ماهي مشكلتنا مع المرأة بقلم: خالد الغنامي-السعودية

ماهي مشكلتنا مع المرأة بقلم: خالد الغنامي-السعودية
خالد الغنامي

كاتب من السعودية

في تقديري، مشكلة المرأة في هذا المجتمع ليست في قيادة السيارة أو عدم قيادتها، وليست في كشف الوجه أو تغطيته، وليست في خروجها للعمل أو بقائها في البيت. المشكلة الحقيقية تكمن في (موضوع الثقة). هذا هو أساس الموضوع الذي يجب أن تسلط عليه كل الأضواء وتدار حوله النقاشات. يجب أن نتكلم عن هذا الأساس، من هذا الجانب، وأن نختلف حوله ويعلو ضجيجنا حتى نشبعه بحثاً وخلافاً. ما زال كثير من الرجال في تجمعاتنا البشرية القبلية يجد أحدهم صعوبة كبيرة في أن يثق بامرأة، أياً كانت هذه المرأة، بغض النظر عن مستوى تعليمها وتربيتها وأخلاقها. ما زال كثير منهم يجد في قلبه حسيكة كلما خرجت زوجته للعمل أو ذهبت ابنته للجامعة أو المدرسة. بل ربما اتصل دون مناسبة ليتأكد في أي أرض هي وماذا كانت تعمل، هكذا بلا مبرر.

هذه النظرة اليعربية الشكاكة المريضة الضاربة في قلب الثقافة هي مشكلتنا، لأنها لا تنظر للمرأة على أنها إنسان جدير بالاحترام وإنما تنظر لها على أنها عار. ذل يدفن في التراب لكيلا يكبر فيقع في علاقة جنسية محرمة فيدنس الشرف ويسوّد الوجوه.

هذا هو الجذر، ثم ما زال العقل البياني العربي يغذي هذه الفكرة ويرسخها في النفوس على مر الأجيال والعصور تلو العصور, ويشبعها خطباً وقصائد حتى قتلت إنسانية المرأة وانحطت إلى مرتبة (حصان العربي وحماره ومتاع البيت).

اليوم، ما الذي تغير؟ لم يتغير شيء البتة. ما زالت هذه النظرة الممعنة في السير بالاتجاه الخطأ بكل اغتباط واعتزاز لا تحسد عليه. ما زلت أذكر خطيب جمعة منذ سنوات قريبة، آذى بعضاً من المصلين حينما قال من على المنبر: (واحذر يا أخي أن يتلاعب بك الشيطان بعد أن توصل ابنتك للكلية، فيقول لك: اذهب لعملك وثق بها.. لا بد أن تنتظر وتنظر من مرآة سيارتك حتى تراها تدخل من باب الكلية). أي رجل مريض هذا الذي تقيأ أمامنا ذلك اليوم، وكيف صعد على منبر من منابر بيوت الله.

عندما انتفضت المرأة المعاصرة على هذا الوضع الذي لا يسكت عنه إنسان يحترم نفسه، كان جواب الثقافة عندنا من شقين: شق مؤدب وآخر ليس كذلك. الشق المؤدب يربت بحنان على كتف المرأة الغاضبة ويحاول أن يمتص غضبها وأن يحد من زئيرها بكلام بارد خلاصته أن المرأة (جوهرة مصون) يجب أن تحفظ في صندوق مكتوب عليه (قابل للكسر). ثم يفسر هذه الصيانة بالحبس بين أربعة جدران بحيث ينحصر سبب وجودها في هذه الحياة في الطبخ وتوفير المتعة الجسدية للرجل وإنجاب الأطفال، فلا تسافر ولا ترى الناس ولا تعرف أي شيء عن العالم سوى ما تراه من خلال عزائها الوحيد: جهاز التلفزيون. ما يزال مصطلح (الجوهرة المصون) غامضاً وغير مفهوم، لذا سأوضحه بمثال: كان في حارتنا القديمة رجل يفسر هذه الصيانة بأن يقفل الباب على زوجته وهو خارج بمفتاح مربوط بخيط معلق في رقبته، يخرجه من بين أزرار ثوبه كلما أراد أن يفتح الباب. تخيل هذه المرأة التي لا تعرف عن الحياة أي شيء ولم تر أي شيء, ماذا سيحدث لها لو سقطت بها طائرة في عاصمة أوروبية, أعتقد أنها ستموت من الجوع.

هذه الصورة بالتأكيد صورة متطرفة ولا تمثل الأغلبية، لكنها تنبهنا إلى أي مدى يمكن أن يصل الهوس.

الشق غير المؤدب أو بعبارة أدق (الوقح) هو الذي يتوجه بكل أصابع الاتهام إلى المرأة التي تطالب بأدنى حقوقها، حتى لو كانت مطالب شرعية يدعمها الدين والفقه وأقوال الفقهاء المعتبرين على مر القرون. إنه يرميها بكل أنواع التهم: (داعية لتغريب المجتمع) (ربيبة الكفرة) (عدوّة الدين والمسلمين). سلسلة لا تنتهي من التهم المعلبة الجاهزة المفصلة الصالحة لكل زمان ومكان. الأزمة مرة أخرى هي (أزمة ثقة). يجب أن يعي الفحل العربي القابع في داخل كل واحد منا أن المرأة ليست مخلوقاً شيطانياً ولا حليفاً لإبليس. هي إنسان مكرم من بني البشر.

هي إنسان محترم راشد كامل الأهلية وعندما تحترمه سيبادلك الاحترام. لذا يجب على الرجل أن يتخلى عن روح الوصاية على المرأة وأن يتركها تعيش حياتها كإنسانة حرة. هذه الثقة التي هي حق لها وليست هبة، لن تجعل المرأة تسقط في بحر الغواية كما يظن البعض وإنما ستعيش في الغالب كما تربت في بيت أسرتها وعلى القيم التي ترعرعت عليها وآمنت بها عن اختيار واقتناع. إن الحياة بين الرجل والمرأة، الحياة المشتركة، لن تكون حياة سعيدة مريحة ترضي الأنا الموجود في كل واحد منهما حتى تتوفر هذه الأجواء.

الأمر لا يتعلق فقط بسعادة المرأة بل هو يمس صلب سعادة الرجل أيضاً، فمنح هذه الثقة للمرأة هو راحة من كل الوساوس المرضية ومساهمة تاريخية تسجل لكل رجل في جعل حياة الأسرة أكثر سعادة وأكثر استقراراً. هكذا فقط تبنى الأسرة، على الحب لا على الخوف

التعليقات