الإرهاب في الخليج بقلم:عبدالهادي مرهون
الإرهاب في الخليج
بدعوة من قناة دبي الفضائية كان لنا شرف المشاركة في حلقة حوارية عن الإرهاب في الخليج ضمن برنامج بانوراما الذي يتابع بموضوعية القضايا الساخنة على الصعيدين الإقليمي والعربي، وفي الحلقة ناقش المتحاورون قضية الإرهاب في الخليج حيث تم طرح عدة محاور تبين منها أنه و في ظل تنامي ظاهرة العنف الأسود أو ما بات يُنعت بالإرهاب وبسبب عدم تنمّطه عسكرياً فضلاً عن عدم انسجامه جُملة وتفصيلاً مع الرائج والمسكوت عنه من النظريات واعتماد سلوك مريب مبني على مفاهيم فلسفية تتقارب مع المفاهيم الفوضوية؛ لم تعد الدول العربية والخليجية برمتها مُحصّنة ضد ما قد يأتي من هذا العنف البغيض من تبعات وتداعيات وبالذات في الدول التي كانت أوكاراً وملاذات تدجّنت فيها رجالات الإرهاب وكوادره، وأعني بها دول الخليج العربي وبعض من مناطق الهلال الخصيب، وهي ذات الدول التي كانت مسرحاً لتشابك خيوط المخابرات العالمية وصراعاتها لمدة أربعين عاماً تحالفت فيها قوى الرجعية مع القوى الرأسمالية والدينية والليرالية ضد ما كان يُسمى بالمد الأحمر.
وبعد أحداث الحادي عشر من إيلول سبتمبر 2002 لم تعد الجماعات الإرهابية تستقيم على شكل خلايا متناثرة بل أضحى تمددها الأفقي رهيباً ووصلات الاتصال بينها متعددة ومتجددة فلا غرابة أن نعرف أن عملية (ميلياني) في فرانكفورت والتخطيط التفجيري ضد إحدى الأسواق في مدينة (شتراسبورج) الألمانية قد تم التخطيط لها في العاصمة البريطانية بينما حُضِّرَت وجُلِبَت المتفجرات من أفغانستان، أما منفذو الهجوم فقد جاؤوا من لندن.
وفي عملية مراجعة موضوعية خالصة لهكذا حال فإنه لا يُمكن لأحد أن يتنكّر عن حقيقة مُرّة مفادها أن عوامل الدفع باتجاه تقوية المشاريع والقوى الظلامية ككتلة صمّاء والمساهمة في تكريس تراثها المُؤسّس على مُسلّمات الإبادة والحدّية والإيغال في إراقة الدم عند التعامل مع القضايا المختلفة قد جلب علينا من الأهوال ما لم يحسبه أحد، وخصوصاً ممن كان يتربع على عروش الحكم في المنطقة والذين كان همّهم الأول هو السير وفق خطة المشروع الرأسمالي الكبير في مواجهة الكتلة الشرقية، وصيرورتهم راية طيعة في معارك الآخرين، ولم يقرأوا حتماً بأنه وفي الوقت الذي كانوا يستحلبون فيه الشر والعداء للاشتراكية كان المُستَحلَبُون يجتهدون في استخراج قدر متواز بل وأكبر من الفتاوى والأحكام التي امتزجت مع مفهوم (الضحية) والخاصة بكفر الحكّام وولاة الأمر وحتمية قتال الصليبيين، وفي ذلك الأتون سُلّمت لهم مراكز البحوث ووزارات التربية والتعليم حتى أصبحت الطلائع الشبابية في العالم العربي والإسلامي رهينة بأيديهم يصيغونها وفق مرئياتهم المتطرفة والمتطلعة نحو إلغاء كل مغاير لمنطقهم المنزلق في وحل الشعارات الفضفاضة والهلامية، بل أكثر من ذلك فقد اختصروا مسافات شاسعة من الفكر الإنساني المتراكم في فترة زمنية تربعوا هم فوق صفيحها متنكرين لحضارة بنتها كل الشعوب مشتركة، فكانت فخر الإنسان في كل الأزمان، لأنّها قامت على التوازن بين المادة والروح، وحفظت للإنسان كرامته، وصانت حقوقه، وحددت واجباته؛ حضارة لم تصادم الحضارات الإنسانية الأخرى، بل احتضنتها بحنان واحتوت المثل السامية فيها برفق، وعمقت بتسامحها وعي الإنسان ومداركه، وأغنت ثقافات شعوب المعمورة بفعل المثاقفة والحوار الحضاري الذي ذللّت من خلاله روح الصدامية والعصبية، وقضت على الأحقاد والتطرف، وأغنت الإنسانية بما أضافت من علوم في مختلف حقول المعرفة.
