كلمة الأخ فاروق القدومي في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
كلمة الأخ فاروق القدومي رئيس حركة فتح
في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية .
11/6/2005
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ محمد اليازغي ، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
الأخ رئيس المؤتمر
الأخوة و الأخوات أعضاء المؤتمر
يسعدنا ان نكون اليوم بينكم لنشارككم أعمال مؤتمركم السابع ، واثقين انه سيكون محطة هامة في تاريخ نضال حزبكم العتيد لخدمة قضايا شعبنا المغربي الشقيق و قضايا امتنا العربية و في طليعتها شعبكم الفلسطيني .
ان شعبنا الفلسطيني يحتفظ بذاكرته لحزبكم المناضل بمواقف لا تنسى، فالشهيد المهدي بنبركة كان في طليعة من نبه الى الخطر الصهيوني ، فعمل من اجل تكوين منظمة القارات الثلاث لمواجهة الصهيونية و الإمبريالية العالمية ، و لا عجب ان كان حزبكم في طليعة القوى الوطنية التي أسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني كأول تنظيم شعبي في الوطن العربي لنصرة كفاح شعبنا ، كما رسختم مع المناضلين المغاربة كون القضية الفلسطينية "قضية وطنية" لكل الشعب المغربي ، و لن ننسى ان حزبكم قد أسس جريدة خاصة لفلسطين سماها "فلسطين" اشرف عليها الشهيد عمر ينجلون لأمد طويل ، كما لعب حزبكم دورا بارزا في الأممية الاشتراكية الى حد وضع حزب العمل الإسرائيلي أمام الخيار بين التوقف عن دعم الإرهاب الصهيوني او الطرد من الاممية الاشتراكية ، و ها انتم تسطرون مواقف نضالية نعتز بها ، آملين ان يخرج مؤتمركم السابع بقرارات نضالية تدعم صمود شعبنا و مقاومته الباسلة من اجل تحقيق حقوقه الوطنية الثابتة في القضاء على الاحتلال الصهيوني .
أيتها الأخوات ، أيها الأخوة
يبدو ان البعض يجهل الانتفاضة الفلسطينية و ما قدمته من إنجازات خلال سنواتها الطويلة فانبرى الى توجيه النقد لها و طالب بوقفها او اللجوء الى التهدئة ، و كم من محاولة جرت من الولايات المتحدة و إسرائيل لإطفاء شعلة الانتفاضة مقابل أثمان بخسة ، فكان الحوار الأمريكي الفلسطيني مع بلترو السفير الأمريكي في تونس عام 1988 و كان هذا الحوار بداية المقايضة الأمريكية ، و جاءت حرب الخليج الثانية لتقدم الولايات المتحدة مبادرتها السياسية الأولى التي اعتمدت مبدأ الأرض مقابل السلام ، و قد خرجت من رحمها اتفاقية اوسلو بعد عامين من المفاوضات العسيرة ، لكن معالم هذه التسوية السياسية طمست بعد اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي . و مرت سنوات من المماطلة و التلاعب الإسرائيلي بالتسوية ، مع الاستمرار في بناء المستوطنات و مصادرة الأراضي و إحكام الإغلاق و الحصار على الشعب الفلسطيني .
و جاء شارون في النهاية محاولا قمع الانتفاضة و سحق قيادتها و وعد الإسرائيليين باستتاب الأمن و السلام فخاب ظنه و فشل في تحقيق ما وعد به ، و بالرغم من المحاولات الخارجية لوقف الانتفاضة بوسائل متعددة فيها التهديد و الوعيد او الإغراء والتملق ، لكن الجماهير الفلسطينية أفشلت كل هذه المحاولات و تمسكت بمقاومتها الباسلة ، كانت الانتفاضة رادعا و كابحا للتطور الصهيوني ، فأوقفت التوسع الصهيوني الى الشرق ، كما كانت تدعو إليه الحركة الصهيوني "الفرات الى النيل" كما أضعفت قدرته على الاستمرار و التوسع ،و رغم قيامه بمصادرة المزيد من الأراضي و بناء المستوطنات و بناء جدار الفصل العنصري بهدف ترحيل الشعب الفلسطيني الى الجوار العربي ، الا ان الشعب الفلسطيني تشبث بأرضه و زادت قدرته في التحكم بمصيره و مستقبله ، رغم قيام إسرائيل بإزالة وسائل العيش و الحياة لدى الجماهير الفلسطينية مما جعل البطالة تصل الى 87% .
