نداءات الجهاد انطلقت من المساجد:الخرطوم تدفع فاتورة مصرع قرنق ويتهددها خطر الصوملة

نداءات الجهاد انطلقت من المساجد:الخرطوم تدفع فاتورة مصرع قرنق ويتهددها خطر الصوملة
غزة-دنيا الوطن

لم تتعرض العاصمة السودانية الخرطوم، لمثل ما تعرضت له من أعمال عنف بعد مقتل الزعيم الجنوبي جون قرنق اثر تحطم مروحيته، طوال الـ 22 عاما التي استغرقتها أطول حرب أهلية في أفريقيا.

باتت الخرطوم أمام فوهة "الصوملة" والتحول إلى صدام آخر بعد أن خيم عليها خلال الأيام الماضية شبح الحرب الأهلية بعد أن أوقعت المواجهات بين الجنوبيين والشماليين أكثر من 130 قتيلا حسب مصادر غير حكومية.

فما بين جنوبيين متحفزين للثأر بسبب ما يظنونه اغتيالا مدبرا لزعيمهم، وشماليين يريدون الثأر المضاد بعد أن هاجمهم الجنوبيون بمجرد إعلان مقتل قرنق بعد سقوط طائرته، ووصل ذلك إلى نداءات "الجهاد" التي انطلقت من بعض المساجد في أحياء الخرطوم، خاصة تلك التي يوجد فيها أعداد كبيرة من الجنوبيين.

كان من قدر "الخرطوم" أن تدفع فاتورة باهظة من أمن واستقرار سكانها، رغم أنه لم يثبت أنه جرى اسقاط لمروحية الرئيس الاوغندي التي استقلها صديقه قرنق عقب الزيارة التي قام بها لمزرعته في اوغندا، وأن كل الدلائل تشير أنها سقطت بسبب سوء الأحوال الجوية وجغرافية المنطقة الصعبة التي تحيط بها الجبال.

غياب قرنق وبروز سلفا كير مكانه وتعيينه نائبا أول لرئيس الجمهورية، فجر في حد ذاته الكثير من المخاوف بشأن قدرته على القيام بالدور الذي كان يقوم به سلفه على مستوى الحركة الشعبية لجنوب السودان، وكذلك الدور المحوري الذي اعطي لقرنق في اتفاقيات السلام والتي فصلت على مقاسه، وربما لا يلائم هذا المقاس كير.

وأثيرت مخاوف أخرى بشأن الميول الانفصالية لخليفة قرنق، والتي تتوائم مع فصائل في الحركة الشعبية ترغب في الانفصال.

ويرى الكاتب السوداني محمد الحسن أحمد في مقال نشره بجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية ان الفراغ الكبير الذي احدثه غياب الدكتور جون قرنق ادى الى ربكة في الشارع السوداني، وتساؤلات على الصعيدين الداخلي والخارجي حول مستقبل السلام ووحدة السودان، وعما إذا كان بوسع سلفا كير ملء الفراغ الذي تركه قرنق وأنه سيكون مقبولا على نطاق واسع في اوساط الجنوبيين والشماليين على السواء.

قرنق تفرد بزعامة الحركة خلال اكثر من عقدين من الزمان، واكتسب خبرة واسعة فضلا عن علاقات متعددة مع القيادات السياسية السودانية، وكذلك علاقات على المستوى الاقليمي والعالمي، الأمر الذي لم يتوفر لخلفه سلفا كير.

وكير كان ضابطا برتبة نقيب في شعبة المخابرات العسكرية بالقوات المسلحة السودانية، عندما انخرط في الحركة الشعبية التي وصل فيها إلى منصب رئيس هيئة اركان الجيش الشعبي، ليصبح الرجل الثاني في القيادتين العسكرية والسياسية، وهو ينتمي إلى الفرع الأكبر من قبيلة الدينكا التي ينتمي اليها قرنق وهي اكبر القبائل الجنوبية على الاطلاق.

وتتسم شخصيته بالتواضع والبساطة والزهد في مباهج الحياة، والتأني في اتخاذ القرارات والصبر وقوة الاحتمال، وطغيان الشخصية العسكرية في سلوكه بشكل كبير على الشخصية السياسية.

