انفجار القاهرة.. جيل ثالث من الجماعات الاسلامية يلوح بالأفق
غزة-دنيا الوطن
أعاد تفجير "الموسكي" بالقرب من منطقة الأزهر شرق القاهرة مرة أخرى السؤال الصعب الذي يطرح في كل مرة تحدث فيها مثل هذه الحوادث حول من نفذ التفجير، ومن صاحب المصلحة وراء هذه التفجيرات التي غابت عن مصر مدة طويلة ضد السياح الأجانب، والتي كان آخرها في نوفمبر 1997 في الهجوم على السائحين في معبد فرعوني بالأقصر (جنوب مصر) وقتل 58 سائحا.
رد الفعل الأولي في الشارع المصري وبين عدد من المحللين السياسيين أشار إلى مسئولية عدة جهات أبرزها "العنصر الخارجي"، بينما رجح آخرون -بينهم وائل عباس صاحب جريدة "الوَعْيُ المِصْري الإلكترُونِيَّة" المعارضة- خيارا غريبا غير مقنع يقول: وفقا لنظرية المصلحة فإن الحكومة المصرية هي المستفيد الأول من التفجير وربما قامت به بنفسها كي توقف عجلة المطالبة بالتغيير وتشدد قبضتها الأمنية وتمنع المظاهرات التي بدأت تتسع ضد الحكم مطالبة بالإصلاح، وأن الهدف أيضا هو استمرار العمل بحالة الطوارئ المستمرة في البلاد منذ قرابة ربع قرن.
وردود الأفعال لبعض القوى السياسية المصرية خصوصا الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" وجماعة الإخوان المسلمين حرصت بدورها على تلافي أي تأثير لهذا الحادث على حركة الإصلاح والتغيير الجارية، ولهذا ركزوا على المطالبة بألا يؤثر الحادث على التحركات من أجل الإصلاح و"ألا يصرف هذا الحادث عن استكمال مسيرة التنمية وألا يكون سببا في تعطيل حركة المجتمع نحو تحقيق أهدافه ومطالبه في الحرية والديمقراطية والعدل"، وفق تعبير مرشد الإخوان محمد مهدي عاكف.
ويبدو من خلال المعلومات التي توافرت لأجهزة الأمن المصرية حتى هذه اللحظة، والشواهد، أنها عملية فردية يقصد بها أساسا السياح الغربيون وخصوصا الأمريكان، وأنه ليس له هدف يتصل بالرغبة في القيام بعمل ضد الحكومة المصرية بذاتها على غرار عمليات الصراع المسلح والتفجيرات التي وقعت في الفترة من 1993 حتى 1997، وإنما هو رد فعل للغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان والتدخل المتصاعد في شئون العالم العربي والإسلامي، فضلا -وهو الأهم- عن أنه رد فعل على التهديدات المتصاعدة من جانب المتطرفين الصهاينة لضرب وهدم المسجد الأقصى.
فقد حرص مفجر القنبلة البدائية -التي تزن قرابة 5 كيلوجرامات فقط من مادة TNT وجاءت معظم الإصابات من كمية المسامير الضخمة التي بها والتي يبلغ طول الواحد منها 5 سنتيمترات- على تفجيرها وسط مجموعة من السياح ليقتل أمريكيا وفرنسية ويصيب 8 آخرين من السياح (3 أمريكيين و3 فرنسيين وإيطاليا وتركيا)، بالإضافة لـ9 من المصريين، وظهر من جثة هذا الانتحاري المشوهة أن منطقة البطن هي أكثر منطقة متهتكة مع الوجه، مما رجح معه خبراء الأدلة الجنائية أن يكون قد ربطها على بطنه وفجرها، وهو ما أكدته مصادر أمنية أيضا للصحفيين.
أيضا تم اختيار منطقة الموسكي الملاصقة لمنطقة خان الخليلي بالحسين أمام الجامع الأزهر الذي يقع على الرصيف المقابل؛ لأنها منطقة تجمع مستمر للسياح الأجانب الذي يحضرون إليها لشراء العاديات والرخام والمطبوعات الفرعونية، وشوارعها ضيقة لا تزيد عن 4 أمتار تقريبا؛ مما ساهم -مع الزحام- في وقوع ضحايا بسهولة.
