المخابرات في ظل نظام عالمي جديد
المخابرات في ظل نظام عالمي جديد .
بقلم : ستانسفيلد تيرنر .
عن مجلة فورين افيرز .
مجلد 70 / عدد 4 / خريف 1991
تقديم
من الطبيعي بعد التغيرات المذهلة التي وقت في العالم والتي لم تترك مجالا الا وقلبته تقريبا ان تعيد الدول النظر في عقائدها العسكرية ومن ثم في استراتيجيتها الاستخبارية .
وعالم اليوم يشهد تغيرات تؤثر مباشرة على دور الاستخبارات كما يشهد مناقشات الا عن القليل منها حول دور الاستخبارات في المستقبل خاصة بعد توقف الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية والتي حكمت كل نشاط عسكري مباشر او غير مباشر في نصف القرن الماضي .
لقد بدأ النقاش حول مستقبل الاستخبارات قبل انتهاء الحرب الباردة وذلك عندما ادى التطور التكنولوجي الهائل الى اختراع وسائل تجسس لم تكن معروفة من قبل وتطوير الوسائل السابقة ، وبلغ الامر درجة جعلت القيادات السياسية والعسكرية تتصرف باستمرار عند وضع الخطط او التقديرات العملياتية على اساس ان الخصم يعرف ما لديها كله وانه لم تعد توجد اسرار عسكرية او حتى غير عسكرية تخفى عليه .
وتسابقت الدول المتصارعة الى تطوير شبكات الاقمار الصناعية التجسسية حتى امكن التقاط المكالمات التليفونية من على سطح الارض وتصوير الافراد وتسجيل احاديثهم وقد ادى ذلك في السنوات الماضية الى لجوء الاطراف المتصارعة الى عملية تمويه واسعة على سرعة التحريك والتحرك بحساب فترات الانذار المبكر المطلوب اي ان يتم تحريك الهدف المتعرض للخطر قبل ان يستطيع الخصم تحليل المعلومات الواردة له عنه وتوجيه ضربة استباقية له .
كانت مشكلة وقت الانذار المبكر هي الهاجس الذي يحكم القادة في جميع غرف العمليات وقد تصور البعض بعد توقف الحرب الباردة وبخاصة بعد انهيار مؤسسات الاتحاد السوفييتي ان مشكلة وقت الانذار المبكر قد انتهت او هي في طريقها الى الانتهاء بعد توقيع اتفاقيات نزع السلاح الاستراتيجي النووي وبعد تراجع خطر الضربات الصاروخية الاستباقية لمراكز الصواريخ النووية ، ولكن الكثيرين من المفكرين يسارعون الآن الى التحذير من مثل هذا التفاؤل خاصة وان دعاة تقليص الميزانيات العسكرية يبررون مطالبتهم هذه بتراجع دور القوة العسكرية في حل النزاعات الدولية .
ويقول العسكريون الذين يعارضون تخفيض الميزانيات العسكرية ان الصراعات في العالم ستظل تحتاج الى قوة عسكرية للتحكم فيها ولحلها بالردع ان لم يكن بشكل مباشر وان ثمة قوى اقليمية بازغة ستفرض على الولايات المتحدة الامريكية والغرب كله الاحتفاظ بقواها العسكرية بل وتطويرها لدرجة تنفيذ مخطط حرب النجوم لتلاشي خطر اي ضربة صاروخية مفاجئة حتى وان كانت بدائية ويذكر هؤلاء بحربي الخليج وبما حدث فيهما من قتال صاروخي هو الاول من نوعه في العالم كما يذكرون بحقيقة ان دولا اقليمية كثيرة اصبحت تملك امكانيات تقنية ومادية لصناعة الصواريخ وصناعة الرؤوس الحربية النووية والبيولوجية والكيمائية .
ويتفق هؤلاء العسكريون في ذلك مع سياسيين يرون ان تراجع صورة الصراع المسلح بين الدول لا عني تراجع الصراع بأوجهه المختلفة سواء منها العنيف او غير العنيف .
ويحذرون من انتشار بؤر التوتر في العالم : العرقية والاثنية والدينية والحضارية واحتمال تصادمها ( 923 بؤرة حسب ما جاء في بحث لتد روبرت جور منشور في مجلة ميديترينيان كوارتلي شتاء 1990 – ترجمة منشورة وعدد شؤون استراتيجية 23/1990 ) كما يحذرون من تطور اساليب الجماعات التي تستخدم العنف الصغير بحيث يمكن ان يصل عنفها الى شكل من الارهاب النووي او البيولوجي او الكيميائي .
ويحذر آخرون من الصراعات الاقتصادية التي تبرز الآن خاصة بعد ظهور عالم القطب الواحد وانتهاء الحرب الباردة الذي سيستمر لمرحلة قصيرة حيث ان قوى كاليابان وبعض دول اوروبا بل وحتى الصين ستحتل مواقعها في نادي الاقطاب وسيحتاج الامر في الصراع معها الى الاستناد الى قوة عسكرية ( بما في ذلك قوة المعلومات اي الاستخبارات ) .
ويطالب بعض الاستراتيجيين الآن باعادة تعريف الامن القومي وذلك بابراز دور القوة الاقتصادية ، ويستخلص ستانسفيلد تيرنر في بحثه الذي نقدمه في هذه النشرة ان ذلك معناه الحاجة الى مخابرات اقتصادية افضل ويقول :" ان الولايات المتحدة لا ترغب في ان تفاجأ بتطورات مثل الانطلاقات التكنولوجية والاستراتيجيات التجارية الجديدة والعجز المفاجئ في المواد الخام او الممارسات الاقتصادية الجائرة وغير القانونية التي تضر بالدولة " .
ويضيف انه بالاضافة الى التحول " نحو المخابرات الاقتصادية فان النظام العالمي الجديد يدعو الى مزيد من التأكيد على المخابرات السياسية في دول العالم الثالث ".... ويكرر ما سبق التحذير منه من ظهور صراعات كامنة قائلا " ونحن نعلم ان هناك توجهات عالمية نحو الاستقلال ونحو الديموقراطية بصفة عامة ، هذه التوجهات ستؤثر على دول مهمة مثل يوغوسلافيا ورومانيا والهند وكل الدول العربية ومعظم افريقيا " .
سيظل للاستخبارات دورها المهم وقد يتصاعد وستظل العلاقات بين اجهزة الاستخبارات قائمة على مستوياتها واشكالها كافة ، ومع ان البعض يقدر ان جانب الاحتكاك العدائي بين اجهزة الاستخبارات سيقل بسبب شيوع المعلومات والانفتاح فيها او ما يسميه البعض الآن بالجلاسنوست او الشفافية حيث تتزايد الدعوة الى الحرية والكشف عن الاسرار والتعامل في مجال المعلومات – الا ان ذلك لا يمنع ان الاطراف التي تعيش على هذا الكوكب ستظل تتصارع فيما بينها وستشكل تحالفات في مواجهة تحالفات وسيكون للاستخبارات دورها في كل ذلك .
من الذي سيقوم بعمليات المخابرات ؟ ان البعض يتصور انه مادام من الممكن للاجهزة والمخترعات الحديثة ان تحصل على كل المعلومات وما دام في امكان " اجهزة الكمبيوتر والعقول الصناعية ان تحلل هذه المعلومات وان تستنتج منها فان دور العنصر البشري سيتراجع بالضرورة ، وهناك معلومات اعلنها عالم الفيزياء ادوارد تيلر ( امريكي ) وهي انه يمكن الآن بناء نظام لشبكة الاقمار الصناعية يمكنه ان ينفذ الى اي نشاط متميز على سطح الارض ليلا نهارا حتى تحت غطاء من السحب او من الغابات بشكل متكرر يجعل الافلات امرا صعبا مما يجعل القدرة على الاستطلاع في اي مكان وفي اي وقت ذات قيمة عظيمة في العالم الجديد .
ويقدر هذا العالم الفيزيائي ان هذا النظام التجسسي سيتكلف 5 بلايين دولار لشرائه وبليون دولار لتشغيله .
ومع ذلك فان التجارب السابقة للقوى الكبرى في العالم وحتى تجربة حرب الخليج تبين ان الاجهزة التقنية لا يمكنها النفاذ من سحب يمكن ان نسميها " الغيوم الحضارية " ولا يمكن لأي عقل صناعي بل ولأي عقل غريب ان يفهم المعلومات الواردة اليه من منطقة حضارية اخرى وان يستنتج توجه اصحاب القرارات فيها .
وقد انكشف ذلك بوضوح بسقوط شاه ايران فلم تكن المعلومات تنقص الولايات المتحدة الامريكية ولكن تحليلاتها لم تكن صحيحة كما سبق وانكشف في حرب اكتوبر التي تؤكد الآن ان معلومات الحشد العسكري المصري والسوري كانت بين ايدي اجهزة المخابرات الامريكية والاسرائيلية ولكن القيادات السياسية الاسرائيلية بما فيها قيادة المخابرات فشلت في استخلاص النتائج الصحيحة لأسباب حضارية جعلتهم لا يقدرون الدوافع والنوايا العربية كما جعلتهم يبالغون في قوتهم وقد حدث الامر نفسه في ازمة الخليج التي كشفت عن فشل الاستخبارات الغربية والاسرائيلية في توقع الاجتياح العسكري العراقي للكويت وتوقيته ( انتقدت امريكا فيما بعد معلومات المخابرات الاسرائيلية " الموساد " حول مواقع منصات الصواريخ كما فشلت مخابراتها هي في تحديد مواقع هذه المنصات مسبقا وحتى عدد الصواريخ الموجودة ) لذلك ينبه استراتيجيون كثيرون الآن في الغرب الى خطورة الاعتماد على الاستخبارات التقنية وحدها ويحذرون من التخلي عن عنصر الاستخبارات البشرية ، والبعض يضيف تكلفة الاستخبارات التقنية العالية بالمقارنة بتكلفة الاستخبارات البشرية والبعض يشير الى خطورة حيادية الاستخبارات التقنية التي لا تستطيع فهم المعلومات بشكل حضاري حي .
يقول جورج كارفر الابن في مقالة بعنوان الاستخبارات في عصر المكاشفة ( فورين افيرز صيف 1990 ) " لا تنقسم الاستخبارات البشرية وغيرها من العمليات الى اقسام معزولة عن بعضها ، بعضها مكشوف والآخر مستتر وانما تشغل حيزا يتراوح بين استخدام الشخص لعينيه واذنيه بينما ينخرط في انشطة علنية مشروعة او تشجيع الآخرين على فعل ذلك وعمليات التخابر الكلاسيكية المرتبطة بكامل اسلحة العمل السري وهذه المراحل المتعددة ليست منفصلة بشكل حاد بحيث تقود احداها الى التي تليها دون تمهيد تقريبا " .
ويوصي كل من كتب في هذا الموضوع خاصة منذ نهاية حرب الخليج باعادة النظر في دور الاستخبارات البشرية دون تضييقه ويؤكدون ان هذا التجسس البشري يجب ان يتم توظيفه باختيارات دقيقة ، ويوصي احدهم القيادة الامريكية بالقاء " المزيد والمزيد من العملاء البشريين " لأن تلك هي الطريقة الوحيدة للتغلغل الى العقول المعادية – كما يقول كاتب هذه الدراسة وهو خبير بالمهنة والدراسة في مجال الاستخبارات .
المخابرات في ظل نظام عالمي جديد
ليس في الوسع المبالغة في مدى سيطرة جمع المعلومات عن الاتحاد السوفييتي وخاصة عن قوته العسكرية على عمليات مخابرات الولايات المتحدة منذ بداية الحرب الباردة ، اما اليوم فنظرا لتضاؤل الخطر العسكري السوفييتي على اوروبا الغربية والانخفاض الحاد في الاقتصاد السوفييتي فان هذا التركيز على ذلك البلد وعلى جانبه العسكري لا بد ان يقل عما كان عليه وسوف يكون هناك اختلاف في الرأي بشأن حجم الانقاص اللازم ولكن يصعب تصور ان يكون هناك من يقول انه ليس من واجب المسؤولين عن المخابرات احداث تغيير كبير .
