كلمة الأخ فاروق القدومي في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

كلمة الأخ فاروق القدومي في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
كلمة الأخ فاروق القدومي رئيس حركة فتح

في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية .

11/6/2005

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ محمد اليازغي ، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

الأخ رئيس المؤتمر

الأخوة و الأخوات أعضاء المؤتمر

يسعدنا ان نكون اليوم بينكم لنشارككم أعمال مؤتمركم السابع ، واثقين انه سيكون محطة هامة في تاريخ نضال حزبكم العتيد لخدمة قضايا شعبنا المغربي الشقيق و قضايا امتنا العربية و في طليعتها شعبكم الفلسطيني .

ان شعبنا الفلسطيني يحتفظ بذاكرته لحزبكم المناضل بمواقف لا تنسى، فالشهيد المهدي بنبركة كان في طليعة من نبه الى الخطر الصهيوني ، فعمل من اجل تكوين منظمة القارات الثلاث لمواجهة الصهيونية و الإمبريالية العالمية ، و لا عجب ان كان حزبكم في طليعة القوى الوطنية التي أسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني كأول تنظيم شعبي في الوطن العربي لنصرة كفاح شعبنا ، كما رسختم مع المناضلين المغاربة كون القضية الفلسطينية "قضية وطنية" لكل الشعب المغربي ، و لن ننسى ان حزبكم قد أسس جريدة خاصة لفلسطين سماها "فلسطين" اشرف عليها الشهيد عمر ينجلون لأمد طويل ، كما لعب حزبكم دورا بارزا في الأممية الاشتراكية الى حد وضع حزب العمل الإسرائيلي أمام الخيار بين التوقف عن دعم الإرهاب الصهيوني او الطرد من الاممية الاشتراكية ، و ها انتم تسطرون مواقف نضالية نعتز بها ، آملين ان يخرج مؤتمركم السابع بقرارات نضالية تدعم صمود شعبنا و مقاومته الباسلة من اجل تحقيق حقوقه الوطنية الثابتة في القضاء على الاحتلال الصهيوني .

أيتها الأخوات ، أيها الأخوة

يبدو ان البعض يجهل الانتفاضة الفلسطينية و ما قدمته من إنجازات خلال سنواتها الطويلة فانبرى الى توجيه النقد لها و طالب بوقفها او اللجوء الى التهدئة ، و كم من محاولة جرت من الولايات المتحدة و إسرائيل لإطفاء شعلة الانتفاضة مقابل أثمان بخسة ، فكان الحوار الأمريكي الفلسطيني مع بلترو السفير الأمريكي في تونس عام 1988 و كان هذا الحوار بداية المقايضة الأمريكية ، و جاءت حرب الخليج الثانية لتقدم الولايات المتحدة مبادرتها السياسية الأولى التي اعتمدت مبدأ الأرض مقابل السلام ، و قد خرجت من رحمها اتفاقية اوسلو بعد عامين من المفاوضات العسيرة ، لكن معالم هذه التسوية السياسية طمست بعد اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي . و مرت سنوات من المماطلة و التلاعب الإسرائيلي بالتسوية ، مع الاستمرار في بناء المستوطنات و مصادرة الأراضي و إحكام الإغلاق و الحصار على الشعب الفلسطيني .

و جاء شارون في النهاية محاولا قمع الانتفاضة و سحق قيادتها و وعد الإسرائيليين باستتاب الأمن و السلام فخاب ظنه و فشل في تحقيق ما وعد به ، و بالرغم من المحاولات الخارجية لوقف الانتفاضة بوسائل متعددة فيها التهديد و الوعيد او الإغراء والتملق ، لكن الجماهير الفلسطينية أفشلت كل هذه المحاولات و تمسكت بمقاومتها الباسلة ، كانت الانتفاضة رادعا و كابحا للتطور الصهيوني ، فأوقفت التوسع الصهيوني الى الشرق ، كما كانت تدعو إليه الحركة الصهيوني "الفرات الى النيل" كما أضعفت قدرته على الاستمرار و التوسع ،و رغم قيامه بمصادرة المزيد من الأراضي و بناء المستوطنات و بناء جدار الفصل العنصري بهدف ترحيل الشعب الفلسطيني الى الجوار العربي ، الا ان الشعب الفلسطيني تشبث بأرضه و زادت قدرته في التحكم بمصيره و مستقبله ، رغم قيام إسرائيل بإزالة وسائل العيش و الحياة لدى الجماهير الفلسطينية مما جعل البطالة تصل الى 87% .

