مصر: ثماني حالات لشباب يدعون النبوة فجأة

غزة-دنيا الوطن

الأسبوع قبل الماضي أثار ادعاء طالب بكلية الطب جامعة عين شمس النبوة ردود أفعال متباينة، ليس فقط لأن الطالب أو النبي المزعوم لم يتعد الثالثة والعشرين من عمره، لكن لأن حالة حسن عبد الرؤوف هي الثامنة خلال أربع سنوات، ما يعني أن معدل عدد الأنبياء المزعومين في مصر يظل مرتفعاًُ بالنسبة للحالات المتشابهة التي بدأت تزداد فيما يعتبره البعض ظاهرة تستحق الدراسة.

الملاحظ أيضاً أن معظم ادعياء النبوة في الأعوام الأربعة الماضية كانوا طلبة لم يزد سنهم علي الخامسة والعشرين قد يكون الأمر مطمئناً لو أن الأمر انتهي بهؤلاء للعلاج في مستشفيات الأمراض العقلية، لكن المثير أن 3 طلبة انتهي بهم الحال لقضاء فترة عقوبة بالسجن بتهمة ازدراء الأديان السماوية، ما يعني أن هؤلاء ـ أو بعضهم ـ ليسوا مجانين.

في عام 98 كانت السابقة الأولي لادعاء الطالب رامي عبد الفتاح محمد (كلية الهندسة) النبوة، مؤكداً أمام النيابة علي هبوط وحي من السماء لاختياره نبياً لآخر الزمان وان الوحي طلب منه تبشير المسلمين والمسيحيين واليهود وأصحاب أي رسالة أخري علي حد قوله، بدعواه وضرورة الدخول فيها قبل حلول يوم القيامة الذي حدده رامي وقتها بالحادي والعشرين من مارس عام 2000.

وقال ملف رامي (الذي يقضي فترة علاج حتي الآن بمستشفي الأمراض العقلية والعصبية الحكومي بالعباسية) أنه لم يظهر عليه أية أعراض غير طبيعية أو مرضية خلال حياته القصيرة.. إضافة إلي عدم ورود أي شكاوي ذات قيمة من أقرانه أو زملاءه.

وفي التحقيقات قال زملاؤه وأساتذته أنه طالب مثالي وأنه متفوق جداً في دراسته، ما جعله (الثاني والثالث علي التوالي) في السنتين الأولي والثانية بكلية الهندسة إلا أحداً لم يصل لسبب جنونه المفاجئ الذي حوله من طالب مجتهد لمريض ميؤوس من حالته في مستشفي العباسية.

أما حالة سامح جلال الحسيني (22 عاماً) فهي الملفتة إلي حد كبير، خصوصاً وأن سامح ربما تتطابق حالته مع حالة رامي بفارق واحد هو أن سامح (الذي ادعي النبوة) أقرتها النيابة بحبسه ضمن شبكة ازدراء أديان اشتهرت قصتها في الشارع عام 2001.

صحيح أن سامح لم يكن المتهم الأول في القضية، لكنه كان أحد رعاياه رئيس التنظيم الذي ادعي النبوة أولاً، ثم ادعي الألوهية وكلف سامح بالنبوة الذي ظل مكانها في التنظيم حتي قبل سامح النكرة.

ملف سامح أكد أنه كان طالباًُ مجتهداً، وكان أحد أوائل الثانوية العامة علي مستوي الجمهورية، إضافة إلي أنه كان الأول علي دفعته علي مستوي محافظة المنوفية (مسقط رأسه) في الشهادة الإعدادية.

ورغم أن سامح كان ابن أسرة بسيطة في الريف المصري، إلا أن طموحه وطريقة تعامله مع أهل قريته لم تثر هي الأخري لأي ضغط عام في قواه العقلية أو مرضه وهي الحقيقة التي أكدها قرار النيابة بتحويله للمحاكمة بعد أم تم عرض حالته علي الإخصائيين النفسيين الذين أشاروا إلي تمتعه بحالة طبيعية تجعله مسؤولاً عن أفعاله.

يبدو أن حالات مدعي النبوة من الطلبة كلها متشابهة إلي حد كبير، لكن نهاياتها هي فقط المختلفة. حمل الاختلاف الوحيد في مصير أبطال تلك الحالات، بين السجن أو بين المستشفي العقلي لكنها في النهاية لا تخرج نهاياتهم عن واحدة منها.

وحتي وقت قريب لم يكن هناك التفات في الشارع المصري لمثل تلك الحالات، علي اعتبار أنه لدي المصريين الكثير الذي شغلهم، في ارتفاع أسعار الدخان حتي الأزمة الاقتصادية العاصفة. لكن الحالة الأخيرة حسن عبد الرؤوف هي التي أعادت فتح الملف من جديد.

حتي الآن لا أحد يعلم مدي سلامة قوي حسن عبد الرؤوف العقلية، ولا ما إذا كان مصيره المحتوم السجن أم مستشفي المجانين.. لكن يظل محيراً ـ فيما يتعلق بقضايا ادعاء النبوة ـ هي قضية حسن عبد الرؤوف الأخيرة ـ أن نسبة لا بأس بها من هؤلاء طلبة لم تتعد أعمارهم الثلاثين من العمر، أو هي اقل من ذلك في معظم الأحوال.

د. حلمي غالي مستشار الطب النفسي والأعصاب يؤكد أنه في غياب إحصائيات علمية محددة تضع في اعتبارها التفاصيل برمتها لا يمكن الوصول لبراهين أكيدة فيما يتعلق بهذه القضايا بالذات. ومعني أن المحاكم ـ في رأي د. حلمي ـ أصدرت أحكامها بإدانة بعض هؤلاء أن هؤلاء المحكومين كانوا مذنبين، ما يعني أيضاً تأكد القاضي من انتفاء شبهة الخلل العقلي أو الوجداني في تفكيرهم.

وحسب رأي د. حلمي غالي: إن الباقين بالتأكيد مصابون بأحد أعراض الفصام، أو جنون العظمة.. وهي أمراض باتت شائعة إلي حد كبير في مختلف الطبقات والأعمار .

الجنون الذي يصاب به هؤلاء: إما وراثي أو فجائي، تكون له بوادر يمكن ألا يلحظها أحد من المقربين، ولا يكتشف بدايتها إلا الإخصائي .

بخصوص الطلبة مدعي النبوة يقول د. رامز طه استشاري الطب النفسي والأعصاب أن اصحاب الحالات المرضية من هؤلاء الشباب مصابون برد فعل عنيف لضغوط الحياة.

وكثيراً ما نفاجأ في الآونة الأخيرة بشباب يأتون للعيادة النفسية مصابين بأعراض فصامية أو اكتئابية شديدة نتيجة المعاناة الدائمة بدءاً من التفكير في المستقبل وانعدام الفرص للطموحين. وهو ما يؤخذ في الاعتبار في تحليل الأعراض المرضية لهذه الشخصيات .

د. رامز طه يري أن: معظم المصابين بأمراض نفسية من الشخصيات الحساسة أو الطموحة لأبعد الحدود . وحسب ما يعتقد: أن ظهور مثل تلك الأعراض علي أحدهم لابد ـ لو أغفلنا الجانب الوراثي ـ تكون أساسها الإحباط الشديد في الحياة العملية. وفي ظل الظروف الحالية تزيد الأمراض النفسية خصوصاً من افراد المراحل العمرية المبكرة، لأنهم الأكثر معاناة وانتظاراً لإصلاح الأحوال .

*القدس العربي

التعليقات