لقد كانت ردة فعل شعبنا ان عزز من وحدته الوطنية و قوى عزمه و إصراره على مقاومة الاحتلال و الإرهاب الصهيوني ، مما اضطر إسرائيل الى زيادة ميزانيتها العسكرية و تسلحها بفضل ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي و عسكري ، فقد زودت إسرائيل بأسلحة حديثة و متطورة إضافة الى ما تمتلكه من أسلحة الدمار الشامل النووية و الكيماوية و الجرثومية ، و بالرغم من كل هذه القوة العسكرية الطاغية فقد عجزت إسرائيل عن قهر الانتفاضة و المقاومة بل تنامت معنويات الجماهير الفلسطينية الى حد كانت تصل خسائرها البشرية مساوية لخسائر العدو الصهيوني ، لولا استخدام إسرائيل للقصف العشوائي للمخيمات الفلسطينية كثيفة السكان .
و اذا أردنا ان نتحدث عن منجزات المقاومة الفلسطينية ، فلا بد ان نعود الى التقارير الرسمية الإسرائيلية التي تشير الى ان حوالي مليون إسرائيلي غادروا الدولة العبرية نهائيا ضمن هجرة معاكسة ، بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى ، و ما تخللها من عمليات فدائية قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية و قد أعلن رسميا ان أعداد المهاجرين اليهود الى فلسطين المحتلة في تناقض حاد و خطير بسبب عزوف الكثير من يهود العالم عن الهجرة الى فلسطين ، فهناك الموت ينتظرهم ان جاؤوا إليها ، فقد أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن المجلس الصهيوني ان عدد القادمين انخفض عام 2004 الى عشرين ألفا ثلثهم فقط يعتبرون يهودا علما ان الوكالة اليهودية تمنح 2500 دولار لكل أسرة ، و تعطي المهاجر اليهودي راتبا لمدة ستة اشهر .
لقد أفقدت المقاومة إسرائيل الحس الأمني و الاستقرار الدائم فانعكس ذلك على الاقتصاد الإسرائيلي ، فقل عدد المستثمرين الأجانب و رحلت الكثير من رؤوس الأموال و انتشرت حالات الكآبة في المجتمع الإسرائيلي و ازدادت أعداد العيادات النفسية و شركات الحماية الشخصية ، و ارتفعت البطالة لتصل الى 13% و أصبح خط الفقر يحتوي حوالي مليون و أربعمائة ألف إسرائيلي ، إضافة الى تزايد أعداد الجنود و الضباط الرافضين الخدمة في الجيش الإسرائيلي .
أيتها الأخوات أيها الأخوة ...
تقوم إسرائيل ببناء الجدار العنصري الفاصل ، و يتزامن ذلك مع بناء الشوارع و الأنفاق التي تربط المستوطنات بهدف زيادة الكثافة السكانية اليهودية في القدس لإفراغ القدس من أهلها العرب الفلسطينيين فقد لجأت الحكومة الإسرائيلية الى استحداث عدة قوانين للاستيلاء على المنازل العربية و خاصة في البلدة القديمة ، و بدأت تطبق قانون أملاك الغائبين على هذه الأملاك و ألغت قانون حماية المستأجر الذي كان مطبقا عام 1967 و تقوم الجماعات المتطرفة بوضع اليد على المزيد من الأملاك الفلسطينية بادعاء انهم اشتروا هذه الأملاك ، و قام المتطرفون أيضا بوضع اليد على العقارات التجارية كما حدث في الصفقة الأخيرة مع كنيسة الروم الأرثوذكس و باختصار شديد فان إسرائيل تستغل كل الظروف الدولية لتهويد المدينة مستغلة حصار السلطة الفلسطينية و الادعاء بان عزل المدينة يستهدف منع العمليات الإرهابية ، فذا جاء وقت المفاوضات حول القدس، لا نجد ما نتفاوض عليه .
