المثقفون العراقيون في المهجر يخشون العودة وينشدون ملاذا آمنا

غزة-دنيا الوطن

"الوطان" أو الحنين إلى الوطن، حالة عامة عاشها العراقيون خارج بلادهم إبان حكم النظام العراقي السابق. لم يتمكن هؤلاء من العودة خوفا من خيار مواجهة السجن فكان أن اختاروا المنفى، وهناك لجأ هؤلاء للتعبير عن "وطانهم" في لوحات تشكيلية أو مقطوعات موسيقية وأعمال أدبية وعلمية.

بعد سقوط النظام العراقي السابق توقع الكثيرون عودة المثقفين العراقيين إلى وطنهم، ولكن لماذا لم يعد المثقف العراقي إلى وطنه؟ سؤال طرحته "العربية.نت" على عدد من المثقفين العراقيين المغتربين بسبب موقفهم السياسي والفكري من النظام العراقي السابق واللجوء القسري إلى عواصم غربية طمعا في حرية التقكير والحياة التي تكفل استمرارهم في التفكير بعيدا عن الديكتاتوريات المتعاقبة على العراق لكن ما يحدث في العراق اليوم من متغيرات سياسية واجتماعية مازات تحول دون إنهاء اغترابهم أو تواصلهم عن قرب مع الوطن العراقي والإسهام الجدي في بناء المجتمع العراقي المنشود، ونورد هنا إجابات بعض المثقفين العراقيين في المهجر:

العراق يغرق يوميا

كتب الكاتب والناقد العراقي عدنان حسين، المقيم حاليا في مدينة زاندام الهولندية، لـ"العربية.نت" قائلا: الوضع الأمني الذي شَهِده العراق أوجد ثمة أسباب ومسوّغات عديدة تمنع المثقفين العراقيين من العودة إلى وطنهم، ولعل أبرز هذه الأسباب هو الفلتان عقب سقوط النظام الدكتاتوري السابق، وفشل الحكومتين المؤقتتين، سواء المُعيّنة من قبل الاحتلال أو المُنتخبة، في التعاطي مع الملف الأمني، بحيث غرق العراق، وما يزال يغرق يومياً في حمامات من الدماء لا سابق لها في التاريخ الحديث.

كما أصيب المثقف العراقي بحالة مؤسية من الإحباط العميق وهو يرى بأم عينيه أن المؤسسات الثقافية قد أصبحت "نًهباً" للأحزاب السياسية التي جاءت إلى السلطة عن طريق المحتل، وأقصت المثقفين العراقيين عن ميادينهم الحقيقية.

وحتى هذه اللحظة لم تحظََ مفردة "ثقافة" بالمكانة المناسبة التي يجب أن ترقى إليها أسوة بالحقول المعرفية الأخرى. ولو تتبعتِ جيداً أنشطة وفعاليات وزارة الثقافة والإعلام خلال العامين المنصرمين لوجدتِ أنها لا تشكّل حتى نسبة الجزء العائم من جبل الجليد.

فإلى أين يتجه المثقف العراقي، وصوب أية جهة مليئة بالمخاطر يُيمّم وجهه؟ بعض المثقفين العراقيين الذين عادوا إلى العراق، وتسلموا مناصب إدارية درّت عليهم رواتب مجزية لكنهم تعرضوا لمحاولات اغتيال متعددة، وملاحقات لم تنتهِ حتى هذه اللحظة. إن العنف، والإرهاب الأسود، وغطرسة القطعات الأمريكية، وهيمنة الأحزاب التي كانت معارضة في السابق هي من بين أبرز الأسباب التي كانت وراء عزوف المثقف العراقي عن العودة إلى الوطن.

ولكن، هل أن طروحات النظام العراقي الجديد لا تتوافق مع منهج المعارضة العراقية على الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي؟

إن طروحات النظام الجديد الذي يتألف أغلبه من الأحزاب العراقية التي كانت تعمل في صفوف المعارضة العراقية في الخارج أغلبها طروحات قاصرة، ولا تنّم عن وعي سياسي حاد.

