الباجه جي يغلق 14 مكتبا لحزبه ويوقف اصدار صحيفته النهضة ويغادر بغداد عائدا الي ابو ظبي
غزة-دنيا الوطن
اذا كان اياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة (المستقيلة) ينتظر ان ينهي خلفه ابراهيم الجعفري اجراءات تشكيل حكومته الانتقالية، ليتحرر من التزاماته الوظيفية ويعود الي قاعدته السابقة في عمان للاقامة فيها، فان زميله في مجلس الحكم الانتقالي السابق عدنان الباجه جي الذي لم يعد لديه شيء يدعوه للبقاء في بغداد، بعد هزيمته في انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، وفشله في تسلم منصب نائب رئيس الجمهورية الثاني، قد حزم حقائبه واغلق مكاتب حزبه (تجمع الديمقراطيين المستقلين) وعددها 14 مكتبا في العاصمة بغداد وبعض المحافظات، واوقف اصدار صحيفته (النهضة) وعاد الي مقر اقامته الدائم في ابو ظبي، لالتقاط انفاسه بعد عامين امضاهما في مشاغل ومشاكل سياسية، دون ان يحرز نجاحا يذكر، او يحقق شيئا من آماله العريضة التي كان يتطلع اليها بلهفة في احدي الرئاسات الثلاث (الجمهورية او الحكومة او البرلمان) كما كان يتمني، ليختتم بواحدة منها حياته، كما اعلن ذلك بنفسه في لقاء تلفزيوني بث في الصيف الماضي.
ورغم ان احد مساعديه، وهو سعد عبد الرزاق اعترف بان الباجه جي واجه ازمات سياسية ومالية وصعوبات افرزتها الاشهر الستة الماضية، وخاصة مرحلة التحضير للانتخابات الاخيرة والمشاركة فيها ومن ثم المداولات حول توزيع المناصب السيادية، واضطر الي مغادرة بغداد الي الامارات للراحة والاجتماع مع اسرته المقيمة هناك، الا ان المعلومات التي يتم تناقلها في الاوساط الحزبية والسياسية في العاصمة العراقية تؤكد بان وزير الخارجية الاسبق وعضو مجلس الحكم الانتقالي السابق، قرر الابتعاد نهائيا عن العمل السياسي الذي اتعبه كثيرا وهو الذي تجاوز الثمانين من عمره، والاستقرار في ابو ظبي، لتبديد حالة الاحباط التي يعيش تحت وطأتها، واستعادة لياقته الصحية التي تأثرت كثيرا منذ منتصف العام الماضي والي فترة وجيزة.
ومع ان معاونه عبد الرزاق ينفي ان يكون الباجه جي قد غادر بغداد نهائيا، مؤكدا انه سيعود اليها نهاية الشهر المقبل لمعاودة اتصالاته مع ما اسماها بالقوي الديمقراطية وايجاد كتلة سياسية تشارك في صياغة الدستور الدائم وتستعد لخوض انتخابات اواخر العام المقبل، غير ان الاجراءات التي اتخذها قبل رحيله عن العاصمة العراقية وبخاصة اقفال مكاتب حزبه وغلق صحيفته وتفرق محازبيه وانصاره، تؤكد ان الرجل سئم العمل السياسي واصيب بخيبة امل من الامريكان الذين تخلوا عنه، والعراقيين وخصوصا السنة العرب الذين تخلوا عنه وقاطعوا الانتخابات الاخيرة التي اشترك فيها بقائمة ضمت 70 مرشحا لم يفز منه احد.