من وراء التفجير؟
وتشير آراء محللين سياسيين وخبراء في شئون الحركات الإسلامية والإرهاب في مصر ممن استطلعت "إسلام أون لاين.نت" آراءهم إلى عدة احتمالات وراء التفجير أبرزها أن يكون من فعل ما يسمى "الجيل الثالث" من الجماعات الإسلامية المسلحة من الشباب صغير السن الذي لم يعاصر نمو الحركات الإسلامية ونشأة الجماعة الإسلامية وحركة الجهاد، والجيل الأول والثاني منهما في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وقد لا يكون هذا الجيل مرتبطا تنظيميا بهذه الجماعات أو بقياداتها القديمة، لكنه يتبنى نفس أفكارها ممزوجة بفكر "القاعدة" الجهادي المؤمن بالعمل المسلح ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ويدعم هذا التوجه ما أعلنته الداخلية المصرية الأحد 10-4-2005 من أن منفذ الانفجار الذي تم تحديد هويته لا ينتمي لتنظيم معين.
واتفق على هذا الأمر أيضا خبراء سياسيون ومحامو الجماعة الإسلامية، بل وتنبأ به وزير الداخلية المصري حبيب العادلي في عدة تصريحات سابقة ومؤتمرات عن الإرهاب، ويمكن أن نطلق عليه "السيناريو الأسود"، وملخصه أن هناك أجيالا جديدة من الشباب المؤمن بفكر الجهاد والقاعدة لا تنتمي إلى التنظيمات القديمة المعروفة (التي راجعت نفسها وأعلنت رفضها للعنف المسلح)، تستفزها الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على الدول الإسلامية، فبدأت تتحرك في مجموعات صغيرة للرد على هذا باستهداف مصالح أمريكية أو إسرائيلية أو استهداف رعايا الغرب عموما.
وخطورة هذا السيناريو أن هذه المجموعات الجديدة غير مرصودة أمنيا، وليس لها نشاط سابق، وأفكارها أكثر تشددا من الجماعات القديمة ولديها القدرة -بفعل التقدم التكنولوجي وسهولة الحصول على السلاح أو تصنيع المتفجرات عبر الإنترنت- على القيام بعمليات بدائية صغيرة مفاجئة دون أن يكشفها أحد من أجهزة الأمن لأنها غير مرصودة.
وهذا السيناريو ظهر بوضوح في عدة عمليات جرت هذا العام والعام الماضي خصوصا في صورة تفجيرات طابا التي قام بها أفراد مصريون وفلسطيني، مقيمون في سيناء في أكتوبر 2004 يؤمنون بالفكر الجهادي، وأظهرت التحقيقات الرسمية أنهم سعوا من خلالها للرد على الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني فاختاروا استهداف السياح الإسرائيليين في طابا وسيناء.
ويمكن حصر ردود الأفعال التي ترجح هذا الرأي فيما يلي:
- قال المحامي منتصر الزيات الخبير في شئون الحركات الإسلامية إنه يستبعد أن تكون الجماعة الإسلامية المصرية وراء مثل هذه العمليات لأسباب منها: أن هذه الجماعات أعلنت مبادرة وقف العنف 5 يوليو 1997 وتعاونت مع الحكومة المصرية، كما أنها "تحت الرصد والرقابة" الأمنية، والأهم من ذلك أنها ضعيفة. وقال المحامي ممدوح إسماعيل محامي الجماعات الإسلامية: إن انفجار الأزهر لا يمت بصلة للجماعات الإسلامية القديمة لأن الجماعات لا تؤمن فقط بعدم جدوى العنف وقامت بحل جهازها العسكري، ولكنها أعلنت هذا في كتب المراجعات التي أصدرها قادتها في السجون ومنها كتاب "حكم قتل المدنيين" الذي ألفه محمد مصطفى المقرئ أحد قادة الجماعات وشمل جزءا كبيرا عن حرمة استهداف السياح الأجانب وبين "الخطأ الشرعي" في استهدافهم على أساس أن لهم عقد أمان.