وسوف يلقى اي انقاص للجهد الموجه لمناهضة الاتحاد السوفييتي مقاومة شديدة في ال " سي اي ايه " حيث وصلت روح الحرب الباردة الى اعماق بعيدة كما ان اي انقاص للجهد المناهض للخطر العسكري السوفييتي سوف يلقى معارضة من جانب مختلف اجهزة المخابرات لأن سبب وجودها ذاته هو هذا الخطر ومع ذلك فان اثنين من تلك الوكالات للمخابرات العسكرية لا تجمع فقط معلومات عسكرية بل تجمع ايضا جزءا كبيرا من البيانات السياسية والاقتصادية الامريكية المتعلقة بالاتحاد السوفييتي وهما :
وكالة الامن القومي وهي المسؤولة عن معظم اجهزة التنصت الالكتروني ، ووكالة جمع المعلومات بالاقمار الصناعية التي تتولى تشغيل جميع الاقمار المعنية بجمع المعلومات " .
ولن يتطلب الامر مجرد وضع اولويات جديدة على اساس منطقي بل يتطلب ايضا احداث بعض التغييرات التنظيمية بما في ذلك خلق منصب جديد يسمى مدير المخابرات القومية .
ثانيا
ماذا ينبغي ان تكون عليه الاولويات الجديدة ؟ وهل هناك موضوعات لها من الاهمية للصالح الوطني ما يجعلها تحل محل الاتحاد السوفييتي كمحور لعمل المخابرات الامريكية ؟ هناك موضوعات كهذه وذلك لسبب بسيط وهو اننا نعيش في عصر المعلومات ، ويوما بعد يوم يزداد صدق مقولة ان الحصول على افضل المعلومات هو مفتاح النجاح في اي مجال من مجالات العمل ، وكانت المزية الكبرى التي تمتعت بها القوات الامريكية على العراق في حرب الخليج راجعة الى ان واشنطن كانت تعرف عما يفعله العسكريون في بغداد اكثر مما تعرفه العراق عن القوات الامريكية ، او فلنتصور مدى المساعدة التي تتحقق في المفاوضات التجارية الدولية اذا عرفنا بدقة نوع وحجم الدعم الداخلي وغيره من الوسائل التي يستخدمها الطرف الآخر ، لقد كانت المعلومات دائما مصدرا للقوة ولكن هناك اليوم فرصا اكبر للحصول على معلومات جيدة ولدى الولايات المتحدة القدرة على ذلك اكثر من اي بلد آخر .
وتلك المزية لا يجوز التخلي عنها لمجرد ان الحرب الباردة قد انتهت حتى اذا كنا لا نستطيع ان نحدد اليوم بدقة نوع العمليات التي ستتيح لنا اكبر قدر من القوة بعد عشر سنوات مثلا ولن يتطلب الامر تكاليف تذكر من اجل المحافظة على الدهر البشري للمخابرات الامريكية او توسيع نطاقه وانما الذي سيتطلب تكاليف باهظة هو انشاء شبكة قوية من الاقمار الصناعية لديها ادوات استطلاع متنوعة وتستطيع واشنطن بسهولة ان تنشئ نظاما يكتشف اي نشاط مهم يجري على سطح الارض نهارا او ليلا ، تحت السحب او في اعماق الغابات ، وتستطيع ان تجعل ذلك الاستكشاف متكررا بحيث يصعب تجنبه مهما بذل الخصم في ذلك من جهود وقد قدر عالم الطبيعيات ادوارد تلر ان مثل هذا النظام يتكلف 5 مليارات دولار لانشائه ومليار دولار سنويا لتشغيله ولو تكلف هذا النظام ضعف هذا الرقم لكان صفقة رابحة لأن القدرة على الرؤية في اي مكان وفي اي وقت ستكون امرا بالغ الاهمية في هذا العالم الجديد المجهول الذي نتوقعه في المستقبل .
ولا يقتصر الامر على هذه الحجة العامة لتأييد الاستمرار في بذل جهد استخباراتي واسع النطاق ، فالأثر المحدد الواضح الآن للنظام العالمي الجديد هو ، باستثناء الاسلحة النووية السوفييتية ، الخطر الداهم الذي يتهدد الامن القومي الامريكي في المجال الاقتصادي ، لقد تحولت الولايات المتحدة من كونها من اكبر البلدان الدائنة الى اكبر بلد مدين في العالم وهناك صناعات لا حصر لها لم تعد الشركات الامريكية قادرة على المنافسة في مجالها وعلى ذلك فمن واجبنا ان نعيد تعريف " الامن القومي " بأن نعطي للقوة الاقتصادية اهمية اكبر ومعنى ذلك اننا سنكون في حاجة الى مخابرات اقتصادية افضل ولن يكون في صالح الولايات المتحدة ان تفاجأ بتطورات عالمية مثل حدوث فتوحات تكنولوجية او اتباع استراتيجيات تجارية " مركانتيلية "( كانت هي السياسة الاقتصادية التي اتبتعها الدول التجارية الرئيسية في القرون 16 و 17 و 18 وتقوم على ان افضل ما يخدم اقتصاد البلد هو زيادة الصادرات مقابل جمع المعادن النفيسة وكان تدخل الدولة مطلوبا لضمان ان يبيع البلد اكثر مما يشتري ، وفي ظلها تسيطر الحكومة على الحياة الاقتصادية عن طريق تنظيم الانتاج وتشجيع التجارة الخارجية وفرض الضرائب على الواردات وابرام المعاهدات لكسب احتكار بعض الاسواق والولايات المتحدة تتهم اليابان الآن باتباع سياسة من هذا النوع ) جديدة او حدوث ازمات مفاجئة في المواد الخام او اتباع بعض البلدان لممارسات اقتصادية غير منصفة او غير شرعية تضر بالولايات المتحدة .
فاذا كان الهدف من جمع المعلومات الاقتصادية هو تعزيز القوة الاقتصادية القومية فان ذلك يتطلب ان تصبح دوائر اعمالنا اكثر قدرة على المنافسة في السوق العالمية فكيف يمكن ان نحقق ذلك بمعلومات نحصل عليها سرا من الخارج ؟ ان المعلومات الاقتصادية يمكن ان تمتد من الاتجاهات العامة التي تتبعها دوائر الاعمال الاجنبية حتى العطاءات التي تقدمها شركات اجنبية منافسة للشركات الامريكية بشأن عقود محددة في البلدان الاخرى ، يقول البعض انه عندما يتعلق الامر ببيانات محددة مثل العطاءات التنافسية لا يجوز للحكومة ان تكون شريكا مع دوائر الاعمال لأن ذلك يخل بنظام المشروعات الحرة ومع ذلك يقولون انه ليس للولايات المتحدة ان تخجل من سرقة الاسرار العسكرية اذا كان ذلك سيساعدها في انتاج اسلحة افضل .
واذا كان هناك الأن اعتراف بأن القوة الاقتصادية عنصر اساسي في الامن القومي على قدم المساواة مع القوة العسكرية فلماذا تشعر امريكا بالقلق من سرقة واستعمال الاسرار الاقتصادية ؟ ولكن اذا وفرت الحكومة المعلومات الاقتصادية لشركات امريكية بعينها ، فكيف ستحدد واشنطن الشركات المستفيدة ؟ وماذا عن شركة تمارس نشاطها في الولايات المتحدة وتوفر فرص العمل للامريكيين ولمنها مملوكة للاجانب ؟ هذه مشاكل محيرة ولكن البت فيها يجب ان يترك لوزارة التجارة لتفصيل بشأنها في كل حالة على حدة وهناك وسيلة يمكن اللجوء اليها اذا لم يوجد غيرها وهي جعل المعلومات علنية وقد لا يكون في ذلك مساعدة للشركات الامريكية بالقدر الذي يرغب فيه البعض ولكنه يمكن ايضا ان يقلل المزية التي تتاح لمؤسسات اجنبية على المؤسسات الامريكية .
واذا كانت هناك اسئلة بشأن المدى الذي ينبغي لحكومة الولايات المتحدة ان تذهب اليه في توفير بيانات المخابرات لشركات امريكية بعينها فليس هناك شك في ان البلدان الاجنبية الصديقة تستخدم مخابراتها ضد دوائر الاعمال الامريكية ولا شك في ان الجميع يتفقون على انه ينبغي لوكالات المخابرات الامريكية ان تعمل في تعاون وثيق مع دوائر الاعمال الامريكية لمنع وصول المعلومات الاساسية الى اجهزة التجسس التي ترعاها الحكومات الاجنبية ، ومؤدى هذا كله انه في عصر الاهتمام المتزايد بالقوة الاقتصادية ، لا بد ان تكون هناك علاقة تكافل اقوى بين عالمي المخابرات والاعمال .
وبالاضافة الى التحول الى المخابرات الاقتصادية فان النظام العالمي الجديد يتطلب المزيد من التركيز على المخابرات السياسية في بلدان العالم الثالث وينبغي الا ننسى انه خلال السنوات العشر الماضية ادت الاحداث السياسية في ايران وليبيا وجرينادا وبنما ولبنان والكويت الى دفع الولايات المتحدة الى الالتزام باستخدام القوة العسكرية ، ولم تكن الولايات المتحدة تتوقع انها ستتدخل بصورة مباشرة في اي من هذه الحالات ونحن لسنا على ثقة بقدرتنا اليوم على التنبؤ بالمكان الذي سنجد اننا بحاجة الى التدخل فيه غدا .
وهناك منافسات وطنية تهتم واشنطن بنتيجتها اشد الاهتمام مثل المنافسة بين العالم العربي واسرائيل او بين باكستان والهند او بين كوريا الشمالية والجنوبية او بين المؤتمر الوطني الافريقي وحكومة جنوب إفريقيا او بين العراق وايران ونحن نعرف ان هناك اتجاهات عالمية نحو الاستقلال او الحكم الذاتي لجماعات طائفية او دينية او قومية وان هناك اتجاهات نحو الديموقراطية عموما ، وهذه الاتجاهات سوف تؤثر في بلدان يهمنا امرها مثل يوغوسلافيا ورومانيا والهند والعالم العربي بكامله ومعظم انحاء افريقيا ، ونظرا لانخفاض التنافس الناشئ عن الحرب الباردة في العالم الثالث ، يجوز ان تنظر واشنطن الى تلك الحالات غير المستقرة بنظرة اكثر هدوءا وتصبح اقل رغبة في التدخل ، ومع ذلك لن تتمكن الولايات المتحدة من اجراء اختيارات سليمة الا اذا توافرت لديها المعلومات .
واخيرا فهناك مشاكل عالمية متفاقمة مثل الارهاب والاضرار بالبيئة والاتجار في المخدرات وكلها تتطلب من الولايات المتحدة ان تجمع معلومات من مصادر مختلفة ، واذا وجد نظام عالمي لجمع البيانات فستكون هناك استخدامات كثيرة مفيدة للمعلومات التي يجمعها مثل المساعدة في تطوير المناطق النائية المختلفة وفي عمليات الاغاثة من الكوارث .
