان نابع من «لا بد»، ولا يطالع حواراً فضائياً مع ناشطة مصرية موجهة توجيهاً حزبياً. وذلك إذا استثنينا صوتاً ووجهاً معروفاً بمعارضته على مدى العقود الأربعة الماضية وهو للكاتبة نوال السعداوي التي يعتبرها الكثيرون رمزاً للمشاكسة أكثر منها نموذجاً للرفض والاعتراض.

أين ذهبت اذاّ نساء مصر الموجودات في كل بيت من بيوت المحروسة؟ الغريب أن الاجابة عن كل تلك الاسئلة هي أنهن موجودات، كل منهن في موقعها. الطالبة ما زالت في الفصل الدراسي، والموظفة وراء مكتبها، وسيدة الأعمال تتابع أعمالها، وربة البيت تنهمك في شؤون البيت، والسيدة المعيلة تسعى الى كسب عيشها وعيش أولادها. واذا سألت إحداهن عن وضع البلد، وغلاء الاسعار ووعود الحكومة الأبدية بالسيطرة على الجشع، وانتشار الفساد، وتدني الأخلاق، وزيادة البطالة، وتدهور التعليم، وتسمم الفاكهة وكلفة العلاج المستعرة، فإنها تتفوق على السياسي في اطلاق السهام الكلامية والصواريخ اللفظية. تسألها عن سبب سكوتها على هذه الأوضاع طالما أنها على يقين بحتمية التغيير، فتفاجئك بإجابات على شاكلة: «أنا أقدر أعمل إيه؟». قد توحي هذه الإجابة بأن النساء المصريات سلبيات لكن العكس هو الصحيح تماماً. فمن نظرة سريعة، يمكن التأكد من أن المرأة المصرية فاعلة ونشطة إلى أبعد حد. لكن هذا النشاط وهذه الحيوية والايمان بالقدرة على التغيير تعبر عن نفسها في أي مجال آخر غير مجال السياسة. طالبات الجامعة إما منخرطات في الاستماع الى الدروس الدينية وإعادة بثها في وجوه المحيطين بهن، حتى ان عدداً منهن تحولن واعظات في وسائل النقل العام وقاعات الدرس أو هن غارقات في محاولات لا تنتهي للتشبه بنجمات الفيديو كليب ومسايرة إيقاع العصر المظهري والاستهلاكي.

أما النساء العاملات فمنشغلات طوال اليوم، بين الاعتناء بالمنزل وعملهن في الخارج. وسيدات الأعمال وهوانم النوادي لا يعنيهن التغيير بقدر ما يعنيهن بقاء الحال على ما هي عليه ضماناً لاستمرار أوضاعهن المريحة.

الحقيقة أنّ الجهة الوحيدة المستثناة من تقلّص المرأة سياسياً أو على الأقل عدم ظهورها في المقدمة هو الحزب الوطني الديموقراطي الذي يملك كل الحق في التفاخر بكوادره النسائية النشطة، اللواتي لمعت اسماؤهن في السنوات القليلة الماضية، واجتهدن وأمعن في اجتهادهن للمزيد من الترسيخ والتثبيت للحزب الحاكم، ولمزيد من التلميع والظهور لأنفسهن. حتى الدورات وورش العمل التدريبية التي تعقد لتشجيع المرأة المصرية على المشاركة السياسية، والإدلاء بصوتها في الانتخابات والاستفتاءات، فغالباً ما يكون الحزب الحاكم طرفاً فيها، سواء من خلال إحدى الجهات الضالعة في التدريب، أو الداعية إليه، أو الراعية له، أو حتى من خلال المتدربات أنفسهن.

صحيح أن المرأة في مصر نصف المجتمع عدداً، لكنها بكل تأكيد «كسر» في ما يتعلق بالحراك السياسي، الظاهر منه والباطن.

*الحياة

التعليقات