سياسيان عربيان بارزان يعزفان نشيداً وطنياً عربيا داخل اسرائيل

غزة-دنيا الوطن

أكبر خطر يهدد إسرائيل كدولة وكيان.. لا يأتي من احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما من داخل الدولة العبرية نفسها، الخطر على وجودها هو العرب الذين تشبثوا بأرضهم، إنهم فلسطينيو 48 الذين وإن كانوا يحملون «الهوية الإسرائيلية»، إلا أنهم لم يتنازلوا عن هويتهم القومية التي لا يمكن نزعها من قلوبهم ووجدانهم.

هكذا يؤكد اثنان من أبرز قادة وساسة عرب 48 اللذان يخوضان شكلاً آخر من أشكال النضال لخدمة قضايا وطنهما المغتصب.

ما يثير الإعجاب بهذين المناضلين، أنهما تحولا إلى توأمين سياسيين، تتشابه بل وتتطابق مواقفهما القومية.

هما المناضلان محمد بركة زعيم كتلة «الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير» التي لها صوتها المدوي داخل أروقة الكنيست.

والدكتور أحمد الطيبي زعيم الحركة العربية للتغيير وهي الحركة التي تحالفت مع الجبهة في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية لتعزيز مواقفهما وبرامجهما السياسية القائمة على الدفاع عن شؤون وقضايا عرب 48، وفي الوقت نفسه الدفاع عن أبناء الأرض المحتلة في الضفة والقطاع الذين يئنون من وطأة الاحتلال الصهيوني على مدى 38 عاماً.

في بداية اللقاء مع محمد بركة، رفض على الفور أن يعترف بمصطلح «عرب إسرائيل»، قائلاً نحن عرب فلسطين، فإسرائيل قامت على أنقاض شعبنا وهويتنا ومجرد بقائنا داخل إسرائيل هو أهم إنجازات النضال الفلسطيني منذ نكبة 48، ويرى بركة أن عرب 48 هم حراس الهوية الفلسطينية وليسوا سلعة يجري المقايضة عليها من خلال ما يسميه الصهاينة بتبادل الأراضي والسكان مع فلسطين والضفة وغزة.

بركة وهو عضو برلماني نشط و«مشاغب» من وجهة نظر الإسرائيليين، يرى أن وجود أعضاء عرب في الكنيست ليس ديكوراً وأن عرب 48 ليسوا قطع شطرنج.

وعندما تحدث عن خطة شارون الانفصالية، فهو يقول إنها مشروع صهيوني استراتيجي لا يوافق عليه وإن كان لا يرفض في الوقت نفسه إخلاء المستوطنات عن غزة. ويرى بركة في الخريطة السياسية الإسرائيلية أن حزب العمل وزعيمه شيمون بيريز يمثلان البؤس على الساحة الإسرائيلية.

أما رفيقه في النضال الدكتور أحمد الطيبي الذي يزامله أيضاً كعضو في الكنيست فإنه يرى أن الساحة الإسرائيلية ذات نزعة يمينية وإن اليسار ممثلاً في بيريس صار شريكاً للمتطرف شارون وليس بديلاً عنه.

وأبلغ ما قاله الطيبي عن السلام هو أن أقصى ما يمكن أن يقدمه شارون للفلسطينيين، هو أبعد ما يكون عن أدنى ما يقبل به الرئيس محمود عباس «أبو مازن».

لقد طال الحديث مع هذين المناضلين اللذين يكشفان للقارئ العربي أموراً قد تغيب عنه، فتحا قلبيهما وتحدثا بجرأة هي معهودة في شخصيتهما النضالية.

في بداية اللقاء كان هذا التساؤل:

* ولاء عرب إسرائيل لمن.. هل لبطاقة الهوية التي تشير إلى جنسيتهم «الإسرائيلية»، أم لفلسطين وأمتهم العربية، وهل يمكن الجمع بين نقيضين.. حق وباطل؟

ـ يرد محمد بركة أولاً فيقول: أنا لا أعترف بمصطلح عرب إسرائيل، إسرائيل لم تقم عام 48 وأحضرت «عربها» معها، نحن عرب، فلسطينيون، قامت إسرائيل على أنقاض شعبنا وأنقاض هويتنا وأرضنا.