ويقول اصدقاء واقارب للباجه جي في بغداد، انه استاء كثيرا من تصرفات عدد من مساعديه في التجمع السياسي الذي يرأسه وخصوصا اولئك الذين رشحهم لتولي مناصب وزارية ودبلوماسية وحكومية، بحيث ان اغلبهم قطع صلاته به فور تسلمه الوظيفة والمنصب، اضافة الي انصرافهم وانشغالهم في ترتيب اوضاعهم بعد ان ادركوا ان رئيسهم بات خارج (الملعب) السياسي ولم يعد لاعبا فيه عقب خسارته لمعركته الاخيرة في الحصول علي موقع نائب رئيس الجمهورية الذي ذهب الي غازي الياور الملتزم من قبل التحالف الكردي والائتلاف الشيعي، ويقال ان اغلب من احتضنهم ودفع بهم الي الواجهة، غادروه وبدأوا اتصالات ووساطات مع قيادات حزبية اخري للتعاون معهم والانضمام الي احزابهم، ولم يبق معه من قيادات حزبه (تجمع الديمقراطيين) وعددهم تسعة اعضاء غير ثلاثة هم: سعد عبد الرزاق وميسون الدملوجي وكيلة وزارة الثقافة التي بات وجودها في الوزارة مشكوكاً فيه في المرحلة المقبلة، بعد ان توعد باقصائها عن موقعها، المرشح الجديد لتولي الوزارة في حكومة ابراهيم الجعفري وهو من كوادر المجلس الاعلي الشيعي الذي نسب اليه بانه لن يتسلم الوزارة ما دامت (السنية المصلاوية السافرة الوجه والرأس) فيها، اما الثالث الذي بقي الي جوار الباجه جي لحد الآن، فهو شقيق ميسون الدكتور المهندس عمر الفاروق وزير الاسكان في حكومة علاوي المستقيلة، وهو لا حظ له في التشكيلة الحكومية الجديدة، ليس لانه من مناصري الباجه جي فحسب، بل لان اسمه يستفز جماعة الائتلاف الشيعي الذي سيهيمن علي الحكومة الانتقالية.
ذكر ان حزب الباجه جي قد شكل في لندن في نهاية آذار (مارس) 2003 والحرب الامريكية علي العراق في اشدها، وقد نصح في حينه ارجاء اعلان حزبه الي موعد مناسب بعد انتهاء الحرب، ولكنه لم يستجب للنصيحة ومضي في طريقه وسط تأييد من بعض الشيوعيين السابقين وعلي رأسهم مهدي الحافظ وزير التخطيط الحالي، وآخرون ممن يطلق عليهم بـ (المتأمركين) وهم مجموهة يقيم ويعمل افرادها في امريكا يقودهم فيصل الاستربادي نائب مندوب العراق لدي الامم المتحدة.
ورغم ان الباجه جي الذي عاد الي بغداد في آيار (مايو) 2003 وهو مصمم علي تفعيل حزبه وتوسيع انشطته في الاوساط اللبرالية والديمقراطية كما كان يخطط، الا انه فوجيء بان العراقيين ممن اعمارهم بين الثلاثين والخمسين وهم القوة المحركة في المجتمع لا يعرفونه واكتشف ايضاً ان لا وسط ليبرالياً وديمقراطياً يوجد في العراق، فسعي الي استعادة علاقاته القديمة بالشخصيات والقوي القومية، امثال اللواء ناجي طالب رئيس الوزراء الاسبق، وصبحي عبدالحميد وزير الخارجية الاسبق والمهندس اديب الجادر وزير الصناعة الاسبق، في مسعي لمساعدته في شق طريقه السياسي من جديد، ومعاونته علي منافسة قادة الاحزاب الآخرين، ولكنه ارتكب في هذه الفترة اخطاء سياسية قاتلة، ابرزها تأييده المطلق للاحتلال وانخراطه في الهيئات التي شكلها ومنها مجلس الحكم الانتقالي (الملغي) وتعاونه مع الحاكم الامريكي السابق بول بريمر، وهو ما تسبب في نفور القوي القومية التي كان يعول علي مساندتها له، ورغم انه حاول تبرير مواقفه وفق ما يسميه بـ (الامر الواقع) الا ان الذرائع التي قدمها لم تكن مقنعة.