أيتها الأخوات ، أيها الأخوة
أثناء زيارة الأخ أبو مازن للولايات المتحدة و اجتماعه بالرئيس ، لم يقم الرئيس الأمريكي بتقديم ضمانات مكتوبة كما حصل عندما زاره شارون عام 2004 و التي أفرغت خارطة الطريق من محتواها ، و أصبحت ورقة بلا معنى ، رغم اعترافهم بان الفلسطينيين أحرزوا تقدما في تطوير أجهزتهم الأمنية .
لقد أبدى المسؤولون الأوروبيون قلقا ملحوظا بسبب تأجيل بداية الانسحاب من غزة لثلاثة أسابيع ، و اتهموا إسرائيل بعدم تنفيذ التزاماتها و استمرارها في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يعرض حل الدولتين للخطر ، و انها تضع العراقيل أمام الجهود التي يبذلها الأخ أبو مازن و بالمقابل يراهن شارون على الظروف الصاخبة التي تمر بها إسرائيل بسبب الانسحاب من غزة ، و هو لن يسمح للرئيس الأمريكي بممارسة الضغوط على إسرائيل حتى لا تنشأ فيها أزمة سياسية ربما تطيح بشارون و تقضي على مشروع الانسحاب ، و تريد أمريكا من شارون إزالة 45 نقطة استيطانية مخالفة للقانون كما يقولون ليبدأو بتطبيق خارطة الطريق التي تقضي بتجميد الاستيطان كليا .
و يقوم شارون عكس ذلك باستغلال الموقف الراهن للمضي في توسيع الاستيطان و إكمال بناء الجدار الأمني الذي يعني ان رؤية شارون لكيان فلسطيني خاضع للهيمنة الإسرائيلية تختلف عن رؤية الرئيس بوش لدولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة .
لعل مصدر التوتر الأهم بين إسرائيل و أمريكا يكمن في عواقب حرب العراق ، إذ لم يعد سرا ان إسرائيل أسهمت بقوة اما مباشرة او عن طريق أصدقائها في الإدارة الأمريكية في دفع أمريكا لمهاجمة العراق و غزوة و احتلاله ، و أصبح العراق البلد العربي القوي بلدا ضعيفا محتلا ، و دفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا سواء بالرجال او بالمال و المعدات هذا فضلا عن المشاعر المعادية لأمريكا في العالمين العربي و الإسلامي .
أيتها الأخوات أيها الأخوة
ان السبب الرئيسي لإخفاق التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية لا يرجع الى المسائل الثقافية بقدر تضافر أوضاع اجتماعية و اقتصادية عملت على غياب او تغييب القوى السياسية المنظمة القادرة على استغلال أزمة النظم التسلطية و الشمولية ، ان الحركة الديمقراطية تفتقر الى قوة دفع حقيقية ، و هناك إشكالات تعمق أزمة الحرية ، من بينها اكتشاف النفط و إنشاء دولة إسرائيل ، فالدول الكبرى التي تريد تأمين تدفق النفط بأسعار متدينة ، كانت تمارس الضغط على الدول المنتجة للنفط من خلال إثارة التناقضات فيما بينها .
و لكل هذه الأسباب لم تجد قضية الحرية حركات سياسية عربية ذات عمق جماهيري بعد فشل الحركة القومية و الشمولية و انهيار الاتحاد السوفيتي ، و غياب العديد من القيادات القومية و الوطنية الفاعلة التي كان لها عمق جماهيري واسع ، و دخلت بلدان عربية و إسلامية في حروب طويلة فيما بينها أدت الى تداخلات دولية في الحياة العربية ، فتمزق النسيج القومي الى حد نبتت في المجتمعات العربية البغضاء و الكراهية و الفرقة ، فضعف الرباط القومي و أصيبت قضية فلسطين بالانحسار في مدها القومي بل تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية للنقد و التشهير و الحصار و التضييق على عملها النضالي .