نحن كنا أمام خيارين. إما أن نخرج من الوطن ونصبح لاجئين، أو أن نبقى في وطننا ونحمل الجنسية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه نكون أمناء على هويتنا وأرضنا.

وأعتقد أن بقاءنا، أحد أهم الإنجازات القليلة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نكبة 48، فلو لم نكن في وطننا لربما غاب الشاهد الأساسي على هوية هذا الوطن، نحن حراس الهوية الفلسطينية. لذلك نحن نحاول من خلال معادلة المواطنة في إسرائيل أن نحصل على حقوقنا.

نحن نعتقد أن حقنا في المساواة، مشتق من انتمائنا للوطن، وليس من كرم أخلاق إسرائيل، بمعنى أننا لم نأت إلى إسرائيل، وإنما إسرائيل هي التي أتت إلينا وعلينا. ولذلك لنا الحق في التمتع بالحقوق المتساوية وهو حق مشتق من انتمائنا لوطننا، أو دعني أقول حقنا في المواطنة هو اشتقاق لانتمائنا للوطن.

الدكتور أحمد الطيبي لا يختلف عن رد رفيقه في النضال محمد بركة وإن كان قد أضاف قائلاً: هناك عنصران أساسيان للعرب في إسرائيل، الأول وطني قومي، والثاني عنصر مدني يشير إلى أن المواطنة في إسرائيل، ونحن نريد أن نطور هذين العنصرين بشكل مناسب رغم التناقض بينهما أحياناً، نريد أن نطور الهوية الثقافية والقومية، وفي الوقت نفسه نطور المواطنة لتصبح مئة في المئة وليست منقوصة كما هي الآن. وهذه ليست مهمة سهلة ولكنها ليست مستحيلة.

إنني أعتبر الشعب الفلسطيني كأنه «مثلث هندسي»، قاعدته هي أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة. وضلعه الثاني الأطول هو أبناء الشتات، وضلعه الثالث الأصغر هو عرب 48 في إسرائيل، من دوننا نحن فلسطينيو 48 لن يكون هذا المثلث هندسياً. وهذه الأضلاع الثلاثة تشكل وحدة الشعب الفلسطيني ولاغنى عن أي منها، فمثلاً أنا من «الطيبة»، والدي من «يافا»، وأمي من «الرملة»، وزوجتي من «طولكرم»، وأنا أسكن في «القدس».

* خرجت دعوات صهيونية تتحدث عن تبادل الأراضي والسكان على جانبي الخط الأخضر، كيف تنظرون إلى هذه الدعوات التي تستهدف «تفريغ» إسرائيل من العنصر الفلسطيني وبقايا عرب 1948؟

* محمد بركة: لسنا سلعة تجري المقايضة بها.

والأخطر من موضوع التبادل في الأراضي، هو موضوع «الترحيل».. الترانسفير. نتانياهو كرئيس حكومة سابقة وهو وزير مالية اليوم، يقول ان المشكلة الرئيسية التي تواجه إسرائيل هي ليست الفلسطينيين في الضفة والقطاع، فهؤلاء ـ كما يرى ـ وان عاجلاً أو آجلاً لن يكونوا مع إسرائيل في كيان واحد. انما المشكلة هي في عرب فلسطين الذين يعيشون داخل إسرائيل.

نحن لا نرى أنفسنا كمشكلة كما يقول نتانياهو، المشكلة هي نظام العنف والطغيان ومصادرة الأراضي هي المشكلة.

في الوقت نفسه، لابد ان نشعر بالقلق في شأن دعوات مبادلة الأراضي. نحن لسنا خائفين فقد صمدنا أمام رياح أعتى مما هو الآن ومنها زوبعة نتانياهو.