- نفى المحامي منتصر الزيات أيضا أن تكون جماعة الجهاد في مصر التي لا يزال قادتها في السجون -بعكس قادة الجماعة الإسلامية الذين أطلق سراحهم- وراء هذا التفجير؛ لأنها لم يعد لها وجود في مصر، وأعضاؤها في السجون، وأيمن الظواهري زعيم الجهاد سبق أن أقر بذلك وأصدر قرارا عام 1995 بوقف العمليات في مصر للعجز وعدم القدرة، وقال ممدوح إسماعيل: إنه وإن سبق لتنظيم الجهاد أن خطط لعملية مشابهة ضد السياح في منطقة خان الخليلي بمنطقة الحسين ضد فوج سياحي إسرائيلي عام 1995 بسيارة مفخخة، وحكم بالسجن والإعدام على عدد من منفذيها، فإن البنية التحتية لتنظيم الجهاد تم القضاء عليها أمنيا، كما أن الجماعة انتقلت للخارج وتحالفت مع القاعدة وبدأت تختار أهدافا كبيرة.
- أجمع كل من الزيات وإسماعيل على أن الخيار الباقي -في حالة الجزم بقيام قوى إسلامية بالعملية- هو فرضية أن تكون هناك مجموعة أخرى غير منظمة (بمعنى أنهم ليسوا أعضاء تنظميين في الجهاد أو الجماعات أو غيرها) تحمل "فكرا جهاديا" قامت بهذا التفجير هديا على منهج القاعدة، وهنا يؤكد الزيات أن هناك سوابق لظهور مجموعات من هذا القبيل، تابع -بصفته محامي بعضهم- التحقيقات معهم وظهر خلالها محاولات من جانب "تنظيم جند الله" لتفجير السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في مصر، واعترفت أجهزة الأمن في التحقيقات أن المعتقلين -34 فردا بينهم أشخاص تلقوا تدريبا عسكريا- ليسوا أعضاء في الجهاد أو غيره ولكنهم "مستقلون"، وشدد على أن حادث الموسكي "فردي" لا يعني عودة العنف بين الدولة والجماعات. أما المحامي "إسماعيل" فقال: إن الممارسات الإسرائيلية والأمريكية الوحشية وعدم وجود رد فعل عربي رسمي أو دولي لوقف المجازر أوجد "تيارا من المتعاطفين والمستفزين" بين الشباب العربي. وضرب إسماعيل أمثلة من تنظيمي "الوعد" و"جند الله" المستقلين قائلا: إن الأول كان سلفيا ولم يكن له علاقة بالجهاد وكذلك أثبتت التحقيقات ذلك بالنسبة للثاني.
- قال الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات السياسية: هناك احتمال لوجود جيل ثالث من الجماعات الإسلامية وراء الحادث، أي مجموعات من خلايا إسلامية جديدة أو "نائمة".
- الدكتور عمرو الشوبكي المتخصص في شئون الحركات الإسلامية بمركز دراسات الأهرام رأى أن الحادث ربما يكون دليلا على الميلاد الثاني للعمليات الإرهابية في مصر الذي لم تشهده البلاد منذ عام 1997، وأنه عمليات قامت بها عناصر فردية متأثرة بأفكار تكفيرية ردا على أحداث المنطقة مثل احتلال العراق وفلسطين.
- ضياء رشوان المختص بشئون الجماعات الإسلامية بمركز دراسات الأهرام اعتبر أن تفجير الأزهر فردي وامتداد للعمليات التي وقعت بسبب غزو العراق؛ ولذلك فهو "حدث إرهابي في إطار إقليمي" أكثر من أم يكون حدثا مصريا، وليس مقصودا به السياحة المصرية بالتالي.
- الحادث هو الثالث ضمن سلسلة عمليات بدأت تظهر بشكل فردي أيضا ضد السياح الأجانب خصوصا الأمريكان والإسرائيليين مثل طعن مصري لسائحين مجريين وسط القاهرة في مارس 2005 ظن أنهما أمريكيان، فيما وصفته الشرطة بأنه رد فعل على السياسات الغربية تجاه العراقيين والفلسطينيين، وتفجير فندق طابا لقتل سياح إسرائيليين.