أضف إلى ذلك فقد أسّست بعض عروش المنطقة السياسية لبناء أرضيات وروافد ناجزة للإرهاب عندما ساهمت بقوة في عملية إفقار الشعوب العربية والمسلمة وتجويعها، الأمر الذي ولّد شهية جامحة نحو الانتقام وعدم الوثوق بأي ركن سياسي طالما قُرِنَ أو نُسب أصله أو فرعه إلى السلطة (الغاشمة) فانفتحت أبواب الجحيم على الجميع في ظل وجود خيرات الأرض والبحر والجو التي تملّكها الطامعون الجشعون مستلهمين ذلك من أدبيات الرأسمالية المتوحشة والليبرالية التي رضت لنفسها أن تمتلك ثمانين بالمائة من خيرات العالم وخيرات الشعوب المستضعفة في القارة القديمة والجديدة .
لقد أهملت حكومات المنطقة مسألة التنمية الشاملة لعقود من الزمن، فأنتجت اقتصاداً مشوها، وهياكل اقتصادية متأرجحة ومُضطربة، وحتى الأموال المُستولى عليها بات استثمارها يواجه شكلاً من أشكال التمييز في الدول الغربية، فأصبحت الدول الخليجية والمستثمرين العرب غير قادرين على توظيفها لا في موطنها الأصلي ولا في استثمارات خارجية حقيقية لأنها معرضة للقيود والمصادرة، وبالتالي أصبح من السهل أن تتدفق على شكل تمويلات للتنظيمات الإرهابية، وذلك هو الذي يفسر أن هناك عدداً من الأثرياء يقودون تلك المنظمات ويجندون قاعدتها من المحرومين والفقراء .
أضف إلى كل ذلك فقد لعبت السياسة الغربية وبالذات الأمريكية دوراً واضحاً في اتساع رقعة الإرهاب بسبب ازدواجية المعايير التي تتبعها في التعامل مع الأطراف، وضعف دور المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة في حل كثير من الصراعات المحتدمة في أنحاء عدة من العالم، مثل قضايا التحرر العادلة في فلسطين وكشمير وايرلندا، مما أعطى انطباعاً بغياب العدالة الدولية وعجزها عن تلبية طموحات الشعوب إلى الحرية، ففي الوقت التي تنظر فيه الولايات المتحدة إلى حماس والجهاد وحزب الله بأنهم أسُّ الإرهاب المُعيق لعملية السلام وترسيخ الديمقراطية تتناسى أدواراً إرهابية نَشِطَة للجماعات المتطرفة في إسرائيل كالهاغانا والهاشومير والبالماخ والأرغون وشتيرن ومنظمة كاخ (وهي كلها منظمّات تحوّلت من حركات ظاهرة إلى مستترة تحتفظ بالسلاح والمال أو تتستّر تحت إسم المستوطنين) من عمليات إرهابية وترويعية للفلسطينين، فضلاً عن إرهاب الدولة الذي الكيان الصهيوني المحتمل تجاه الشعب الفلسطيني من هدم للبيوت وتجريف للأراضي وهي حقائق مُفجعة نذكرها ليس بغرض الاستهلاك الإعلامي واستدراء العواطف بل للتذكير بفظاعتها وشذوذها الإنساني.