ان المؤسسة التي تحكم إسرائيل، مؤسسة اجرامية، والهاجس الديمغرافي بمفهوم التوازن السكاني هو الذي يسكنها من وقت طويل. عندما قامت إسرائيل، كان هناك من هتف عام 1952 من قيادات الحركة الصهيونية بالقول: لم نتوقع بقاء عرب في إسرائيل. انهم يتحدثون بمفهوم «تنظيف» الأرض من العرب، وهو أمر ملازم للحركة الصهيونية.

* الدكتور أحمد الطيبي يرد: لو قدر لشارون ان ينام وينهض دون ان يجد عربياً في إسرائيل، لكان ذلك قمة سعادته. ولذلك أعتقد انه من دعاة «الاستغناء» عن المثلث ـ من الطيبة والطيرة حتى أم الفحم ـ ونقله بسكانه إلى السلطة الفلسطينية في أي مفاوضات قادمة. فكرة استبدال الأراضي طرحها ليبرمان، وللأسف كان أول من اقترحها هو «رعنان كوهين» من حزب العمل، ثم طرحها شارون كبالون اختبار، وتراجع عنها بعد ردة الفعل العربية، ولكنني على يقين بانه مازال يحمل هذا الفكر.

* كيف يتعامل المجتمع اليهودي مع عرب 48 ألم تخف حدة العنصرية .. وكيف تخوضون معركتكم ضد تعصبهم وعنصريتهم؟

* محمد بركة:

معركتنا ذات وجهين: الوجه المدني وهو الحصول على حقوقنا المدنية كمواطنين. وفي الوقت نفسه تحصيل الحقوق القومية باعتبارنا جزءاً من الشعب الفلسطيني «أي الوجه القومي».

حقوقنا المدنية، هي أمر ثابت وحقوقنا القومية نحن نعني بها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة. ولكن نحن كأقلية قومية لنا أيضاً حقوقنا. نطالب دولة إسرائيل بالاعتراف بنا كقومية، بمفهوم يعني تنمية ثقافتنا العربية وصيانة لغتنا والحفاظ عليها، وحقنا في الأرض. بل وحقنا أيضاً في رمز الدولة. اننا لسنا دخلاء على الأرض. ولقد نجحنا في تحقيق معادلة في غاية الدقة. فالنضال من أجل الحقوق المدنية لا يعني تغييب الهوية الوطنية.

والنضال من أجل تثبيت الهوية الوطنية القومية، لا يعني بأي حال من الأحوال التنازل عن حقوقنا كمواطنين في وطننا.

لقد تعرضت كثيراً للتهديدات من المتطرفين اليهود.

والتهديدات لا تتوقف وهي تشتد وتتصاعد كلما يكون البارومتر السياسي مرتفعاً. التهديدات لا تقتصر على التهديد المباشر، إنما كان المتطرفون يتصلون ببيتي ويهددون أطفالي.

* الدكتور أحمد الطيبي:

العنصرية قائمة. ولا توجد مساواة في أي مجال من المجالات المدنية، والسياسية بيننا كعرب وبين الغالبية اليهودية. لا توجد مساواة في التعليم والميزانيات والمخصصات والتوظيف وامتلاك الأراضي، بل انهم يهدمون المنازل العربية وهناك أخرى مهددة بالهدم بحجة أنها غير مرخصة. الدولة تسيطر أيضاً على أملاك الوقف الإسلامي. إن إسرائيل ليس لديها دستور. لديها 11 قانوناً تنص على أنها «يهودية ديمقراطية».

وهذا تناقض صارخ إذ كيف تختار لنفسها تعريفا يقول أنها يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه؟! إنه تناقض بين أن تكون ديمقراطياً تتبع مبدأ المساواة وأن تكون طائفيا اثنيا في تعريفك للدولة. في ظل هذا التعريف فالأفضلية دائما لليهود، والعنصرية ضد كل ما هو غير يهودي وخاصة العربي. من هنا أقول: نعم اسرائيل ديمقراطية يهودية. فهي ديمقراطية تجاه اليهود. ويهودية تجاه العرب.