- سبق لوزير الداخلية المصري أن حذر عدة مرات من موجة إرهاب ينتظر أن تهب على المنطقة بسبب التطورات الدولية مثل احتلال العراق وفلسطين، وألمح إلى خطورة السيناريو الأسود الذي أشرنا إليه بأن هذه الأحداث تخلق مجموعات جديدة غير مرصودة من المتشددين دينيا ربما تتجه لتنفيذ عمليات يصعب كشفها مسبقا، ولهذا جرى توسيع قاعدة الاشتباه عقب تفجير الأزهر من جانب أجهزة الأمن وجرى اعتقال العشرات حتى من سكان منطقة التفجير لجمع معلومات عن الجهة التي وراء التنفيذ.
- البيان الذي أعلنته جماعة إسلامية غير معروفة على الإنترنت -"كتائب العز الإسلامية بأرض النيل"- وقالت إن أحد أفرادها (أبو العلاء المصري) نفذ التفجير الذي وصفته بأنه هجوم استشهادي للاحتجاج على سياسات حكومة الرئيس المصري حسني مبارك والسياسات الأمريكية في المنطقة، يشير لوجود أسباب خارجية للتفجير أكثر منها أسبابا مصرية داخلية، حيث شدد على العملية للثأر "لإخواننا شهداء الظلم والمعتقلين.. الثأر من أمريكا وأمثالها.. من كل القوى الاستعمارية لإخواننا المسلمين المستضعفين في العراق كانوا أو في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام الجريحة".
والخلاصة في هذا الصدد أن تفجير الأزهر -مثل تفجيرات سيناء أكتوبر 2004- ربما يشير لسيناريو أسود جديد يتمثل في ظهور تيارات إسلامية مستقلة جديدة غير مرصودة أمنيا أو ما يمكن أن نطلق عليه "مقاومة شعبية إسلامية مسلحة" لا تتبع أيا من التنظيمات الإسلامية القديمة المعروفة بما فيها الجهاد والقاعدة رغم قناعتها بنجاعة أساليب هذه التنظيمات، ولا تتحرك هذه المرة ضد أنظمة الحكم العربية، ولكن ضد العدو الخارجي وأتباعه وفق فقه خاص بها لا تلتزم فيه كثيرا برأي تيارات معتدلة أخرى.
*اسلام اون لاين
أعاد تفجير "الموسكي" بالقرب من منطقة الأزهر شرق القاهرة مرة أخرى السؤال الصعب الذي يطرح في كل مرة تحدث فيها مثل هذه الحوادث حول من نفذ التفجير، ومن صاحب المصلحة وراء هذه التفجيرات التي غابت عن مصر مدة طويلة ضد السياح الأجانب، والتي كان آخرها في نوفمبر 1997 في الهجوم على السائحين في معبد فرعوني بالأقصر (جنوب مصر) وقتل 58 سائحا.
رد الفعل الأولي في الشارع المصري وبين عدد من المحللين السياسيين أشار إلى مسئولية عدة جهات أبرزها "العنصر الخارجي"، بينما رجح آخرون -بينهم وائل عباس صاحب جريدة "الوَعْيُ المِصْري الإلكترُونِيَّة" المعارضة- خيارا غريبا غير مقنع يقول: وفقا لنظرية المصلحة فإن الحكومة المصرية هي المستفيد الأول من التفجير وربما قامت به بنفسها كي توقف عجلة المطالبة بالتغيير وتشدد قبضتها الأمنية وتمنع المظاهرات التي بدأت تتسع ضد الحكم مطالبة بالإصلاح، وأن الهدف أيضا هو استمرار العمل بحالة الطوارئ المستمرة في البلاد منذ قرابة ربع قرن.
وردود الأفعال لبعض القوى السياسية المصرية خصوصا الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" وجماعة الإخوان المسلمين حرصت بدورها على تلافي أي تأثير لهذا الحادث على حركة الإصلاح والتغيير الجارية، ولهذا ركزوا على المطالبة بألا يؤثر الحادث على التحركات من أجل الإصلاح و"ألا يصرف هذا الحادث عن استكمال مسيرة التنمية وألا يكون سببا في تعطيل حركة المجتمع نحو تحقيق أهدافه ومطالبه في الحرية والديمقراطية والعدل"، وفق تعبير مرشد الإخوان محمد مهدي عاكف.