حينما وصلت بعض أحزاب المعارضة إلى السلطة وأبرزها "الدعوة" و"المجلس الأعلى" و"الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني" و"الوفاق" و"الحزب الشيوعي"، و"الجبهة التركمانية" إضافة إلى بعض الأحزاب الصغيرة لمكونات الشعب العراقي الأخرى، لم تستطع هذه الأحزاب برمتها أن تلبي طموحات الشعب العراقي، كما أنهم لم يستقطبوا الأحزاب العراقية الأخرى التي كانت موجودة في الداخل، وبالذات الأحزاب الموجودة فيما يسمى بالمثلث السني، الأمر الذي أدى إلى تعميق الهوة بين العرب أنفسهم سنة وشيعة من جهة، وبين العرب السنة والأكراد من جهة ثانية.

هذه التقسيمات لا يستسيغها المثقف العراقي أولاً، ولا تستسيغها أطراف المعارضة العراقية التي لم تعد أصلاً إلى الداخل لأن أدوارها كانت مهمشة سلفاً، ولأن المعارضة العراقية برمتها كانت قد وعدت العراقيين بتغييرات جذرية، وتحسين للأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية وما إلى ذلك، وإذا بالعراق يفقد كل شيء، مضافاً إليه نقمة الإرهاب الأسود، والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة من جهة، والعنف الذي تمارسه القوات الأمريكية المعززة بالحرس الوطني. لقد أعلنت المعارضة العراقية أنها سوف تحل ميليشياتها غير المنظّمة ما أن تصل إلى السلطة، وعندما وصلت عززت هذه الميليشيات، وبدأت تفتك بالناس الآخرين لتزرع بذور الفتنة، وهذا ما لا يقبله العراقيون في الداخل أو عراقيو الخارج الذين كانوا برمتهم معارضين للنظام الدكتاتوري.

وهل عدم العودة يكمن في مخاوف تكرار تجربة بات يخشاها المثقف العراقي؟

لا بد من الإشارة إلى أن المثقفين العراقيين الموزعين في المنافي الأوروبية والأمريكية والكندية والأسترالية وغيرها من بلدان اللجوء قد تعودوا على حياة حضارية جديدة تحترم الإنسان، وتقدس الطفولة، وتضمن للجميع حقوقهم وواجباتهم وكرامتهم. فمن الصعب أن يجازف هذا المثقف الذي كان منسياً ومهمشاً وجائعاً في كثير من الأحيان أن يفرط بهذه الامتيازات، ويعود إلى بلد ليس فيه أمان أو ماء أو كهرباء أو عناية طبية لائقة.

والشيء الأكثر أهمية، من وجهة نظري، أن الأحزاب المتحالفة "الائتلاف الشيعي والتحالف الكردستاني" غير قادرين على ضبط زمام الأمور، فمن المؤكد أن المثقف قادر على التنبؤ بما سيحصل لهذا البلد من محن وكوارث جديدة، لذلك فالخشية من احتمالات تدهور الوضع الأمني قائمة، والدليل أن مسلسل الاغتيالات جار على قدم وساق، وقد تنشب حرب أهلية، لا سمح الله، في أي وقت إذا ما فقدت الناس أعصابها، فهل أن المثقف العراقي مُطالب بأن يذهب إلى حتفه بقدميه؟ !!

حكومة لا تريدنا أن نعود

وبدوره رأى الفنان المسرحي احمد شرجي، المقيم في هولندا، أن يجيب على سؤال "العربية.نت" بتساؤله الخاص: دعوني أتساءل هل طروحات النظام العراقي الجديد لا تتوافق مع منهج المعارضة العراقية على الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي؟ وتابع يقول: بعد سقوط النظام الشمولي السابق بالعراق، ذهبت معه تسمية ( المعارضة العراقية ) كون هذه المعارضة تعمل بالساحة العراقية بصفتها أحزابا تقود البلد سياسيا، وزرت بوزارات أو ضمن الجمعية الوطنية، هذا أولا.