ثالثا
ان الحاجة الى المخابرات العسكرية في النظام العالمي الجديد ستتناقص ولكنها لن تختفي وما دام الاتحاد السوفييتي يحتفظ بقوات عسكرية تقليدية كبيرة يجب على الولايات المتحدة ان تأخذها في اعتبارها وان كان ذلك بقدر اقل من الانزعاج ، كما ان القوات النووية السوفييتية ستحتاج الى نفس القدر من الانتباه ان لم يكن اكثر اذا طلب من الولايات المتحدة ان تتحقق من اتفاقيات للحد من التسلح تزداد تعقيدا باستمرار وكذلك فان واشنطن ستكون بحاجة الى ان تعرف البلدان التي تنكص عن وعودها وتقوم بصنع وتخزين اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجيا وحتى الاسلحة التقليدية لتلك البلدان ستتطلب الاهتمام نظرا لأن واشنطن ستكون بحاجة لأن تعرف مقدما المعلومات عن العمليات العسكرية المنوية مثل غزو العراق للكويت وهذه الضوابط العالمية على الاسلحة وعلى نوايا البلدان بشأن استخداما سوف تتطلب نظاما قويا للرصد والتحقق ولكن في ظل نظام عالمي جديد اكثر ودا ستكون الولايات المتحدة راغبة في ان يكون هذه النظام غير شخصي بقدر الامكان ومن ثم فانه لا يحمل اتهاما لبلد معين قدر الامكان .
ونحن لا نريد ان يضبطنا الاصدقاء متلبسين بالتجسس لأن ذلك امر يدعو الى الحرج اكثر من ان يضبطنا خصم يرى ان التجسس لا يعدو ان يكون وجها آخر من اوجه علاقة غير ودية ، وليس الامر امر احراج فحسب اذ ان كفاءة الولايات المتحدة في الحفاظ على النظام في العالم الجديد سترتبط ارتباطا مباشرا بقدرتها على تكوين تحالفات بين البلدان لمواجهة المشاكل الدولية ، ومع ذلك فاننا نحن نزيد اهتمامنا بالحصول على معلومات اقتصادية سنكون مضطرين الى التجسس على البلدان الاكثر تقدما اي على حلفائنا واصدقائنا الذي نتنافس معهم اقتصاديا – ولكنهم هم الاصدقاء انفسهم الذين نتجه اليهم اولا للحصول على المساعدة السياسية والعسكرية عند وقوع الازمات ، ومعنى ذلك انه بدلا من اللجوء غريزيا الى التجسس البشري في الموقع ستكون الولايات المتحدة في حاجة الى البحث عن تلك الانظمة التقنية غير الشخصية وفي مقدمتها التصوير بالاقمار الصناعية والاستكشاف عن طريقها .
وليس معنى ذلك اننا يجب ان نتخلى عن عمليات المخابرات البشرية في النظام الدولي الجديد وانما يعني انه ينبغي استخدام التجسس البشري بطريقة اكثر انتقائية وذلك مخالف على طول الخط لما يسمعه المرء حتما عندما يحدث " فشل " في المخابرات مثل عدم توقع غزو العراق للكويت والتهمة معروفة ، اذ يقال ان علينا ان نلقى بالمزيد والمزيد من العملاء من البشر في مواجهة هذه المشاكل لأن الوسيلة الوحيدة للدخول الى عقول الخصوم وكشف النوايا هي العملاء من البشر .
وكقاعدة عامة فان ذلك غير صحيح فالتصنت الالكتروني ربما يكون اكثر فائدة في التعرف على النوايا وعلى سبيل المثال اذا قام احد المسؤولين في البلدان الاخرى بكتابة شيء عن خططه في رسالة والتقطتها الولايات المتحدة او اذا ناقش تلك الخطط وسجلنا المناقشة في جهاز للتصنت فان الحصول على تلك المناقشة الحرفية سيكون مصدرا يمكن الاعتماد عليه بدرجة اكبر من الاعتماد على تقرير غير مباشر يكتبه احد العملاء وليست المسألة هي مجرد ان للعملاء تحيزاتهم الخاصة وجوانب ضعفهم البشري بل ان هناك دائما احتمال ان يكون العميل يعمل لحساب جهة اخرى .
وهناك عدد من الامثلة الحديثة التي تمكنت فيها انظمة المخابرات التقنية من كشف النوايا او كان يجب ان تتمكن من ذلك كان احدها في سنة 1986 عندما التقطت الولايات المتحدة رسائل صادرة من الحكومة الليبية الى سفارتها في المانيا الشرقية ، يتبين منها علمها المسبق بهجوم ارهابي بالقنابل في برلين الغربية .
وحاولت الحكومة الامريكية ان تستخدم تلك المعلومة لافساد الخطة لكن المعلومات كانت لسوء الحظ غير محددة بالقدر الكافي ، مثال آخر هو العملية الارهابية لقصف ملحق السفارة الامريكية في بيروت في سبتمبر 1982 فقد بينت الصور التي التقطتها الاقمار الصناعية قبل العملية ولكن تم تجاهلها لسوء الحظ ، ان هناك من اقام هيكلا لملحق السفارة ودفاعاته واخذ يجرب قيادة سيارات النقل لاقتحامها .
وليس التجسس البشري الوسيلة الوحيدة للتعرف على النوايا ولكن هناك مجالا تنفرد به هذه الوسيلة بالفعل وهو مجال تزداد فيه احتياجات الولايات المتحدة : هو التنبؤ بالاحداث الناتجة من التراكمات التحتية في موقف الجمهور مثل العداء المتزايد لحكومة قائمة او انفجار اعمال الهدم الناتجة من الحماسة الطائفية او الدينية وقد يبدو من الغريب لأول وهلة ان يستخدم جهاز التجسس البشري لجس نبض الجمهور ، فالتجسس البشري يقوم عادة على تجنيد عملاء مقربين الى احد الافراد المهمين او احد الاجهزة التي تتخذ القرارات او زرع اجهزة تنصت في المكان الصحيح او تصوير الوثائق في الخفاء ، غير ان الولايات المتحدة تواجه الآن عددا متزايدا من الحالات التي لا يكون الهدف فيها خطة حسنة الاعداد استكملت صياغتها من خلال مناقشات يمكن ان تصنت عليها او خطة وضعت في صورتها النهائية ويمكن الحصول على نسخة منها .
وعلى سبيل المثال ففي وجودي كمدير لل " سي اي ايه " كان اكبر فشل منينا به هو اننا لم نهتم بالقدر الكافي بالمياه الخطرة التي كان الشاه رضا بهلوي شاه ايران يبحر فيها في 1978 ، ولم يكن ما نحن بحلجة الى معرفته هو ان آية الله روح الله الخوميني وزملاءه يتآمرون سرا في باريس ويستخدمون اساليب غير مألوفة مثل ارسال اشرطه مسجلة للدعاية في ايران ولو اننا حصلنا على ذلك النوع من المعلومات عن خطط الخميني لتساءلنا عما اذا كان اي منها يمكن ان يحقق نتيجة ملموسة وانما كان ينقصنا ان نعرف عمق ومدى الشعور المناهض للشاه داخل ايران وكان ذلك هو الشيء الذي مكن الخميني من اشعال البلد ، فقد كانت تلك المشاعر المناهضة للشاه منتشرة بين فئات متباينة لم تجتمع الا لغرض محدد ومؤقت هو اسقاطه .
وكان الوضع ببساطة ان من يعملون لحساب المخابرات الامريكية ليسوا على صلة برجال الدين في المساجد الذين كانوا يقولون للفلاحين ان الشاه " يدنس " الاسلام ، كما لم يكونوا يعملون مع التجار في الاسواق ممكن كانوا ساخطين لسيطرة النظام على الاقتصاد ، ولم يكونوا على اتصال بالمثقفين سياسيا الذي كان يثير سخطهم عدم استعداد الشاه لاقتسام السلطة ، لم يكن الامر مجرد اننا لا نتحدث مع قطاع مستعرض من الشعب بقدر كاف بل اننا لم نكن ايضا نأخذ عينات كافية من جميع انحاء البلد وكان ذلك راجعا جزئيا الى ان وزارة الخارجية الامريكية ومعها ال سي اي ايه ، كانت خلال العقود السابقة قد قصرت عملياتها على العواصم ومدينة او مدينتين في البلدان الرئيسية .
ومع ذلك فان الدبلوماسيين الامريكيين يبذلون جهودهم ليكونا على معرفة بموقف الرأي العام وذلك منطقيا واجبهم وليس واجب اجهزة المخابرات ومن المؤسف ان رجال السلك الدبلوماسي يبذلون جهودا اقل واقل في هذا المجال وربما يكون ذلك راجعا جزئيا الى ان اعباء الدبلوماسية آخذة في التزايد خاصة وان البلدان الشمولية مثل ايران في عهد الشاه ، لا ترتاح لقيام اتصالات بين موظفي وزارة الخارجية وجماعات المعارضة التي يكون بعضها ليس له وضع قانوني وكان في توسع رجال المخابرات الذين لا تعرف الحكومة المحلية انهم يعملون لحساب الحكومة الامريكية ان ينهضوا بالمهمة او كان في وسعهم ان يجندوا عملاء محليين يقومون سرا بجمع عينات من الرأي العام ومن شأن هذه العملية الاخيرة ان تكون اكثر فاعلية على اي حال نظرا لاحتمال ان يقوم المواطنون الذين تجرى المقابلات معهم بتحوير إجابتهم عند اعطائها لأشخاص من الاجانب وذلك بالاضافة الى اننا نحتاج لأن يقوم الفرد ذاته بعملية جمع العينات على امتداد عدة سنوات ، فليس المهم هو ما تقوله احدى العينات بالذات بل ما يطرأ عليها من تغييرات مثل هل هناك زيادة او نقصان في تأييد الحكومة او معارضتها .
ومن الامثلة على اهمية فهم موقف الجمهور تجربتنا في ارسال قوات لحفظ السلام في بيروت ابتداء من 1982 ، فقد فشلت المخابرات الامريكية في التعرف على عمق العداء لهذا الوجود العسكري الامريكي وعندما بدأ الجمهور ينظر الى القوات الامريكية على انها مساندة للحكومة ذات الغالبية المسيحية لا على انها قوات لحفظ السلام اندفعت موجة من الاعمال الارهابية من جماعات مختلفة ادت الى اخراج قوات حفظ السلام الامريكية وكذلك الدبلوماسية الامريكيين من لبنان ، وقد عرفنا ذلك لا لأن بعض رجال الدين الاصوليين الإسلاميين عقدوا اجتماعات سرية ربما كان في وسعنا ان نسرب اليها احد العملاء بل لأن سلسلة القاء القنابل والخطف والقتل الرامية الى تخويف واشنطن جاءت من جانب عدد من الجماعات الدينية والطائفية في لبنان وكان الأثر التراكمي للأعمال المنفردة لكل واحدة من تلك الجماعات هو الذي ادى الى خروجنا وكان في وسع من يعملون لصالح مخابراتنا سرا ان ينشروا بين تلك الجماعات ويتعرفوا على مواقفها ويبينوا انها آخذة في الزيادة بحيث كادت تصل الى حد الازمة .
ومن الحالات الاخرى التي لم نكن فيها على بينة من المواقف المهمة للأهالي المحليين ، حالة نيكاراجوا في الثمانينات فرغم ان ال سي اي ايه كانت تعمل بقوة على مساعدة الكونترا فانها لم تكن تعرف مدى قوة معارضة السكان من غير الكونترا لحكومة السندنيستا ، ويكفي اننا لم نكن نعرف ان فيوليتا باريوس دي كامورو المرشحة المعارضة للسندنيستا كان يمكن ان تكسب انتخابات فبراير 1990 بتلك النسبة العالية ، وكان التعرف على تلك المواقف يعتبر عملا جوهريا للمخابرات نظرا لأن الكثير من ابناء نيكاراجوا كانوا يخافون الاعراب عن آراء مناهضة للسندنيستا ولكن هذا بالتحديد هو نوع المعلومات الذي يدرب العاملون في المخابرات من البشر على القيام به .
ومن الامثلة الصارخة على الفشل في فهم الثقافات والمواقف الاجنبية ، الفكرة التي انتشرت داخل ال سي اي ايه والقائلة بأن بيع الاسلحة لايران في 1989 هو السبيل لدعم موقف الإيرانيين " المعتدلين " الذين يمكن ان يسقطوا حكومة الخميني ولكن عندما توجه روبرت مكفرلين المستشار السابق للامن القومي سرا الى طهران للتفاوض وجد ان شخصا في مركز رفيع مثل حجة الاسلام هاشمي رفسنجاني خاف من حضور الاجتماع لئلا يتهم بأنه يتآمر مع " الشيطان الاعظم " وكان ذلك كله بعد مرور سبع سنوات على خطأ ال سي اي ايه ( في وقت رياستي ) في تقدير مدى عداء الاصوليين الاسلاميين للولايات المتحدة .
