الانتفاضة الفلسطينية ستتجدد في الخريف القادم

يديعوت احرونوت

مقالات:

الانتفاضة الفلسطينية ستتجدد في الخريف القادم

بقلم: اليكس فيشمان

تقديرات الجيش تفيد بأن فترة الهدوء الحالية ستنتهي في شهر أيلول القادم. قيادة المنطقة الوسطى بدأت استعداداتها لجولة اخرى من الصدامات المسلحة بين الجانبين. هذا لن يكون مشابها للانتفاضة الاولى، ولا للثانية ايضا. هذه المجابهة العسكرية ستكون قتالا مغايرا مع مميزات خاصة به.

تقييم الوضع في هيئة الاركان العامة يشير الى ان الفلسطينيين سيحاولون الحفاظ على الهدوء في فترة فك الارتباط عن غزة حفاظا على مصالحهم، وعليه، فان أقصى الجهود القتالية الفلسطينية ستتكرس في الضفة. قيادة المنطقة الوسطى تلاحظ منذ اليوم التغيرات التي تمر بها بعض البنى التحتية الارهابية في الضفة: الانتقال من العمليات التخريبية المعادية الى حرب العصابات المتتالية.

السيناريوهات تتحدث عن خلايا تقوم بتنفيذ عمليات عصابات على طراز حزب الله في جنوب لبنان أو على شاكلة العمليات في قطاع غزة في السنة الأخيرة: عمليات ممركزة ضد الجنود والمستوطنين ومهاجمة المحاور والمعسكرات والمستوطنات بحيث تجري عملية استخدام مكثفة للاسلحة القاذفة من صواريخ وراجمات ضد الأهداف الاسرائيلية في الضفة وفي داخل الخط الاخضر.

قبل اسبوعين تمت في منطقة نابلس تجربة لمثل هذه الأدوات. التجربة فشلت. الصاروخ المشابه للقسام انفجر قبل انطلاقه. هذه كانت التجربة الثالثة التي تتم في السامرة في الآونة الأخيرة. ليست هناك مشكلة في المعلومات وانما هم يواجهون نقصا في العناصر الضرورية لانتاج صاروخ فعّال، وعلى وجه الخصوص تحديدا تلك المواد الناسفة التقنية التي حولت الصاروخ في غزة الى قذيفة أكثر دقة وأطول مدى وأكثر تدميرا.

في قسم الاستخبارات بدأت كل الأضواء تشتعل. المعلومات تتراكم لدى وحدات التقاط المعلومات الاستخبارية حول المساعي الحثيثة لدى الفلسطينيين للحصول على العتاد والمواد المطلوبة. قبل "السور الواقي" ايضا في عام 2002 جرت محاولة لانتاج صواريخ في الضفة. هذا النشاط المحموم اليوم يعتبر دليلا واضحا على استعداد الطرف الآخر للجولة القادمة. الى جانب ذلك هو مؤشر ايضا لملامح الجولة القادمة.

الطريق المغلق الى المهندس:

تهريب الوسائل القتالية من مصر والاردن هو في العادة يتم وفقا لطلب التنظيمات الارهابية المختلفة أو بواسطة اجهزة الأمن التابعة للسلطة. كمية الطلبات في الآونة الأخيرة تشير الى ان الجانبين يستعدان للجولة المسلحة القادمة. الطلبات تتم بواسطة تُجار السلاح الذين توجد لهم اتصالات مع تُجار في مصر. السلاح يأتي من السودان وليبيا واليمن نحو سيناء. التهريب يتم ايضا من جهة الاردن نحو البحر الميت والعربة. أريحا مثل جنوب جبل الخليل تشكل "محطة توزيع" للسلاح المطلوب حيث يُوزع في أرجاء الضفة. هناك مؤشرات ايضا لتهريبات يقوم بها حزب الله عبر الحدود الاردنية. أحد المسارات المثيرة لحركة السلاح المهرب من النقب هو الطريق السريع رقم (6) الذي يوصل من يقوم بالتهريب بسرعة ونجاعة من الجنوب الى شمالي السامرة.