و قامت الولايات الأمريكية باحتلال العراق و عملت على تصعيد تهديداتها و ضغوطها السياسية على الأنظمة العربية و تصاعدت حدتها في تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية و السورية الداخلية ، و لعبت إسرائيل كعادتها دورا خفيا في إثارة هذه القلاقل و الأحداث بهدف إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني و مقاومته الباسلة .
أيتها الأخوات أيها الأخوة
يقول هنري سيغمان و الحقيقة ان التهديد و الشك يطالان اليوم الدولة اليهودية أكثر مما يهددان دولة الشعب الفلسطيني و أيا كانت التساؤلات حول الدولة الفلسطينية فقد بات من المؤكد في أعقاب انسحاب إسرائيل من غزة انها مسالة وقت فقط قبل ان يصبح العرب غالبية بين البحر المتوسط و نهر الأردن و عندما سيحصل هذا الأمر لن تبقى إسرائيل دولة يهودية ، الا اذا عزلت غالبية السكان العرب في محميات مغلقة لتتحول الى دولة عنصرية ، و لعل من باب السخرية المطلقة ان تكون الدولة الفلسطينية هي الوحيدة القادرة على تأمين بقاء إسرائيل كدولة يهودية ، و مع استمرار و ترسيخ مشروع شارون الاستيطاني في الضفة الغربية و بسبب الانسحاب من غزة و تقليص مساحة الضفة الغربية و تجزئتها بشكل متواصل سيسعى الفلسطينيون عاجلا أم آجلا الى التخلي عن حل الدولتين و استبداله بالمنطق السياسي لتكاثرهم السكاني في دولة واحدة .
في المؤتمر السابع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية .
11/6/2005
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ محمد اليازغي ، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
الأخ رئيس المؤتمر
الأخوة و الأخوات أعضاء المؤتمر
يسعدنا ان نكون اليوم بينكم لنشارككم أعمال مؤتمركم السابع ، واثقين انه سيكون محطة هامة في تاريخ نضال حزبكم العتيد لخدمة قضايا شعبنا المغربي الشقيق و قضايا امتنا العربية و في طليعتها شعبكم الفلسطيني .
ان شعبنا الفلسطيني يحتفظ بذاكرته لحزبكم المناضل بمواقف لا تنسى، فالشهيد المهدي بنبركة كان في طليعة من نبه الى الخطر الصهيوني ، فعمل من اجل تكوين منظمة القارات الثلاث لمواجهة الصهيونية و الإمبريالية العالمية ، و لا عجب ان كان حزبكم في طليعة القوى الوطنية التي أسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني كأول تنظيم شعبي في الوطن العربي لنصرة كفاح شعبنا ، كما رسختم مع المناضلين المغاربة كون القضية الفلسطينية "قضية وطنية" لكل الشعب المغربي ، و لن ننسى ان حزبكم قد أسس جريدة خاصة لفلسطين سماها "فلسطين" اشرف عليها الشهيد عمر ينجلون لأمد طويل ، كما لعب حزبكم دورا بارزا في الأممية الاشتراكية الى حد وضع حزب العمل الإسرائيلي أمام الخيار بين التوقف عن دعم الإرهاب الصهيوني او الطرد من الاممية الاشتراكية ، و ها انتم تسطرون مواقف نضالية نعتز بها ، آملين ان يخرج مؤتمركم السابع بقرارات نضالية تدعم صمود شعبنا و مقاومته الباسلة من اجل تحقيق حقوقه الوطنية الثابتة في القضاء على الاحتلال الصهيوني .
