القصة التي أثارت هلع الناس:المجاهد الذي يخطف ضحاياه ويدرب مجموعته على ذبحهم

القصة التي أثارت هلع الناس:المجاهد الذي يخطف ضحاياه ويدرب مجموعته على ذبحهم
غزة-دنيا الوطن

ليس ما يشغل الناس في كردستان العراق هذه الأيام، أكثر من تداعيات بث الأجهزة الأمنية يومياً، على شاشة فضائية كردستان، اعترافات بذبح وتقطيع أوصال الضحايا وممارسة الجنس، موثقة بصور فيديو، لما بات يُطلق عليه، شبكة « الشيخ زانا الأرهابية».

ولم تكتف السلطات الأمنية بعرض الأعترافات، وإنما بدأت دعوة لجان من رجال الدين والوجوه الأجتماعية، وممثلي الأحزاب ومنظمات المجتمع المختلفة لمشاهدة ما هو « أفظع» في أشرطة فيديو خاصة لا يمكن بثها, لانها توضح تفاصيل أخرى أدق للأعمال البشعة التي قامت بها عناصر المجموعة.

وعلى رغم كل ذلك, لم يعد من السهل على المواطنين، خصوصا سكان مدينة أربيل، ان ينسوا اسم «الشيخ زانا» وخليته الأرهابية. فالمشاهد الوحشية التي عرضها التلفزيون ستبقى لصيقة عقولهم وقلوبهم سنوات طويلة. وأعادت هذه الصور الى الاذهان عصابة «أبو طبر» الأجرامية في سبعينات القرن الماضي التي أزهقت الكثير من الأرواح بعد قطع الرؤوس عن الاجساد في لعبة مفبركة مارسها النظام السابق ضد أبناء شعبه.

وفي خطوة تعكس رغبة شديدة في مواجهة هذه الجماعات، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الأقليم مسعود برزاني، في بيان صدر عن أجتماع للجنته المركزية عقد في 16 تموز (يوليو) الجاري «المضي بشتى الاساليب الأعلامية والتربوية والسياسية من اجل تشكيل رأي عام واسع ضد الارهاب, وضد ايديولوجية هذا التيار المتطرف الذي يتستر بالدين وفضح الاهداف الحقيقية للارهابيين وهي زعزعة الاستقرار والامن وعرقلة بناء الديمقراطية والتقدم».

ولم تبق المشاهد التي بثتها فضائية كردستان أسيرة الشاشات، بل صارت حديث الشارع الكردي لسخونتها ودموية اللقطات فيها. الكل مصدوم ويتحدث عن مطبخ «الشيخ زانا» الذي تفوح منه رائحة الدماء.

في مقابل الهلع الشعبي, عبر المسؤولون الامنيون عن قناعتهم بأن ذلك «ضروري من أجل تنبيه الناس الى حجم الأخطار المحدقة بهم».

ولطالما اعتقد المواطن الكردي أنه محصن من مثل هذه الأعمال, متصورا ان أقصى خطر هو «تفجير انتحاري يستهدف مركز شرطة، أو مقر أمن», وبالتالي كان يكفي تجنب المرور بقربها. لكن أن يشهد عمليات خطف وقتل وحز للأعناق، وتقطيع أوصال جثث ضحايا يجري أنتقاؤهم عشوائيا، من الشوارع والأماكن العامة، فأمر يكاد لا يصدقه، خصوصا أن غالبية عناصر الجماعة من عائلات معروفة في أربيل، وكلهم أكراد.

وفي خطبة الجمعة، دان الخطباء بشدة هذه الجرائم، واعتبروها «بعيدة كل البعد عن تعاليم الاسلام الحنيف، وتحريفاً لمبادئه». ولم يتردد بعض الخطباء وصف أفراد الشبكة بـ «المفسدين».