قدمت أمام الكنيست طرحا فكريا وسياسيا جديداً، يرفض ويواجه فكرة الدولة اليهودية ويطرح بديلا لها يعتمد على ثلاث نقاط:

الأولى: الاعتراف بعرب 48 كأقلية قومية مع كل ما يترتب على ذلك من ارهاصات في الأرض والتمثيل النسبي وغير ذلك.

الثاني: المشاركة المدنية الكاملة.

الثالث: ديمقراطية متعددة الثقافات وليست ديمقراطية يهودية.

هذه النقاط تحت عنوان او تعريف جديد هو «دولة كل قومياتها». وهذا يضمن الحقوق الفردية والجماعية للأقلية العربية في اسرائيل. بالمقارنة مع اصطلاح «دولة كل مواطنيها» المتبع في فرنسا مثلا والذي طرحته في اسرائيل «شولاميت آلوني» في بداية الثمانينات والذي يركز على الحقوق الفردية فقط. وهذا الطرح الذي قدمته أثار جدلا فوريا. فوزيرة العدل «سيبي ليفني» رفضته في الحال تحت زعم أنه يؤدي إلى إلغاء اسرائيل كدولة يهودية.

وهذا دليل على التمسك بالعنصرية في التعامل مع عرب 48. ومع ذلك فهناك اهتمام بالفكرة. ونحن سنعرضها كورقة عمل في المؤتمر المقبل للحركة العربية للتغيير الذي سيعقد أواسط هذا العام لتبنيها. ونعتقد أن هذه الفكرة ستكون قوة جذب واضحة لحركتنا وطروحاتها المميزة.

* هل هناك تنسيق أو أرضية مشتركة بين التنظيمات السياسية العربية.. وأليس من الأفضل أن تتوحد صفوف ساسة ومثقفي عرب 48 بدلاً من تشرذمها؟!

* محمد بركة:

توحيد العرب في قائمة سياسية واحدة.. هو حلم جميل. ولكنه غير واقعي. فهناك تباينات واختلافات في المواقف السياسية.

كنت أتمنى ان نجد الوسيلة ليكون هناك تياران كبيران مركزيان: احدهما تيار محافظ ولن يكون في مركزه مثلاً الحركة الاسلامية، وتيار وطني تقدمي ديمقراطي في مركزه الجبهة الديمقراطية التي أمثلها.

ولكن مع ذلك، هناك قضايا مشتركة بين كل التيارات، ننسق فيما بيننا داخل الكنيست لاتخاذ موقف موحد بشأنها أيضاً، هناك تنافس طبيعي في الشارع العربي فيما بيننا، ولكن متى يقلقنا هذا التنافس؟ عندما يتحول الى شكل من أشكال القبائلية السياسية المقلقة والتعصيب والتخوين، ولكن طالما ان الحوار بين التيارات العربية قائم على أساس أن «الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية».. فلا قلق.

ومن الطبيعي ان يعرض على رجل الشارع العربي، في اسرائيل مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية لاختيار ما يناسبه، ومن الضروري ان يجد الناخب العربي في القوائم العربية ما يرضيه حتى لا يقع فريسة للأحزاب الصهيونية.

ان تعدد الاتجاهات والأحزاب، يعزز من الحياة السياسية، أما ان نقول للناخب العربي أمامك هذا الخيار الواحد، فهو لا يرضى به ويذهب الى الأحزاب الصهيونية.. أو قد يضرب عن التصويت.

* الدكتور أحمد الطيبي:

نحن لسنا قطيع غنم. هناك طروحات وآراء مختلفة وتعددية. ولكن في القضايا الكبرى مثل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو الجماهيرية العربية.. نسعى الى حد أدنى من التنسيق.