أيتها الأخوات ، أيها الأخوة
يبدو ان البعض يجهل الانتفاضة الفلسطينية و ما قدمته من إنجازات خلال سنواتها الطويلة فانبرى الى توجيه النقد لها و طالب بوقفها او اللجوء الى التهدئة ، و كم من محاولة جرت من الولايات المتحدة و إسرائيل لإطفاء شعلة الانتفاضة مقابل أثمان بخسة ، فكان الحوار الأمريكي الفلسطيني مع بلترو السفير الأمريكي في تونس عام 1988 و كان هذا الحوار بداية المقايضة الأمريكية ، و جاءت حرب الخليج الثانية لتقدم الولايات المتحدة مبادرتها السياسية الأولى التي اعتمدت مبدأ الأرض مقابل السلام ، و قد خرجت من رحمها اتفاقية اوسلو بعد عامين من المفاوضات العسيرة ، لكن معالم هذه التسوية السياسية طمست بعد اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي . و مرت سنوات من المماطلة و التلاعب الإسرائيلي بالتسوية ، مع الاستمرار في بناء المستوطنات و مصادرة الأراضي و إحكام الإغلاق و الحصار على الشعب الفلسطيني .
و جاء شارون في النهاية محاولا قمع الانتفاضة و سحق قيادتها و وعد الإسرائيليين باستتاب الأمن و السلام فخاب ظنه و فشل في تحقيق ما وعد به ، و بالرغم من المحاولات الخارجية لوقف الانتفاضة بوسائل متعددة فيها التهديد و الوعيد او الإغراء والتملق ، لكن الجماهير الفلسطينية أفشلت كل هذه المحاولات و تمسكت بمقاومتها الباسلة ، كانت الانتفاضة رادعا و كابحا للتطور الصهيوني ، فأوقفت التوسع الصهيوني الى الشرق ، كما كانت تدعو إليه الحركة الصهيوني "الفرات الى النيل" كما أضعفت قدرته على الاستمرار و التوسع ،و رغم قيامه بمصادرة المزيد من الأراضي و بناء المستوطنات و بناء جدار الفصل العنصري بهدف ترحيل الشعب الفلسطيني الى الجوار العربي ، الا ان الشعب الفلسطيني تشبث بأرضه و زادت قدرته في التحكم بمصيره و مستقبله ، رغم قيام إسرائيل بإزالة وسائل العيش و الحياة لدى الجماهير الفلسطينية مما جعل البطالة تصل الى 87% .
لقد كانت ردة فعل شعبنا ان عزز من وحدته الوطنية و قوى عزمه و إصراره على مقاومة الاحتلال و الإرهاب الصهيوني ، مما اضطر إسرائيل الى زيادة ميزانيتها العسكرية و تسلحها بفضل ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي و عسكري ، فقد زودت إسرائيل بأسلحة حديثة و متطورة إضافة الى ما تمتلكه من أسلحة الدمار الشامل النووية و الكيماوية و الجرثومية ، و بالرغم من كل هذه القوة العسكرية الطاغية فقد عجزت إسرائيل عن قهر الانتفاضة و المقاومة بل تنامت معنويات الجماهير الفلسطينية الى حد كانت تصل خسائرها البشرية مساوية لخسائر العدو الصهيوني ، لولا استخدام إسرائيل للقصف العشوائي للمخيمات الفلسطينية كثيفة السكان .
و اذا أردنا ان نتحدث عن منجزات المقاومة الفلسطينية ، فلا بد ان نعود الى التقارير الرسمية الإسرائيلية التي تشير الى ان حوالي مليون إسرائيلي غادروا الدولة العبرية نهائيا ضمن هجرة معاكسة ، بسبب عدم إحساسهم بالأمن بعد انتفاضة الأقصى ، و ما تخللها من عمليات فدائية قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية و قد أعلن رسميا ان أعداد المهاجرين اليهود الى فلسطين المحتلة في تناقض حاد و خطير بسبب عزوف الكثير من يهود العالم عن الهجرة الى فلسطين ، فهناك الموت ينتظرهم ان جاؤوا إليها ، فقد أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن المجلس الصهيوني ان عدد القادمين انخفض عام 2004 الى عشرين ألفا ثلثهم فقط يعتبرون يهودا علما ان الوكالة اليهودية تمنح 2500 دولار لكل أسرة ، و تعطي المهاجر اليهودي راتبا لمدة ستة اشهر .
