حافلات المغرب: كرنفالات للموسيقي والغناء والوعظ.. وللتهريج والكوميديا أيضا

غزة-دنيا الوطن

يكتشف راكب أي حافلة في المدن المغربية الكبري، وخاصة مدينتي الرباط والدار البيضاء وهما عاصمتا المملكة سياسيا واقتصاديا، أن الحافلة قد تتحول فجأة الي مكان للعزف والغناء أو للتسول أو للأمرين معا، بل قد تتحول فجأة أيضا الي مسجد متحرك، يسمع فيه الراكب فنونا من الوعظ والارشاد والتذكير بالزهد في الدنيا والاهتمام بالآخرة ويوم المعاد.

تسير الحافلة بشكل طبيعي في الطرقات وسط الزحام، ثم تتوقف قليلا في محطة لها في الطريق، فيركب الكثير من الناس، وفجأة ينطلق صوت آلة موسيقية كانت مخبأة تحت عباءة أحدهم، ويبدأ في العزف. وتختلف الآلات الموسيقية التي يعتمدها متسولو الحافلات، فهناك الناي و الطار ، وهناك القمبري أو الربابة المغربية، وهناك الكمنجة ذات الصنع المحلي.. لكنها كلها تلتقي في أنها تطرب الركاب رغم قصر المسافة، وهي كذلك وسيلة للارتزاق، عبر نوع من التسول الراقي .

يظهر سائق الحافلة شيئا من التبرم وعدم الرضا، وقد يطالب هذا المتسول الفنان بالنزول، لكن الرجل وقد انخرط في طقوس الأداء. وبعد شيء من التوسل والرجاء، يستسلم السائق ومرافقه أو مرافقته للأمر الواقع، ويستمر صاحب التقاسيم في عزفه واثارة مشاعر الركاب بكلماته وتعابيره وتشكياته، وغالبا ما تحتوي الأغنية المؤداة نفسا دينيا صوفيا ووعظيا، مما يسهل علي صاحبها استرقاق قلوب الناس واستعطافهم ليسهل عليه بعد ذلك مد يده اليهم، فلا يردونها الا عامرة بما تيسر، قليلا أو كثيرا ، كما يقول صاحب الحرفة.

يحصل المتسول الفنان علي ما تيسر من دريهمات من جيوب المحسنين الذين يركبون الحافلة ويختمها بشكره ودعواته يلقي بها علي الجميع، من أعطاه ومن لم يعطه، ثم يشكر السائق ويجامله وينزل ليركب حافلة أخري، وهكذا.

وليس المغنون وحدهم من يتسولون في الحافلات في المغرب. فالكوميديون لهم أيضا نصيب وافر من ذلك. فقد اشتهرت سعيدة ، أو هكذا تقول عن نفسها، بهذه المهنة . وهي تتباهي أمام الناس، مدللة علي شهرتها التي تضرب الآفاق، من خلال الاستظهار باستجواب أجرته معها مجلة المجلة السعودية. تحتفظ سعيدة بهذه المجلة، تقلب صفحاتها، ثم تظهر للركاب صورتها من بين صور نساء ورجال يملؤون صفحات المجلة.

تظهر سعيدة التي تهدمت أسنانها وخطت السنون علي وجهها خطوطا مستقيمة ومتعرجة لا تخطؤها العين، براعة كبيرة في اضحاك جمهور الركاب ومشاكسته. ولها القدرة علي لفت الأنظار من خلال سرعة بديهتها وردودها الجاهزة علي ما يمكن أن يحدث حولها من معاكسة لفظية، أو مداعبة.

ويبدو أنها حازت تعاطف سواق الحافلات الذين كثيرا ما يتسامحون معها رغم أنهم قد يمنعون غيرها من امتطاء الحافلة من أجل التسول.

وفي وقت تعلن فيه الحكومة المغربية الحرب علي من أسمتهم باتباع السلفية الجهادية متهمة اياهم بالضلوع في تفجيرات الدار البيضاء يوم 16 أيار/مايو 2003 في المغرب، فكثيرا ما يصعد الحافلات صنفان من هؤلاء يعرضون بضاعتهم علي الركاب: صنف اول، وهم غالبا من الشباب الأقرب الي المراهقة، يلبسون لباسا حداثيا من سراويل الجينز والأحذية الرياضية، ويحملون معهم جهاز تسجيل وبعض أشرطة سمعية، وما أن يأخذ الواحد منهم موقعه في مقدمة الحافلة حتي يفتح ذلك الشريط وهو في الغالب أدعية تعقب صلوات التراويح في الحرمين الشريفين لأحد شيوخ القراء هناك.

ولا يكاد الشريك يمر قليلا حتي يبدأ صاحبنا في مشاركة الشيخ السديس الدعاء والابتهال بنفس الايقاع مع صوت المقرئ. وبعد وقت قليل يسكت الشريط ثم يبدأ في اقناع الركـــاب بأن الثمن قليل والأجر كثير، وأن من سيشتري منه مؤمن يقدم المساعدة وينال الأجر والثـــــواب. وقد ينجح هذا الشاب في تسويق بعـــض أشرطته وقد يفشل، لينزل في المحطة التالية ويركــــــب حافلة أخري، وهكذا يستمر المشوار حتي آخر النهار.

أما الصنف الثاني فيضم رجالا كثيفي اللحي جهوري الأصوات يلبسون لباسا سلفيا متعارفا عليه بينهم. وبعد أن يلقي الواحد منهم تحية السلام، يبدأ في القاء خطبته علي الركاب دون تحديد موضوع معين، يتحدث هنا وهناك كيفما اتفق، ثم يختم بالدعاء،وينزل من الحافلة.

والملاحظ بالنسبة لواحد من هؤلاء السلفيين، راقبه مراسل قدس برس في أكثر من مناسبة، أنه يغلظ الكلام في هجاء الحكام ويتعرض للسياسة بالنقد والتجريح رغم ضحالة مستواه العلمي، ليس فقط في العلوم الدنيوية ، بل وفي العلوم الدينية أيضا، وربما حجته في ذلك وحجة الأجهزة الأمنية التي تركت له الحبل علي الغارب ـ علي غير عادتها ـ أنه، وكما يقول عن نفسه، بوهالي (أحمق)، أو علي الأقل هو يدعــــي ذلك.

وهكذا تختلف طقوس الرحلة القصيرة في حافلة من حافلات المدن المغربية الكبري بين الوعظ والارشاد والتذكير بالآخرة، وبين الكوميديا والضحك وبين الغناء والطرب، وكل راكب وحظه.

ويكون الركاب المغاربة بذلك من أسعد ركاب الحافلات لأنهم لن يحسوا بطول المسافة التي يقطعونها، ولا بشدة الزحام داخل هذه الحافلة ولا بعمليات السرقة والنشل التي قد يتعرض لها بعض الغافلين. انها لحظات من الفرجة المجانية التي تؤنس الركاب ولو الي حين.

*قدس برس

التعليقات