ويبدو من خلال المعلومات التي توافرت لأجهزة الأمن المصرية حتى هذه اللحظة، والشواهد، أنها عملية فردية يقصد بها أساسا السياح الغربيون وخصوصا الأمريكان، وأنه ليس له هدف يتصل بالرغبة في القيام بعمل ضد الحكومة المصرية بذاتها على غرار عمليات الصراع المسلح والتفجيرات التي وقعت في الفترة من 1993 حتى 1997، وإنما هو رد فعل للغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان والتدخل المتصاعد في شئون العالم العربي والإسلامي، فضلا -وهو الأهم- عن أنه رد فعل على التهديدات المتصاعدة من جانب المتطرفين الصهاينة لضرب وهدم المسجد الأقصى.
فقد حرص مفجر القنبلة البدائية -التي تزن قرابة 5 كيلوجرامات فقط من مادة TNT وجاءت معظم الإصابات من كمية المسامير الضخمة التي بها والتي يبلغ طول الواحد منها 5 سنتيمترات- على تفجيرها وسط مجموعة من السياح ليقتل أمريكيا وفرنسية ويصيب 8 آخرين من السياح (3 أمريكيين و3 فرنسيين وإيطاليا وتركيا)، بالإضافة لـ9 من المصريين، وظهر من جثة هذا الانتحاري المشوهة أن منطقة البطن هي أكثر منطقة متهتكة مع الوجه، مما رجح معه خبراء الأدلة الجنائية أن يكون قد ربطها على بطنه وفجرها، وهو ما أكدته مصادر أمنية أيضا للصحفيين.
أيضا تم اختيار منطقة الموسكي الملاصقة لمنطقة خان الخليلي بالحسين أمام الجامع الأزهر الذي يقع على الرصيف المقابل؛ لأنها منطقة تجمع مستمر للسياح الأجانب الذي يحضرون إليها لشراء العاديات والرخام والمطبوعات الفرعونية، وشوارعها ضيقة لا تزيد عن 4 أمتار تقريبا؛ مما ساهم -مع الزحام- في وقوع ضحايا بسهولة.
من وراء التفجير؟
وتشير آراء محللين سياسيين وخبراء في شئون الحركات الإسلامية والإرهاب في مصر ممن استطلعت "إسلام أون لاين.نت" آراءهم إلى عدة احتمالات وراء التفجير أبرزها أن يكون من فعل ما يسمى "الجيل الثالث" من الجماعات الإسلامية المسلحة من الشباب صغير السن الذي لم يعاصر نمو الحركات الإسلامية ونشأة الجماعة الإسلامية وحركة الجهاد، والجيل الأول والثاني منهما في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وقد لا يكون هذا الجيل مرتبطا تنظيميا بهذه الجماعات أو بقياداتها القديمة، لكنه يتبنى نفس أفكارها ممزوجة بفكر "القاعدة" الجهادي المؤمن بالعمل المسلح ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ويدعم هذا التوجه ما أعلنته الداخلية المصرية الأحد 10-4-2005 من أن منفذ الانفجار الذي تم تحديد هويته لا ينتمي لتنظيم معين.
واتفق على هذا الأمر أيضا خبراء سياسيون ومحامو الجماعة الإسلامية، بل وتنبأ به وزير الداخلية المصري حبيب العادلي في عدة تصريحات سابقة ومؤتمرات عن الإرهاب، ويمكن أن نطلق عليه "السيناريو الأسود"، وملخصه أن هناك أجيالا جديدة من الشباب المؤمن بفكر الجهاد والقاعدة لا تنتمي إلى التنظيمات القديمة المعروفة (التي راجعت نفسها وأعلنت رفضها للعنف المسلح)، تستفزها الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على الدول الإسلامية، فبدأت تتحرك في مجموعات صغيرة للرد على هذا باستهداف مصالح أمريكية أو إسرائيلية أو استهداف رعايا الغرب عموما.
وخطورة هذا السيناريو أن هذه المجموعات الجديدة غير مرصودة أمنيا، وليس لها نشاط سابق، وأفكارها أكثر تشددا من الجماعات القديمة ولديها القدرة -بفعل التقدم التكنولوجي وسهولة الحصول على السلاح أو تصنيع المتفجرات عبر الإنترنت- على القيام بعمليات بدائية صغيرة مفاجئة دون أن يكشفها أحد من أجهزة الأمن لأنها غير مرصودة.
