تحويل خمسة من العاملين في الأجهزة الأمنية الفلسطينية للمحاكمة

غزة-دنيا الوطن

استل شخص ينتسب لاحد الاجهزة الامنية في نابلس، مسدسه في غرفة ضابط التحقيق في مركز الشرطة بالمدينة قبل حوالي شهر، وأفرغ تسع طلقات في ساقي رجل كان اعتدى قبل يوم على شقيقه، وفر هارباً من المركز.

لكن هروب الشخص لم يدم طويلاً، فقد ألزم في اليوم التالي بتسليم نفسه للشرطة، ليحال إلى النيابة التي أمرت بحبسة على ذمة القضية، حيث ينتظر حكماً بالسجن قد يصل ما بين ستة إلى سبع سنوات وفق ما يقول.

وقد شهدت مدينة نابلس، كما غيرها من المناطق، الكثير من الحوادث المماثلة التي ارتكبها مسلحون ورجال أمن في العامين الماضين في نزاعات فردية وعائلية دون أن تتمكن الشرطة من إخضاع الكثير منهم للقانون.

لكن نابلس، تشهد تغييراً ملموساً مكن الشرطة من اعتقال العديدين في الأسابيع الأخيرة، بينهم خمسة من رجال الأمن، وتحويلهم للسجن لحين المحاكمة في قضايا موجهة ضدهم.

وقال مدير الشرطة في المدينة العميد طارق زيد: يجري احتواء الحالة في مدينة نابلس بمساهمة الجميع، الأجهزة والمجموعات المسلحة والأهالي، وكل هذا ما كان ليتم دون وجود قرار سياسي بذلك.

وأضاف: لقد عقدت في الآونة الأخيرة اجتماعات شارك فيها ممثلون عن أجهزة الأمن والمجموعات العسكرية الناشطة في المدينة، جرى الاتفاق فيها على مبادئ عامة تحكم عمل الجميع من أهمها عدم ظهور السلاح في الشارع.

ولتأكيد ذلك سمح لنا العميد زيد بزيارة السجن المركزي في نابلس حيث يحتجز حوالي مائة سجين جنائي بينهم 18 سجيناً من المتهمين بالتخابر مع سلطات الاحتلال.

ويحتجز رجال الأمن الخمسة في قسم خاص للعسكريين في السجن. أحدهم متهم بجريمة قتل، والثاني متهم بالاتجار بالسيارات المسروقة، والثالث بإصدار شيكات دون رصيد، والرابع بالتورط في شجار.

أما الخامس فهو المتهم بإطلاق النار على شخص داخل مركز الشرطة وإصابته بجروح بالغة الخطورة. وقال إن شقيقه كان تعرض للطعن بسكين سبع مرات في اليوم السابق وأنه قدم إلى مركز الشرطة بدعوة من ضابط التحقيق في محاولة لحل المشكلة مع الفاعل، لكن في غضون ذلك جرى نقاش حاد تناول خلاله مسدسه وأطلق النار عليه.

وعلى ما يبدو فإنه لم يكن يظن أن مصيره سيؤول إلى السجن، فهو يعرف الكثيرين ممن قاموا بأعمال مماثلة في العامين الماضيين ولم يلاقوا ذات المصير.

"الوضع تغير. اليوم توجد متابعة. لا أستطيع القول إن المتابعة تجري بنسبة مائة في المائة لكنها تجري بنسب معقولة، قال المتهم.

والأمر ذاته ينطبق على رفاقه في الغرفة، فـ "س" المنتسب للأمن الوطني لم يتعامل بجدية مع قرار لأجهزة الأمن والشرطة صدر مؤخراً بوقف تشغيل السيارات المسروقة في نقل الركاب، وواصل تشغيل سيارة من هذا النوع كسيارة تكسي عمومي، فآل مصيره إلى السجن.

وقال مدير الشرطة إن هناك قرارا بفصل هذا الجندي من عمله لكن(س) يقول إنه لم يتلق قراراً بهذا الشأن ولا يتوقعه.