ثانيا، الحكومة العراقية الآن والتي كانت سابقاً أغلبها أحزاب معارضة، مازالت للآن تعمل بعقلية المعارضة، بمعنى أنها لا تعمل بعقلية قيادية سياسيا، تقود البلد من خلاله. الحكومة العراقية منذ سقوط النظام السابق وللآن فشلت سياسيا ( داخل العراق ) وأؤكد داخل العراق، لأن داخل العراق هو المعيار الحقيقي للحكومة.

نعم نجحت الحكومة خارج العراق بكسب الرأي العالمي، ولكن هذا النجاح مدعوم من الحكومة الأمريكية، أي انه بضغط أمريكي على الحكومات، وأمريكا هي التي وضعت استراتيجية التحرك الخارجي والحكومة العراقية تسير وفق هذا المخطط.

لماذا فشلت داخليا؟ كون زمام المبادرة ليست بيد الحكومة الأمريكية، وإنما بيد أطراف أخرى خارج حسابات الاستراتيجية الأمريكية، وبلدان أخرى تدعم هذه الأطراف بقوة لإفشال العملية السياسية داخل العراق كون التغير الذي حدث بالعراق يهدد وجودها كحكومات وأنظمة شمولية، وبالتالي إفشال تجربة العراق الديمقراطية.

ما الذي فعلته الحكومة العراقية منذ سقوط الصنم وإلى الآن، واعني حكومة علاوي والجعفري؟

يجلسون بكراسيهم على دماء العراقيين. فساد إداري مخيف جدا، صراعات سياسية بين الأحزاب، ساهمت بتنامي الحس الطائفي بالبلد.

أنا، كمثقف وفنان عراقي، كيف اتفق مع حكومات تحمل كل هذه المتناقضات؟ حتى الآن كل ما نسمعه فقط كلمة ( سوف نعمل ) عجيب! إذا ماذا تعملون طيلة تلك الفترة؟

الادلجة الحزبية هي التي تقود البلد وهذه كارثة حقيقية، كون الإنسان المؤدلج يكون أحادي التفكير، ولا يصلح أن يكون قائداً لبلد ما، وهذا ما لاحظناه من خلال الأحزاب والتيارات التي شاركت بحكومة علاوي أو الحكومة الحالية، تعمل من أجل أحزابها وأفكارهم الإيديولوجية، ولا تعمل من أجل الإنسان العراقي.

الدليل على كلامي هذا، الوظائف الإدارية التي يتمتع بها مؤيدون وأصدقاء هذه الأحزاب، والإنسان البسيط الذي كان مهمشاً بزمن النظام السابق، في زمن ( الديمقراطية ) ازداد تهميشا وفقرا! لهذا أشعر بالخجل كلما نظرتُ إلى إصبعي وهو ملطخ بالبنفسجي.



وأجاب أحمد شرجي على السؤال التالي: هل عدم العودة يكمن في مخاوف تكرار تجربة بات يخشاها المثقف العراقي؟

هي ليست مخاوف، بقدر ما هي حقائق نصنع بياضها من خلال سياسة الحكومة، إذا كانت حكومة علاوي أو الجعفري. المثقف في النظام السابق كان مهمشاً في العملية السياسية برمتها ما عدى مثقفي السلطة وأبواقها.

لكن المثقف بعد تغير النظام ابُعد من العملية السياسية، وفعل الإبعاد هو أخطر بكثير من فعل التهميش، رغم أن المثقف العراقي لا يطالب بسلطة، وإنما يريد الأخذ برأيه والاستماع إلى طروحاته، ومشاركته بالوضع السياسي ـ باعتباره يمثل شريحة واعية، أكاديمية تمتلك الكثير من المصداقية والقبول.