رابعا
ورغم ان هذه الامثلة تبين ان لدى الولايات المتحدة فجوة مخابرات خطيرة ينبغي ملؤها فلن يكون من السهل دفع الخدمات السرية للحكومة الى ان تفعل ذلك ، وموظفو ال سي اي ايه مدربون على تجنيد العملاء وزرع الميكروفونات وتصوير المستندات ولكن ان يطلب منهم ان يذهبوا للتعرف على مواقف الرأي العام اشبه بأن نطلب من قائد طائرة مقاتلة ان يترك طائرته النفاثة الاسرع من الصوت ليعمل ملاحا عاديا في طائرة مدنية بمحرك ضعيف .
وليس معنى ذلك ان قياس الرأي العام ينبغي ام يصبح المهمة الرئيسية للإدارات السرية الامريكية ، فقد شهدت واشنطن في الآونة الاخيرة امثلة عديدة كانت فيها في حاجة ماسة الى ممارساتهم التقليدية في تجنيد العملاء من اجل التغلغل داخل الحكومات ، وكان من تلك الحالات معرفة ما اذا كان صدام حسين يعتزم كهاجمة الكويت في اغسطس 1990 ومن الحالات الاخرى كانت معرفة مكان وجود مانويل انطونيو نورييجا عندما قامت الولايات المتحدة بغزو بنما في ديسمبر 1989 ولسوء الحظ فان رجال المخابرات الامريكيين العاملين في كلتا الحالتين لم يستطيعوا معرفة نوايا هذين الحاكمين المستبدين ، فلماذ حدث ذلك ؟
في بنما كان الوضع مثاليا لتجنيد العملاء وكان للولايات المتحدة وجود كبير هناك منذ امد طويل مما يجعل من السهل اقناع بعض ابنميين بأنهم يستطيعون ان يستفيدوا من تأييد الحكومة الامريكية ومع ذلك فعندما دخلت القوات الامريكية الى بنما احتاج الامر الى اربعة ايام طوال عانت خلالها الحرج قبل ان تتمكن من معرفة مكان الديكتاتور ولا شك في ان نورييجا حرص على الابتعاد عن طريق القوات الامريكية بتغيير مكانه بصورة مستمرة واستخدام سيارات متماثلة واشخاص يحلون مكانه وكان ما تحتاجه الولايات المتحدة ومن الواضح انه لم يكن لديها ، هو شخص يشغل مكانه في البطانة المحيطة بنورييجا مباشرة ولم يكن للولايات المتحدة ايضا شخص في الدائرة الداخلية لصدام حسين وكان العراق تحديا اكبر نظرا للفوارق الثقافية والصعوبات التي كان يواجهها اي امريكي يعمل هناك في ذلك الوقت والمخاطر التي يتعرض لها اي شخص تقوم بتجنيده المخابرات الامريكية .
وهناك اسباب عديدة جعلتنا غير قادرين على احداث مثل هذه الاختراقات وستجعلنا على الارجح غير قادرين على نصل بتجسسنا الى ما نريد له ان يكون ، فقبل كل شيء تعد المخابرات المركزية الامريكية منظمة حديثة نسبيا ولم يسبق لها في اي وقت ان وجدت تراثا صحيحا في هذا المجال ، وفي الايام الاولى للمخابرات المركزية كان جيمس انجلتون رئيس جهاز مقاومة التجسس بها يخاف من احتمال تسلل السوفييت الى الوكالة مما منعه من تجنيد عملاء سوفييتي وبعد ان ترك انجلتون منصبه حدث اندفاع في التجنيد ادى الى سوء اختيار العملاء في حالات كثيرة وما زال على وكالة المخابرات المركزية ان تنشئ جهازا سريا متوازنا .
وهناك ايضا مشكلة عاجلة وهي ان موظفي الوكالة يعملون في ظل عائق خطير وهو عدم قدرتهم على الاحتفاظ ب " غطاء " جيد ، وحكومة الولايات المتحدة لا تطلب من العاملين في مجال التجسس ان يقدموا التضحيات التي يطلبها السوفييت من عملائهم ، فعملاء السوفييت يتركون مساكنهم ويعيشون لفترات طويلة في بلد اجنبي ويكتسبون جنسيته ويشتغلون بأعمال عادية عدة سنوات قبل البدء في عمليات التجسس وليس في وسعنا ان نطلب من الامريكيين ان يذهبوا الى بلدان غالبا ما تكون استبدادية وهي البلدان التي تحتاج الى التجسس عليها وان يعيشوا بتلك الطريقة ، كما ان واشنطن لا تحب ان تعرض العملاء الامريكيين للعقوبات المترتبة على القبض عليهم وهم يتجسسون دون ان تكون لهم الحصانة الدبلوماسية .
والولايات المتحدة ليست بارعة حتى في الاحتفاظ بالغطاء المحدود الذي تنشئه ، فمعظم اجهزة الحكومة الامريكية لا ترحب بأن تضم موظفين سريين لوكالة المخابرات يتظاهرون بأنهم من العاملين فيها ورجال المخابرات السريون انفسهم لا يكونون على استعداد في الغالب لدفع ثمن الاندماج بالكامل في عمليات ادارات اخرى لأن ذلك يحتاج منهم الى العمل وقتا كاملا في وظيفتين في وقت واحد .
ونظرا لهذه الصعوبات لا يتوقع ان تتمكن الحكومة من احداث تحسن ملموس في عمليات التجسس البشري ومع ذلك فمن واجبنا ان نحاول لأن العائد يمكن ان يكون كبيرا في حالة النجاح وينبغي ان تبلغ جميع الجهات التابعة للحكومة الامريكية بأن التجسس البشري نشاط تجيزه الرئاسة ويجيزه الكونجرس وانها ينبغي ان تقوم بدور فيه بل ان بعض الهيئات الحكومية يجب ان يطلب منها ان تنشئ اعمالا جديدة فيما وراء البحار حتى تتخذ غطاء جيدا لوكالة المخابرات .
وينبغي للإدارة السرية في المخابرات ان تبذل هي ايضا المزيد من الجهود اذ يجب اولا ان تدرك ان تكلفة الغطاء زادت زيادة كبيرة وفي احسن الاحوال فان نسبة لا تزيد على 20-30% من وقت ضابط المخابرات سينقضي في عمله من اجل المخابرات ، وثانيا يجب ان تقبل الادارة السرية مسألة عدم وجود مكتب مستقل للمخابرات في كل سفارة ، فهذه المكاتب يمكن اكتشافها بسهولة تامة وكان من الحقائق المثيرة التي صادفتها في سنوات عملي في وكالة المخابرات ان للوكالة ناديا خاصا بضباطها العاملين فيما وراء البحار في الخمسينات وذلك في الوقت الذي كان الاعتماد الرئيسي فيه قائما على التجسس البشري ، وكان معنى ذلك عمليا تسهيل الكشف عن الأدوار التي يقوم بها العملاء .
وثالثا لا بد من تغيير نظام مكافأة العاملين في التجسس فالمكافأة تعتمد في الوقت الحالي على عدد العملاء الذين يتم تجنيدهم في حين ينبغي ان يكون التركيز على نوعية المعلومات التي يتم الحصول عليها وان يكون التقييم خلال فترة طويلة نسبيا من الزمن .
واخيرا فان نوعية الاشخاص الذين يدخلون في مجال التجسس يجب ان تتغير تبعا لتغير الاهداف ، فسوف نحتاج الى ضباط على اطلاع واسع في الاقتصاد وفي الشؤون التقنية مثل الانتشار النووي اكثر مما نحتاج الى أخصائيين في العلوم السياسية في جوانبها المتعددة ممن كانوا تقليديا يمثلون العمود الفقري للادارة السرية .
وجملة القول ان النظام العالمي الجديد سوف يوجد انظمة تقنية تقوم بعمل الاسلحة يكون احد حديها جمع المعلومات عن بعد ويكون حدها الثاني التجسس البشري ويمكن استخدام كل منهما بمهارة لأغراض محددة بعناية وفوق كل شيء يجب ان يكون لدى الولايات المتحدة القدرة على الجمع بين كل من الجهدين البشري والتقني اللذين يؤدي اجتماعهما الى النجاح في جمع المعلومات ، ولكل من الأسلوبين نقاط قوته وضعفه وعلينا ان نضع كل منهما في خدمة الآخر .
خامسا
وضمان هذا التنسيق هو مسؤولية مدير وكالة المخابرات المركزية ومن الناحية النظرية فان لديه سلطة القيام بهذا التنسيق ولكن من الناحية العملية فان الآليات المتاحة له غير كافية والمطلوب هو ايجاد علاقة بين مدير المخابرات المركزية واجهزة جمع المعلومات شبيهة بالعلاقة بين القائد العسكري الميداني والجيش والاسطول والطيران وهي العلاقة التي كانت احد مفاتيح نجاح الجنرال شوارتسكوف في حرب الخليج ، فقد كانت لشوارتسكوف السيطرة الميدانية الكاملة على جميع الاسلحة التابعة له وكان على افرع الجيش والاسطول والطيران مسئولية توفير الدعم لتلك القوات ، اي جمع وتدريب الاشخاص اللازمين والمعدات والامدادات بدون ان يكون لها سلطة توجيه عملياتها في الميدان .
ووضع مدير المخابرات المركزية اشبه ما يكون بوضع القائد الميداني فهو ملزم بإدارة كل امكانيات البلد فيما يتعلق بجمع المعلومات ساعة بساعة في كل يوم ، ولكن واقع الحال ان اهم جهازين يساعدانه في جمع المعلومات وهما وكالة الامن القومي ووكالة جمع المعلومات بالاقمار الصناعية كانا دائما تحت سيطرة القيادات العسكرية ، وقد يكون من المناسب ان تقوم الوحدات العسكرية باطلاق اقمار صناعية وان تضع أشخاصا مهمتهم التقاط الاشارات والرسائل على متن الطائرات والسفن وفي القواعد العسكرية كما ان العسكريين يحتاجون بصورة ماسة الى ذلك النوع من المعلومات الذي يمكن للأنظمة التقنية لهاتين الوكالتين ان تجمعها ولكننا اذا اردنا ان نتحول بالأولويات الى الاقتصاد والسياسة فاننا نحتاج الى آلية تضمن الا تكون للأولويات العسكرية المكانة الاولى دائما .
ويستطيع مدير المخابرات الآن ان يأمر باجراء اية عمليات يريدها لجمع المعلومات ولكن مديري هاتين الوكالتين يعرفان ان مصيرها معلق بيد البنتاجون ولاكتساب اهتمامهما يجب ان يكون لمدير المخابرات المركزية وليس لوزير الدفاع سلطة تعيين هذين المديرين وفصلهما فهما بعد كل شيء اثنان من اهم معاونيه في المجتمع الاستخباراتي ، كما ان مدير المخابرات المركزية في حاجة الى موظفين لديهم القدرة والسلطة اللازمة لإصدار اوامر تنفيذية الى جميع وكالات جمع المعلومات سواء بالطريق البشري او بالطريق التقني ، وبإيجاز فان الاحتياجات الى المعلومات في النظام العالمي الجديد تجعل من الضروري وجود سلطة واحدة تجري الموازنة بين الاحتياجات الاستخباراتية للبلد سواء كانت اقتصادية او سياسية او عسكرية وذلك الشخص لا يمكن ان يكون في القيادة العسكرية بل يجب ان يكون هو مدير المخابرات المركزية .