اما الخطأ الثاني الذي اقترفه الباجه جي وهو في بدايات وجوده في بغداد، قبوله بصيغة المحاصصة العرقية والطائفية والفئوية، التي فرضتها قوات الاحتلال ووافق علي تهميش السنة العرب المحسوب عليهم اصلاً، عندما خصصت لهم خمس مقاعد في عضوية مجلس الحكم الانتقالي السابق، احتل هو مقعداً منها وتوزعت الاربعة علي اشخاص مغمورين يفتقرون الي الحضور الشعبي والتاريخ السياسي، امثال غازي الياور المهندس الذي حصل علي الجنسية السعودية، وعاش فيها منذ اواخر السبعينات، وسمير شاكر رجل الاعمال والتجارة الذي غادر العراق منذ الستينات، ونصير الجادرجي الشيوعي السابق والمعتزل سياسياً منذ عام 1963 ومحسن عبدالحميد الاستاذ الجامعي في بغداد الذي لم يكن يعرف له نشاط سياسي منذ ثلاثين عاماً، اضافة الي كونه من اصول كردية.
ويحمل رموز وقيادات السنة العرب في العراق الباجه جي مسؤولية الاجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد مناطقهم ومحافظاتهم واضطهاد الملايين من ابنائها، لسكوته وعدم احتجاجه علي الهجمات الامريكية التي شنت علي ديالي والرمادي وسامراء والموصل وتكريت وكركوك والفلوجة، والاخيرة دمرت تماماً وقتل الالاف من اهلها وشرد اكثر من 300 الف من سكانها ما يزالون يعيشون في مخيمات وملاجئ بائسة ويمنعون من العودة الي مدينتهم.
وقد رد السنة العرب علي مواقف الباجه جي الباهتة، بمقاطعة الانتخابات الاخيرة ورفضهم التصويت علي قائمته الانتخابية، التي هزمت ولم تحصل علي مقعد واحد، وفسرت الاوساط السياسية والحزبية العراقية خسارة الباجه جي في الانتخابات بأنها جاءت اشبه بعقوبة انزلها به السنة العرب وتذكيره بانه لا يمثلهم.
واستناداً الي الاحصائيات التي اعلنتها مفوضية الانتخابات شبه الرسمية، بان نسبة المقاطعين للانتخابات بلغت 42 بالمئة من المؤهلين للتصويت وعددهم يفوق ستة ملايين عراقي اغلبيتهم الساحقة من السنة العرب، وكان بمقدور هذا العدد لو شارك في الانتخابات ان يحصد (150-200) مقعد نيابي من اصل 275 مقعداً، خاصة وان نتائج الانتخابات الاخيرة اظهرت ان قائمة الائتلاف الشيعي حصلت علي (140) مقعداً من تصويت اربعة ملايين نسمة، وحصلت القائمة الكردية علي 75 مقعداً من تصويت مليوني كردي.
ويقال بهذا الصدد ان الباجه جي اتصل بشيوخ قبائل ووجهاء وشخصيات سنية عربية في محافظات الموصل والانبار وديالي وصلاح الدين وكركوك والبصرة اضافة الي العاصمة بغداد واحيائها الكرخ والاعظمية وسلمان باك وابو غريب والراشدية والاقضية التابعة لها، كالمحمودية واليوسفية واللطيفية، قبل الانتخابات وحثهم علي المشاركة فيها وكان جوابهم انهم يستطيعون انجاحه وقائمته المؤلفة من (70) مرشحاً بالكامل، وبسهولة تامة، ولكنهم يرفضون المساهمة في هذه الانتخابات ادراكاً منهم ان مشاركتهم ستضفي عليها شرعية وطنية.
