هكذا استطاع القاضي اليمني الهيتار اقناع شباب خبروا القتال في جبال افغانستان وتكفير الحكومات

غزة-دنيا الوطن

«هل في اليمن علماء؟ لو كان هناك علماء لما أمضينا في السجن كل هذه المدة». بهذا الرد وغيره من تعابير الغضب والسخط واجه المعتقلون اليمنيون المتهمون بالانتماء إلى تنظيم «القاعدة» القاضي حمود الهيتار الذي جاءهم على رأس وفد من علماء اليمن لمحاورتهم واقناعهم بالتخلي عن الفكر المتطرف. ولعل كسر الجليد في مهمات من هذا النوع هو الأصعب، فاعتماد الحوار لاقناع أشخاص اعتنقوا العنف قد يبدو ضرباً من الخيال.

لكن الهيتار بادر هؤلاء الشبان بالاعتذار عن التقصير معهم طوال مدة سجنهم، وكان مضى على بعضهم أكثر من عامين في الاعتقال من دون أن توجه اليه تهمة محددة. وأطلعهم الهيتار أنه لولا تكليفهم من جانب الرئيس علي عبدالله صالح بهذه المهمة لما جاؤوا، لأن البعض تخوف من أن يهدر دمه فيصبح طريدة سهلة لمن بقي خارج السجون، أو ان يتم اغتياله كما جرى مع الشيخ محمد حسين الذهبي في مصر في العام 1977.

وحاول الذهبي عندما كان وزير الاوقاف، محاورة المتطرفين فقتله أحدهم بطلقة في عينه بتهمة أنه يدعم السياسات الليبرالية. فقالوا: «لا هذا لن يحدث. لكن لم أتيتم؟»، فرد الهيتار: «جئنا لمحاورتكم. فإن كان الحق معكم تبعناكم. وان كان الحق معنا تبعتمونا. وحجتنا في ذلك كتاب الله والأحاديث النبوية الشريفة، ونعاهد الله على الصدق معكم». فقالوا: «وهذا شرطنا عليكم». وقدم الهيتار مشروع الحوار الذي كان أعده ليطلعوا عليه، فأجروا بعض التعديلات الطفيفة وباشروا العمل. كان ذلك في ايلول (سبتمبر) 2002. فبدأت جلسات الحوار ومعها كرت سبحة الافراج عن مئات السجناء. وفي العام الماضي وحده أطلق سراح 113 سجيناً، وبلغ العدد الاجمالي للمفرج عنهم منذ بداية الاستراتيجية الجديدة 364.

يبدو الامر كما يرويه الهيتار لـ «الحياة» غير واقعي لشدة بساطته. فكيف اقتنع شباب خبروا القتال في جبال افغانستان وتكفير الحكومات في بلدانهم واستباحة دماء الاجانب وغير المسلمين بكلام مسالم حمله اليهم قاض شاب اتخذ من هذه المبادرة مسؤولية شخصية؟

يبتسم الهيتار ويسوي ربطة عنقه، وقد ارتدى البذلة الرسمية بدلاً من الزي اليمني التقليدي، ويقول: «قبل اللقاء بالعائدين من أفغانستان، قمنا بدراسة للعمليات الارهابية التي تم تنفيذها وهي كثيرة في اليمن، فتوصلنا إلى أن وراء كل عملية ارهابية فكرة محددة. أحياناً تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لكن المهم أن هناك فكراً يقتنع به منفذو تلك العمليات. والفكر لا يواجه الا بالفكر والمشكلات الفكرية لا يمكن حلها بالقوة. فالعنف يزيد الفكرة قوة وصلابة. لذلك يبقى الحوار هو السبيل الأمثل لتغيير الافكار والقناعات والسلوك بطريقة طوعية».

والواقع أن اليمن انفردت بالأخذ بمبدأ الحوار في مكافحة الارهاب وهي تجربة تعرضت لانتقادات كثيرة، خصوصاً من جانب الدول الغربية التي تخوفت من أن يستغل المفرج عنهم هذه الفرصة لمعاودة نشاطهم خارج السجون. لكن الذين شملهم الحوار ليسوا متهمين بقضايا جنائية، بل هم مقاتلون سابقون في أفغانستان لديهم قناعات فكرية مخالفة لما عليه جمهور علماء المسلمين، ويخضعون لتعريف الارهاب الذي توصل اليه العلماء في اليمن وهو: «كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به اياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع اجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق العامة أو الخاصة أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر».

ويقول ا هؤلاء الشباب صادقون في العمق، لكنهم تلقوا الدروس الخاطئة. فيكفيهم أن يتخذ المرء عهداً على نفسه أمامهم ليصدقوا حسن نياته، «وأنا تمكنت من بناء جسور الثقة معهم لأن حجتي الوحيدة هي كتاب الله».