فترة الهدوء الحالية في المجابهة مع الفلسطينيين أدت الى انخفاض جوهري في كمية الإنذارات الواردة حول نوايا تنفيذ عمليات. هناك تعليمات واضحة للقواعد الفلسطينية بعدم التحرك في المرحلة الحالية. مع ذلك، لم تنخفض كمية الاستعدادات المسلحة. العمليات المسلحة التي تجري على الارض، رغم ذلك، تتم بالأساس على يدي خلايا تنشط من داخل المناطق القروية في الضفة. هذه الخلايا غير كثيرة العدد إلا انها تقوم بعمليات "مهنية" على المحاور بكمية أكبر مما كان في الجولة الأخيرة. اعدادهم للكمائن أصبح أفضل من السابق، وكذلك الحال بالنسبة لاختيار اماكن الاختفاء وتوقيت الهجوم. وهناك بُعد آخر مميز جدا لحرب العصابات وهو جمع المعلومات الاستخبارية حول الأهداف قبل التنفيذ. أما في المدن، فينتظرون انسحاب الجيش الاسرائيلي، ولذلك تم تجميد العمليات. التعليمات الواردة من سوريا تتحدث عن تجهيز عمليات واختيار أهداف وإبقائها الى "ساعة الاختبار" - الحرب على الضفة. هذه الحرب في غزة قد انتهت.

الدرس العسكري المركزي الذي استفاده الجيش الاسرائيلي من الجولة الثانية من المجابهة مع الفلسطينيين هو فشله في ايقاف سيل التهريب للاسلحة الى غزة. رغم الانجازات في كشف الأنفاق، إلا ان المهربين هم الذين انتصروا. حسب تقدير قوات الأمن تم إدخال الاسلحة التالية من شهر تموز 2004 وحتى شباط 2005: أكثر من 3000 بندقية ساعر، 4000 رصاصة، 400 مسدس، 600 كغم مادة ناسفة تقنية، أكثر من 180 قاذف مضاد للدبابات، و5 صواريخ مضادة للطائرات. في عام 2004 فقط سجلت 3500 عملية دخول وخروج على امتداد الحدود المصرية. حجم الاحباط للتهريبات من كافة الأنواع - المومسات، المخدرات، والاسلحة - يصل الى 20 - 30 في المائة من الكمية التي تنجح في النفاد الى اسرائيل. الدولة الأكثر حراسة وحماية في العالم هي ايضا الدولة ذات الحدود الأكثر نفادا.

فشل جيش الدفاع في ايقاف عمليات التهريب الى قطاع غزة أوصل المجابهة في غزة الى نقطة حاسمة. ألزمت الجيش بأن يأتي ويقول للمسؤولين عنه: إما ان نحتل قطاع غزة من جديد كما حدث مع الضفة في "السور الواقي" وإما ان نقطع ارتباطنا به. المستوى السياسي قرر قطع الروابط. القرار لم ينبع من اعتبارات عسكرية بالتحديد، وانما سقط على ارض خصبة في الجيش الذي وجد نفسه في وضع "ليس من الممكن الاستمرار به على ذلك النحو".

الامر الذي حسم الكفة كان دخول السلاح خارق التوازن الذي لم يُتح للجيش الاسرائيلي مواصلة التحكم في مستوى اللهب بصورة مقبولة - أي الاسلحة القاذفة: الصواريخ والراجمات. في غزة تزدهر صناعة هذه الاسلحة بفضل فشل الجيش في ايقاف تهريب المواد الناسفة التقنية والراجمات للقطاع.

اسرائيل أصرت على عدم اعتبار حدودها المخترقة مع مصر كمشكلة قومية طوال السنوات. عندما تسلل الى البلاد عبر السنين آلاف المتسللين والأطنان من المخدرات لم يؤثر ذلك في أي أحد. وأيضا عندما بدأت تتدفق الوسائل القتالية الى القطاع عبر العالم السفلي من خلال الأنفاق استغرقنا ذلك مدة من الوقت الى ان استيقظنا من غفوتنا.

اليقظة الحقيقية حدثت في السنة الأخيرة عندما تبين للجيش انه لا يملك جوابا حقيقيا وجيدا بصورة كافية للاسلحة القاذفة الصاروخية. واذا قاموا في غزة باطلاق الراجمات وصواريخ القسام على سدروت وكيبوتس نير - عام وغوش قطيف، فان السيناريو المفزع الذي تتوقعه قيادة المنطقة الوسطى لاحقا، هو اطلاق الراجمات على الشارع رقم (6) وصواريخ القسام على العفولة ومدن الساحل.