لكن الذي نلاحظه الآن، بأن الحكومة سعت إلى إبعاده، إذا كان هذا المثقف من داخل أو خارج العراق، لأنها تخافه وتهابه، لأن خطابه الثقافي أكثر تأثيرا من خطابها السياسي، لأنه سيتحدث بلسان الشارع ليس بلسان الأحزاب.

كيف، والى أين يعود المثقف ؟ هذا هو السؤال المهم.... علماً أن الحكومة هي التي تسعى لعدم عودته!

والذين عادوا من المثقفين، عادوا مع أحزابهم، أو من البرغماتيين منتهزي الفرص، وهؤلاء لا يمثلون المثقف العراقي، وإنما هم مثقفو أحزاب، مثلما ضربت أحزابهم وغادروا معها العراق، يعودون الآن معها. الحكومة العراقية هي التي تتحمل المسؤولية بعدم عودة المثقف، لأنها سعت عن قصد لإبعاده.

لأن المثقف أهم من السياسي، وصوت المثقف أعلى من صوته، السياسي شخص يكون في أغلب الأحيان برغماتي يتحدث بخطاب مؤد لج ومكرر، بينما المثقف له خطاب خاص ومتحرر.

بالله عليكم، كيف تبني حكومة بلدها، وتطلب من مثقفيها بعدم العودة، وهي الآن بأمس الحاجة لصوته؟

لا نضحي بما حققناه ونعود ..

وللموسيقي ألحانه الموسيقية والسياسية أيضا. كتب الموسيقي محمد حسين كمر، من مدينة "اوترخت" الهولندية، قائلا:

لعل من أهم القواعد الأساسية لتطور المجتمعات والدول وبناء مقومات دولة المؤسسات الدستورية هو احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها وعدم تسييس التعليم والفنون والرياضة. وهذا الموضوع له صلة وطيدة مع احترام حقوق الإنسان وخضوع الدولة والأفراد للقانون.



غير أن الديكتاتور والطاغية صدام وضع القيود والموانع المختلفة على مصادر المعرفة وأهدرت الحريات الأكاديمية بهدف تطبيق سياستها القمعية وتوطيد دعائم فلسفتها الاستبدادية في محاربة كل قنوات الفكر والحرية العلمية والتفكير الحر وأشكال الإبداع والتأليف والبحث العلمي إلا ما يتناسب ونمط الحكم الدكتاتوري وفرض العقيدة أو المذهب السياسي وعسكرة الثقافة والفنون والرياضة المقترنة بثقافة الخوف وعبادة الفرد ذلك لآن حرية التفكير والإبداع ورفع القيود عن مصادر المعرفة هي العدو الأول للأنظمة الدكتاتورية وهي مصدر الخطر على وجودها.

ولذلك فقد حصلت – بفعل سياسة النظام الدكتاتوري أكبر هجرة في تاريخ العراق وربما منطقة الشرق. ولأن هذا الموضوع له صلة وطيدة بالعقول التي هاجرت من العراق فلا بد من التركيز في الكلام عليها لأنها ثروة مهمة ليس من السهل تعويضها.

وليس المقصود بالعقول المهاجرة حملة شهادة الدكتوراه أو ممن هم يحملون الشهادات الجامعية العليا كالماجستير أو الدبلوم فقط، وإنما نقصد بذلك كل كفاءه وخبرة في مختلف المجالات الإنسانية والعلمية، في الطب، الهندسة، الحقوق، الاقتصاد, الصحافة, الإعلام, الصيدلة, اللغات, الفنون والرياضة وغيرها سواء ممن كان يحمل شهادة أكاديمية أم لا.

فالكثير من الخبراء أو العقول يحملون شهادة البكالوريوس مثلا لكنهم من ذوي الخبرات أو المعرفة أو التخصصات التي تركت العراق ويمكن عدها من العقول المهاجرة.