وعلى رغم التحذيرات التي تُبث يوميا قبل كل حلقة من البرنامج بضرورة منع من تقل أعمارهم عن الثامنة عشرة من مشاهدته، إلا أن الكبار أنفسهم وجدوا صعوبة بالغة في متابعة الصور، منقسمين بين مصدق للاعترافات وعاجز عن تصديقها.

وبحسب مصدر طبي في مستشفى الطوارىء في مدينة أربيل, ذكر بيان للأتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية جلال طالباني، أن أكثر من 50 أمرأة أُدخلت المستشفى ليلة 15 -16 تموز (يوليو) الجاري، بعد «تعرضهن لحالات نفسية غير مستقرة بسبب فظاعة المشاهد التي بُثت على شاشة الفضائية الكردستانية والتي لم يعتد عليها المجتمع الأربيلي».

ومع استمرار العنف الدموي غير المسبوق في العراق برمته، أصبحت كلمات مثل «الأرهابيين»، «الذبح»، «القتل» و»الخطف» متداولة على ألسنة الأطفال وهم يلعبون. بل لا يتورع كثيرون عن تهديد أصدقائهم وتخويفهم من «الأرهابي». وتسجل مبيعات لعب الأطفال من «الأسلحة» أزديادا كبيرا، بحسب ما يقول صاحب محل لبيع لعب الأطفال في أربيل رشيد فتحي: «أكثر ما أبيعه من لعب هي اسلحة الكلاشنيكوف والقنابل اليدوية والأحزمة التي يصطف فيها عدد من الأسلحة النارية الخاصة بالأطفال».

ويضيف: «هذه الأنواع من الالعاب تلاقي قبولاً وأنتشاراً كبيراً من الأطفال وهي اول ما تسترعي أنتباهم ويطلبونها عند دخولهم المحل». وعلى مسافة غير بعيدة وقف طفلان لا يتجاوز عمرهما العاشرة يلعبان لعبة « القناص». فيحمل أحدهما سلاحه الناري الأسود مستهدفاً صديقه الذي يبادله نفس العملية لينهي أحدهم اللعبة بسرعته في أطلاق العيار الناري على صاحبه وسط ضحكات الأثنين..! هذه ألعاب أطفال العراق اليوم التي صار من الصعب ردعهم عنها. فكل ما حولهم ينطق بها بدءاً من شاشات التلفاز الى الالعاب الألكترونية التي لا تعدو كونها أكثر من قوات تهاجم بعضها البعض، مرورا بتقليد جنود قوات التحالف وهم يتحركون بعدتهم العسكرية الكاملة.

وقبل بث الحلقة الأولى من سلسلة الأعترافات أُعلن في أربيل على لسان المسؤولين بأن ما سيُبث ليس إلا الجزء اليسير مما بحوزة الأجهزة الأمنية من افلام وصور، أما الجزء ألأكبر مما لا يجوز عرضه على الشاشات، من دراما الأرهاب في أربيل سيُعرض على مجموعة مختارة من رجال الدين والوجوه الأجتماعية والسياسيين ومنظمات حقوق الأنسان، لما فيها من مشاهد قد تفقد وعي الناظر اليها. فمشاهد مثل تقطيع الجسم البشري بعد حز رأسه ووضعه في صفيح زيت كبير، وصب فوهته بالأسمنت، ورميها بين الانقاض، أو وضع القطع المقطعة في أكياس نايلون، قبل التخلص منها، مشاهد بالغة القسوة، صعبة التخيل، لكنها حقيقة واقعة وليست من خيال كتاب الروايات البوليسية.

واللافت أيضا أن عملية تقطيع الذبيحة البشرية، كانت تجري بالتزامن مع ذبح أخرى حيوانية! لتمويه كمية الدماء المسالة في مجرى المياه المفتوح.

أحتقان بين عائلات عناصر الخلية وعائلات الضحايا

فور بث برنامج خلية « الشيخ زانا « في أربيل، ساد الغضب الشديد أوساط عائلات ضحايا الشبكة وعشائرهم, خصوصا عائلات أفراد الشرطة الذين قضوا في العمليات الأنتحارية الأخيرة .