لقد كانت ردة فعل شعبنا ان عزز من وحدته الوطنية و قوى عزمه و إصراره على مقاومة الاحتلال و الإرهاب الصهيوني ، مما اضطر إسرائيل الى زيادة ميزانيتها العسكرية و تسلحها بفضل ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي و عسكري ، فقد زودت إسرائيل بأسلحة حديثة و متطورة إضافة الى ما تمتلكه من أسلحة الدمار الشامل النووية و الكيماوية و الجرثومية ، و بالرغم من كل هذه القوة العسكرية الطاغية فقد عجزت إسرائيل عن قهر الانتفاضة و المقاومة بل تنامت معنويات الجماهير الفلسطينية الى حد كانت تصل خسائرها البشرية مساوية لخسائر العدو الصهيوني ، لولا استخدام إسرائيل للقصف العشوائي للمخيمات الفلسطينية كثيفة السكان .

و اذا أردنا ان نتحدث عن منجزات المقاومة الفلسطينية ، فلا بد ان نعود الى التقارير الرسمية الإسرائيلية التي تشير الى ان حوالي مليون إسرائيلي غادروا الدولة العبرية نهائيا ضمن هجرة معاكسة ، بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى ، و ما تخللها من عمليات فدائية قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية و قد أعلن رسميا ان أعداد المهاجرين اليهود الى فلسطين المحتلة في تناقض حاد و خطير بسبب عزوف الكثير من يهود العالم عن الهجرة الى فلسطين ، فهناك الموت ينتظرهم ان جاؤوا إليها ، فقد أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن المجلس الصهيوني ان عدد القادمين انخفض عام 2004 الى عشرين ألفا ثلثهم فقط يعتبرون يهودا علما ان الوكالة اليهودية تمنح 2500 دولار لكل أسرة ، و تعطي المهاجر اليهودي راتبا لمدة ستة اشهر .

لقد أفقدت المقاومة إسرائيل الحس الأمني و الاستقرار الدائم فانعكس ذلك على الاقتصاد الإسرائيلي ، فقل عدد المستثمرين الأجانب و رحلت الكثير من رؤوس الأموال و انتشرت حالات الكآبة في المجتمع الإسرائيلي و ازدادت أعداد العيادات النفسية و شركات الحماية الشخصية ، و ارتفعت البطالة لتصل الى 13% و أصبح خط الفقر يحتوي حوالي مليون و أربعمائة ألف إسرائيلي ، إضافة الى تزايد أعداد الجنود و الضباط الرافضين الخدمة في الجيش الإسرائيلي .

أيتها الأخوات أيها الأخوة ...

تقوم إسرائيل ببناء الجدار العنصري الفاصل ، و يتزامن ذلك مع بناء الشوارع و الأنفاق التي تربط المستوطنات بهدف زيادة الكثافة السكانية اليهودية في القدس لإفراغ القدس من أهلها العرب الفلسطينيين فقد لجأت الحكومة الإسرائيلية الى استحداث عدة قوانين للاستيلاء على المنازل العربية و خاصة في البلدة القديمة ، و بدأت تطبق قانون أملاك الغائبين على هذه الأملاك و ألغت قانون حماية المستأجر الذي كان مطبقا عام 1967 و تقوم الجماعات المتطرفة بوضع اليد على المزيد من الأملاك الفلسطينية بادعاء انهم اشتروا هذه الأملاك ، و قام المتطرفون أيضا بوضع اليد على العقارات التجارية كما حدث في الصفقة الأخيرة مع كنيسة الروم الأرثوذكس و باختصار شديد فان إسرائيل تستغل كل الظروف الدولية لتهويد المدينة مستغلة حصار السلطة الفلسطينية و الادعاء بان عزل المدينة يستهدف منع العمليات الإرهابية ، فذا جاء وقت المفاوضات حول القدس، لا نجد ما نتفاوض عليه .

أيتها الأخوات ، أيها الأخوة

أثناء زيارة الأخ أبو مازن للولايات المتحدة و اجتماعه بالرئيس ، لم يقم الرئيس الأمريكي بتقديم ضمانات مكتوبة كما حصل عندما زاره شارون عام 2004 و التي أفرغت خارطة الطريق من محتواها ، و أصبحت ورقة بلا معنى ، رغم اعترافهم بان الفلسطينيين أحرزوا تقدما في تطوير أجهزتهم الأمنية .