وهناك هيئة عليا تسمى «لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب» وهي الجسم التنفيذي الأعلى للأقلية العربية داخل اسرائيل. وهي تضم كل الاعضاء العرب داخل الكنيست ورؤساء الأحزاب والهيئات والمؤسسات وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

وهذا الجسم من خلاله يتم اتخاذ القرارات المصيرية للجمهور العربي داخل اسرائيل بشكل عام. هناك تياران عربيان في اسرائيل احدهما وطني قومي. والآخر اسلامي. والتيار الأخير يضم الحركة الإسلامية بشقيها الشمالي والجنوبي. الشمالي هو الذي يتزعمه الشيخ رائد صلاح فك الله أسره، وهو تيار مقاطع لانتخابات الكنيست.

أما الحركة الإسلامية الجنوبية فهي ممثلة في الكنيست، وبالنسبة للتيار الوطني فهو يضم قوى شيوعية مثل الحزب الشيوعي، وقوى ديمقراطية مثل الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير التي تمثل نهجاً ديمقراطياً تقدمياً مع بعدها القومي الشامل. وهناك أيضاً ضمن التيار الوطني حزبان: الديمقراطي العربي، والتجمع، ويعرفان نفسيهما بأنهما من ذوي الميول القومية.

إذن المقولة التي تتحدث عن ان هناك ثلاثة تيارات في الوسط العربي «قومي وشيوعي واسلامي» خاطئة ومضللة. لأن غالبية الذين صوتوا للجبهة الديمقراطية - محمد بركة - لسيوا شيوعيين مع ان القيادة يسارية شيوعية. وعموماً فإن الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير يمثلان التيار المركزي الذي يمثل كل شرائح المجتمع العربي في اسرائيل «في الجليل والمثلث والنقب».

* هل تقبل اسرائيل بتفوق عرب 48 على اليهود ديموغرافياً وترضى بتكاثرهم فيضيع مستقبل الدولة العبرية؟!

* محمد بركة:

ـ لم أسمع أن عربياً ذهب لاسرائيل ليستأذن منها قبل أن يذهب إلى فراشه!

تقبل أو لا تقبل، فإننا لن نستأذنها من أجل أن ننجب أطفالنا.

في الوقت نفسه، فإنني لا أقبل أن نستعمل أرحام نسائنا كسلاح للتهديد!

وإذا كنا الآن نشكل 20% من سكان اسرائيل، فإننا في الوقت نفسه نشكل 30% من الولادات داخل اسرائيل. هم يتعاملون مع هذه القضية كخطر عليهم ونحن نتعامل معها على أنها «بركة» من عند الله.

لقد اثرت الانتفاضة على الهجرة لاسرائيل.. وهناك ايضاً حالة عدم الاستقرار الذي يتمثل ايضاً في تدهور الوضع الاقتصادي داخل اسرائيل الذي لا يشجع على الهجرة.

* الدكتور أحمد الطيبي:

ـ العامل الديموغرافي هو محور اساسي في الخطاب الاسرائيلي. وأول من استخدمه هو رموز حزب العمل الاسرائيلي. ويقولون في اسرائيل أنه سيكون هناك تساو بين طرفي الخط الاخضر خلال سنوات قليلة، ولذلك يبررون خطة الانفصال عن غزة بالعامل الديموغرافي.

وقد قال بنيامين نتانياهو ان الخطر الحقيقي لا يأتي من فلسطينيي الضفة الغربية وغزة وإنما من عرب 48. ولذلك فهو كوزير مالية رفض اعادة مخصصات الاطفال في ميزانية الدولة للمواطنين الاسرائيليين بوجه عام خوفاً من ان يستفيد منها العرب في اسرائيل ويشكل ذلك حافزاً للتكاثر وتوسيع العائلة العربية.