ويكتسب هذا الحوار أهمية خاصة لأنه يهدف بالدرجة الاولى إلى اقتلاع الجذور الفكرية للتطرف والارهاب، واقامة الحجة والبيان وصولاً إلى الفهم الصحيح لاحكام الاسلام، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع الجريمة قبل وقوعها وضبطها بعد وقوعها وتعقب مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، وحل المشكلات الاقتصادية التي تكون سبباً في استغلال بعض العناصر لتنفيذ أعمال ارهابية وتجفيف مصادر التمويل.

وتوقف الحوار مطولاً عند أسباب التطرف والغلو التي انطلقت منها الاعمال الارهابية في اليمن وغيرها من البلدان، فتبين أن هؤلاء الشباب ملمون ببعض نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية من دون الالمام بالبعض الآخر، كما أنهم غير ملمين كفاية بأصول الفقه الاسلامي، ولا يفهمون الواقع المعاش في شكل موضوعي كي يراعوه في الوقت الذي يطبقون أحكامهم عليه. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر هؤلاء أن اليمن بلد غير اسلامي وتجوز محاربته من هذا المنطلق. فقدم الهيتار لهم نسخة من الدستور اليمني وأثبت لهم أن القوانين الوضعية تراعي الاحكام الشرعية.

وعن الاعتداء على الاجانب وغير المسلمين، فإن الجهاديين كانوا يعتقدون بأن الدين حلل قتلهم لأنهم «كفار»، مرة أخرى، جادلهم الهيتار وأثبت لهم أن الدين يحرم ازهاق الارواح ما لم يكن دفاعاً عن النفس. وبدأ الجهد الفعلي ينصب على اظهار الاسلام بصور الوسطية والاعتدال. والواقع ان غالبية هؤلاء الشباب، لبوا نداءات حكوماتهم وتوجهوا الى أفغانستان لمحاربة الاتحاد السوفياتي، برعاية غربية كاملة. وفي ذلك الوقت كانت الحماسة لمحاربة «الكفار» أشد من أن يتروى هؤلاء وينظروا ملياً في شؤون دينهم. فبعد عودتهم لم يتمكنوا من التخلي عن نشوة الفوز بطرد الروس من افغانستان، وتجنيد شباب آخرين لاكمال الطريق. وفي هذا السياق تلعب التعبئة الجهادية التي تعرضوا لها، والانتصار اللاحق الذي حققوه، دوراً اساسياً في تشكيل وعيهم الديني. ولا يخفى أن انتشار المدارس الدينية، واعتماد مناهج تعليمية غير علمية في كثير من الاحيان، أثرا في نشوء أجيال شابة جديدة من هذه العينات.

ولا يخفي الهيتار أنه لجأ أحياناً إلى اثبات وجهة نظره معتمداً على المفاهيم القبلية الراسخة في أذهان اليمنيين. فكان يسأل محاوريه مثلاً: «اذا كان بعض الأشخاص نزلوا ضيوفاً على قبيلة فلان بإذن من شيخها وبأمان منه، هل يجوز قتلهم؟» فأجابوا بـ «لا». فرد: «لماذا اذاً تحللون قتل الاجانب الذين ائتمنوكم وقد جاؤوا ارض اليمن بإذن من السلطات وهو يعتبر أماناً لمن اعطي له؟». وهكذا دواليك.

ولا يتوقف الحوار عند السؤال والجواب والمناظرة داخل السجن إلى أن يعلن الشاب توبته، فـ «الصيانة» التي تتبع هذه المرحلة هي من الاهمية بحيث تمنع معاودة الكرة. والدليل أن أحداً من الـ 364 الذين أفرج عنهم لم يعد إلى نشاطه السابق. وتكمن أهمية المرحلة التي تتبع الخروج من السجن، في أنها تخضع المفرج عنه إلى مراقبة دقيقة لفترة من الزمن، وإجباره على حضور ندوات تثقيفية تدعم الفكر المعتدل في الدين. اضافة إلى تأمين عمل لمن ليس له عمل وإجبار المؤسسات على استعادة موظفيها الذين تركوا وظائفهم.

يبقى سؤال حول جدوى هذه الاستراتيجية وفاعليتها على أطياف المجتمع اليمني الاخرى، فهي في النهاية ربما صبت التركيز على مشكلة معينة وأهلمت مشكلات أخرى أدت بدورها إلى نشوء ظاهرة «الحوثي» و»الشباب المؤمن». قد يصح القول ان اختلافاً يكمن في أن فكر «القاعدة» يقوم على تكفير الانظمة العربية ومقاتلة غير المسلمين بينما فكر الحوثي يقوم على ركنين أساسيين هما الحق الإلهي في الحكم والحق الإلهي في العلم. فهم يعتقدون بأن الله اختص بعض الناس في الحكم من دون غيرهم وانه اختارهم للعلم من دون أن يعلمهم أحد، والى ما هنالك مما لسنا في صدد ذكره الآن، الا ان هذه الظاهرة موجودة وآخذة في التفاقم، ولا بد من التوقف عندها... ولمَ لا محاورتها!

*الحياة

التعليقات