ومما فاقم في عزلة الباجه جي وخسارته في الانتخابات ان اداءه سواء في مجلس الحكم الانتقالي ومن بعده الجمعية الوطنية المعينة، لم يكن موفقاً وخضع لابتزاز مكشوف من قادة الاحزاب الشيعية والكردية، كان ابرز مظاهره انه اعتذر عن تسلم منصب رئيس الجمهورية المؤقت، وكان المرشح الاوفر حظاً له، في نهاية حزيران (يونيو) الماضي، لضعفه وانقياده لمناورات برايمر، ورضوخه لضغوط قادة التنظيمات والجماعات الشيعية والكردية من زملائه في المجلس الانتقالي، رغم انه يعرف جيداً انهم لا يملكون حق الاعتراض علي اختياره.
ويشعر انصار الباجه جي بالحسرة علي تلك الفرصة التي راحت ولن تعود، ويقولون انه لو قبل بالرئاسة في حينه، لحدثت تطورات سياسية ايجابية كثيرة تصب في صالحه وتخدم اهدافه.
ويبدو ان الباجه جي بعد ان خاض تجارب قاسية خلال العامين المنصرمين وتعرض الي مؤامرات ومناورات من الاحزاب والاطراف الشيعية والكردية التي عملت علي اقصائه منذ البداية عن العملية السياسية لاعتبارات كثيرة منها انه مسنود من دول عربية كالامارات تحديداً، ومقبول من بعض المراكز والمؤسسات الامريكية وخاصة وزارة الخارجية، وصل الي قناعة بان لا مكان له في المرحلة المقبلة التي يقودها خصومه في الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي، فعاد ادراجه الي مربض فرسه في ابو ظبي، بعد ان (خسر المشيتين) كما يقول المثل الشعبي العراقي، فهو لم يحظ بدعم اصدقائه الامريكيين، ولم يلق تأييداً من جمهوره السني كما يفترض، وكانت النتيجة ان حاله صارت مثل حال تلك المرأة التي ارادات ان تجمع بين زوجها وعشيقها في آن واحد، وفشلت كما هو متوقع، وتندر الناس عليها بعبارة صارت شائعة تقول: (لا حظت بجوزها ولا خذت سيد علي.
*القدس العربي
اذا كان اياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة (المستقيلة) ينتظر ان ينهي خلفه ابراهيم الجعفري اجراءات تشكيل حكومته الانتقالية، ليتحرر من التزاماته الوظيفية ويعود الي قاعدته السابقة في عمان للاقامة فيها، فان زميله في مجلس الحكم الانتقالي السابق عدنان الباجه جي الذي لم يعد لديه شيء يدعوه للبقاء في بغداد، بعد هزيمته في انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، وفشله في تسلم منصب نائب رئيس الجمهورية الثاني، قد حزم حقائبه واغلق مكاتب حزبه (تجمع الديمقراطيين المستقلين) وعددها 14 مكتبا في العاصمة بغداد وبعض المحافظات، واوقف اصدار صحيفته (النهضة) وعاد الي مقر اقامته الدائم في ابو ظبي، لالتقاط انفاسه بعد عامين امضاهما في مشاغل ومشاكل سياسية، دون ان يحرز نجاحا يذكر، او يحقق شيئا من آماله العريضة التي كان يتطلع اليها بلهفة في احدي الرئاسات الثلاث (الجمهورية او الحكومة او البرلمان) كما كان يتمني، ليختتم بواحدة منها حياته، كما اعلن ذلك بنفسه في لقاء تلفزيوني بث في الصيف الماضي.