انهم يتعاملون مع زواج الفلسطيني من الطيبة أو الناصرة مع فلسطينية من طولكرم أو نابلس على اساس انه مؤامرة عربية ديموغرافية ضد الحركة الصهيونية. وانه يجب اجهاض هذه المؤامرة.

من هنا سنوا قانوناً خاصاً يسمى قانون «منع لم الشمل»! هذا القانون يمنع دخول فلسطيني من الضفة أو غزة إلى اسرائيل أو لم شمله في حالة زواجه من عائلة من عرب اسرائيل.

* هل التواجد العربي في الكنيست مجرد ديكورسياسي لتجميل اسرائيل، وماذا يفيد هذا التواجد بالنسبة لكم؟

* محمد بركة:

ـ لا اعتقد ان اسرائيل «الرسمية» تنظر إلينا كنقطة جمالية. هي تنظر إلينا كخطر يهددها.

لقد كان على اسرائيل أن تخضع لوجودنا. فاما أن نكون جزءاً من نظامها وتنظيمها وتمثيلها السياسي، أو أن نكون خارج هذا التمثيل. أعتقد انها ترى أن وجودنا خارج هذا التمثيل في الكنيست، أصعب من وجودنا بداخله.

القضية.. ليست علاقات عامة. في نهاية الامر.. نحن نتواجد في الكنيست ليس كقطع شطرنج يلعب بها اليهود. نحن موجودون كمشروع لمقاومة التيار المركزي العدواني داخل اسرائيل. ونخوض معارك داخل الكنيست مع اليمين المتطرف.

اننا نريد لشعبنا ان يبقى في وطنه. ولكن كيف نريد أن يتحقق ذلك دون أن يناضل من اجل حقوقه المدنية. وجودنا في الكنيست هو صوت عربي لتأمين الحقوق الاساسية للمواطن العربي.

* الدكتور أحمد الطيبي:

على مدى السنوات الماضية كانوا يتعاملون معنا على أساس أننا أعداء يجب قمعهم، وهم يربطون بيننا وبين أشقائنا في الأرض المحتلة والأمة العربية.

وأنا موافق على هذا الربط فأنا فلسطيني عربي، أكافح من أجل حقوق شعبي وأحمل هموم أمتي العربية كسياسي ومثقف. ولكن لي وللجمهور الذي أمثله داخل اسرائيل ظرفا قانونيا ومكانة خاصة بصفتنا مواطنين داخل اسرائيل يجب ان تؤخذ في الاعتبار. أذكر ان الصهيوني «أفيغدور ليبرمان» المهاجر من روسيا.

وجه ذات مرة كلامه لي ولزميلي محمد بركة من فوق منصة الكنيست بعد ان عدنا من جنازة احد شهداء رام الله قائلا: الحل الأفضل ان نضع الطيبي وبركة أمام صف من العسكر ليطلقوا عليهما النيران. وأذكر أيضا بعد ان وصفت وزير الدفاع الاسرائيلي موفاز بأنه قاتل أطفال. هبت عاصفة سياسية غير مسبوقة في الكنيست والاعلام الاسرائيليين، وطالبوا أما بإعدامي أو أبعادي عن وطني أو اعتقالي.

* هل بطل مفعول اليسار الاسرائيلي وحركة السلام بعد ان ابتلع اليمين الساحة السياسية؟ وكيف ترون شكل الخريطة الحزبية في اسرائيل؟

* محمد بركة:

ـ هناك تآكل في مكانة، وموقع اليسار الاسرائيلي. هذا اليسار ترهل اليوم. ويبايع شارون الى خطة الفصل كسقف لطموحاته. اليسار بدلا من ان يناضل ضد مسعى شارون وسياسته. بل يتماثل معها ولا يطرح بديلا لها.

أذكر مقالاً لأحد الكتاب الاسرائيليين في صحيفة «يديعوت أحرونوت» هو « «بت ميخائيل» قال فيه: إنني أشعر بالتقزز كلما تحدث أحدهم عن ثقته بشارون. وهناك صحفية اسرائيلية في جريدة «هآراتس» كانت تغطي الاوضاع في الاراضي المحتلة هي: «عميرا هيث» وهي يسارية تقدمية قالت: «أنا لا أستطيع ان أفهم كيف يمكن لفلسطيني ان يثق بشارون؟».

