تزايد نطاق عمليات القتل والخطف:الفلسطينيون يخشون من تفاقم الفلتان الأمني

تزايد نطاق عمليات القتل والخطف:الفلسطينيون يخشون من تفاقم الفلتان الأمني
غزة-دنيا الوطن

توقفت سيارتان فجأة وسط شارع يعج بالمارة صباح الثلاثاء الماضي، وترجل منهما عدد من المسلحين الذين لم يتوانوا عن اطلاق النار بكثافة صوب سيارة أخرى كان بداخلها ثلاثة فارق اثنان منهما الحياة فيما تمكن الثالث الذي أصيب من قتل أحد المسلحين. لكن بقية المسلحين خطفوا الشاب المصاب ونقلوه بسيارتيهم على عجل ليفرغوا رصاصات عدة في جسده قبل أن يلقوه جانب جدار مقبرة.

مجموعة القتلة هم أبناء اخوة المقتول أحمد عبد العزيز (55عاما) وولديه محمد (25 عاما) ورزق(26 عاما)، فيما القتيل الرابع عبد العزيز دنيال عبد العزيز(30عاما)من المهاجمين. هذا السيناريو المفزع بات يتكرر في الأراضي الفلسطينية، فاتحا الباب أمام تساؤلات بشأن الحال الأمنية وإمكان تردي الأوضاع أكثر من ذلك.

الأحد الماضي، تمكنت الشرطة من توقيف قتلة ماهر قطري في رام الله بعد ساعات من قتله، كما ألقت القبض على مجموعة من الشباب قاموا بقتل طفل في مدينة رفح. وفي هذه المدينة ذاتها، تم توقيف قتلة طفل صغير برصاصة طائشة. وشهدت المدينة خطف شابين بواسطة شابين آخرين، ومحاولة أب قتل ابنته بشكل بطيء، إلا أن الشرطة أنقذتها قبل أن يجهز عليها.

هذه الحوادث كلها، مردها كما يعتقد المراقبون إلى انتشار السلاح بحجة المقاومة. والشرطة الفلسطينية غير قادرة على ضبط الأوضاع بالشكل الذي يضع حدا لها. عرفت مدينة رام الله وضعا شاذا حين دار حوار بين عنصري أمن تطور إلى جدل ساخن فتلاسن. أشتبك رجلا الأمن بالأيدي، ثم اتصل كل شاب بمجموعة من زملائه في الجهاز.

جاء كل طرف بسلاحه وعتاده إلى ساحة المعركة. اخذ العشرات من المسلحين مواقعهم وسط المدينة.اندلعت اشتباكات ضارية بالأسلحة النارية. ساحة حرب حقيقية. لم يعرف سكان المدينة حقيقة الأمر. ومن منزل إلى منزل بدا المسلحون بأسلحتهم النارية وكأنهم لن يتورعون عن قتل كل من يقف أمامهم. وبصعوبة بالغة تمت السيطرة على الموقف.

ليس هذا وحده، ففي اليوم ذاته، إذ تعرض "عرين الأسد" لحادث مشابه. فقد جرت اشتباكات أخرى وسط مدينة غزة، كان المستهدف منها رئيس أقوى الأجهزة الأمنية "الأمن الوقائي" العميد رشيد أبو شباك. وامتدت الاشتباكات من منزل أبو شباك إلى مقر جهازه "القلعة الحصينة" في تل الهوى بالمدينة.

ويحق للمواطن الفلسطيني البسيط الذي أنهكت قواه 5 سنوات من حرب مدمرة قادتها إسرائيل ضده، أن يتساءل، بحسب مراقبين، عن الفلتان الأمني الذي توسع نطاقه. ويجيب هذا المواطن بنفسه على طريقة رسومات الكاريكاتير التي كان يجيدها الفنان الراحل ناجي العلي، السلطة شبه منهارة، والأجهزة الأمنية تفشت فيها الشللية، والقانون آخر الحاضرين.

يقول أحمد - وهو طالب جامعي يراقب المشهد عن كثب - إذا كان وزير الداخلية المسؤول عن الأجهزة الأمنية يقول لك: هناك من يتاجر من قادة الأجهزة الأمنية بكل شيء بدءاً من الدماء حتى المخدرات، فماذا عسى المواطن أن يقول!. فهذه الأحداث الدموية كلها وقعت بظرف الأسبوعين الأخيرين وكانت نتيجتها مقتل حوالي 10 من الفلسطينيين.