لقد أفقدت المقاومة إسرائيل الحس الأمني و الاستقرار الدائم فانعكس ذلك على الاقتصاد الإسرائيلي ، فقل عدد المستثمرين الأجانب و رحلت الكثير من رؤوس الأموال و انتشرت حالات الكآبة في المجتمع الإسرائيلي و ازدادت أعداد العيادات النفسية و شركات الحماية الشخصية ، و ارتفعت البطالة لتصل الى 13% و أصبح خط الفقر يحتوي حوالي مليون و أربعمائة ألف إسرائيلي ، إضافة الى تزايد أعداد الجنود و الضباط الرافضين الخدمة في الجيش الإسرائيلي .
أيتها الأخوات أيها الأخوة ...
تقوم إسرائيل ببناء الجدار العنصري الفاصل ، و يتزامن ذلك مع بناء الشوارع و الأنفاق التي تربط المستوطنات بهدف زيادة الكثافة السكانية اليهودية في القدس لإفراغ القدس من أهلها العرب الفلسطينيين فقد لجأت الحكومة الإسرائيلية الى استحداث عدة قوانين للاستيلاء على المنازل العربية و خاصة في البلدة القديمة ، و بدأت تطبق قانون أملاك الغائبين على هذه الأملاك و ألغت قانون حماية المستأجر الذي كان مطبقا عام 1967 و تقوم الجماعات المتطرفة بوضع اليد على المزيد من الأملاك الفلسطينية بادعاء انهم اشتروا هذه الأملاك ، و قام المتطرفون أيضا بوضع اليد على العقارات التجارية كما حدث في الصفقة الأخيرة مع كنيسة الروم الأرثوذكس و باختصار شديد فان إسرائيل تستغل كل الظروف الدولية لتهويد المدينة مستغلة حصار السلطة الفلسطينية و الادعاء بان عزل المدينة يستهدف منع العمليات الإرهابية ، فذا جاء وقت المفاوضات حول القدس، لا نجد ما نتفاوض عليه .
أيتها الأخوات ، أيها الأخوة
أثناء زيارة الأخ أبو مازن للولايات المتحدة و اجتماعه بالرئيس ، لم يقم الرئيس الأمريكي بتقديم ضمانات مكتوبة كما حصل عندما زاره شارون عام 2004 و التي أفرغت خارطة الطريق من محتواها ، و أصبحت ورقة بلا معنى ، رغم اعترافهم بان الفلسطينيين أحرزوا تقدما في تطوير أجهزتهم الأمنية .
لقد أبدى المسؤولون الأوروبيون قلقا ملحوظا بسبب تأجيل بداية الانسحاب من غزة لثلاثة أسابيع ، و اتهموا إسرائيل بعدم تنفيذ التزاماتها و استمرارها في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يعرض حل الدولتين للخطر ، و انها تضع العراقيل أمام الجهود التي يبذلها الأخ أبو مازن و بالمقابل يراهن شارون على الظروف الصاخبة التي تمر بها إسرائيل بسبب الانسحاب من غزة ، و هو لن يسمح للرئيس الأمريكي بممارسة الضغوط على إسرائيل حتى لا تنشأ فيها أزمة سياسية ربما تطيح بشارون و تقضي على مشروع الانسحاب ، و تريد أمريكا من شارون إزالة 45 نقطة استيطانية مخالفة للقانون كما يقولون ليبدأو بتطبيق خارطة الطريق التي تقضي بتجميد الاستيطان كليا .