ورغم ان احد مساعديه، وهو سعد عبد الرزاق اعترف بان الباجه جي واجه ازمات سياسية ومالية وصعوبات افرزتها الاشهر الستة الماضية، وخاصة مرحلة التحضير للانتخابات الاخيرة والمشاركة فيها ومن ثم المداولات حول توزيع المناصب السيادية، واضطر الي مغادرة بغداد الي الامارات للراحة والاجتماع مع اسرته المقيمة هناك، الا ان المعلومات التي يتم تناقلها في الاوساط الحزبية والسياسية في العاصمة العراقية تؤكد بان وزير الخارجية الاسبق وعضو مجلس الحكم الانتقالي السابق، قرر الابتعاد نهائيا عن العمل السياسي الذي اتعبه كثيرا وهو الذي تجاوز الثمانين من عمره، والاستقرار في ابو ظبي، لتبديد حالة الاحباط التي يعيش تحت وطأتها، واستعادة لياقته الصحية التي تأثرت كثيرا منذ منتصف العام الماضي والي فترة وجيزة.
ومع ان معاونه عبد الرزاق ينفي ان يكون الباجه جي قد غادر بغداد نهائيا، مؤكدا انه سيعود اليها نهاية الشهر المقبل لمعاودة اتصالاته مع ما اسماها بالقوي الديمقراطية وايجاد كتلة سياسية تشارك في صياغة الدستور الدائم وتستعد لخوض انتخابات اواخر العام المقبل، غير ان الاجراءات التي اتخذها قبل رحيله عن العاصمة العراقية وبخاصة اقفال مكاتب حزبه وغلق صحيفته وتفرق محازبيه وانصاره، تؤكد ان الرجل سئم العمل السياسي واصيب بخيبة امل من الامريكان الذين تخلوا عنه، والعراقيين وخصوصا السنة العرب الذين تخلوا عنه وقاطعوا الانتخابات الاخيرة التي اشترك فيها بقائمة ضمت 70 مرشحا لم يفز منه احد.
ويقول اصدقاء واقارب للباجه جي في بغداد، انه استاء كثيرا من تصرفات عدد من مساعديه في التجمع السياسي الذي يرأسه وخصوصا اولئك الذين رشحهم لتولي مناصب وزارية ودبلوماسية وحكومية، بحيث ان اغلبهم قطع صلاته به فور تسلمه الوظيفة والمنصب، اضافة الي انصرافهم وانشغالهم في ترتيب اوضاعهم بعد ان ادركوا ان رئيسهم بات خارج (الملعب) السياسي ولم يعد لاعبا فيه عقب خسارته لمعركته الاخيرة في الحصول علي موقع نائب رئيس الجمهورية الذي ذهب الي غازي الياور الملتزم من قبل التحالف الكردي والائتلاف الشيعي، ويقال ان اغلب من احتضنهم ودفع بهم الي الواجهة، غادروه وبدأوا اتصالات ووساطات مع قيادات حزبية اخري للتعاون معهم والانضمام الي احزابهم، ولم يبق معه من قيادات حزبه (تجمع الديمقراطيين) وعددهم تسعة اعضاء غير ثلاثة هم: سعد عبد الرزاق وميسون الدملوجي وكيلة وزارة الثقافة التي بات وجودها في الوزارة مشكوكاً فيه في المرحلة المقبلة، بعد ان توعد باقصائها عن موقعها، المرشح الجديد لتولي الوزارة في حكومة ابراهيم الجعفري وهو من كوادر المجلس الاعلي الشيعي الذي نسب اليه بانه لن يتسلم الوزارة ما دامت (السنية المصلاوية السافرة الوجه والرأس) فيها، اما الثالث الذي بقي الي جوار الباجه جي لحد الآن، فهو شقيق ميسون الدكتور المهندس عمر الفاروق وزير الاسكان في حكومة علاوي المستقيلة، وهو لا حظ له في التشكيلة الحكومية الجديدة، ليس لانه من مناصري الباجه جي فحسب، بل لان اسمه يستفز جماعة الائتلاف الشيعي الذي سيهيمن علي الحكومة الانتقالية.