وزير الداخلية الفلسطيني اللواء نصر يوسف الذي فتح النار على كل الأجهزة الأمنية وقادتها، بوصفه لكثير منهم بالبلطجية والعصابات، يقول:إن هناك مراكز قويّة كثيرة تعيق عمل الأجهزة لفرض سيادة القانون، عازياً الجزء الأكبر من الفلتان الأمني الخطير إلى ضعف القضاء المدني الفلسطيني، إلي جانب انتشار الفقر في المجتمع الفلسطيني. فضلا على كميات السلاح الكبيرة المنتشرة في الساحة الفلسطينية، الذي اخذ شرعيته خلال الانتفاضة.

ويتساءل الدكتور رياض المالكي - أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت برام الله -، عن الصفة التي يمكن أن يطلقها على حالات الفلتان الأمني الـمتكررة في فلسطين؟ هل هي عصيان أم تمرد تقوده مجموعات أو أفراد من داخل جسم السلطة أو خارجها؟ وكيف نفسر أسلوب وطريقة تعامل السلطة مع مجمل تلك الحالات؟ هل هو ضعف متعدد الـمجالات في السلطة أم قوة عددية وعسكرية لدى العصاة والـمتمردين تبطل إمكانيات السلطة الـمتوفرة؟ ويضيف متسائلا "أم هي محاولة مسؤولة لدى السلطة في تجنب الانجرار نحو الـمواجهة الداخلية مهما كان شكلها أو صانعها".

وهل تجددت حالات العصيان والتمرد - يضيف المالكي - بمظاهرها الـمسلحة بعد أن تأكد لصانعيها تهرب السلطة الـمؤقت من مثل هذا الاستحقاق، وبالتالي تعاظمت حالات الاستغلال إلى درجة وصلت بالغالبية أن تنتهز تلك الفرصة الفريدة والـمؤقتة للاستفادة منها زمنياً لدى كل من لديه قضية يسعى لحلها أو ثأر قديم يسترده أو طمع يأمل بسلبه.

ويرجع الكاتب عبد الله عواد فقدان الأمن إلى 5 أسباب:

أولاً: ليس في ضعف الأجهزة أو ضعف امكاناتها كما تقول الرواية الرسمية وإنما لأنها مشغولة بنفسها في خلافات وتنازع على الصلاحيات، وعلى الرتب. وبطالة وفساد وشللية وبحث جنوني عن المصالح الخاصة.

ثانياً: إن القيادات التي عاشت وتعايشت مع مرحلة الفلتان والفساد بكل أنواعه والعلاقة الشخصية والفوضى لا يمكن لها أن تكون قادرة على تحقيق الأمن حتى لو تم تجهيزها بكافة الامكانات، فالإرادة دائماً تتقدم على الامكانات.

ثالثاً: عدم وجود قضاء، رغم وجود قوانين، فالقضاء موضوع على الرف، وتتدخل فيه عوامل شخصية ومصلحة، وسلطة الأجهزة التنفيذية بكافة أنواعها وأشكالها رسمية وعائلية وشللية، أعلى من سلطة القضاء، فأية قوانين وأي قضاء في العالم يفرج عن قتلة بكفالة!.

رابعاً: إن مجتمعاً وسلطة وفصائل ينخرها الفساد الأخلاقي والإداري والمالي، من الطبيعي أن يكون "الأمن المفقود" سيد الموقف، حتى لو تم توحيد ليس الأجهزة الأمنية فقط وإنما كل القوى والفصائل والعائلات والشلل.

خامساً: دون القوة، والعقاب الرادع للآخرين، والضرب بشدة على كل من يمس الأمن الداخلي، فإن تحقيق الأمن سيظل حلماً ووهماً وأملاً يراود "الغلابة" من الناس.

من جهته يحاول البروفسور عبد الستار قاسم ايجاد اجابة على ما يحدث "من هم هؤلاء الذين يخربون الأمن الداخلي الفلسطيني؟إذا تتبّعناهم نجد أنهم إما أفراد في الأجهزة الأمنية، أو من الذين يتقاضون رواتب من السلطة، أو من أصدقاء السلطة وأقربائها وأبنائها".