وكذلك يحتاج مدير المخابرات الى سلطة التحكم في توزيع المعلومات التي يتم جمعها وقد كان من الاسباب الرئيسية التي دعت الكونجرس الى انشاء هذه الوظيفة في عام 1947 تجنب الاخطاء التي وقعت قبيل هجوم اليابان على بيرل هاربر عندما لم يحدث تبادل كامل للمعلومات التي توافرت لدى مكاتب المخابرات التابعة للجيش والاسطول ووزارة الخارجية في شأن نوايا اليابان وقد عادت اليوم اجهزة جمع المعلومات الى نوع من الاستقلال فيما يتعلق بعدم اطلاع الوكالات الاخرى على ما تم جمعه بواسطتها من معلومات ومنطقها في ذلك هو حماية " المصادر والأساليب " التي تم جمع المعلومات بها وذلك امر مشروع بغير شك ، ولكن هناك مغالاة في الاخفاء بدرجة تجعل الولايات المتحدة في رأيي معرضة الآن للخطر بقدر ما كانت معرضة له في وقت بيرل هاربر 1941 .
وهناك مشكلة اخرى تسير في الاتجاه المضاد اذ ان اجهزة جمع المعلومات تميل الى توسيع مجال عملها فتنتقل من جمع البيانات الى محاولة تفسيرها وذلك امر ينطوي على اخطار لأنه ليس هناك ما يضمن ان يكون لدى اي واحد من اجهزة المعلومات القدر الكافي من المعرفة او المهارات اللازمة لهذا التفسير وفي 1979 اعدت وكالة الامن القومي تقريرا يؤكد ان الاتحاد السوفييتي ارسل " وحدة قتالية " جديدة الى كوبا وكان ذلك استنتاجا يتجاوز الابلاغ عما كانت الوكالة قد لاحظته بالفعل ولم تكن تلك الوكالة قد ضاهت معلوماتها مع وكالة المخابرات المركزية او مع وزارة الخارجية بشأن تاريخ تلك الوحدة ومن ثم كانت النتيجة التي انتهت اليها خاطئة وكان لذلك التقرير اثر مدمر على مفاوضات اتفاقية سولت الثانية التي كانت جارية في ذلك الحين.
سادسا
وعلى العموم ستكون هناك تحديات كبيرة في اعادة توجيه وكالات جمع المعلومات واتباعها لأولويات جديدة وتحسين ادائها برمته ولكن يجب ان يقال انه من الناحية النسبية هناك حاجة اكبر الى تحسين الجانب التحليلي في مجتمع المخابرات وذلك على الاقل لأن الحكومة الامريكية ستقلل من اعتمادها على التجسس من اجل الحصول على المعلومات ، وفي نظام عالمي جديد اكثر ديموقراطية وانفتاحا ، سيكون هناك مزيد من المعلومات متاح من خلال المناقشة العامة ومن خلال ازدياد عدد الترتيبات التي توضع لاجراء تفتيش موضعي لأغراض الحد من التسلح ونتيجة لازدياد التجارة والسياحة الدولية .
وفيما هو ابعد من ذلك فان نوعية تحليلات المخابرات لم تكن قط على مستوى توقعاتنا ، وقد اقترح السيناتور دانيال موينيهان او توضع وكالة المخابرات المركزية تحت اشراف وزير الخارجية وقال : " خلال ربع قرن اخطأت وكالة المخابرات المركزية مرارا وتكرارا فيما يتعلق بالمسائل السياسية والاقتصادية الكبرى التي عهد اليها بتحليلها " وينبغي ملاحظة ان السيناتور تحدث عن تحليل المسائل " السياسية والاقتصادية " وليس العسكرية وفيما يتعلق بالمخابرات العسكرية يكون من الضروري معرفة القدرات العسكرية للخصم حتى يمكن الاستعداد لملاقاته غير ان قياس القدرات العسكرية مسألة اكثر وضوحا وارتباطا بالوقائع عن التنبؤ مثلا بوقوع ثورة سياسية مثل سقوط الشاه او انفجار اقتصادي على غرار التحول الذي حدث في كوريا الجنوبية خلال العقدين الماضيين.
ومن العيوب الاساسية في التحليلات التي تجريها المخابرات الامريكية ان هناك جهازا بيروقراطيا ضخما يربط سمعته بما يقدمه من تنبؤات ، وعلى سبيل المثال وحتى وقت متأخر يصل الى عام 1980 كنت ابلغ لجنة الكونجرس المشتركة المعنية بالشؤون الاقتصادية في جلسة علنية بأن معدل نمو الناتج القومي الاجمالي في الاتحاد السوفييتي اخذ في التناقص ولكن معدل الانفاق السوفييتي على اغراض الدفاع آخذ في الارتفاع ، ولم اصل انا ولا المحللون في وكالة المخابرات المركزية الى استنتاج انه لا بد من حدوث شيء ما : وأنه سيترتب على ذلك وقوع ازمة سياسية واقتصادية ، ولكن لميمض اكثر من اربعة اعوام بعد تركي لوكالة المخابرات المركزية حتى ظهر ميخائيل جورباتشوف على المسرح ووجد ان الوضع ميئوس منه الى حد انه مضى سريعا الى الابحار في مياه البيريسترويكا والجلاسنوست الخطرة .
ولا يجوز لنا ان نتغاضى عن جسامة هذا الفشل في التنبؤ بحجم الازمة السوفييتية ونحن نعرف الآن انه كان هناك الكثير من الأكاديميين والاقتصاديين والمفكرين السياسيين السوفييت بخلاف اؤلئك الذين كانت الحكومة السوفييتية تقدمهم لنا رسميا قد ادركوا قبل عام 1980 بأمد طويل ان هناك عطبا في النظام الاقتصادي السوفييتي وانها مسألة وقت فحسب حتى يظهر شخص ما يحاول اصلاحه كما فعل جورباتشوف ولكني لم اسمع في اي وقت اشارة من وكالة المخابرات المركزية او من الجناح المخابراتي لوزارتي الدفاع او الخارجية بأن كثيرا من المفكرين السوفييت يعترفون بوجود مشكلة اقتصادية متفاقمة تتعلق بالنظام نفسه .
ونحن الآن نسمع دمدمات تذكر ان وكالة المخابرات المركزية قد لاحظت في واقع الامر بدايات الانهيار السوفييتي ، وعلى فرض ان بعض الافراد من المحللين في وكالة المخابرات المركزية كان لهم رأي اكثر نفاذا من الرأي السائد في المؤسسة فقد استبعدت افكارهم خلال العملية البيروقراطية ، والرأي الذي تبديه المؤسسة هو الذي يعنينا في نهاية الامر لأنه هو الذي يصل الى رئيس الجمهورية ومستشاريه وفي هذه المسألة كان رأي المؤسسة بعيدا عن الواقع بكثير .
ترى لماذا كان الكثيرون منا غير حساسين لذلك الامر الحتمي ؟ اعتقد ان من اسباب ذلك ان الحوافز على التنبؤ في مجتمع المخابرات ضئيلة للغاية فقد اصبحت مكاتب التحليل لدينا وخاصة المكاتب التي تتعامل مع الاتحاد السوفييتي اجهزة بيروقراطية ضخمة بحيث ان انتقال التنبؤ في طريقه الصاعد من المحلل الفردي حتى يصل الى رئيس الوكالة يضعف من الافكار الجديدة لصالح الافكار التي استقرت واصبح لها احترامها وعلى سبيل المثال فان من الاسباب التي ادت الى فشل الحكومة في التنبؤ بالأزمة الاقتصادية السوفييتية على الوجه الصحيح انها افترضت ان الاساليب الستالينية القديمة في قمع السخط مازالت قائمة وان مواقف الجمهور ليس لها حساب في الاتحاد السوفييتي ومع ذلك فان جورباتشوف اقدم على تحركاته الجذرية لا لمجرد ان الانتاجية الاقتصادية آخذة في التراجع بل ايضا لأن موقف الجماهير السوفييتية من حكومتها ومن عملها ومن حزبها الشيوعي باتت سلبية للغاية ولم يعد هناك امل في ان يؤدي الخوف والقمع الى دفع الشعب السوفييتي الى بذل جهد اكبر من عمله .
وهناك سبب آخر لكثير من عيوبنا في تحليل المواقف وهو ان وكالات التحليل لدينا لا تتوافر فيها معرفة كافية بثقافات كثير من البلدان التي يجب ان نتعامل معها ويرجع ذلك جزئيا بطبيعة الحال الى فشلنا في جس النبض في البلدان الاخرى ولكنها مشكلة اكبر من ذلك تتعلق بالتعليم والتقدير .
وهناك تفسير آخر ايضا لضعفنا في التحليل وهو التعارض بين المعلومات المخابراتية الجديدة والسياسات المستقرة ، فالتنبؤ بسقوط الشاه مثلا كان سيمثل تحديا لسياسة خارجية امريكية مستقرة في منطقة الخليج الفارسي والافلات من قيود السياسة سيكون دائما مشكلة تواجه المحللين العاملين في المخابرات وينبغي ان تكون المشكلة اقل حجما بالنسبة للمحللين في وكالة المخابرات المركزية لأن تلك الوكالة لا تشتغل بصنع السياسة شأن الوكالات الاخرى العاملة في مجتمع المخابرات مثل الاجهزة التابعة لوزارات الدفاع والخارجية والخزانة ولعل اكبر نقاط الضعف في الاقتراح الذي قدمه السيناتور موينيهان هو ان وكالة المخابرات المركزية ستصبح خاضعة لجهة تقوم بوضع السياسات والذي حدث عمليا ان معظم مديري الوكالة لم يتخذوا مواقف علنية في المسائل المتعلقة بالسياسات ومع ذلك فان اي باحث مسئول عن التحليلات يعرف ، فيما يتعلق بالمسائل الكبرى في السياسة الخارجية ، الاتجاه الذي يتخذه الرئيس وبذلك يشعر بنوع من الضغط الذي يلزمه بتأييد موقف رئيسه الاعلى وعلى ذلك فنحن بحاجة لأن نجد وسيلة لتعزيز الشعور بالاستقلال بين القائمين بالتحليلات في كل انحاء مجتمع المخابرات .
واذا نحن لم نقبل اقتراح السيناتور موينيهان فكيف لنا ان نصل الى وضع تحليلات افضل ؟ ان اعطاء مدير الوكالة سلطة اوسع على وكالات جمع المعلومات يعتبر حلا جزئيا لمسألة تحسين جمعها ولكنه لا يحل مشكلة تحسين التحليلات والشيء الذي يجب ان نتجنبه هو ان يكون هناك تماثل اجباري في التحليل ، واسمحوا لي ان اذكر على سبيل المقارنة ان المطابقة بين تقارير المخابرات والايديولوجية السياسية كانت دائما اكبر نقاط الضعف لدى المخابرات السوفييتية وقد اتيحت لي مرة فرصة سؤال احد كبار المنشقين السوفييت عما اذا كان المسؤولون في قمة القيادات السوفييتية يتلقون معلومات دقيقة توضح لهم لماذا تفعل الولايات المتحدة ما تفعله – فكان رده ان بعض الاشخاص الكبار مثل اناتولي دوبرتين الذي كان وقتها سفيرا للاتحاد السوفييتي في الولايات المتحدة والذي يفهم بغير شك الولايات المتحدة فهما جيدا لم يكن ليجرؤ على تقديم تقارير صريحة تماما اذا كان رأيه مخالفا للعقيدة السائدة .
ولا بد من توفير الحوافز للقائمين بالتحليل للتقدم بتقديراتهم بشجاعة وان يدخلوا في اعتبارهم وجهات نظر الامم الاخرى وان يقدموا افكارا مدعمة تخالف الافكار او السياسات القائمة وربما تستطيع الحكومة ان تساعد في هذا المجال برصد مكافآت ربما تشمل عائدا ماليا للتنبؤات التي تثبت دقتها حتى اذا تجاهلتها المؤسسة او رفضتها وينبغي تشجيع القائمين بالتحليل على الاحتفاظ بالمستندات الدالة على الآراء التي ابدوها ويستطيع رئيس الجمهورية ان يساعد في ذلك بأن يأذن لدير وكالة المخابرات بنقل افراد من القائمين بالتحليل بين الوكالات المختلفة لفترات مؤقتة فربما يساعد ذلك في الخروج من اطار التفكير المغروس .