مواقف القوى الدينية من الإرهاب
مثّل إصدار الهيأة الإسلامية الأسبانية فتوى دينية تعتبر فيها أسامة بن لادن وتنظيم قاعدة الجهاد (القاعدة) وكل الذين يُسوّغون للإرهاب من خلال القرآن الكريم، مرتدين وخارجين عن الإسلام، مثَّل حركة متطورة لمنسوب الخطاب الديني المعتدل المناهض لمفاهيم العنف، خصوصاً وأن كافة مواقف الإدانة التي عبرت عنها مختلف الحكومات والأحزاب والجمعيات العربية والإسلامية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإلى الآن لم ترتقي إلى مثل هذا التوصيف، بل اتبعت أسلوباً أقرب إلى النقد العام منه إلى النقد المباشر ووضع اليد على الجرح، أو أنها كانت تُصدر بيانات إدانة مشفوعة بـ (لكن) وفيما يتعلق بمسألة مواجهة الفكر المتطرف هذا تجب الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية ويخص المجامع العلمية ومعاهد البحوث والحوزات الدينية في عموم العالم وهي أنه لا يُمكن أن تُثمر جهود مكافحة التطرف دون الوقوف على روافد الحركات التكفيرية والتي تتلخص في كثير منها في قضايا التراث الديني الذي صِيغ كثير منه في فترة الصراع السياسي والآيدولوجي بين القوى السياسية في صدر الإسلام، والتي اتبعت طرقاً ملتوية في تحقيق أغراضها عبر استصدار فتاوى أو خلق روايات من نوع ما يخدم أهدافها وتطلعاتها، يُضاف إلى كل ذلك فإن الكثير من ملامح التفكير المتطرف الرائج هذه الأيام هو مُحصّلة طبيعية لفكر الخوارج الذي اتسم بالقهر والقتل وتكفير الآخر، وكتب التاريخ والسيّر تزخر بحوادثه.
الإرهاب والعراق
كان العراق في نهايات فترة الحكم الصدامي البائد وبالتحديد في العام 1995 قد بدأ في تسيير ما أسماه بـ " الحملة المؤمنة " والتي بدأ فيها بإعادة أدلجة بعض قيادات الجيش وما يسمى بفدائي صدّام، دون الحرس الجمهوري، بفكر ديني تكفيري يلغي الآخر، وحاك خيوطاً ليست بقليلة مع قيادات دينية متطرفة في أنحاء متفرقة في المنطقة بغية الاستعانة بهم في حالة هجوم الولايات المتحدة الأمريكية عليه، وبعد سقوط النظام في 09 إبريل من العام 2003 بدأت هذه العناصر بالتحرك نحو تنظيم صفوفها وفق مناهج دينية متشددة، فأنشأت ما يُسمى الآن بتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين أو الجيش الإسلامي وغيرها من المُسمّيات، وبدأت في ضرب أي مشروع طموح يسعى العراقيون نحو تحقيقه بدءاً بمجلس الحكم وانتهاءً بالانتخابات العامة، وقد وجد الإرهابيون في العراق ساحة خصبة لقتال القوات الأمريكية الغازية ومن يتعاون معها وصارت أمصار كثيرة من دول عربية وإسلامية ماكنة تفريخ للإنتحاريين .
وفي ظل هذا الواقع العراقي المرير تبقى المسؤولية في المستقبل على الطلائع السياسية الجديدة في العراق كبيرة، فعليهم أولاً أن يبنوا مؤسساتهم واقتصادهم وبُناهم الاجتماعية بالقدر الذي يُؤهلهم للاستقلال والبدء في توديع الأجنبي بلباقة، وقبلها يتوجب عليهم عدم الشعور بأزمة الضمير من وجود مُحتل جاثم على صدورهم رغماً عنهم لأن الديمقراطية في ظل حراب الاحتلال خيار ليس هناك من يتمناه، لكنه أفضل من أن لا تأتي أبداً وتظل شعوبنا على قوائم الانتظار، فاليابانيون بنوا الديمقراطية والاقتصاد في ظل الاحتلال، كذلك الايطاليون والألمان والكوريون الجنوبيون، ولم ينتقص ذلك من ديمقراطيتهم بل هم من يقود العالم الصناعي والديمقراطي اليوم .