وهذا السيناريو ظهر بوضوح في عدة عمليات جرت هذا العام والعام الماضي خصوصا في صورة تفجيرات طابا التي قام بها أفراد مصريون وفلسطيني، مقيمون في سيناء في أكتوبر 2004 يؤمنون بالفكر الجهادي، وأظهرت التحقيقات الرسمية أنهم سعوا من خلالها للرد على الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني فاختاروا استهداف السياح الإسرائيليين في طابا وسيناء.
ويمكن حصر ردود الأفعال التي ترجح هذا الرأي فيما يلي:
- قال المحامي منتصر الزيات الخبير في شئون الحركات الإسلامية إنه يستبعد أن تكون الجماعة الإسلامية المصرية وراء مثل هذه العمليات لأسباب منها: أن هذه الجماعات أعلنت مبادرة وقف العنف 5 يوليو 1997 وتعاونت مع الحكومة المصرية، كما أنها "تحت الرصد والرقابة" الأمنية، والأهم من ذلك أنها ضعيفة. وقال المحامي ممدوح إسماعيل محامي الجماعات الإسلامية: إن انفجار الأزهر لا يمت بصلة للجماعات الإسلامية القديمة لأن الجماعات لا تؤمن فقط بعدم جدوى العنف وقامت بحل جهازها العسكري، ولكنها أعلنت هذا في كتب المراجعات التي أصدرها قادتها في السجون ومنها كتاب "حكم قتل المدنيين" الذي ألفه محمد مصطفى المقرئ أحد قادة الجماعات وشمل جزءا كبيرا عن حرمة استهداف السياح الأجانب وبين "الخطأ الشرعي" في استهدافهم على أساس أن لهم عقد أمان.
- نفى المحامي منتصر الزيات أيضا أن تكون جماعة الجهاد في مصر التي لا يزال قادتها في السجون -بعكس قادة الجماعة الإسلامية الذين أطلق سراحهم- وراء هذا التفجير؛ لأنها لم يعد لها وجود في مصر، وأعضاؤها في السجون، وأيمن الظواهري زعيم الجهاد سبق أن أقر بذلك وأصدر قرارا عام 1995 بوقف العمليات في مصر للعجز وعدم القدرة، وقال ممدوح إسماعيل: إنه وإن سبق لتنظيم الجهاد أن خطط لعملية مشابهة ضد السياح في منطقة خان الخليلي بمنطقة الحسين ضد فوج سياحي إسرائيلي عام 1995 بسيارة مفخخة، وحكم بالسجن والإعدام على عدد من منفذيها، فإن البنية التحتية لتنظيم الجهاد تم القضاء عليها أمنيا، كما أن الجماعة انتقلت للخارج وتحالفت مع القاعدة وبدأت تختار أهدافا كبيرة.
- أجمع كل من الزيات وإسماعيل على أن الخيار الباقي -في حالة الجزم بقيام قوى إسلامية بالعملية- هو فرضية أن تكون هناك مجموعة أخرى غير منظمة (بمعنى أنهم ليسوا أعضاء تنظميين في الجهاد أو الجماعات أو غيرها) تحمل "فكرا جهاديا" قامت بهذا التفجير هديا على منهج القاعدة، وهنا يؤكد الزيات أن هناك سوابق لظهور مجموعات من هذا القبيل، تابع -بصفته محامي بعضهم- التحقيقات معهم وظهر خلالها محاولات من جانب "تنظيم جند الله" لتفجير السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في مصر، واعترفت أجهزة الأمن في التحقيقات أن المعتقلين -34 فردا بينهم أشخاص تلقوا تدريبا عسكريا- ليسوا أعضاء في الجهاد أو غيره ولكنهم "مستقلون"، وشدد على أن حادث الموسكي "فردي" لا يعني عودة العنف بين الدولة والجماعات. أما المحامي "إسماعيل" فقال: إن الممارسات الإسرائيلية والأمريكية الوحشية وعدم وجود رد فعل عربي رسمي أو دولي لوقف المجازر أوجد "تيارا من المتعاطفين والمستفزين" بين الشباب العربي. وضرب إسماعيل أمثلة من تنظيمي "الوعد" و"جند الله" المستقلين قائلا: إن الأول كان سلفيا ولم يكن له علاقة بالجهاد وكذلك أثبتت التحقيقات ذلك بالنسبة للثاني.