سلفا كير لا يقل وحدوية عن قرنق ولكن الاعلام ظلمه

ويرى الحسن أن الاعتقاد بأنه من دعاة الانفصال نشأ بسبب الصراعات التي احتدمت في مرحلة من المراحل بينه وبين الدكتور جون قرنق، بينما يؤكد عارفوه بأنه لا يقل وحدوية عن سلفه، ولكن بعده عن دوائر الإعلام يظلمه كثيرا في رد ما يكال له من اتهامات، الا أن بعده عن الاعلام يقابله في الجانب الاخر قربه الشديد من ضباط الجيش الشعبي وقياداته.

وظهر هذا بجلاء في كثير من الاجتماعات التي عقدتها قيادة الحركة ، حيث كانت الغالبية تنحاز الى صفه خاصة في الاجتماع الشهير الذي واجه فيه د. جون قرنق نقدا مريرا بسبب تمركز كل السلطة، في يديه.

والسؤال الذي يطرحه محمد الحسن أحمد يتعلق بما اذا كان كير سيتمسك بكل سلطات وصلاحيات قرنق، ام يحقق ما كان يدعو اليه من شورى وقيادة جماعية وتوزيع للمناصب على القيادات عوضا عن تجميعها كلها في يديه كما كان سلفه.

ويجيب عن ذلك بأن سلفا كير لن يتفرد بالزعامة ويتبوأ المواقع التي كان يحتلها الراحل امتثالا لتطبيق مبدأ القيادة الجماعية الذي كان اكبر الداعين له، ولأن في تحقيقه ما يعيد فرص توازن القوى بين المجموعات التي منها تتشكل الحركة وبها تحافظ على كيانها ووحدتها وقوتها.

وتطبيق هذا المبدأ قد يتطلب تعديلات في اتفاقية السلام التي نصت على جمع كل المناصب الرئيسية في شخص قرنق، بدءا من النائب الاول للرئيس الى رئاسة الحكومة، ثم قيادة الجيش في الجنوب، والصياغة الجديدة المطلوبة تنأى عن تفصيل كل هذه المناصب على مقاس شخص واحد وتجعلها قابلة للتعددية في الاشخاص كيفما يرى رجال الحركة الشعبية من هم الانسب لتوليها.

مثل هذا الاجراء يعتبر تحولا في اوساط القادة الرئيسيين في الحركة بما يرضي طموحاتهم، وقد يسهم بقدر وافر في ترسيخ دعائم التصالح بين الحركة والفصائل الجنوبية الاخرى خاصة تلك التي لها مع الحركة خصومات ومرارات كانت في غالبها الاعم مع الزعيم الراحل شخصيا.

ويطالب الحسن الحكومة بتقديم كل ما تستطيع من عون للحركة لبلوغ هذه الغاية فهي بوسعها ان تقدم الكثير خاصة ان لها شرائح مقدرة وسط ابناء الجنوب سواء من المنتمين الى صف حزبها او المتحالفين معها، وعليها بالدرجة الاولى ان تيسر كل السبل المفضية للتصالح بين الحركة والمليشيات عبر معادلات يمكن ان تجد القبول من كل الاطراف، لانه لا سبيل لاقناع المليشيات إلا بالتراضي وليس بفرض الانضمام الى هذا الجانب او ذاك كما نص الاتفاق.

أخطاء وثقوب اتفاق السلام كثيرة

وقال إن الاخطاء والثقوب التي ظهرت عند التطبيق لاتفاق السلام ليست محصورة فقط في البنود التي تركز كل السلطات في يدي قرنق بحسبانه رئيس الحركة، وانما في القسمة غير العادلة لتوزيع السلطة مع القوى الاخرى في كل المستويات التشريعية والوزارية والولائية، وكذلك المفوضيات ومسألة المليشيات وما الى ذلك من اشياء رمادية، على حد تعبير الصادق المهدي.

بعد الغياب المفاجئ لقرنق بات مؤكدا انه لا سبيل للمراهنة على حكم البلاد بشراكة ثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة، او حتى لملمة لافتات لكيانات لا وزن لها، وانما ينبغي توحيد الصف الوطني كله شماله وجنوبه وانخراطه في حكومة وحدة وطنية شاملة، لان تجربة الايام التي اعقبت مصرع الدكتور جون قرنق اثبتت ان اوضاع السودان هشة الى درجة يمكن ان ينخرط الجميع في حرب اهلية شاملة، نتيجة للفوضى التي حدثت في العاصمة وامتدت الى مدن اخرى وفي الجنوب بشكل خاص.