ذكر ان حزب الباجه جي قد شكل في لندن في نهاية آذار (مارس) 2003 والحرب الامريكية علي العراق في اشدها، وقد نصح في حينه ارجاء اعلان حزبه الي موعد مناسب بعد انتهاء الحرب، ولكنه لم يستجب للنصيحة ومضي في طريقه وسط تأييد من بعض الشيوعيين السابقين وعلي رأسهم مهدي الحافظ وزير التخطيط الحالي، وآخرون ممن يطلق عليهم بـ (المتأمركين) وهم مجموهة يقيم ويعمل افرادها في امريكا يقودهم فيصل الاستربادي نائب مندوب العراق لدي الامم المتحدة.
ورغم ان الباجه جي الذي عاد الي بغداد في آيار (مايو) 2003 وهو مصمم علي تفعيل حزبه وتوسيع انشطته في الاوساط اللبرالية والديمقراطية كما كان يخطط، الا انه فوجيء بان العراقيين ممن اعمارهم بين الثلاثين والخمسين وهم القوة المحركة في المجتمع لا يعرفونه واكتشف ايضاً ان لا وسط ليبرالياً وديمقراطياً يوجد في العراق، فسعي الي استعادة علاقاته القديمة بالشخصيات والقوي القومية، امثال اللواء ناجي طالب رئيس الوزراء الاسبق، وصبحي عبدالحميد وزير الخارجية الاسبق والمهندس اديب الجادر وزير الصناعة الاسبق، في مسعي لمساعدته في شق طريقه السياسي من جديد، ومعاونته علي منافسة قادة الاحزاب الآخرين، ولكنه ارتكب في هذه الفترة اخطاء سياسية قاتلة، ابرزها تأييده المطلق للاحتلال وانخراطه في الهيئات التي شكلها ومنها مجلس الحكم الانتقالي (الملغي) وتعاونه مع الحاكم الامريكي السابق بول بريمر، وهو ما تسبب في نفور القوي القومية التي كان يعول علي مساندتها له، ورغم انه حاول تبرير مواقفه وفق ما يسميه بـ (الامر الواقع) الا ان الذرائع التي قدمها لم تكن مقنعة.
اما الخطأ الثاني الذي اقترفه الباجه جي وهو في بدايات وجوده في بغداد، قبوله بصيغة المحاصصة العرقية والطائفية والفئوية، التي فرضتها قوات الاحتلال ووافق علي تهميش السنة العرب المحسوب عليهم اصلاً، عندما خصصت لهم خمس مقاعد في عضوية مجلس الحكم الانتقالي السابق، احتل هو مقعداً منها وتوزعت الاربعة علي اشخاص مغمورين يفتقرون الي الحضور الشعبي والتاريخ السياسي، امثال غازي الياور المهندس الذي حصل علي الجنسية السعودية، وعاش فيها منذ اواخر السبعينات، وسمير شاكر رجل الاعمال والتجارة الذي غادر العراق منذ الستينات، ونصير الجادرجي الشيوعي السابق والمعتزل سياسياً منذ عام 1963 ومحسن عبدالحميد الاستاذ الجامعي في بغداد الذي لم يكن يعرف له نشاط سياسي منذ ثلاثين عاماً، اضافة الي كونه من اصول كردية.
ويحمل رموز وقيادات السنة العرب في العراق الباجه جي مسؤولية الاجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد مناطقهم ومحافظاتهم واضطهاد الملايين من ابنائها، لسكوته وعدم احتجاجه علي الهجمات الامريكية التي شنت علي ديالي والرمادي وسامراء والموصل وتكريت وكركوك والفلوجة، والاخيرة دمرت تماماً وقتل الالاف من اهلها وشرد اكثر من 300 الف من سكانها ما يزالون يعيشون في مخيمات وملاجئ بائسة ويمنعون من العودة الي مدينتهم.
وقد رد السنة العرب علي مواقف الباجه جي الباهتة، بمقاطعة الانتخابات الاخيرة ورفضهم التصويت علي قائمته الانتخابية، التي هزمت ولم تحصل علي مقعد واحد، وفسرت الاوساط السياسية والحزبية العراقية خسارة الباجه جي في الانتخابات بأنها جاءت اشبه بعقوبة انزلها به السنة العرب وتذكيره بانه لا يمثلهم.