نستطيع القول إن الأشخاص الذين يعملون بعقولهم من شغيلة الفكر ممن اثبتوا كفاءة وكانت أو صارت لهم خبرات علمية أو أكاديمية أو فنية يمكن اعتبارهم من العقول المهاجرة أو التي هاجرت من العراق وقد اكتسبت هذه العقول خبرات طويلة في حقول الاختصاص وصارت للبعض منها أراء أو نظريات أو مؤلفات أو تجارب أو بحوث علمية وكم من طبيب وجراح يحتل مواقع علمية جيدة بكفاءة في دول العالم وخاصة في لندن حيث يوجد ما يقارب 5 آلاف طبيب يعتبرون من أهم وأكفأ الطباء، وكم من خبير عراقي ترك وطنه وهو الآن يشغل موقعا مهما في الشركات والمؤسسات الدولية بعد أن ضاقت به الدنيا في العراق.

فيما يخصنا أيضا في الجانب الموسيقي والفني والثقافي هنالك العديد من المبدعين العراقيين المثقفين والفنانين في مختلف التخصصات الفنية: ( موسيقى، مسرح رسامين تشكيليين، أدباء، وصحفيين مثقفين....... الخ) توزعوا على مختلف دول المنافي وكل هؤلاء طاقات واعدة ومبدعة وهنا أتحدث شخصيا عن تجربتنا كفرقة عراقية كانت معروفة في العراق قبل أن نقرر الهجرة.

وكما نعلم جميعا أن البدايات في الغربة ومحاولة التعايش مع مجتمع جديد بأفكار وتقاليد جديدة صعبة جدا، إلا أن هذه الصعوبات يمكن التغلب عليها بالإصرار والثقة بالنفس. فبقدر ما كانت ظروف المنفى الصعبة مخيبة لآمال الكثير من زملائي فقد كانت بالنسبة لنا مصدر تحد وحافز كبير للإبداع.

وكذلك مسألة إثبات وجود وتأكيد حقيقة أن الإنسان العراقي الذي تمتد جذوره إلى أكثر من 6 آلاف سنة، حيث كان مصدر إشعاع للحضارة والثقافة والفن للعالم أجمع، يستطيع التفاعل والتعايش ومن ثم الخلق والإبداع حينما تتوفر له الظروف المناسبة والحرية الحقيقية للتعبير .

وبالتأكيد فإن كل هذا لا يأتي من فراغ بل يجب أن تتوفر خصائص ومستلزمات تعتمد على الخلفية الثقافية والأكاديمية والموهبة والخزين الفني المتراكم بالنسبة للفنان، والحمد لله فإن هذه المستلزمات توفرت لنا مع المجموعة الرائعة من الفنانين الموهوبين والأكاديميين المتخصصين في مجال التراث الموسيقي العراقي، والذين تشكلت منهم فرقة المقام العراقي حيث تقف في القمة منها سيدة المقام العراقي فريدة الصوت النسائي المتفرد في هذا المجال ساعدها في ذلك موهبتها ودراستها الأكاديمية.

وفي أوروبا والعالم كما هو معروف لا يمكن العمل في الاتجاه الصحيح إلا من خلال المؤسسات الخاصة والرسمية ووفق شروط قانونية معترفة بها فكانت فكرة تأسيس مؤسسة المقام العراقي عام 2000, أي بعد 4 سنوات من إقامتنا في هولندا وبدعم من المؤسسات الثقافية والفنية الهولندية التي تعاملنا معها وهذا الإ نجاز لم يأت من فراغ فقد أخذ من وقتنا وجهدنا الكثير حيث بدأنا من نقطة الصفر والآن والحمد لله المؤسسة مدعومة من التجمع الثقافي الهولندي للسنوات الأربعة القادمة ( 2005-2008 )، لمرور خمس سنوات على تأسيسها ومن خلال المؤسسة ومن خلال عملي مع بعض الفرق الهولندية من أجل الجمع بين ثقافات موسيقية مختلفة وتقديرا لذلك حصلت في العام الماضي على عضوية اتحاد الموسيقيين الهولنديين إضافة إلى عضوية جمعية حقوق المؤلفين الموسيقيين الهولنديين العالمية .