وفوق ذلك ربما يستطيع الكونجرس ان يصدر تشريعا يتيح للقائمين بالتحليل في المخابرات فرصة اوسع للالتحاق بالمؤسسات الاكاديمية والمشاركة في المؤتمرات المهنية والسفر الى الخارج والعيش في البلدان الاخرى واكتساب مهارات لغوية وبذلك يصبحون خبراء حقا في مجالاتهم ويستطيع الكونجرس ايضا ان يأذن بتوسيع جهاز التحليل التابع لرئيس الوكالة شخصيا ذلك الذي يعرف حاليا باسم مجلس المخابرات القومي ورغم توسيع المجلس فانه يجب ان يبقى صغيرا الى حد يمنع التلاعب بعمل القائمين بالتحليل اثناء صعود تقاريرهم خلال التسلسل التنظيمي كما ان توسيع المجلس يمكن ان يكون جلا جزئيا لمسألة القيود الشديدة المفروضة على نشر المعلومات التي توفرها وكالات جمع البيانات اذ سيكون المجلس مؤلفا من نواة من المحللين الذين يسمح لهم بالحصول على جميع المعلومات او ما يقارب من ذلك – فهذا هو الضمان لنا بعدم وقوع خطأ مثل ما حدث في بيرل هاربر .
سابعا
وينبغي للكونجرس ان يعدل التشريع الذي اصدره في 1947 والذي يجعل رئيس الوكالة مسئولا عن مهمة مزدوجة في التنسيق بين جهات المخابرات المختلفة ورئاسة وكالة المخابرات المركزية ، ففي ذلك الحين لم تكن هناك اقمار صناعية تعمل على اساس قومي ولم تكن وكالة الامن القومي قد انشئت بعد وكان التصنت الالكتروني تقوم به الجهات العسكرية وكانت وكالة المخابرات المركزية في بداية تشكيلها ، وكان مجتمع المخابرات برمته اصغر كثيرا مما هو الآن وكان التجسس العسكري مقسما بين فرعين متواضعين احدها مخابرات الجيش والآخر مخابرات البحرية ، اما اليوم فقد اصبحت ميزانية المخابرات بالمليارات ولدينا عدد كبير من الاقمار الصناعية ذات قدرات متنوعة على الاستكشاف ويقال ان لدى وكالة المخابرات المركزية آلافا من الناس ولدى وكالة الامن القومي اشخاصا آخرين بالاضافة الى عدد من اقوى اجهزة الكمبيوتر في العالم وهناك وكالة مخابرات الدفاع ووكالة مخابرات الطيران بالاضافة الى عدد كبير من المعامل العسكرية التي يختص كل منها بموضوع واحد مثل الديناميكا الهوائية والصوتيات تحت الماء ودروع الدبابات .
لقد نما مجتمع المخابرات من حيث الحجم والتركيب والاهمية بحيث اصبح يحتاج الآن الى قائد متفرغ يكون هو مدير المخابرات القومية ، وبعد ان قلنا هذا يجب ان نذكر انه كان هناك منذ امد طويل تضارب في المصالح عند شخص واحد يدير كلا من مجتمع المخابرات بكامله ويدير في الوقت نفسه احد اجزائه الرئيسية وهي وكالة المخابرات المركزية فاذا تقرر مثلا خفض نفقات الامن القومي بنسبة كبيرة ستكون الولايات المتحدة في حاجة الى حكم نزيه ليحدد كيفية التخلص من التكرار الكبير الذي يحدث داخل مجتمع المخابرات والمشكلة الحقيقية هي انه مهما يكن من ضآلة او كبر التعديلات التي ستجري بشأن المخابرات المتعلقة بالاتحاد السوفييتي والمتعلقة بالمسائل العسكرية ستكون هناك مقاومة لذلك وستنبع تلك المقاومة من معتقدات مستقرة منذ امد طويل ونابعة من جذور منطقية واهم الحجج في هذا المجال هي ان الولايات المتحدة لا يجوز ان تعرض قدراتها العسكرية للخطر حتى اذا كان قادتنا يعتقدون ان الحاجة الى تلك القدرات ستكون اقل من المستقبل .
وخلال العقد الماضي حاول العسكريون ان يفرضوا مزيدا من السيطرة على عمليات المخابرات بما في ذلك بذل جهد كبير لتكرار قدرة وكالة المخابرات المركزية على توفير المعلومات عن طريق التجسس البشري وتمكن العسكريون خلال ذلك من تحويل جانب كبير من اعتمادات المخابرات الى حد ان نسبة تزيد على ثلث مجموع النفقات اصبح خاضعا لسيطرة البنتاجون وليس لمدير المخابرات وهناك نصف آخر يخضع للسيطرة المشتركة والحجج التي يقدمها العسكريون لاحداث هذا التحول لها وجاهتها ، فوكالة المخابرات المركزية لم توجه في اي وقت الاهتمام الكافي للمخابرات العسكرية فيما عدا المسائل المتعلقة بالجانب النووي الاستراتيجي .
وعلى ذلك فعلينا ان نوفق بين النفوذ المتزايد للعسكريين والاهمية المتناقصة للجزء العسكري في عمل المخابرات، وهنا ايضا ، الحل هو وجود مدير للمخابرات غير متحيز لا يكون بحاجة للدفاع عن وكالة المخابرات المركزية كما هو الحال الآن بل يكون قادرا على تخصيص كل وقته لتوزيع العمل والامكانيات بدون تحيز داخل مجتمع المخابرات ومع ذلك فانه يكون من الحكمة والكياسة ان يضمن القانون تمثيل العسكريين في الهيئة الجديدة لادارة المخابرات وينبغي النص على ان يكون المدير او نائبه من الضباط العسكريين العاملين او المتقاعدين وان يكون له ثلاثة نواب للرئيس يكون احدهم على الاقل من الضباط العسكريين الكبار .ويمكن ان يكون هذا الضابط هو نائب الرئيس المختص بشؤون الميزانيات وهذا المنصب موجود بالفعل في مجتمع المخابرات والتغيير الوحيد المطلوب هو ان يرسل الكونجرس بالاعتمادات مباشرة الى رئيس الجهاز ثم يقوم نائبه هذا بتوزيعها على مختلف الوكالات واذا لم يؤخذ بذلك يمكن ان يكون النائب العسكري هو النائب المختص بالتحليلات وهذا ايضا منصب موجود بالفعل وهو منصب رئيس المجلس القومي للمخابرات وتوسيع هذا المجلس امر ضروري عند الاخذ بمفهوم تعيين رئيس لجهاز المخابرات برمته لأنه اذا لم يوجد جهاز كبير بما فيه الكفاية يختص بالتحليلات لابقاء رئيس الجهاز على معرفة مستمرة بالتطورات فان مدير المخابرات القومية سيصبح معتمدا على غيره اكثر مما ينبغي .
واخيرا فان الضابط العسكري ربما يكون اصلح لمنصب نائب الرئيس لشؤون جمع المعلومات وهذه المهمة موجودة الآن في صورة محدودة هي صورة لجان تنسيق الجمع البشري والإلكتروني والفوتوغرافي والمطلوب هو المزيد من القوى العاملة لادارة هذه العمليات اما الدعم اليومي فيمكن ان يبقى لدى الادارات الاصلية وفي مقدمتها وزارة الدفاع .
والمرجو ان يكون في الوسع انشاء منصب المدير القومي للمخابرات عن طريق التناوب بين الوظائف بدلا من زيادة العدد الكلي للعاملين في مجال المخابرات فزيادة عدد العاملين وزيادة السيطرة المركزية ليسا دائما هما الحل الامثل للمشاكل ، وفي حالتنا هذه كانت المركزية آخذة في الزيادة منذ اليوم الاول لانشاء منصب مدير المخابرات المركزية ، فقد وجد كل مدير انه يجب ان يقوم بدور اكبر ايجابية وساعد رؤساء الجمهورية على زيادة سلطات كل منهم باطراد ويجب ان نتعظ الآن بالاحداث العالمية الدرامية التي وقعت في عام 1989 وما بعدها ونتبين اننا ينبغي ان ندخل تغييرات جوهرية على قدراتنا المخابراتية حتى نتمكن من ملاحقة العصر .
بقلم : ستانسفيلد تيرنر .
عن مجلة فورين افيرز .
مجلد 70 / عدد 4 / خريف 1991
تقديم
من الطبيعي بعد التغيرات المذهلة التي وقت في العالم والتي لم تترك مجالا الا وقلبته تقريبا ان تعيد الدول النظر في عقائدها العسكرية ومن ثم في استراتيجيتها الاستخبارية .
وعالم اليوم يشهد تغيرات تؤثر مباشرة على دور الاستخبارات كما يشهد مناقشات الا عن القليل منها حول دور الاستخبارات في المستقبل خاصة بعد توقف الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية والتي حكمت كل نشاط عسكري مباشر او غير مباشر في نصف القرن الماضي .
لقد بدأ النقاش حول مستقبل الاستخبارات قبل انتهاء الحرب الباردة وذلك عندما ادى التطور التكنولوجي الهائل الى اختراع وسائل تجسس لم تكن معروفة من قبل وتطوير الوسائل السابقة ، وبلغ الامر درجة جعلت القيادات السياسية والعسكرية تتصرف باستمرار عند وضع الخطط او التقديرات العملياتية على اساس ان الخصم يعرف ما لديها كله وانه لم تعد توجد اسرار عسكرية او حتى غير عسكرية تخفى عليه .
وتسابقت الدول المتصارعة الى تطوير شبكات الاقمار الصناعية التجسسية حتى امكن التقاط المكالمات التليفونية من على سطح الارض وتصوير الافراد وتسجيل احاديثهم وقد ادى ذلك في السنوات الماضية الى لجوء الاطراف المتصارعة الى عملية تمويه واسعة على سرعة التحريك والتحرك بحساب فترات الانذار المبكر المطلوب اي ان يتم تحريك الهدف المتعرض للخطر قبل ان يستطيع الخصم تحليل المعلومات الواردة له عنه وتوجيه ضربة استباقية له .
كانت مشكلة وقت الانذار المبكر هي الهاجس الذي يحكم القادة في جميع غرف العمليات وقد تصور البعض بعد توقف الحرب الباردة وبخاصة بعد انهيار مؤسسات الاتحاد السوفييتي ان مشكلة وقت الانذار المبكر قد انتهت او هي في طريقها الى الانتهاء بعد توقيع اتفاقيات نزع السلاح الاستراتيجي النووي وبعد تراجع خطر الضربات الصاروخية الاستباقية لمراكز الصواريخ النووية ، ولكن الكثيرين من المفكرين يسارعون الآن الى التحذير من مثل هذا التفاؤل خاصة وان دعاة تقليص الميزانيات العسكرية يبررون مطالبتهم هذه بتراجع دور القوة العسكرية في حل النزاعات الدولية .
ويقول العسكريون الذين يعارضون تخفيض الميزانيات العسكرية ان الصراعات في العالم ستظل تحتاج الى قوة عسكرية للتحكم فيها ولحلها بالردع ان لم يكن بشكل مباشر وان ثمة قوى اقليمية بازغة ستفرض على الولايات المتحدة الامريكية والغرب كله الاحتفاظ بقواها العسكرية بل وتطويرها لدرجة تنفيذ مخطط حرب النجوم لتلاشي خطر اي ضربة صاروخية مفاجئة حتى وان كانت بدائية ويذكر هؤلاء بحربي الخليج وبما حدث فيهما من قتال صاروخي هو الاول من نوعه في العالم كما يذكرون بحقيقة ان دولا اقليمية كثيرة اصبحت تملك امكانيات تقنية ومادية لصناعة الصواريخ وصناعة الرؤوس الحربية النووية والبيولوجية والكيمائية .
