حركة اسرائيلية ـ فلسطينية تبث اعلانات في اسرائيل حول تعايش بين جنود الاحتلال واطفال الحجارة

حركة اسرائيلية ـ فلسطينية تبث اعلانات في اسرائيل حول تعايش بين جنود الاحتلال واطفال الحجارة
غزة-دنيا الوطن

جندي اسرائيلي بكامل عتاده العسكري يبدأ العرض بتوجيه فوهة بندقيته نحو فتى فلسطيني. ويقوم الفتى بالمقابل بحمل حجر وتصويبه نحو الجندي في تحد معهود. الجندي يضغط على الزناد، فنسمع منه صرخة تغطي على أزيز الرصاصة فيما الفتى الفلسطيني يقذف الحجر بكل عزمه. المشهد مألوف؟ لا... فبعكس ما قد يتوقع معظم من يشاهد هذه اللقطات، فتسلسل هذه الأحداث لا تنتهي بمقتل أو اصابة الطرفين، فلا أحد منهما يصيب الآخر. ويتبين فيما بعد أن الجندي والطفل يلعبان سويا.. فالطفل يرمي الحجر والجندي يصوب بندقيته ليصطاده في الهواء. ومن ثم يندفعان كل تجاه الآخر... يتعانقان ومن ثم يعطي الجندي سلاحه وخوذته للفتى الفلسطيني فيما يعطي الأخير الحجر للجندي الاسرائيلي، ليتبادلا الأدوار. الحلم يتحقق

* إذا كانت المشاهد السابقة تبدو أشبه بحلم جميل، فذلك لأنها كذلك في الواقع، والأصح هو أنها تصوير لأمنية في فيلم دعائي تلفزيوني مدته 52 ثانية. الفيلم ينتهي بنص يقول «حلم ؟... يبدو ان هناك أمورا تكون بمثابة أحلام. ولكن نحن البشر اذا آمنا، فسنرى الحلم يتحقق. وفي نهاية المطاف، سنوقع على اتفاق لانهاء الخلاف».

أما الجهة المنتجة فهي حركة تدعى «الاحصاء الوطني»، وهي حركة اسرائيلية ـ فلسطينية، قام بتأسيسها كل من البروفيسور سري نسيبة، رئيس جامعة القدس ومسؤول ملف القدس في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والجنرال عامي أيلون، القائد الأسبق لجهاز المخابرات العامة (الشاباك) والقائد الأسبق لسلاح البحرية الاسرائيلي ومعهما مجلسان شعبيان من كلا الطرفين وبعض الشخصيات الأجنبية.

والفيلم المذكور هو واحد من النشاطات الاعلامية والجماهيرية التي تديرها الحركة بهدف تعميق رؤى السلام بين الشعبين.. لكننا شاهدناه بالصدفة تماما. فقد صدر قبل عدة أشهر في اسرائيل وفلسطين، لكنه لم يعمم على الناس. تم بثه فقط في الموقع التابع للحركة في الانترنت www.hamifkad.org.il. وقد تم نشر خبر متواضع حول الموضوع في الصحف الاسرائيلية، بينما لم يتم ذلك في الصحافة الفلسطينية وفي معظم وسائل الإعلام العربي. ويأتي ذلك في مقابل المساحة الهائلة التي يمنحها الطرفان لأخبار القتل والدمار والعنف المتبادل. وتهدف «حملة التواقيع الشعبية» إلى التأثير على زعماء الطرفين، لوضع حد للصراع، بواسطة عملية تواقيع جماهيرية، على اعلان مبادىء مشترك، حيث تجري في اسرائيل حملة توقيع قطرية، وتتم في الطرف الفلسطيني، حملة جماهيرية علنية موازية، وفي نهاية المسار، ستقدَّم آلاف التواقيع من الطرفين، للزعماء كتعبير لرغبة الشعبين، ومن أجل التأثير على سياسة هؤلاء الزعماء. وقد استطاع الموقع الالكتروني للحملة، أن يجذب حوالي 161 ألف فلسطيني بالإضافة إلى 254 ألف اسرائيلي يؤيدون هذه المبادرة. لماذا لم نسمع عنها؟

* ولعل السبب الأبرز لغياب الحديث عن هذا الإعلان في الإعلام هو أنه لم يتم عرضه على أي من القنوات التلفزيونية، حيث اقتصر عرضه على الموقع الالكتروني للحركة كما ذكر سابقا، وعدد من البرامج التي تستعرض الاعلانات الجديدة والغريبة. ولكن لماذا لم تنظم حملة إعلانية للترويج للسلام في مختلف القنوات التلفزيونية والصحف والمجلات؟ هل كان السبب ماليا ام سياسيا؟ أحد العاملين في الحركة من الجانب الاسرائيلي رفض التعقيب على الموضوع واكتفى بالقول «أنا أستطيع الاجابة حول الجانب الاسرائيلي فقط»، وربط السبب بارتفاع الكلفة. وقال انهم لو ارادوا عرض الاعلان في مواقع الكترونية أخرى، فإن كل موقع يطلب عشرات الآلاف من الدولارات. أما على الجانب الفلسطيني فعلمت «الشرق الأوسط» ان وسائل الاعلام الفلسطينية التي عرض عليها الأمر طلبت سعرا يضاهي أربعة أضعاف السعر المألوف. وعندما رفضوا ان يدفعوا هذا المبلغ رفضوا نشر أي خبر عن الموضوع على الاطلاق.