ثم إن المسؤولية تقع على دول الجوار بان يهبوا لمساعدة العراق ويُحيّدوا المعادلات الدولية جانباً ولو بشكل مؤقت لاسيما أثناء فترة البناء العمودي للدولة العراقية، من دون أن يتحسّسوا من هذه التجربة، بل على العكس من ذلك، فإن في وسعهم الاستفادة من تجربة العراق الذي يزخر بذخيرة وفيرة من الخزين الحضاري العظيم والتاريخ العريق المفعم بالتجارب الرائدة في مجالات الحياة والعلم والمعرفة
عبدالهادي مرهون
النائب الأول لرئيس مجلس النواب البحرين
[email protected]
*خاص بدنيا الوطن
بدعوة من قناة دبي الفضائية كان لنا شرف المشاركة في حلقة حوارية عن الإرهاب في الخليج ضمن برنامج بانوراما الذي يتابع بموضوعية القضايا الساخنة على الصعيدين الإقليمي والعربي، وفي الحلقة ناقش المتحاورون قضية الإرهاب في الخليج حيث تم طرح عدة محاور تبين منها أنه و في ظل تنامي ظاهرة العنف الأسود أو ما بات يُنعت بالإرهاب وبسبب عدم تنمّطه عسكرياً فضلاً عن عدم انسجامه جُملة وتفصيلاً مع الرائج والمسكوت عنه من النظريات واعتماد سلوك مريب مبني على مفاهيم فلسفية تتقارب مع المفاهيم الفوضوية؛ لم تعد الدول العربية والخليجية برمتها مُحصّنة ضد ما قد يأتي من هذا العنف البغيض من تبعات وتداعيات وبالذات في الدول التي كانت أوكاراً وملاذات تدجّنت فيها رجالات الإرهاب وكوادره، وأعني بها دول الخليج العربي وبعض من مناطق الهلال الخصيب، وهي ذات الدول التي كانت مسرحاً لتشابك خيوط المخابرات العالمية وصراعاتها لمدة أربعين عاماً تحالفت فيها قوى الرجعية مع القوى الرأسمالية والدينية والليرالية ضد ما كان يُسمى بالمد الأحمر.
وبعد أحداث الحادي عشر من إيلول سبتمبر 2002 لم تعد الجماعات الإرهابية تستقيم على شكل خلايا متناثرة بل أضحى تمددها الأفقي رهيباً ووصلات الاتصال بينها متعددة ومتجددة فلا غرابة أن نعرف أن عملية (ميلياني) في فرانكفورت والتخطيط التفجيري ضد إحدى الأسواق في مدينة (شتراسبورج) الألمانية قد تم التخطيط لها في العاصمة البريطانية بينما حُضِّرَت وجُلِبَت المتفجرات من أفغانستان، أما منفذو الهجوم فقد جاؤوا من لندن.
وفي عملية مراجعة موضوعية خالصة لهكذا حال فإنه لا يُمكن لأحد أن يتنكّر عن حقيقة مُرّة مفادها أن عوامل الدفع باتجاه تقوية المشاريع والقوى الظلامية ككتلة صمّاء والمساهمة في تكريس تراثها المُؤسّس على مُسلّمات الإبادة والحدّية والإيغال في إراقة الدم عند التعامل مع القضايا المختلفة قد جلب علينا من الأهوال ما لم يحسبه أحد، وخصوصاً ممن كان يتربع على عروش الحكم في المنطقة والذين كان همّهم الأول هو السير وفق خطة المشروع الرأسمالي الكبير في مواجهة الكتلة الشرقية، وصيرورتهم راية طيعة في معارك الآخرين، ولم يقرأوا حتماً بأنه وفي الوقت الذي كانوا يستحلبون فيه الشر والعداء للاشتراكية كان المُستَحلَبُون يجتهدون في استخراج قدر متواز بل وأكبر من الفتاوى والأحكام التي امتزجت مع مفهوم (الضحية) والخاصة بكفر الحكّام وولاة الأمر وحتمية قتال الصليبيين، وفي ذلك الأتون سُلّمت لهم مراكز البحوث ووزارات التربية والتعليم حتى أصبحت الطلائع الشبابية في العالم العربي والإسلامي رهينة بأيديهم يصيغونها وفق مرئياتهم المتطرفة والمتطلعة نحو إلغاء كل مغاير لمنطقهم المنزلق في وحل الشعارات الفضفاضة والهلامية، بل أكثر من ذلك فقد اختصروا مسافات شاسعة من الفكر الإنساني المتراكم في فترة زمنية تربعوا هم فوق صفيحها متنكرين لحضارة بنتها كل الشعوب مشتركة، فكانت فخر الإنسان في كل الأزمان، لأنّها قامت على التوازن بين المادة والروح، وحفظت للإنسان كرامته، وصانت حقوقه، وحددت واجباته؛ حضارة لم تصادم الحضارات الإنسانية الأخرى، بل احتضنتها بحنان واحتوت المثل السامية فيها برفق، وعمقت بتسامحها وعي الإنسان ومداركه، وأغنت ثقافات شعوب المعمورة بفعل المثاقفة والحوار الحضاري الذي ذللّت من خلاله روح الصدامية والعصبية، وقضت على الأحقاد والتطرف، وأغنت الإنسانية بما أضافت من علوم في مختلف حقول المعرفة.