ويتفق هؤلاء العسكريون في ذلك مع سياسيين يرون ان تراجع صورة الصراع المسلح بين الدول لا عني تراجع الصراع بأوجهه المختلفة سواء منها العنيف او غير العنيف .
ويحذرون من انتشار بؤر التوتر في العالم : العرقية والاثنية والدينية والحضارية واحتمال تصادمها ( 923 بؤرة حسب ما جاء في بحث لتد روبرت جور منشور في مجلة ميديترينيان كوارتلي شتاء 1990 – ترجمة منشورة وعدد شؤون استراتيجية 23/1990 ) كما يحذرون من تطور اساليب الجماعات التي تستخدم العنف الصغير بحيث يمكن ان يصل عنفها الى شكل من الارهاب النووي او البيولوجي او الكيميائي .
ويحذر آخرون من الصراعات الاقتصادية التي تبرز الآن خاصة بعد ظهور عالم القطب الواحد وانتهاء الحرب الباردة الذي سيستمر لمرحلة قصيرة حيث ان قوى كاليابان وبعض دول اوروبا بل وحتى الصين ستحتل مواقعها في نادي الاقطاب وسيحتاج الامر في الصراع معها الى الاستناد الى قوة عسكرية ( بما في ذلك قوة المعلومات اي الاستخبارات ) .
ويطالب بعض الاستراتيجيين الآن باعادة تعريف الامن القومي وذلك بابراز دور القوة الاقتصادية ، ويستخلص ستانسفيلد تيرنر في بحثه الذي نقدمه في هذه النشرة ان ذلك معناه الحاجة الى مخابرات اقتصادية افضل ويقول :" ان الولايات المتحدة لا ترغب في ان تفاجأ بتطورات مثل الانطلاقات التكنولوجية والاستراتيجيات التجارية الجديدة والعجز المفاجئ في المواد الخام او الممارسات الاقتصادية الجائرة وغير القانونية التي تضر بالدولة " .
ويضيف انه بالاضافة الى التحول " نحو المخابرات الاقتصادية فان النظام العالمي الجديد يدعو الى مزيد من التأكيد على المخابرات السياسية في دول العالم الثالث ".... ويكرر ما سبق التحذير منه من ظهور صراعات كامنة قائلا " ونحن نعلم ان هناك توجهات عالمية نحو الاستقلال ونحو الديموقراطية بصفة عامة ، هذه التوجهات ستؤثر على دول مهمة مثل يوغوسلافيا ورومانيا والهند وكل الدول العربية ومعظم افريقيا " .
سيظل للاستخبارات دورها المهم وقد يتصاعد وستظل العلاقات بين اجهزة الاستخبارات قائمة على مستوياتها واشكالها كافة ، ومع ان البعض يقدر ان جانب الاحتكاك العدائي بين اجهزة الاستخبارات سيقل بسبب شيوع المعلومات والانفتاح فيها او ما يسميه البعض الآن بالجلاسنوست او الشفافية حيث تتزايد الدعوة الى الحرية والكشف عن الاسرار والتعامل في مجال المعلومات – الا ان ذلك لا يمنع ان الاطراف التي تعيش على هذا الكوكب ستظل تتصارع فيما بينها وستشكل تحالفات في مواجهة تحالفات وسيكون للاستخبارات دورها في كل ذلك .
من الذي سيقوم بعمليات المخابرات ؟ ان البعض يتصور انه مادام من الممكن للاجهزة والمخترعات الحديثة ان تحصل على كل المعلومات وما دام في امكان " اجهزة الكمبيوتر والعقول الصناعية ان تحلل هذه المعلومات وان تستنتج منها فان دور العنصر البشري سيتراجع بالضرورة ، وهناك معلومات اعلنها عالم الفيزياء ادوارد تيلر ( امريكي ) وهي انه يمكن الآن بناء نظام لشبكة الاقمار الصناعية يمكنه ان ينفذ الى اي نشاط متميز على سطح الارض ليلا نهارا حتى تحت غطاء من السحب او من الغابات بشكل متكرر يجعل الافلات امرا صعبا مما يجعل القدرة على الاستطلاع في اي مكان وفي اي وقت ذات قيمة عظيمة في العالم الجديد .
ويقدر هذا العالم الفيزيائي ان هذا النظام التجسسي سيتكلف 5 بلايين دولار لشرائه وبليون دولار لتشغيله .
ومع ذلك فان التجارب السابقة للقوى الكبرى في العالم وحتى تجربة حرب الخليج تبين ان الاجهزة التقنية لا يمكنها النفاذ من سحب يمكن ان نسميها " الغيوم الحضارية " ولا يمكن لأي عقل صناعي بل ولأي عقل غريب ان يفهم المعلومات الواردة اليه من منطقة حضارية اخرى وان يستنتج توجه اصحاب القرارات فيها .
وقد انكشف ذلك بوضوح بسقوط شاه ايران فلم تكن المعلومات تنقص الولايات المتحدة الامريكية ولكن تحليلاتها لم تكن صحيحة كما سبق وانكشف في حرب اكتوبر التي تؤكد الآن ان معلومات الحشد العسكري المصري والسوري كانت بين ايدي اجهزة المخابرات الامريكية والاسرائيلية ولكن القيادات السياسية الاسرائيلية بما فيها قيادة المخابرات فشلت في استخلاص النتائج الصحيحة لأسباب حضارية جعلتهم لا يقدرون الدوافع والنوايا العربية كما جعلتهم يبالغون في قوتهم وقد حدث الامر نفسه في ازمة الخليج التي كشفت عن فشل الاستخبارات الغربية والاسرائيلية في توقع الاجتياح العسكري العراقي للكويت وتوقيته ( انتقدت امريكا فيما بعد معلومات المخابرات الاسرائيلية " الموساد " حول مواقع منصات الصواريخ كما فشلت مخابراتها هي في تحديد مواقع هذه المنصات مسبقا وحتى عدد الصواريخ الموجودة ) لذلك ينبه استراتيجيون كثيرون الآن في الغرب الى خطورة الاعتماد على الاستخبارات التقنية وحدها ويحذرون من التخلي عن عنصر الاستخبارات البشرية ، والبعض يضيف تكلفة الاستخبارات التقنية العالية بالمقارنة بتكلفة الاستخبارات البشرية والبعض يشير الى خطورة حيادية الاستخبارات التقنية التي لا تستطيع فهم المعلومات بشكل حضاري حي .
يقول جورج كارفر الابن في مقالة بعنوان الاستخبارات في عصر المكاشفة ( فورين افيرز صيف 1990 ) " لا تنقسم الاستخبارات البشرية وغيرها من العمليات الى اقسام معزولة عن بعضها ، بعضها مكشوف والآخر مستتر وانما تشغل حيزا يتراوح بين استخدام الشخص لعينيه واذنيه بينما ينخرط في انشطة علنية مشروعة او تشجيع الآخرين على فعل ذلك وعمليات التخابر الكلاسيكية المرتبطة بكامل اسلحة العمل السري وهذه المراحل المتعددة ليست منفصلة بشكل حاد بحيث تقود احداها الى التي تليها دون تمهيد تقريبا " .
ويوصي كل من كتب في هذا الموضوع خاصة منذ نهاية حرب الخليج باعادة النظر في دور الاستخبارات البشرية دون تضييقه ويؤكدون ان هذا التجسس البشري يجب ان يتم توظيفه باختيارات دقيقة ، ويوصي احدهم القيادة الامريكية بالقاء " المزيد والمزيد من العملاء البشريين " لأن تلك هي الطريقة الوحيدة للتغلغل الى العقول المعادية – كما يقول كاتب هذه الدراسة وهو خبير بالمهنة والدراسة في مجال الاستخبارات .
المخابرات في ظل نظام عالمي جديد
ليس في الوسع المبالغة في مدى سيطرة جمع المعلومات عن الاتحاد السوفييتي وخاصة عن قوته العسكرية على عمليات مخابرات الولايات المتحدة منذ بداية الحرب الباردة ، اما اليوم فنظرا لتضاؤل الخطر العسكري السوفييتي على اوروبا الغربية والانخفاض الحاد في الاقتصاد السوفييتي فان هذا التركيز على ذلك البلد وعلى جانبه العسكري لا بد ان يقل عما كان عليه وسوف يكون هناك اختلاف في الرأي بشأن حجم الانقاص اللازم ولكن يصعب تصور ان يكون هناك من يقول انه ليس من واجب المسؤولين عن المخابرات احداث تغيير كبير .
وسوف يلقى اي انقاص للجهد الموجه لمناهضة الاتحاد السوفييتي مقاومة شديدة في ال " سي اي ايه " حيث وصلت روح الحرب الباردة الى اعماق بعيدة كما ان اي انقاص للجهد المناهض للخطر العسكري السوفييتي سوف يلقى معارضة من جانب مختلف اجهزة المخابرات لأن سبب وجودها ذاته هو هذا الخطر ومع ذلك فان اثنين من تلك الوكالات للمخابرات العسكرية لا تجمع فقط معلومات عسكرية بل تجمع ايضا جزءا كبيرا من البيانات السياسية والاقتصادية الامريكية المتعلقة بالاتحاد السوفييتي وهما :
وكالة الامن القومي وهي المسؤولة عن معظم اجهزة التنصت الالكتروني ، ووكالة جمع المعلومات بالاقمار الصناعية التي تتولى تشغيل جميع الاقمار المعنية بجمع المعلومات " .
ولن يتطلب الامر مجرد وضع اولويات جديدة على اساس منطقي بل يتطلب ايضا احداث بعض التغييرات التنظيمية بما في ذلك خلق منصب جديد يسمى مدير المخابرات القومية .
ثانيا
ماذا ينبغي ان تكون عليه الاولويات الجديدة ؟ وهل هناك موضوعات لها من الاهمية للصالح الوطني ما يجعلها تحل محل الاتحاد السوفييتي كمحور لعمل المخابرات الامريكية ؟ هناك موضوعات كهذه وذلك لسبب بسيط وهو اننا نعيش في عصر المعلومات ، ويوما بعد يوم يزداد صدق مقولة ان الحصول على افضل المعلومات هو مفتاح النجاح في اي مجال من مجالات العمل ، وكانت المزية الكبرى التي تمتعت بها القوات الامريكية على العراق في حرب الخليج راجعة الى ان واشنطن كانت تعرف عما يفعله العسكريون في بغداد اكثر مما تعرفه العراق عن القوات الامريكية ، او فلنتصور مدى المساعدة التي تتحقق في المفاوضات التجارية الدولية اذا عرفنا بدقة نوع وحجم الدعم الداخلي وغيره من الوسائل التي يستخدمها الطرف الآخر ، لقد كانت المعلومات دائما مصدرا للقوة ولكن هناك اليوم فرصا اكبر للحصول على معلومات جيدة ولدى الولايات المتحدة القدرة على ذلك اكثر من اي بلد آخر .
وتلك المزية لا يجوز التخلي عنها لمجرد ان الحرب الباردة قد انتهت حتى اذا كنا لا نستطيع ان نحدد اليوم بدقة نوع العمليات التي ستتيح لنا اكبر قدر من القوة بعد عشر سنوات مثلا ولن يتطلب الامر تكاليف تذكر من اجل المحافظة على الدهر البشري للمخابرات الامريكية او توسيع نطاقه وانما الذي سيتطلب تكاليف باهظة هو انشاء شبكة قوية من الاقمار الصناعية لديها ادوات استطلاع متنوعة وتستطيع واشنطن بسهولة ان تنشئ نظاما يكتشف اي نشاط مهم يجري على سطح الارض نهارا او ليلا ، تحت السحب او في اعماق الغابات ، وتستطيع ان تجعل ذلك الاستكشاف متكررا بحيث يصعب تجنبه مهما بذل الخصم في ذلك من جهود وقد قدر عالم الطبيعيات ادوارد تلر ان مثل هذا النظام يتكلف 5 مليارات دولار لانشائه ومليار دولار سنويا لتشغيله ولو تكلف هذا النظام ضعف هذا الرقم لكان صفقة رابحة لأن القدرة على الرؤية في اي مكان وفي اي وقت ستكون امرا بالغ الاهمية في هذا العالم الجديد المجهول الذي نتوقعه في المستقبل .