وهكذا، فجأة، وكعبرة مستفادة من غزة، تحولت عمليات التهريب الى احدى المسائل المركزية من حيث الأهمية في نظر جهاز الدفاع. قضية التهريبات الى المناطق كانت أقل إزعاجا للجيش حتى الآونة الأخيرة. السيطرة على المدن وحريته في التحرك داخلها أتاحت له الوصول الى المصانع ومخازن السلاح والمهندسين المخططين والمنفذين ايضا. ولكن، في مرحلة ما بعد فك الارتباط، ستكون المدن الكبيرة في أيدي الفلسطينيين. اسرائيل التزمت بحرية الحركة وإزالة الحواجز عن المحاور. لن يكون من الممكن بعد ذلك الدخول الى المصانع بصورة حُرة. سيكون من المفروض في تلك الحالة ضبط المواد الناسفة التقنية وهي في طريقها نحو المصنع عبر طرق التهريب.

في مفترق شوكيت، بجانب بئر السبع، ضُبطت في الآونة الأخيرة شحنة من القاذفات المضادة للدبابات من طراز آر.بي.جي كانت في طريقها نحو جبل الخليل. في نهاية المطاف تم ضبط 20 قاذف صاروخي في السنة الماضية كانت في طريقها الى الضفة. لا يملك أحد تصورا حول كمية المواد القتالية التي تم تهريبها الى الضفة. الافتراض الأساسي هو انه لا يوجد فائض من الاسلحة المضادة للدبابات في الوقت الحالي. ولكن منذ اللحظة التي ستتحول فيها قاذفات الـ آر.بي.جي الى وسيلة قتالية منتشرة في الضفة لن يكون بامكان الجيش الاسرائيلي حينئذ ان يتحرك على المحاور بسياراته، أو الدخول لتنفيذ عمليات اعتقال ومطاردات مع سيارات الجيب داخل المدن.

سيارات الجيب حتى المدرعة منها، قابلة للاختراق بسلاح الـ آر.بي.جي. وهكذا، سيضطرون حينئذ لتنفيذ كل عمليات الملاحقة من خلال الوسائل القتالية المدرعة من مؤللات ثقيلة ودبابات. فهل يتصور أحد ان تكون الحركة على آلاف الكيلومترات من المحاور في الضفة فقط بواسطة الدبابات؟ وماذا بالنسبة لكل السيارات المدنية التي تتحرك على تلك المحاور؟.

المغزى العسكري والسياسي لقذائف الـ آر.بي.جي التي سيتم تهريبها الى الضفة أكبر بكثير من وجود هذه الصواريخ في غزة، ذلك لان كمية محاور الحركة محدودة ومناطق الاحتكاك محددة ومحصورة. أما في الضفة فالمساحة تزيد بـ 28 ضعفا. في غزة يمكن بناء قواعد حماية على كل مائة متر من الطرق، أما في الضفة فان بناء مثل هذه القواعد على المحاور يعني الإفلاس من الناحية الاقتصادية.

ايقاف عمليات التهريب تتحول في الواقع الى مسألة قومية وجودية. وهو الذي قد يصنع الفرق بين التسوية السياسية وبين الحرب الشاملة في مواجهة الفلسطينيين. بهذه الطريقة ينظرون اليوم الى قضية التهريبات في هيئة الاركان العامة. رئيس هيئة الاركان ورئيس "أمان" يتلقيان فجأة على طاولاتهما تقارير إنذارية يومية ليس فقط من العمليات وخطوات الاستعداد لتنفيذها، وانما ايضا مواد استخبارية حول المهربين ونوايا التخريب. الأسماء التي تظهر هناك هي في أغلب الاحوال ليست أسماء مطلوبين وانما أسماء جهات إجرامية.

المعلومات حول التهريبات كانت محصورة حتى عدة اشهر بيد الشرطة. أما الجيش فلم يكن يهتم بها. فجأة تحولت أطراف جنائية من البدو في النقب الى هدف يهتم به الجيش ويجمع المعلومات حوله. هيئة الاركان العامة بدأت في الاشهر الأخيرة بعقد لقاءات دورية مع "الشباك" والشرطة وقادة المناطق حول عمليات التهريب التي تحولت الى مشروع قومي.

الحرب في لبنان ابتدعت وحدة "ايغوز" الخاصة. طريقة القتال هناك استوجبت تشكيل وحدة خاصة تقاتل في مواجهة عصابات حزب الله. الانتفاضة الاولى، وأكثر منها الثانية، حولت وحدات المستعربين الى أطر ممأسسة اختصاصية والى رأس حربة تمت ملاءمته بصورة خاصة لمواجهة الارهاب الفلسطيني. الحرب الجديدة ضد التهريبات ايضا تسببت في ابتداع وحدة متخصصة في الجيش ملائمة لنوعية المجابهة الحالية.