وفي المجتمعات العشائرية المتمسكة بالعادات والتقاليد كالمجتمع الأربيلي، يغدو من الصعب على أهالي الضحايا بعد أن عرفوا وشاهدوا طرق تصفية أبنائهم المختفين منذ مدة، اللجوء الى القانون لأنصافهم وأخذ حقوقهم. يبقى الثأر هو الحل! فإذا لم تنجح السلطات في تهدئة العائلات، واقناعهم بقدرة القانون على محاكمة الفاعلين وانزال العقاب بهم، فأن مشاكل لا تحمد عقباها ستُدخل الاربيليين في متاهات جديدة.

الكثير من الأمهات الثوكل بأبنائهن المقتولين في الانفجارات الانتحارية يطالبن حكومة الاقليم بانزال القصاص العادل بالمجرمين، أمام مرأى الجميع وأن تكون عائلات الضحايا هي من ينفذ العقاب بحقهم. البعض الأخر هاجم منازل عوائل أفراد تلك الخلية التي خلت من ساكنيها بعد بث البرنامج. فالكل يريد الانتقام بطريقته! لكن مصادر قانونية في اربيل ذكرت لـ»الحياة» بأنه ليس وارداً لدى السلطات المعنية في الأقليم محاكمة هؤلاء عشائرياً، وأنها تعمل على تقديمهم للمحاكمة وفق قانون العقوبات العراقي، لينالوا جزاءهم. ولم تستبعد هذه المصادر تطبيق حكم الأعدام بحقهم في حال إدانتهم، على رغم الجدل الدائر في العراق حاليا حول تطبيق عقوبة الأعدام بعد ان كان الحاكم المدني الأميركي بول بريمر الغاها. غير أن هذه المصادر تخوفت من ان تفتح السلطات الباب أمام المحامين للدفاع عن افراد الشبكة, مشككة في الوقت نفسه في أن يقبل محامون اكراد الدفاع عنهم.

وإذا كان بث أعترافات الخلية أحدث هلعا في صفوف الناس، إلا أنه في الوقت ذاته دفعت الأكراد الى التعامل بحيطة وحذر شديدين مع كل شخص مهما كان، خصوصا بعد أن أتضح ان عدد من هؤلاء ضباط متنفذين في جهاز الأمن. وبدأت الأنظار تتجه بريبة الى كل من يمارس الشعائر الدينية بتطرف, فأصبح الناس حذرين جدا مع من يحاول أستمالتهم الى الجماعات الأسلامية بأسم الدين.

وأفرز كشف الشبكة واقعا حمل في طياته الكثير من مظاهر التناقض والمفارقة. ففي الوقت الذي برزت فيه الحاجة الى تعاون أكثر مع الأجهزة الأمنية، والتبليغ عن المشتبهين، شعر كثيرون بخشية من التعامل مع أفراد الأمن لأن الشيخ زانا نفسه، مع آخرين معه، كانوا ضباطا في مديرية الأمن المعروفة في أربيل بـ « الأساييش»!!

ويقول سروت عزيز، وهو موظف مصرفي، لـ «الحياة»: «إن أنعدام الثقة بين المواطن وأجهزة الأمن مشكلة كبيرة على الحكومة الأسراع في علاجها، والعمل على أعادة بناء جسور الثقة من جديد». ويضيف: «أنا الآن متوجس من كل من حولي، ما فعله هؤلاء المجرمون الذين كان بعضهم يشغل مناصب حساسة في الأمن، يجعلني أشك في كل شخص، حتى في سائق الباص الذي يقلنا الى العمل وفي زملائي ومديري وجيراني وكل ما حولي»!

التقاليد الاجتماعية تؤخر كشف الحقائق

ابتزت هذه الشبكة عددا من الشابات، فأعتدت جنسيا عليهن، وصورت هذه الأعتداءات لتستخدمها لأبتزازهن وضمان عملهن مع أفراد الجماعة، ولممارسة الجنس معهن.