وعموما هناك رقعة صغيرة من اليساريين لاينتمون إلى اليسار الصهيوني، بل إلى اليسار بالمعنى الحقيقي للكلمة، هؤلاء هم حلفاؤنا ويناضلون ـ مثلاً ـ ضد جدار شارون ويواجهون جيش الاحتلال وفي موسم الزيتون يشاركون مع الفلسطينيين في قطف الثمار في مواجهة السلطات. وهناك من يدافع عن حقوق عرب 48.

بالنسبة لحزب العمل الاسرائيلي الذي من المفترض انه الند والمنافس الرئيسي لليكود، فإن زعيمه شيمون بيريس أصبح يمثل البؤس في السياسة الاسرائيلية. وبدلا من أن يطرح حزب العمل الذي رأسه نفسه كبديل، قرر أن يكون «رديفاً» وشريكا لشارون. كان باستطاعته ان يؤيد فكر شارون الحالي دون ان ينضم الى حكومته.

ولكنه وضع حزب العمل في خانة التذيل لحزب الليكود. وتشعر بناء على ذلك ان المعركة السياسية المقبلة في السياسة الاسرائيلية هي بين الليكود.. والليكود! وهذا يمثل حالة بؤس شديدة في السياسة الاسرائيلية.

حكومة اسرائيل الحالية. هي حكومة شارون حتى بعد انضمام بيريس إليها. لن تتحول إلى حكومة شارون ـ بيريس، بل ان الأخير مجرد لاعب إضافي من أجل ان يضمن الأغلبية لشارون.

أما حركة السلام، فهي لم تمت ولكنها غابت بالفعل عن الساحة إلى حد كبير. اليمين له الغالبية لأنه يقول للناخب نحن نحارب على وجودنا. والعمليات الاستشهادية، أدت إلى فرز الخارطة السياسية إلى جانب اليمين. نأمل أن يرتفع صوت اليسار من جديد.

* الدكتور أحمد الطيبي:

ـ المجتمع الإسرائيلي في ظل الانتفاضة.. تقوقع في بوتقة اليمين. نجح شارون في استعمال غرائزية هذا المجتمع بإقناعه بأن الانتفاضة ليست حرباً ضد الاحتلال، وإنما كما قال للإسرائيليين هي حرب على «البيت» و«الوجود» الإسرائيليين.

حرب على تل أبيب وحيفا وناتانيا. ومن وراء هذا الطرح للصراع كسب شارون نقاطاً حزبية وسياسية جعلته الأكثر شعبية في تاريخ إسرائيل بعد أن كان غير مرغوب فيه لدى النخبة الإسرائيلية. وأعتقد أن خطة الانفصال عن غزة هي هروب من عبء أمني يقع على عاتق المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني الإسرائيلي. وهي في الوقت نفسه تعبر عن سقوط أيديولوجي لليمين صاحب فكرة أرض إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر. ولكن خطر هذه الخطة يقع في الشق الثاني منها والقائم على تعزيز الاستيطان من استمرار بناء الجدار.

أما بالنسبة لليسار الإسرائيلي فهو ضعيف واهن. وهو ليس يساراً بالمفهوم الأوروبي. لم يتصرف كأنه بديل لشارون، وإنما زحف إلى الحكومة لأنه أراد أن يكون شريكاً وليس بديلاً. لقد توقف حزب العمل عن كونه خياراً لمن هو ليس يمينياً في المجتمع الإسرائيلي. والساحة الآن متجزئة بين اليمين من جهة، واليمين الأكثر تطرفاً من جهة أخرى.

والمثير أن اليمين يقول الآن إن شارون ليس من اليمين الأيديولوجي وأنه جسم غريب وطابور خامس، والبعض يتهمونه بأنه خائن لليهود!