أضف إلى ذلك فقد أسّست بعض عروش المنطقة السياسية لبناء أرضيات وروافد ناجزة للإرهاب عندما ساهمت بقوة في عملية إفقار الشعوب العربية والمسلمة وتجويعها، الأمر الذي ولّد شهية جامحة نحو الانتقام وعدم الوثوق بأي ركن سياسي طالما قُرِنَ أو نُسب أصله أو فرعه إلى السلطة (الغاشمة) فانفتحت أبواب الجحيم على الجميع في ظل وجود خيرات الأرض والبحر والجو التي تملّكها الطامعون الجشعون مستلهمين ذلك من أدبيات الرأسمالية المتوحشة والليبرالية التي رضت لنفسها أن تمتلك ثمانين بالمائة من خيرات العالم وخيرات الشعوب المستضعفة في القارة القديمة والجديدة .
لقد أهملت حكومات المنطقة مسألة التنمية الشاملة لعقود من الزمن، فأنتجت اقتصاداً مشوها، وهياكل اقتصادية متأرجحة ومُضطربة، وحتى الأموال المُستولى عليها بات استثمارها يواجه شكلاً من أشكال التمييز في الدول الغربية، فأصبحت الدول الخليجية والمستثمرين العرب غير قادرين على توظيفها لا في موطنها الأصلي ولا في استثمارات خارجية حقيقية لأنها معرضة للقيود والمصادرة، وبالتالي أصبح من السهل أن تتدفق على شكل تمويلات للتنظيمات الإرهابية، وذلك هو الذي يفسر أن هناك عدداً من الأثرياء يقودون تلك المنظمات ويجندون قاعدتها من المحرومين والفقراء .
أضف إلى كل ذلك فقد لعبت السياسة الغربية وبالذات الأمريكية دوراً واضحاً في اتساع رقعة الإرهاب بسبب ازدواجية المعايير التي تتبعها في التعامل مع الأطراف، وضعف دور المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة في حل كثير من الصراعات المحتدمة في أنحاء عدة من العالم، مثل قضايا التحرر العادلة في فلسطين وكشمير وايرلندا، مما أعطى انطباعاً بغياب العدالة الدولية وعجزها عن تلبية طموحات الشعوب إلى الحرية، ففي الوقت التي تنظر فيه الولايات المتحدة إلى حماس والجهاد وحزب الله بأنهم أسُّ الإرهاب المُعيق لعملية السلام وترسيخ الديمقراطية تتناسى أدواراً إرهابية نَشِطَة للجماعات المتطرفة في إسرائيل كالهاغانا والهاشومير والبالماخ والأرغون وشتيرن ومنظمة كاخ (وهي كلها منظمّات تحوّلت من حركات ظاهرة إلى مستترة تحتفظ بالسلاح والمال أو تتستّر تحت إسم المستوطنين) من عمليات إرهابية وترويعية للفلسطينين، فضلاً عن إرهاب الدولة الذي الكيان الصهيوني المحتمل تجاه الشعب الفلسطيني من هدم للبيوت وتجريف للأراضي وهي حقائق مُفجعة نذكرها ليس بغرض الاستهلاك الإعلامي واستدراء العواطف بل للتذكير بفظاعتها وشذوذها الإنساني.