ويعلق محمد مصالحة، صاحب شركة اعلانات عربية في اسرائيل، بقوله «هناك اختلاف عميق في ثقافة الاعلان السياسي ما بين اسرائيل والعالم العربي. ففي اسرائيل تعتبر الاعلانات السياسية منتوجا تقليديا، فلا تجد صحيفة يومية تخلو من مثل هذا الاعلان في أي عدد. وفي أعداد نهاية الأسبوع تجد عدة اعلانات.. اضافة إلى ذلك تمارس في معظم وسائل الإعلام العربية رقابة أحيانا تكون رقابة ذاتية من دون تدخل الحكومات. لذلك فإن مضمون الاعلان هو الذي يحدد ما اذا كان سينشر أم لا... والمعيار هو مدى ملاءمة هذا المضمون مع سياسة الحكومة». ويضيف مصالحة «نعلم أن في اسرائيل حكومة وبرلمانا وجيشا وشرطة تمارس أبشع أنواع العدوان على شعبنا الفلسطيني. وسياستها السلمية المعلنة مشبوهة ومشوهة. وما زالت تحتل أرضنا وتشرد شعبنا. ونحن، الفلسطينيين والعرب، نعتبر أنفسنا ضحية لها. ومع ذلك فإن هناك قوى سلام كبيرة ونشيطة في اسرائيل تروج للسلام وتدير ثقافة سلام على جميع الصعد وفي شتى المجالات، خصوصا في الناحية الاعلامية. وهناك أمور حادة جدا تنشر حول الموضوع في اسرائيل، أقوى بكثير من هذا الاعلان». ويضيف مصالحة.. «الصحف الاسرائيلية تهتم بشكل أو بآخر في نشاطات قوى السلام. ونقول بشكل أو بآخر، لأن قوى السلام غير راضية. وتطالب بالمزيد. فاذا قارنا بين هذا الوضع والعالم العربي، فإننا نجد هوة سحيقة. فنحن وللأسف الشديد لا نهتم بقضايا السلام ونشاطاته بالمقدار الذي يستحق». ويعتبر مصالحة أن الإعلام العربي يتغييبه الحديث عن السلام يرتكب خطأ فاحشا، موضحا ان «اسرائيل ما زالت تنجح في اظهار نفسها نصيرة سلام، مع انها تحتل الأرض وتمارس أبشع صنوف القمع والكبت والخنق والاغتيال، بل تظهر نفسها ضحية للارهاب العربي مع انها تمارس الارهاب أيضا... أما نحن الضحية فإن النظرة السائدة تجاهنا هي اننا نحن الارهابيون، وقد حان الوقت لتغيير هذه الصورة... ووضع الأمور في نصابها».

ويذكر أن اللجنة اليهودية الأميركية نشرت إعلانا في عدد من أبرز الصحف قبل أسابيع، يعتبر أن العرب هم السبب في افشال كل محاولات السلام مع اسرائيل (راجع «الشرق الأوسط» عدد 9709 بتاريخ 26 يونيو 2005)، ولا يتحدث هذا الإعلان عن واقع الاحتلال الاسرائيلي ولا حتى عن مبادرة السلام العربية عام 2002م. غياب السلام عربيا

* فيما عدا استثناءات محدودة، من بينها حملة إعلانية نفذها تلفزيون «المستقبل» قبل سنوات بعنوان «العرب يريدون السلام»، لم تكن هناك محاولات عربية جادة للترويج لثقافة السلام. وكان اللافت في الحملة التي نفذها تلفزيون «المستقبل» هو انها كانت انتاجا محترفا ناطقا باللغة الانجليزية، وفي أحد الإعلانات استخدمت في الخلفية أغنية لـ ادوان ستارز «ماذا تفيد الحرب؟» War, what is it good for? وفيما لم يتجاوب أي من المسؤولين في تلفزيون «المستقبل» مع محاولات مكتب «الشرق الأوسط» في بيروت للاستعلام عن هذه الحملة ومن انتج اعلاناتها، يقول رئيس شركة «ساتشي اند ساتشي» للإعلانات (الخليج) وعضو المجلس العالمي للجمعية الدولية للاعلان، خميس المقلة، أنه على قناعة تامة بالدور الحيوي الذي يلعبه الاعلان التلفزيوني في خدمة القضايا السياسية والاجتماعية، مشددا على ضرورة الاستفادة من مثل هذه الاعلانات باعتبارها وسيلة مؤثرة وذات فعالية وتعتمد على ايصال الفكرة أو الرسالة بشكل مباشر. وردا على سؤال لـ «الشرق الأوسط» عن رأيه في غياب حملات السلام في الاعلام العربي، دعا الخبير الاعلاني خميس المقلة لأن تكون هناك حملات عربية لنقل وجهة النظر الإيجابية في العالم العربي، و«علينا أن نستفيد من فن الاعلان لإيصال رسائل إيجابية»، واعترف المقلة بوجود تقصير كبير في هذه الحملات التي تدعو للسلام على كافة المستويات.

*الشرق الاوسط

التعليقات