والمؤسسة يشار إليها الآن في أوروبا والعالم عامة وهولندا خاصة باعتبارها واحدة من أهم فرق الموسيقى. فوجودنا في أوروبا والاحتكاك بفنانيها من خلال المشاركة في أغلب المهرجانات في العالم اكسبتنا الخبرة العملية والطريقة المهنية الصحيحة في التنظيم والعمل المسبق والمنظم في برمجة منهاجنا لكل سنة إضافة للتطور وتوفير كل سبل الاتصالات في بلدان العالم والتي نحتاج إليها في عملنا في التواصل مع المهرجانات التي تقام في أنحاء العالم.

لذلك من الصعب التضحية بكل ما حققناه خاصة وأن صورة العراق المستقبلية غير واضحة المعالم بالنسبة للجانب الذي نختص نحن فيه أي الجانب الموسيقي ومثلما نلاحظ أن المنظمات الإرهابية والتكفيرية التي تريد تدمير العراق تعتبر أن الرسالة الفنية والموسيقية من المحرمات ولا نجد أيضا أي تشجيع للفنانين من قبل الحكومة الجديدة أو الاهتمام من المؤسسات الفنية بفناني المهجر لغرض تشجيعهم إلى العودة وذلك من خلال توفير أهم السبل المطلوبة للاستقرار النفسي والمادي والمعنوي لذلك يحتاج هذا الموضوع إلى وقفة جادة من كل القوى الوطنية العراقية في الحكم الجديد ومن خارج الحكم فالكفاءة العراقية هي كنز العراق وهي مستقبل العراق والعالم العراقي والمهندس والطبيب والأستاذ الجامعي والمعلم والأديب والمفكر والباحث والفنان الموسيقي والمسرحي والتشكيلي وكل الطاقات التي أتمنى أن اذكرها جميعا كلهم ملك العراق والعراقيين.

وبدورنا نتمنى أن ننقل هذه الخبرة الأكاديمية التي اكتسبناها في سنين الغربة إلى عراقنا العزيز من أجل النهوض به والانفتاح على العالم بطريقة متحضرة والعراق الجديد الذي نتمناه أن يكون منارا للعالم من خلال الثقافة والفن والأدب والرياضة لذلك في اعتقادي أن وجودنا الآن في هذه البلدان هو أفضل من العودة لأن كل السبل متاحة أمامنا في التعامل والاحتكاك بالتقدم الذي يحصل في العالم إضافة إلى أن كل مشاركاتنا هي باسم العراق وأن أي نجاح يحققه المبدعون العراقيون في المنافي هو نجاح للعراق.

ظواهر جديدة تمنعا أن نعود ..

وأما المثقف العراقي هادي الخزاعي، من هولندا، فكتب لـ"العربية.نت" يقول:

ابتداءا أبدي تحفظي على مفردة نظام على إدارة الوضع الجاري في العراق، إذ أنني أجد أن النظام حتى يستوعب إبعاد هذه المفردة يجب أن يستند على أرضية قانونية هي الوثيقة الدستورية، فعندما يشرع الدستور العراقي الجديد يمكن أن نلتمس أجندة النظام على مختلف الصعد وفق بنوده المسطرة ، لذا لا أترجى شيئا إلا بإقرار الدستور أما ما يجري الآن في العراق، فلا تبشر تجلياته بأي شئ يغري المثقف العراقي المقيم في الخارج ولمختلف الأسباب سياسية كانت أم اقتصادية بالعودة إلى وطنه، وذلك لعدم التزام القوى السياسية بتبني تلك القوى وبسبق اصرار.

مبدأ المحاصصة المقيت الذي أنتج للعراق مآسي لا تقل فداحة عن مآسي التي خلفها النظام البائد، بمعنى أن الطروحات السابقة لأغلب الفصائل التي كانت تعارض النظام البائد قد تناستها الآن واستحوذ عليها هوس السلطة، فتحول هذا الأمر إلى هاجسها اليومي المتناسل عنه شبح نظام أشبه بنظام القبور.