واستفادت هذه الخلية من مشكلة المجتمعات المحافظة التي تطبق ما يسمى بـ»غسل العار» بحق كل أمراة مارست الجنس خارج منظومة الأسرة، حتى لو كانت ضحية أعتداء او جريمة أغتصاب. وعلى رغم ان أقليم كردستان العراق عّدل في فقرة القانون العراقي الذي يبيح هذا النوع من القتل، وأعتبر هذه الأفعال جرائم يعاقب عليها القانون. وقد يكون ذلك من أكثر الأسباب التي أخرت الكشف عن مثل هذا النوع من الجرائم.

فكثيرات من ضحايا العمليات من النساء يفضلن السكوت والقبول بالتهديد, لأدراكهن المطلق لصعوبة تفهم ذويهن للموقف الحقيقي الذي تعرضن له وهو ما دفع بالكثيرات من ضحايا الشيخ زانا الى قبول واقعهن المر، بعد الأفلام والمشاهد المخلة التي صورن بها من غير درايتهن.

وحتى لو رحمت العائلة الضحية وأقفلت أبوابها عليها, الا ان أنظار المتطفلين لن ترحمها, وستبقى نقطة سوداء في سجل عائلتها. وتـــقول بفرين محي الدين، طالبة جامعية (22 عاما): « أشعر برعب حقيقي لم أعشه في حياتي بعد أن شاهدت الحلقة الأولى من البرنامج». وتضيف: «يستحيل علي التكهن ما كنت سأفعل لو وقعت ضحية أبتزاز جنسي، فلا أحد سيتفهم ذلك! لا الوالد ولا الوالدة ولا العائلة».

ووسط شيوع هذا المنطق، يغدو إبلاغ العائلة عن أبنتها المختطفة بحد ذاته أعترافاً منها بـ»سوء أخلاقها»، مؤثرة بقاء الموضوع في سرية تامة لحين جلاء الحقيقة.

وتتحدث سميرة رشيد (35 عاماً) عن الخوف الذي اعتراها بعدما شاهدت تلك الحلقات ما « اضطرها الى عدم مغادرة مكان عملها وقت الظهيرة بل الانتظار حتى يزدحم الطريق بالناس والسيارات». وتسأل: «هل نحن بأمان أم لا». وتضيف وملامح القلق ترتسم على وجهها: «أكيد أننا لسنا بأمان ونحن نشاهد لقطات يعرضها التلفزيون على المواطنين يتم فيها فصل الرأس عن الجسم ومن ثم تقطيع الجسم الى أجزاء وتجميعه في أكياس ورميه في مكان مجهول من دون ما يشير الى هــوية الضـــحية».

أحد افراد المجموعة أعترف بـ»ذبح شاب لا يتجاوز عمره السادسة عشرة بعد قتله بمسدس كاتم للصوت عندما رفض ممارسة اللواط «.

لم يقترف الشاب جرماً ولا ذنباً بل أن صراعاً نشب بينه وبين والده مــا جــعل مـــوجــة الغضب لديه تصل أعلى مداها، فخرج هاربا من البيت. ولسوء حظه عثرت علــيه ســيارة «الشيخ زانا» الذي ما أن صعدها حتى بدأ بالبكاء شاكياً قسوة والده عليه، فما كان من السيارة إلا وحملته الى بيت الأخير حيث كانت نــهايته.

بعض أفراد الجماعة أكدوا في أعترافاتهم أن الشيخ زانا أمرهم بقتل أثنين آخرين رفضا ايضا ممارسة اللواط. وأبعد «الشيخ زانا» في أعترافاته، الشبهات عن افراد مجموعته عبر الايحاء انهم «غير متدينين ولا ينتمون الى مجموعات اسلامية», ويشربون الخمر ويلعبون القمار، ويعملون في الحانات.

*الحياة

التعليقات