* كيف ترون الوضع الآن في الأرض المحتلة وما مستقبل السلام في ظل المطروح من شارون أو خارطة الطريق؟

* محمد بركة:

ـ هناك تهدئة محدودة طالما هناك حديث عن إخلاء مستوطنات غزة. بعد ذلك إذا وصلنا إلى نقطة المفاوضات حول قضايا الحل الدائم، مثل إخلاء مستوطنات الضفة الغربية، قضية القدس، قضية اللاجئين، وكذلك الحدود. فإن شارون لن يغير جلده.

المراهنة على حسن أخلاق شارون.. مراهنة خاسرة ولا مبرر لها.

ومع ذلك نحن في حاجة إلى هذه الفترة ـ التهدئة ـ لإعادة ترتيب البيت من أجل إعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها كقضية عادلة ولإعادة شكل من أشكال الحوار مع المجتمع الإسرائيلي من فوق رأس شارون.

أعتقد أن حركة المقاومة «حماس» و«الجهاد» اختلفتا في أسلوبهما، والحوار بينهما وبين الرئيس الفلسطيني قائم على التفاهم، وهناك دور مسؤول بينهم، وهذا التفاهم أباركه وأثني عليه.

ومع ذلك فإن من حق الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يقاوم بكل الوسائل العادلة من أجل قضيته. يجب أن نستخدم وسائل المقاومة التي تساعد على تحقيق تقدم وإنجاز للقضية الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه أرفض المساس بالمدنيين لأن ذلك ينافي عدالة قضيتنا والقضية العادلة تحتاج إلى وسائل عادلة. نحن الذين وضعنا شعار «الدولتين.. والشعبين». لذلك أقول إن الحل هو إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وكذلك حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً بمفهوم الشرعية الدولية، مفهوم العودة ومن لا يرغب له الحق في التعويض.

أما بالنسبة لخارطة الطريق، فإن بها ثقوباً كثيرة. نحن مع قرارات الشرعية الدولية ومع الحق الفلسطيني كما صاغته منظمة التحرير الفلسطينية.

الدكتور أحمد الطيبي تتفق في رؤياه مع ما طرحه بركة، ولكنه يضيف:

الأمر الواقع هو أن شارون يهرب من غزة. ولا يعرض خطته انطلاقاً من فكر سلمي جديد، فأسلوب التفاوض الإسرائيلي التقليدي ما زال سيد الموقف. وما يطرحه شارون من مواقف عن الدولة الفلسطينية، هو طرح خطير. يريد أن يقايض الدولة المجردة بالقدس. واللاجئين وحدود 67. وعلى العرب أن يدركوا هذه الحقيقة.

مفهوم شارون للدولة الفلسطينية هو ليس مفهومي كفلسطيني. وأقصى ما يمكن أن يقدمه شارون في الحل النهائي بعيد عن أدنى ما يمكن أن يقبله الرئيس محمود عباس «أبومازن». وهذه الفجوة بين أقصى شارون وأدنى أبومازن ليست مرشحة للتقريب في السنوات المقبلة.

إن أحد أسباب خروج شارون من غزة هو المقاومة والخطر الأيديولوجي والخوف من تراكمات جنيف على المجتمع الإسرائيلي وإمكانية عزل إسرائيل إذا لم تقم بخطوة أخرى.

وما تغير حتى الآن هو المناخ وليس الجوهر. التهدئة هي حاجة للجانبين، ويجب ألا نقلل من شأن حاجة المواطن الفلسطيني إلى التهدئة وتغيير ظروف المعاناة اليومية وإطلاق سراح الأسرى وإزالة الحواجز وخروج القوات الإسرائيلية. كل ذلك ليس ذا بعد استراتيجي مثل الثوابت الوطنية وقضايا الحل النهائي الدائم.

*البيان الاماراتية

التعليقات