ربما يكون للمخاوف من تكرار تجربة التنكيل بالمثقف ما يبررهها على ضوء ما يفرزه المشهد العراقي، ولكن هذه المخاوف لا تعدوان تكون واحدا لا غير من جملة أسباب تدفع بالمثقف إلى عدم العودة، ومن بين هذه الأسباب:

- عدم استقرار الوضع الأمني في العراق

- لقد أصبحت لأغلب المثقفين أوضاعا اجتماعية جديدة كالأسرة كما هو حال كل المقيمين في الخارج، فاغلب المثقفين أما أنهم جاؤوا إلى بلدان المهجر واللجوء بمعية ذويهم وهم صغار أو أنهم ولدوا في تلك البلدان، وتكيفت حياتهم وفقا لواقع تلك البلدان سيما وأن زمن وجود ذويهم في المنفى قد طال قراية 3 عقود . ان هذا يشكل تحديا في رغبة العودة لدى عدد لا يحصى من المثقفين. فبدون تعاون الدولة العراقية في الإسهام بحل هذا الإشكال كالسكن والعمل الوظيفي وتسهيلات أخرى، فإن العودة ربما تتحول إلى مغامرة عير محمودة العواقب ليس فقط للمثقف فحسب وإنما لجميع العراقيين الذين يفكرون في العودة إلى الوطن.

- بروز ظواهر اجتماعية غريبة عن المجتمع العراقي لم تكن مألوفة لمن ترك العراق قرابة ربع قرن . فحالة التشوه الاجتماعي التي عمد النظام المقبور على تسييدها شكلت عاملا معرقلا للمثقف بالتكيف لهذه الحالة الاجتماعية الخطيرة، ناهيك عن عدم وجود ما يضمن سلامته وأسرته.



- استفحال جملة من الظاهر المجتمعية التي اختفت من أجندة العراقيين منذ قرابة النصف قرن كالعشائرية والطائفية والاثنية والمدينية وغيرها من الظواهر السلبية. ان هذه العودة لهذه الظواهر تشكل العصى التي تعرقل دوران عجلة تفكير المثقف العراقي بالعودة إلى وطنه. ربما هناك أسباب أخرى تدور في أذهان الذين يتريثون بالعودة، ولكن بشكل عام يحتاج الأمر إلى معالجة علمية تأخذ بنظر الاعتبار كل ما يحيط بالأمر، وأول الذين يمتلكون أدوات المعالجة هم الذين يسيرون شؤون الدولة العراقية.

جبل أحلامنا يرتفع

وأما الفنان التشكيلي قاسم الساعدي المقيم في مدينة "خيين" الهولندية، فكتب لـ"العربية.نت" قائلا:

لم يسجل لحكومة الجعفري أي اهتمام إيجابي بالشأن الثقافي، بل العكس تماما، حين سجلت هذه الحكومة وتحالف أحزابها - سابقة تاريخية - حين اعتبرت وزارة الثقافة وزارة غير هامة، وزادت على ذلك حين استوزرت عليها ضابط شرطة في استعادة لمنهج صدام حسين في تعامله مع هذه الوزارة الحيوية .

حكومة ومافيات المحاصصة، المعلنة والسرية، الميلشيات وخلايا الإرهاب المسلحة، قوات الاحتلال الصديقة والشقيقة هم من يحكم الآن... الثقافة بمعناها الحي المبدع والمتجدد، ليست على أجندة أي من هذه القوى، الثقافة ترف حضاري مؤجل وحتى إشعار آخر. العراقيون الذين كانوا بداية التاريخ ، حينما ابدعوا الحرف، العجلة، القانون، والكهرباء يواجهون الآن تناوبا وتحالفا شريرا لاعداء الثقافة والإبداع والنور والعدالة. ومادامت الحكومة الجعفرية عاجزة عن حماية أطفال العراق أو المتطوعين لحماية الحكومة ذاتها، فما على العراقيين إلا ان يضيفوا الى جبل أحلامهم المنكسرة ، احلاما وآمالا مؤودة جديدة . ومئة قتيل في حفلة دم واجدة، لم نوقظ في وفد الجعفري ووزرائه العشرة، أي احساس بالمسؤولية والتضامن الوطني، ولكي يعودوا لكي يغسلوا الدم عن الشوارع.