لقد أبدى المسؤولون الأوروبيون قلقا ملحوظا بسبب تأجيل بداية الانسحاب من غزة لثلاثة أسابيع ، و اتهموا إسرائيل بعدم تنفيذ التزاماتها و استمرارها في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يعرض حل الدولتين للخطر ، و انها تضع العراقيل أمام الجهود التي يبذلها الأخ أبو مازن و بالمقابل يراهن شارون على الظروف الصاخبة التي تمر بها إسرائيل بسبب الانسحاب من غزة ، و هو لن يسمح للرئيس الأمريكي بممارسة الضغوط على إسرائيل حتى لا تنشأ فيها أزمة سياسية ربما تطيح بشارون و تقضي على مشروع الانسحاب ، و تريد أمريكا من شارون إزالة 45 نقطة استيطانية مخالفة للقانون كما يقولون ليبدأو بتطبيق خارطة الطريق التي تقضي بتجميد الاستيطان كليا .

و يقوم شارون عكس ذلك باستغلال الموقف الراهن للمضي في توسيع الاستيطان و إكمال بناء الجدار الأمني الذي يعني ان رؤية شارون لكيان فلسطيني خاضع للهيمنة الإسرائيلية تختلف عن رؤية الرئيس بوش لدولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة .

لعل مصدر التوتر الأهم بين إسرائيل و أمريكا يكمن في عواقب حرب العراق ، إذ لم يعد سرا ان إسرائيل أسهمت بقوة اما مباشرة او عن طريق أصدقائها في الإدارة الأمريكية في دفع أمريكا لمهاجمة العراق و غزوة و احتلاله ، و أصبح العراق البلد العربي القوي بلدا ضعيفا محتلا ، و دفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا سواء بالرجال او بالمال و المعدات هذا فضلا عن المشاعر المعادية لأمريكا في العالمين العربي و الإسلامي .

أيتها الأخوات أيها الأخوة

ان السبب الرئيسي لإخفاق التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية لا يرجع الى المسائل الثقافية بقدر تضافر أوضاع اجتماعية و اقتصادية عملت على غياب او تغييب القوى السياسية المنظمة القادرة على استغلال أزمة النظم التسلطية و الشمولية ، ان الحركة الديمقراطية تفتقر الى قوة دفع حقيقية ، و هناك إشكالات تعمق أزمة الحرية ، من بينها اكتشاف النفط و إنشاء دولة إسرائيل ، فالدول الكبرى التي تريد تأمين تدفق النفط بأسعار متدينة ، كانت تمارس الضغط على الدول المنتجة للنفط من خلال إثارة التناقضات فيما بينها .

و لكل هذه الأسباب لم تجد قضية الحرية حركات سياسية عربية ذات عمق جماهيري بعد فشل الحركة القومية و الشمولية و انهيار الاتحاد السوفيتي ، و غياب العديد من القيادات القومية و الوطنية الفاعلة التي كان لها عمق جماهيري واسع ، و دخلت بلدان عربية و إسلامية في حروب طويلة فيما بينها أدت الى تداخلات دولية في الحياة العربية ، فتمزق النسيج القومي الى حد نبتت في المجتمعات العربية البغضاء و الكراهية و الفرقة ، فضعف الرباط القومي و أصيبت قضية فلسطين بالانحسار في مدها القومي بل تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية للنقد و التشهير و الحصار و التضييق على عملها النضالي .

و قامت الولايات الأمريكية باحتلال العراق و عملت على تصعيد تهديداتها و ضغوطها السياسية على الأنظمة العربية و تصاعدت حدتها في تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية و السورية الداخلية ، و لعبت إسرائيل كعادتها دورا خفيا في إثارة هذه القلاقل و الأحداث بهدف إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني و مقاومته الباسلة .

أيتها الأخوات أيها الأخوة

يقول هنري سيغمان و الحقيقة ان التهديد و الشك يطالان اليوم الدولة اليهودية أكثر مما يهددان دولة الشعب الفلسطيني و أيا كانت التساؤلات حول الدولة الفلسطينية فقد بات من المؤكد في أعقاب انسحاب إسرائيل من غزة انها مسالة وقت فقط قبل ان يصبح العرب غالبية بين البحر المتوسط و نهر الأردن و عندما سيحصل هذا الأمر لن تبقى إسرائيل دولة يهودية ، الا اذا عزلت غالبية السكان العرب في محميات مغلقة لتتحول الى دولة عنصرية ، و لعل من باب السخرية المطلقة ان تكون الدولة الفلسطينية هي الوحيدة القادرة على تأمين بقاء إسرائيل كدولة يهودية ، و مع استمرار و ترسيخ مشروع شارون الاستيطاني في الضفة الغربية و بسبب الانسحاب من غزة و تقليص مساحة الضفة الغربية و تجزئتها بشكل متواصل سيسعى الفلسطينيون عاجلا أم آجلا الى التخلي عن حل الدولتين و استبداله بالمنطق السياسي لتكاثرهم السكاني في دولة واحدة .

التعليقات