و يقوم شارون عكس ذلك باستغلال الموقف الراهن للمضي في توسيع الاستيطان و إكمال بناء الجدار الأمني الذي يعني ان رؤية شارون لكيان فلسطيني خاضع للهيمنة الإسرائيلية تختلف عن رؤية الرئيس بوش لدولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة .
لعل مصدر التوتر الأهم بين إسرائيل و أمريكا يكمن في عواقب حرب العراق ، إذ لم يعد سرا ان إسرائيل أسهمت بقوة اما مباشرة او عن طريق أصدقائها في الإدارة الأمريكية في دفع أمريكا لمهاجمة العراق و غزوة و احتلاله ، و أصبح العراق البلد العربي القوي بلدا ضعيفا محتلا ، و دفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا سواء بالرجال او بالمال و المعدات هذا فضلا عن المشاعر المعادية لأمريكا في العالمين العربي و الإسلامي .
أيتها الأخوات أيها الأخوة
ان السبب الرئيسي لإخفاق التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية لا يرجع الى المسائل الثقافية بقدر تضافر أوضاع اجتماعية و اقتصادية عملت على غياب او تغييب القوى السياسية المنظمة القادرة على استغلال أزمة النظم التسلطية و الشمولية ، ان الحركة الديمقراطية تفتقر الى قوة دفع حقيقية ، و هناك إشكالات تعمق أزمة الحرية ، من بينها اكتشاف النفط و إنشاء دولة إسرائيل ، فالدول الكبرى التي تريد تأمين تدفق النفط بأسعار متدينة ، كانت تمارس الضغط على الدول المنتجة للنفط من خلال إثارة التناقضات فيما بينها .
و لكل هذه الأسباب لم تجد قضية الحرية حركات سياسية عربية ذات عمق جماهيري بعد فشل الحركة القومية و الشمولية و انهيار الاتحاد السوفيتي ، و غياب العديد من القيادات القومية و الوطنية الفاعلة التي كان لها عمق جماهيري واسع ، و دخلت بلدان عربية و إسلامية في حروب طويلة فيما بينها أدت الى تداخلات دولية في الحياة العربية ، فتمزق النسيج القومي الى حد نبتت في المجتمعات العربية البغضاء و الكراهية و الفرقة ، فضعف الرباط القومي و أصيبت قضية فلسطين بالانحسار في مدها القومي بل تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية للنقد و التشهير و الحصار و التضييق على عملها النضالي .
و قامت الولايات الأمريكية باحتلال العراق و عملت على تصعيد تهديداتها و ضغوطها السياسية على الأنظمة العربية و تصاعدت حدتها في تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية و السورية الداخلية ، و لعبت إسرائيل كعادتها دورا خفيا في إثارة هذه القلاقل و الأحداث بهدف إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني و مقاومته الباسلة .
أيتها الأخوات أيها الأخوة
يقول هنري سيغمان و الحقيقة ان التهديد و الشك يطالان اليوم الدولة اليهودية أكثر مما يهددان دولة الشعب الفلسطيني و أيا كانت التساؤلات حول الدولة الفلسطينية فقد بات من المؤكد في أعقاب انسحاب إسرائيل من غزة انها مسالة وقت فقط قبل ان يصبح العرب غالبية بين البحر المتوسط و نهر الأردن و عندما سيحصل هذا الأمر لن تبقى إسرائيل دولة يهودية ، الا اذا عزلت غالبية السكان العرب في محميات مغلقة لتتحول الى دولة عنصرية ، و لعل من باب السخرية المطلقة ان تكون الدولة الفلسطينية هي الوحيدة القادرة على تأمين بقاء إسرائيل كدولة يهودية ، و مع استمرار و ترسيخ مشروع شارون الاستيطاني في الضفة الغربية و بسبب الانسحاب من غزة و تقليص مساحة الضفة الغربية و تجزئتها بشكل متواصل سيسعى الفلسطينيون عاجلا أم آجلا الى التخلي عن حل الدولتين و استبداله بالمنطق السياسي لتكاثرهم السكاني في دولة واحدة .

التعليقات