واستناداً الي الاحصائيات التي اعلنتها مفوضية الانتخابات شبه الرسمية، بان نسبة المقاطعين للانتخابات بلغت 42 بالمئة من المؤهلين للتصويت وعددهم يفوق ستة ملايين عراقي اغلبيتهم الساحقة من السنة العرب، وكان بمقدور هذا العدد لو شارك في الانتخابات ان يحصد (150-200) مقعد نيابي من اصل 275 مقعداً، خاصة وان نتائج الانتخابات الاخيرة اظهرت ان قائمة الائتلاف الشيعي حصلت علي (140) مقعداً من تصويت اربعة ملايين نسمة، وحصلت القائمة الكردية علي 75 مقعداً من تصويت مليوني كردي.
ويقال بهذا الصدد ان الباجه جي اتصل بشيوخ قبائل ووجهاء وشخصيات سنية عربية في محافظات الموصل والانبار وديالي وصلاح الدين وكركوك والبصرة اضافة الي العاصمة بغداد واحيائها الكرخ والاعظمية وسلمان باك وابو غريب والراشدية والاقضية التابعة لها، كالمحمودية واليوسفية واللطيفية، قبل الانتخابات وحثهم علي المشاركة فيها وكان جوابهم انهم يستطيعون انجاحه وقائمته المؤلفة من (70) مرشحاً بالكامل، وبسهولة تامة، ولكنهم يرفضون المساهمة في هذه الانتخابات ادراكاً منهم ان مشاركتهم ستضفي عليها شرعية وطنية.
ومما فاقم في عزلة الباجه جي وخسارته في الانتخابات ان اداءه سواء في مجلس الحكم الانتقالي ومن بعده الجمعية الوطنية المعينة، لم يكن موفقاً وخضع لابتزاز مكشوف من قادة الاحزاب الشيعية والكردية، كان ابرز مظاهره انه اعتذر عن تسلم منصب رئيس الجمهورية المؤقت، وكان المرشح الاوفر حظاً له، في نهاية حزيران (يونيو) الماضي، لضعفه وانقياده لمناورات برايمر، ورضوخه لضغوط قادة التنظيمات والجماعات الشيعية والكردية من زملائه في المجلس الانتقالي، رغم انه يعرف جيداً انهم لا يملكون حق الاعتراض علي اختياره.
ويشعر انصار الباجه جي بالحسرة علي تلك الفرصة التي راحت ولن تعود، ويقولون انه لو قبل بالرئاسة في حينه، لحدثت تطورات سياسية ايجابية كثيرة تصب في صالحه وتخدم اهدافه.
ويبدو ان الباجه جي بعد ان خاض تجارب قاسية خلال العامين المنصرمين وتعرض الي مؤامرات ومناورات من الاحزاب والاطراف الشيعية والكردية التي عملت علي اقصائه منذ البداية عن العملية السياسية لاعتبارات كثيرة منها انه مسنود من دول عربية كالامارات تحديداً، ومقبول من بعض المراكز والمؤسسات الامريكية وخاصة وزارة الخارجية، وصل الي قناعة بان لا مكان له في المرحلة المقبلة التي يقودها خصومه في الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي، فعاد ادراجه الي مربض فرسه في ابو ظبي، بعد ان (خسر المشيتين) كما يقول المثل الشعبي العراقي، فهو لم يحظ بدعم اصدقائه الامريكيين، ولم يلق تأييداً من جمهوره السني كما يفترض، وكانت النتيجة ان حاله صارت مثل حال تلك المرأة التي ارادات ان تجمع بين زوجها وعشيقها في آن واحد، وفشلت كما هو متوقع، وتندر الناس عليها بعبارة صارت شائعة تقول: (لا حظت بجوزها ولا خذت سيد علي.
*القدس العربي

التعليقات