ويذهب قاسم إلى القول إن السلطة ومنذ قدومها وهي تتعمد السكوت عن هؤلاء وربما دعمهم وتشجيعهم من خلال المال وتسهيل نقل السلاح، "وواضح أن هناك قادة في أعلى المستويات مشاركون، بل ويرعون هذه الظاهرة الخطيرة.

ويحذر قاسم بشدة من تصاعد الانفلات الأمني الملاحظ في الأيام الأخيرة.ويشير، إلى أن من أعظم المصائب التي تحلّ بالشعب الفلسطيني هي أنْ يشعر المرء أنّ أمنه الشخصي وممتلكاته الخاصة مهدّدة؛ و"أنْ يشعر أنّ هناك من يمكن أنْ يقتله أو يعتدي عليه بالضرب أو يدمّر ممتلكاته، أو أن تصيبه رصاصة طائشة. هذا ما يسبّبه الآن الزعران والجواسيس الذين يطوفون بأسلحتهم شوارع قرانا ومدننا يعربدون على الناس ويشيعون الخوف والرعب في نفوس المواطنين".

وأضاف قاسم: "يخشى الفلسطينيّ الآن الكلام فيما قد لا يعجب أحد البلطجية، ويخشى أحيانا المطالبة بحقّه حتى لا يهدّده المسلحون، حتى أنّه لا يقوى على إطلاق زامور السيارة لتنبيه سائقٍ يقف وسط الشارع خوفاً من السحل أو كسر العظام".

لكن ماذا بامكان السلطة الفلسطينية أن تفعل أمام هذا الخطر الداهم في ظل عجز الأجهزة الأمنية الفلسطينية عن حماية نفسها وقيادتها ؟

يقول توفيق أبو خوصة الناطق باسم وزارة الداخلية والأمن الوطني إن السلطة نفذت حكم الإعدام بداية الأسبوع بحق 4 مجرمين على خلفيات جرائم قتل ارتكبوها في سياق محاربة الانفلات الأمني. ويضيف إن عملية الإعدام "هي خطة في سياق كامل من خطوات أخرى أمام ارتفاع معدلات الجريمة والاعتداءات والمخالفات والخروج على القانون".

ويشير أبو خوصة إلى أن نحو 30 جريمة قتل سجلت منذ أوائل العام الحالي، منوها إلى انه رقم "غير عادي وغير معقول" قياسا إلى الوضع العام. ويكشف احد المسؤولين في وزارة الداخلية عن منح الرئيس الفلسطيني قادة الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، متعهداً لهم بدعم سياسي ومادي ومعنوي بلا حدود من اجل تطبيق القانون وإنهاء حالة الفوضى".

لكن أبو خوصة يخشى من أن لا يتم تحقيق نتائج قياسية ما دام الاحتلال الإسرائيلي يقف في وجه تقدم الفلسطينيين وتطورهم".

أمام الخطر المحدق بالشعب الفلسطيني خشية انزلاقه في مستنقع حرب داخلية، دق رجال القضاء والقانون ناقوس الخطر في كل المدن الفلسطينية، وتحركوا لأول مرة في مسيرتين شارك فيهما المئات، لمطالبة السلطة التنفيذية باتخاذ إجراءات لوضع حد لظاهرة الفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية، محذرين، من مغبة تواصل مظاهر فوضى السلاح، وأخذ القانون باليد.

وطالبوا السلطة التنفيذية ممثلة بأجهزتها الأمنية والشرطية بالعمل الجاد والمسؤول لوقف هذه الأعمال، مؤكدين أنه لا مناص أمام الجميع إلا الالتزام بسيادة القانون وتطبيقه.

نائب نقيب محامي فلسطين المحامي عادل أبو جهل قال إن المسيرة جاءت من أجل دق ناقوس الخطر الذي يهدد الجميع دون استثناء لان حالة الانفلات الأمني، وفوضى السلاح لها مخاطر جمة على كل المجتمع الفلسطيني.

وجاء الرد على الدعوات والنداءات والصرخات من المواطن إلى السلطة التنفيذية، بتهديد احد أهم أركان السلطة التنفيذية رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع بتعليق عمل حكومته إذا استمرت حالة الانفلات الأمني الذي تشهده الأراضي الفلسطينية منذ أشهر طويلة!!!

*العربية نت

التعليقات