مواقف القوى الدينية من الإرهاب
مثّل إصدار الهيأة الإسلامية الأسبانية فتوى دينية تعتبر فيها أسامة بن لادن وتنظيم قاعدة الجهاد (القاعدة) وكل الذين يُسوّغون للإرهاب من خلال القرآن الكريم، مرتدين وخارجين عن الإسلام، مثَّل حركة متطورة لمنسوب الخطاب الديني المعتدل المناهض لمفاهيم العنف، خصوصاً وأن كافة مواقف الإدانة التي عبرت عنها مختلف الحكومات والأحزاب والجمعيات العربية والإسلامية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإلى الآن لم ترتقي إلى مثل هذا التوصيف، بل اتبعت أسلوباً أقرب إلى النقد العام منه إلى النقد المباشر ووضع اليد على الجرح، أو أنها كانت تُصدر بيانات إدانة مشفوعة بـ (لكن) وفيما يتعلق بمسألة مواجهة الفكر المتطرف هذا تجب الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية ويخص المجامع العلمية ومعاهد البحوث والحوزات الدينية في عموم العالم وهي أنه لا يُمكن أن تُثمر جهود مكافحة التطرف دون الوقوف على روافد الحركات التكفيرية والتي تتلخص في كثير منها في قضايا التراث الديني الذي صِيغ كثير منه في فترة الصراع السياسي والآيدولوجي بين القوى السياسية في صدر الإسلام، والتي اتبعت طرقاً ملتوية في تحقيق أغراضها عبر استصدار فتاوى أو خلق روايات من نوع ما يخدم أهدافها وتطلعاتها، يُضاف إلى كل ذلك فإن الكثير من ملامح التفكير المتطرف الرائج هذه الأيام هو مُحصّلة طبيعية لفكر الخوارج الذي اتسم بالقهر والقتل وتكفير الآخر، وكتب التاريخ والسيّر تزخر بحوادثه.
الإرهاب والعراق
كان العراق في نهايات فترة الحكم الصدامي البائد وبالتحديد في العام 1995 قد بدأ في تسيير ما أسماه بـ " الحملة المؤمنة " والتي بدأ فيها بإعادة أدلجة بعض قيادات الجيش وما يسمى بفدائي صدّام، دون الحرس الجمهوري، بفكر ديني تكفيري يلغي الآخر، وحاك خيوطاً ليست بقليلة مع قيادات دينية متطرفة في أنحاء متفرقة في المنطقة بغية الاستعانة بهم في حالة هجوم الولايات المتحدة الأمريكية عليه، وبعد سقوط النظام في 09 إبريل من العام 2003 بدأت هذه العناصر بالتحرك نحو تنظيم صفوفها وفق مناهج دينية متشددة، فأنشأت ما يُسمى الآن بتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين أو الجيش الإسلامي وغيرها من المُسمّيات، وبدأت في ضرب أي مشروع طموح يسعى العراقيون نحو تحقيقه بدءاً بمجلس الحكم وانتهاءً بالانتخابات العامة، وقد وجد الإرهابيون في العراق ساحة خصبة لقتال القوات الأمريكية الغازية ومن يتعاون معها وصارت أمصار كثيرة من دول عربية وإسلامية ماكنة تفريخ للإنتحاريين .
وفي ظل هذا الواقع العراقي المرير تبقى المسؤولية في المستقبل على الطلائع السياسية الجديدة في العراق كبيرة، فعليهم أولاً أن يبنوا مؤسساتهم واقتصادهم وبُناهم الاجتماعية بالقدر الذي يُؤهلهم للاستقلال والبدء في توديع الأجنبي بلباقة، وقبلها يتوجب عليهم عدم الشعور بأزمة الضمير من وجود مُحتل جاثم على صدورهم رغماً عنهم لأن الديمقراطية في ظل حراب الاحتلال خيار ليس هناك من يتمناه، لكنه أفضل من أن لا تأتي أبداً وتظل شعوبنا على قوائم الانتظار، فاليابانيون بنوا الديمقراطية والاقتصاد في ظل الاحتلال، كذلك الايطاليون والألمان والكوريون الجنوبيون، ولم ينتقص ذلك من ديمقراطيتهم بل هم من يقود العالم الصناعي والديمقراطي اليوم .
ثم إن المسؤولية تقع على دول الجوار بان يهبوا لمساعدة العراق ويُحيّدوا المعادلات الدولية جانباً ولو بشكل مؤقت لاسيما أثناء فترة البناء العمودي للدولة العراقية، من دون أن يتحسّسوا من هذه التجربة، بل على العكس من ذلك، فإن في وسعهم الاستفادة من تجربة العراق الذي يزخر بذخيرة وفيرة من الخزين الحضاري العظيم والتاريخ العريق المفعم بالتجارب الرائدة في مجالات الحياة والعلم والمعرفة
عبدالهادي مرهون
النائب الأول لرئيس مجلس النواب البحرين
[email protected]
*خاص بدنيا الوطن

التعليقات