في الوقت الحالي ما زالت هذه مجموعة صغيرة من المقاتلين من الوحدات الخاصة ونواة صغيرة تتشكل من المقاتلين الذين تخصصوا في المراقبة طويلة المدى في عمق العدو مع القدرة على المكوث الطويل في المنطقة. اغلبيتهم تمر في الجولة الاولى من خدمتها النظامية، هم يرتدون الملابس المدنية ولديهم سيارات خاصة قادرة على التحرك بسرية في المناطق التي يصعب التحرك فيها. وحدة من ثعالب الصحراء. الاسم المؤقت الذي أُعطي لهم هو وحدة "كتاب الصحراء".

إلا ان الامر لا يقتصر عليهم وحدهم، ففي الشهر الماضي حرك الجيش وحدة "ايغوز" في عدة عمليات لاحباط التهريبات. كما ان كتيبة تعزيز تابعة لهيئة الاركان تحركت في المنطقة ووضعت عدة حواجز في النقب ونفذت عمليات ملاحقة، إلا انها لم تضبط المهربين. هذه الأنشطة والتحركات تشير الى جهود الجيش الممركزة والكبيرة ضد عمليات التهريب.

الجيش يجد نفسه تلميذا في مجال جديد عليه تماما. قيادة المنطقة الوسطى أعدت ملفا، وهو في الواقع كتابا سميكا يفصل، وربما للمرة الاولى، نوعية الاشخاص الذين يقطنون صحراء يهودا. هذا الكتاب يُذكر جدا بكتاب الأهداف القروية والمدن في الضفة. إلا ان المسألة تتعلق بهذه المرة بالبدو: من يأتي، ومن يذهب، ومن ينضم، عدد الموجودين هناك ومن أية عشائر، عدد العائلات. فجأة أصبحت لديهم أسماء.

المهرب تحول الى عدو. القسم الأعظم من المهربين هم من البدو الذين كانوا حتى قبل عام يعيشون فقط من التهريبات الجنائية. تهريب الوسائل القتالية الى الضفة كان بالنسبة لهم تجارة ثانوية. منذ عام 2004 بدأت الوسائل القتالية تصبح صرعة رائجة ومُدرة للأرباح. البندقية التي تخرج من مصر وتجتاز سيناء نحو النقب لتصل الى الضفة تصبح ذات سعر يفوق بثلاثة أضعاف الثمن المطلوب في مصر.

غزة تفقد مركزيتها من ناحية المهربين، سواء بسبب وجود طلبيات على الاسلحة من الضفة التي تستعد للمجابهة أو بسبب الشعور بأن اسرائيل ستغادر محور فيلادلفيا، ولذلك فان الأنفاق ستفقد أهميتها. البضاعة ستمر حينئذ بحرية ولن تكون هناك حاجة للتهريب.

"الشباك" ايضا لم يركز جهوده على عمليات التهريب التي يقوم بها البدو خلال كل السنين. "الشباك" لا يتابع عمليات التهريب الجنائية، إلا ان التطورات في السنة الأخيرة أدخلته الى الصورة. والآن أصبحت كل الأطراف الاستخبارية توحد جهودها بصورة مكثفة لجمع المعلومات حول المهربين عبر الخليل وأريحا والبدو في النقب، وانتهاء بالقرى الاسرائيلية في المثلث. براعم هذا التعاون تتمخض عن ظاهرة كانت شبه خيالية تقريبا حتى الآونة الأخيرة: سلاح الجو وضع رهن استخدام وحدة الشرطة اللوائية في اسرائيل في النقب مروحيتي ساعر لتنفيذ عمليات الملاحقة للمهربين. السبب من وراء ذلك هو: ان المهربين هم من البدو من مواطني اسرائيل الذين لا يوجد للجيش صلاحية في اعتقالهم. وحدات الشرطة الجاهزة تتواجد في قواعد سلاح الجو حيث يتم ارسالها بسرعة لتنفيذ عمليات الملاحقة عند الحاجة.

من المحتمل ان تتغير الصورة السابقة التي تم التعامل بها مع عمليات التهريب بصورة تهميشية، ذلك لانه اذا لم يكن هناك تعاون بين كافة الأطراف وكافة الاجهزة بما فيها الجهاز القضائي، فاننا سندفع ثمنا دمويا باهظا لقاء ذلك. من الممكن مثلا، إدخال كل الوسائل القتالية التي كانت تحملها السفينة "كارين اي" في حاوية كبيرة واحدة من الحاويات التي تتحرك على الطرقات. اذا تم تهريب مثل هذه الحاوية عبر أحد الموانيء ووصلت صواريخ الكاتيوشا الى الضفة فان المجابهة ستصبح مختلفة تماما.

التعليقات