الفوضى التي حدثت انذار لحرب أهلية

ويوضح الكاتب محمد الحسن أحمد أن "هذه الفوضى وما صاحبها من حرائق للممتلكات وقتل متبادل تعتبر اكثر من مقدمة وانذار لحرب اهلية ما لم تسارع الحكومة بضبط الامن من جهة، وعلى الصعيد السياسي بعمل كبير يتمثل في دعوة كل رموز القوى السياسية للاتفاق على الكيفية التي يمكن بها محاصرة النيران التي اشتعلت، وضبط الايقاع السياسي من مسرى الاشاعات والدسائس التي اخذت تسري بين شرائح المجتمع المختلفة".

وقال إن هذه "كلها تغذي الفوضى والخوف وعوامل الصدام بين الاعراق والاديان، وهي وان بدت اشاعات تلقائية الا ان من المؤكد ان جهات بعينها اخذت توظفها للتمكين للفوضى لنشر كل معينات الحرب الاهلية على امتداد السودان كله، ووجدت هذه الاشاعات صدى واسعا".

خطر هذه الفتنة يظهر جليا مع الدور الذي لعبته دور العبادة، وهي المرة الأولى التي تستغل فيها في السودان بهذا الشكل، فاعلانات الجهاد انطلقت في مساجد الأحياء ضد الجنوبيين، وقيل إن هناك كنائس أيضا قامت بتحريض مضاد.

وكان زعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي دعا الى تشكيل جبهة عريضة لدرء الفتنة، منتقدا تباطؤ السلطات في التعامل مع الأحداث وحملها مسؤولية الخسائر الكبيرة في الارواح والممتلكات.

وراجت شائعات خطيرة الأربعاء 3/8/2005 عن مقتل زعيم الفصائل الجنوبية المسلحة المتحالفة مع الحكومة اللواء فاولينو ماتيب، مما أدى الى تحرش ومواجهات واغلاق المحال التجارية في وسط العاصمة أمام المواطنين الذين توجهوا الى منازلهم، وخرج موظفو الدولة من مكاتبهم وسيطر الذعر والخوف حتى عصر ذلك اليوم.

واضطرت السلطات الى اذاعة بيان عبر الإذاعة والتلفزيون الرسميين من فاولينو ماتيب قائد «قوات دفاع جنوب السودان» الذي يسكن في جنوب الخرطوم، تحدث فيه الى أنصاره من قبيلة النوير ثاني أكبر قبائل الجنوب المعروفة بالشراسة في القتال وطالبهم بالهدوء، نافياً تعرضه لأي مكروه.

وعززت قوات الشرطة والجيش من وجودها في وسط العاصمة واطرافها لمنع وقوع اعمال عنف وقتل، مستخدمة المدرعات والدبابات. وقال حاكم ولاية الخرطوم إن 600 من السيارات العسكرية تجوب ولايته لحفظ الأمن بعد اتهامات له بالتقصير في الاحداث التي أدت الى سقوط 85 قتيلاً وأكثر من 800 جريح، بحسب احصاءات رسمية، الى جانب الخسائر المادية الجسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

ولا يزال التوتر يخيم على اجزاء واسعة من انحاء الخرطوم ومدنها الثلاث، وظل بعض المواطنين يحملون اسلحتهم البيضاء في الاحياء ووسط المدينة. كذلك سُجّل وقوع اصابات في تبادل رشق حجارة بين جنوبيين وشماليين.

مواطنون جاءوا من الولايات للثأر لمقتل أقاربهم

وحسب جريدة "الحياة" اللندنية ظلت معظم المحال التجارية مغلقة ولزم غالبية السكان منازلهم لحماية أسرهم من اعتداء انتقامي محتمل بعد ان اخذت احداث العنف منحى عرقياً ودينياً في بعض جوانبها، وأعادت السلطات بعض مواطني الولايات الذين وفدوا الى العاصمة للمشاركة في حماية أسرهم والدفاع عنهم والثأر لمقتل اقاربهم.

ووجهت الحكومة بعض أئمة المساجد في الخرطوم إلى السعي لاحتواء حالات الانفلات نتيجة لاستخدام مكبرات الصوت ضد الجنوبيين. الصادق المهدي دعا الى تشكيل جبهة شعبية عريضة من اجل احتواء الفتنة، وناشد التعاون مع الأمم المتحدة لاحتوائها.

واعتبر أن البلاد في حال خطر يقتضي ضبط النفس، وانتقد تأخر السلطات في التعامل مع اعلان مقتل جون قرنق، واتخاذ الترتيبات الأمنية وطالب باجراء تحقيق في شأن اعمال العنف التي وقعت.

التعليقات