السيد توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، قطع اجتماع الثمانية الكبار اثر عملية إرهابية أدت إلى مقتل نصف عدد الضحايا العراقيين . فيا للدم العراقي الرخيص!

الحرب ضد الموسيقى، السينما، المرأة الأقليات الدينية، تؤتي ثمارها السامة، وما نسيه النظام السابق من سرقة للحريات الخاصة والعامة، أكملته ميلشيات تكره العلم والفن وتكفر الإبداع وتزدري الحياة، وجل همها تعميم الجهل وتخصيص سرقة وتهريب النفط والبقية تأتي.

المواطن المحاصر بالجوع والغلاء، البطالة وعبودية الحصة التموينية، المطوق باللصوص والمفخخين، المزابل وقنوات الصرف الصحي المفتوحة، كيف سيجد طريقه لقاعات الغرف؟ وبلاد لا طبقة وسطى فيها سيكون من العسير إعادة نسخ الحياة لجسد عطلته حروب لا آخر لها.

كان ثمة أمل بأن تتسع إمارتا إقليم كردستان – على ما فيها من أمان نسبي – لأحلام المبدعيين العراقيين على اختلافاتهم، وبناء نموذج قد تصيب عدوى جماله بقية الأقاليم، لكنه أمل إصابة الصدع أيضا، فروح المحازبة الضيقة أصابت الذاكرة القومية بالضعف حين تناست حتى الذين قاتلوا إلى جانبها عقودا من الزمان. ليس للسلطة الحاكمة الآن منهج واضح ومتماسك، لأنها خليط اتفاقات وتحالفات تتصارع لتثبيت هيمنة رؤى مختلفة للدستور العراقي المؤجل وبذات الوقت فليس ثمة منهج واحد للمعارضة العراقية.

تعبير المعارضة العراقية هنا في غاية المطاطية ويتسع من أقصى اليسار لأقصى اليمين ومن قوى تعارض سلميا، برلمانيا وديمقراطيا إلى قوى معارضة مسلحة من أنصار النظام السابق، إضافة إلى شبكات بن لادن، والتي تتمظهر بأشكال وتسميات وممارسات عنيفة مختلفة. أرى أن السؤال ملغوم بارتباك، قد يؤدي إلى خلل استنتاجي فهو لا يود التوصل إلى معطى استبياني بقدر ما يسعى إلى تصدير فكرة سياسية: الحكم ومعارضيه، ولكن بطريقة التفافية.

أما عن مخاوف المثقف العارقي: لا تتيح الرسائل الواردة من الحكم وأدائه السياسي، والإرهاب متعدد الطوائف فرصة للمثقف العراقي بالعودة دون ضمانات كافية تبدأ بحرية التعبير والعمل، وجميع حقوق الإنسان التي سنتها الامم المتحدة ووافق عليها العراق ، دونما ذلك لن تجد من سيحرق سفنه أو يقطع تذكرة باتجاه واحد .

من جانب آخر، أرى أن إبداع المثقف العراقي هو منجز حضاري يحسب للعراق بصرف النظر عن المكان الذي هو أنجز فيه، وسواء رسمت لوحتك في باريس، لندن أو امستردام أو بغداد فهي إضافة إلى جهد متراكم.. المؤسف ألا تستمتع العيون والحواس العراقية بهذا الجهد، وتلك مسؤولية الحكم أولا وثانيا وثالثا.

التعليقات