وكانت الشرطة، بالتعاون مع أجهزة الأمن، بدأت حملة لمصادرة جميع السيارات المسروقة العاملة في نقل الركاب في نابلس، وهو ما لاقى الكثير من الارتياح في نفوس السكان الذين طالما عانوا وتضرروا من حوادث سير تورطت فيها مثل هذه السيارات الغير مؤمنة والغير مرخصة.

وقال مدير الشرطة "إن هذه هي البداية"، مشيراً إلى قرار بالقيام قريباً بحملة مماثلة على السيارات المسروقة التي تستخدم للأغراض الشخصية.

وقد حققت قرارات اتخذها الرئيس محمود عباس درجة عالية من التنسيق والوحدة والمسؤولية في أجهزة الأمن. وصرح الرئيس عباس في لقاء محدود مع عدد من الصحافيين مؤخراً بأنه اتخذ قراراً بإقالة رئيس كل جهاز أمني لا يلتزم بتطبيق قرارات وقوانين السلطة.

واعترف عباس بوجود ظاهرة عدم تنفيذ القرارات في جميع أجهزة الأمن لكنه قال إنه وجد لذلك حلاً يقوم على فصل قائد الجهاز الأمني في حال عدم تطبيق قرار ما.

وكان الرئيس عباس ألزم خمسة من كبار قادة الشرطة والأمن بتقديم استقالاتهم بعد فشلهم في منع وقوع أحداث عنف واعتداءات أو عدم تطبيق قرارات معينة. وشملت قرارات مماثلة وشبيهة عدداً من كبار الضباط.

لكن المواطنين في نابلس، وللحجم الكبير لظاهرة الفوضى الأمنية، لا يشعرون بحدوث تغيير كبير في حياتهم. وقال سليمان منصور، تاجر في البلدة القديمة بالمدينة: أنا أعمل في هذا السوق منذ العام 1950، وطيلة هذه السنوات الخمسة والخمسين لم أشهد ما هو أسوأ من ظروفنا الراهنة". "الوضع الاقتصادي في غاية السوء، إذا ما حدث شجار بين شخص وآخر فإن أحدهم قد يحضر مجموعة من المسلحين ليعتدوا على الآخر"، قال منصور.

ويعترف المسؤولون في أجهزة الأمن أن هذه الأجهزة لم تبسط بعد سيطرتها الكاملة على المدينة. وقال مدير الشرطة: الآن توجد بداية جديدة، يوجد قرار سياسي، وهناك تقدم، لكن منع الجريمة بصورة كاملة لا يحدث حتى في أميركا.

وبموازاة ذلك بدأت لجان فرعية في مختلف المحافظات مؤخراً بإجراء مقابلات مع المطلوبين والمسلحين لضمهم لأجهزة ومؤسسات السلطة.

ويقف المطلوبون والمسلحون وراء غالبية الخروقات التي تجري في الأراضي الفلسطينية. وبضمهم لأجهزة الأمن يكون الرئيس عباس قد قطع الشوط الأطول في معالجة هذه الظاهرة المستشرية منذ العام الثاني للانتفاضة.

وكان عباس شكل لجنتين مركزتين في الضفة والقطاع تتفرع عنهما لجان في مختلف المحافظات لتسوية قضايا المطلوبين عبر ضمهم لأجهزة ومؤسسات السلطة. وجاء القرار بعد قيام عدد منهم بأعمال شغب واسعة في مدينة رام الله.

ويقول مقربون من الرئيس عباس إنه ماض في حل مشكلتي الفوضى الأمنية والفساد في الأراضي الفلسطينية لكنه يسير ببطء محسوب يقدر فيه كل خطوة من خطواته.

وقال مسؤول فضل عدم ذكر اسمه: الصعوبات أمام الرئيس عباس كبيرة، هو يدرك ذلك، لذا فإنه يتقدم ببطء، فهو يحسب كل خطوة يخطوها ولن يقوم بخطوات دراماتيكية، هذا النوع من المشكلات "الفوضى والفساد" يتطلب خطوات دقيقة ومحسوبة.

التعليقات