- قال الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات السياسية: هناك احتمال لوجود جيل ثالث من الجماعات الإسلامية وراء الحادث، أي مجموعات من خلايا إسلامية جديدة أو "نائمة".
- الدكتور عمرو الشوبكي المتخصص في شئون الحركات الإسلامية بمركز دراسات الأهرام رأى أن الحادث ربما يكون دليلا على الميلاد الثاني للعمليات الإرهابية في مصر الذي لم تشهده البلاد منذ عام 1997، وأنه عمليات قامت بها عناصر فردية متأثرة بأفكار تكفيرية ردا على أحداث المنطقة مثل احتلال العراق وفلسطين.
- ضياء رشوان المختص بشئون الجماعات الإسلامية بمركز دراسات الأهرام اعتبر أن تفجير الأزهر فردي وامتداد للعمليات التي وقعت بسبب غزو العراق؛ ولذلك فهو "حدث إرهابي في إطار إقليمي" أكثر من أم يكون حدثا مصريا، وليس مقصودا به السياحة المصرية بالتالي.
- الحادث هو الثالث ضمن سلسلة عمليات بدأت تظهر بشكل فردي أيضا ضد السياح الأجانب خصوصا الأمريكان والإسرائيليين مثل طعن مصري لسائحين مجريين وسط القاهرة في مارس 2005 ظن أنهما أمريكيان، فيما وصفته الشرطة بأنه رد فعل على السياسات الغربية تجاه العراقيين والفلسطينيين، وتفجير فندق طابا لقتل سياح إسرائيليين.
- سبق لوزير الداخلية المصري أن حذر عدة مرات من موجة إرهاب ينتظر أن تهب على المنطقة بسبب التطورات الدولية مثل احتلال العراق وفلسطين، وألمح إلى خطورة السيناريو الأسود الذي أشرنا إليه بأن هذه الأحداث تخلق مجموعات جديدة غير مرصودة من المتشددين دينيا ربما تتجه لتنفيذ عمليات يصعب كشفها مسبقا، ولهذا جرى توسيع قاعدة الاشتباه عقب تفجير الأزهر من جانب أجهزة الأمن وجرى اعتقال العشرات حتى من سكان منطقة التفجير لجمع معلومات عن الجهة التي وراء التنفيذ.
- البيان الذي أعلنته جماعة إسلامية غير معروفة على الإنترنت -"كتائب العز الإسلامية بأرض النيل"- وقالت إن أحد أفرادها (أبو العلاء المصري) نفذ التفجير الذي وصفته بأنه هجوم استشهادي للاحتجاج على سياسات حكومة الرئيس المصري حسني مبارك والسياسات الأمريكية في المنطقة، يشير لوجود أسباب خارجية للتفجير أكثر منها أسبابا مصرية داخلية، حيث شدد على العملية للثأر "لإخواننا شهداء الظلم والمعتقلين.. الثأر من أمريكا وأمثالها.. من كل القوى الاستعمارية لإخواننا المسلمين المستضعفين في العراق كانوا أو في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام الجريحة".
والخلاصة في هذا الصدد أن تفجير الأزهر -مثل تفجيرات سيناء أكتوبر 2004- ربما يشير لسيناريو أسود جديد يتمثل في ظهور تيارات إسلامية مستقلة جديدة غير مرصودة أمنيا أو ما يمكن أن نطلق عليه "مقاومة شعبية إسلامية مسلحة" لا تتبع أيا من التنظيمات الإسلامية القديمة المعروفة بما فيها الجهاد والقاعدة رغم قناعتها بنجاعة أساليب هذه التنظيمات، ولا تتحرك هذه المرة ضد أنظمة الحكم العربية، ولكن ضد العدو الخارجي وأتباعه وفق فقه خاص بها لا تلتزم فيه كثيرا برأي تيارات معتدلة أخرى.
*اسلام اون لاين

التعليقات