ولا يقتصر الامر على هذه الحجة العامة لتأييد الاستمرار في بذل جهد استخباراتي واسع النطاق ، فالأثر المحدد الواضح الآن للنظام العالمي الجديد هو ، باستثناء الاسلحة النووية السوفييتية ، الخطر الداهم الذي يتهدد الامن القومي الامريكي في المجال الاقتصادي ، لقد تحولت الولايات المتحدة من كونها من اكبر البلدان الدائنة الى اكبر بلد مدين في العالم وهناك صناعات لا حصر لها لم تعد الشركات الامريكية قادرة على المنافسة في مجالها وعلى ذلك فمن واجبنا ان نعيد تعريف " الامن القومي " بأن نعطي للقوة الاقتصادية اهمية اكبر ومعنى ذلك اننا سنكون في حاجة الى مخابرات اقتصادية افضل ولن يكون في صالح الولايات المتحدة ان تفاجأ بتطورات عالمية مثل حدوث فتوحات تكنولوجية او اتباع استراتيجيات تجارية " مركانتيلية "( كانت هي السياسة الاقتصادية التي اتبتعها الدول التجارية الرئيسية في القرون 16 و 17 و 18 وتقوم على ان افضل ما يخدم اقتصاد البلد هو زيادة الصادرات مقابل جمع المعادن النفيسة وكان تدخل الدولة مطلوبا لضمان ان يبيع البلد اكثر مما يشتري ، وفي ظلها تسيطر الحكومة على الحياة الاقتصادية عن طريق تنظيم الانتاج وتشجيع التجارة الخارجية وفرض الضرائب على الواردات وابرام المعاهدات لكسب احتكار بعض الاسواق والولايات المتحدة تتهم اليابان الآن باتباع سياسة من هذا النوع ) جديدة او حدوث ازمات مفاجئة في المواد الخام او اتباع بعض البلدان لممارسات اقتصادية غير منصفة او غير شرعية تضر بالولايات المتحدة .
فاذا كان الهدف من جمع المعلومات الاقتصادية هو تعزيز القوة الاقتصادية القومية فان ذلك يتطلب ان تصبح دوائر اعمالنا اكثر قدرة على المنافسة في السوق العالمية فكيف يمكن ان نحقق ذلك بمعلومات نحصل عليها سرا من الخارج ؟ ان المعلومات الاقتصادية يمكن ان تمتد من الاتجاهات العامة التي تتبعها دوائر الاعمال الاجنبية حتى العطاءات التي تقدمها شركات اجنبية منافسة للشركات الامريكية بشأن عقود محددة في البلدان الاخرى ، يقول البعض انه عندما يتعلق الامر ببيانات محددة مثل العطاءات التنافسية لا يجوز للحكومة ان تكون شريكا مع دوائر الاعمال لأن ذلك يخل بنظام المشروعات الحرة ومع ذلك يقولون انه ليس للولايات المتحدة ان تخجل من سرقة الاسرار العسكرية اذا كان ذلك سيساعدها في انتاج اسلحة افضل .
واذا كان هناك الأن اعتراف بأن القوة الاقتصادية عنصر اساسي في الامن القومي على قدم المساواة مع القوة العسكرية فلماذا تشعر امريكا بالقلق من سرقة واستعمال الاسرار الاقتصادية ؟ ولكن اذا وفرت الحكومة المعلومات الاقتصادية لشركات امريكية بعينها ، فكيف ستحدد واشنطن الشركات المستفيدة ؟ وماذا عن شركة تمارس نشاطها في الولايات المتحدة وتوفر فرص العمل للامريكيين ولمنها مملوكة للاجانب ؟ هذه مشاكل محيرة ولكن البت فيها يجب ان يترك لوزارة التجارة لتفصيل بشأنها في كل حالة على حدة وهناك وسيلة يمكن اللجوء اليها اذا لم يوجد غيرها وهي جعل المعلومات علنية وقد لا يكون في ذلك مساعدة للشركات الامريكية بالقدر الذي يرغب فيه البعض ولكنه يمكن ايضا ان يقلل المزية التي تتاح لمؤسسات اجنبية على المؤسسات الامريكية .
واذا كانت هناك اسئلة بشأن المدى الذي ينبغي لحكومة الولايات المتحدة ان تذهب اليه في توفير بيانات المخابرات لشركات امريكية بعينها فليس هناك شك في ان البلدان الاجنبية الصديقة تستخدم مخابراتها ضد دوائر الاعمال الامريكية ولا شك في ان الجميع يتفقون على انه ينبغي لوكالات المخابرات الامريكية ان تعمل في تعاون وثيق مع دوائر الاعمال الامريكية لمنع وصول المعلومات الاساسية الى اجهزة التجسس التي ترعاها الحكومات الاجنبية ، ومؤدى هذا كله انه في عصر الاهتمام المتزايد بالقوة الاقتصادية ، لا بد ان تكون هناك علاقة تكافل اقوى بين عالمي المخابرات والاعمال .
وبالاضافة الى التحول الى المخابرات الاقتصادية فان النظام العالمي الجديد يتطلب المزيد من التركيز على المخابرات السياسية في بلدان العالم الثالث وينبغي الا ننسى انه خلال السنوات العشر الماضية ادت الاحداث السياسية في ايران وليبيا وجرينادا وبنما ولبنان والكويت الى دفع الولايات المتحدة الى الالتزام باستخدام القوة العسكرية ، ولم تكن الولايات المتحدة تتوقع انها ستتدخل بصورة مباشرة في اي من هذه الحالات ونحن لسنا على ثقة بقدرتنا اليوم على التنبؤ بالمكان الذي سنجد اننا بحاجة الى التدخل فيه غدا .
وهناك منافسات وطنية تهتم واشنطن بنتيجتها اشد الاهتمام مثل المنافسة بين العالم العربي واسرائيل او بين باكستان والهند او بين كوريا الشمالية والجنوبية او بين المؤتمر الوطني الافريقي وحكومة جنوب إفريقيا او بين العراق وايران ونحن نعرف ان هناك اتجاهات عالمية نحو الاستقلال او الحكم الذاتي لجماعات طائفية او دينية او قومية وان هناك اتجاهات نحو الديموقراطية عموما ، وهذه الاتجاهات سوف تؤثر في بلدان يهمنا امرها مثل يوغوسلافيا ورومانيا والهند والعالم العربي بكامله ومعظم انحاء افريقيا ، ونظرا لانخفاض التنافس الناشئ عن الحرب الباردة في العالم الثالث ، يجوز ان تنظر واشنطن الى تلك الحالات غير المستقرة بنظرة اكثر هدوءا وتصبح اقل رغبة في التدخل ، ومع ذلك لن تتمكن الولايات المتحدة من اجراء اختيارات سليمة الا اذا توافرت لديها المعلومات .
واخيرا فهناك مشاكل عالمية متفاقمة مثل الارهاب والاضرار بالبيئة والاتجار في المخدرات وكلها تتطلب من الولايات المتحدة ان تجمع معلومات من مصادر مختلفة ، واذا وجد نظام عالمي لجمع البيانات فستكون هناك استخدامات كثيرة مفيدة للمعلومات التي يجمعها مثل المساعدة في تطوير المناطق النائية المختلفة وفي عمليات الاغاثة من الكوارث .
ثالثا
ان الحاجة الى المخابرات العسكرية في النظام العالمي الجديد ستتناقص ولكنها لن تختفي وما دام الاتحاد السوفييتي يحتفظ بقوات عسكرية تقليدية كبيرة يجب على الولايات المتحدة ان تأخذها في اعتبارها وان كان ذلك بقدر اقل من الانزعاج ، كما ان القوات النووية السوفييتية ستحتاج الى نفس القدر من الانتباه ان لم يكن اكثر اذا طلب من الولايات المتحدة ان تتحقق من اتفاقيات للحد من التسلح تزداد تعقيدا باستمرار وكذلك فان واشنطن ستكون بحاجة الى ان تعرف البلدان التي تنكص عن وعودها وتقوم بصنع وتخزين اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجيا وحتى الاسلحة التقليدية لتلك البلدان ستتطلب الاهتمام نظرا لأن واشنطن ستكون بحاجة لأن تعرف مقدما المعلومات عن العمليات العسكرية المنوية مثل غزو العراق للكويت وهذه الضوابط العالمية على الاسلحة وعلى نوايا البلدان بشأن استخداما سوف تتطلب نظاما قويا للرصد والتحقق ولكن في ظل نظام عالمي جديد اكثر ودا ستكون الولايات المتحدة راغبة في ان يكون هذه النظام غير شخصي بقدر الامكان ومن ثم فانه لا يحمل اتهاما لبلد معين قدر الامكان .
ونحن لا نريد ان يضبطنا الاصدقاء متلبسين بالتجسس لأن ذلك امر يدعو الى الحرج اكثر من ان يضبطنا خصم يرى ان التجسس لا يعدو ان يكون وجها آخر من اوجه علاقة غير ودية ، وليس الامر امر احراج فحسب اذ ان كفاءة الولايات المتحدة في الحفاظ على النظام في العالم الجديد سترتبط ارتباطا مباشرا بقدرتها على تكوين تحالفات بين البلدان لمواجهة المشاكل الدولية ، ومع ذلك فاننا نحن نزيد اهتمامنا بالحصول على معلومات اقتصادية سنكون مضطرين الى التجسس على البلدان الاكثر تقدما اي على حلفائنا واصدقائنا الذي نتنافس معهم اقتصاديا – ولكنهم هم الاصدقاء انفسهم الذين نتجه اليهم اولا للحصول على المساعدة السياسية والعسكرية عند وقوع الازمات ، ومعنى ذلك انه بدلا من اللجوء غريزيا الى التجسس البشري في الموقع ستكون الولايات المتحدة في حاجة الى البحث عن تلك الانظمة التقنية غير الشخصية وفي مقدمتها التصوير بالاقمار الصناعية والاستكشاف عن طريقها .
وليس معنى ذلك اننا يجب ان نتخلى عن عمليات المخابرات البشرية في النظام الدولي الجديد وانما يعني انه ينبغي استخدام التجسس البشري بطريقة اكثر انتقائية وذلك مخالف على طول الخط لما يسمعه المرء حتما عندما يحدث " فشل " في المخابرات مثل عدم توقع غزو العراق للكويت والتهمة معروفة ، اذ يقال ان علينا ان نلقى بالمزيد والمزيد من العملاء من البشر في مواجهة هذه المشاكل لأن الوسيلة الوحيدة للدخول الى عقول الخصوم وكشف النوايا هي العملاء من البشر .
وكقاعدة عامة فان ذلك غير صحيح فالتصنت الالكتروني ربما يكون اكثر فائدة في التعرف على النوايا وعلى سبيل المثال اذا قام احد المسؤولين في البلدان الاخرى بكتابة شيء عن خططه في رسالة والتقطتها الولايات المتحدة او اذا ناقش تلك الخطط وسجلنا المناقشة في جهاز للتصنت فان الحصول على تلك المناقشة الحرفية سيكون مصدرا يمكن الاعتماد عليه بدرجة اكبر من الاعتماد على تقرير غير مباشر يكتبه احد العملاء وليست المسألة هي مجرد ان للعملاء تحيزاتهم الخاصة وجوانب ضعفهم البشري بل ان هناك دائما احتمال ان يكون العميل يعمل لحساب جهة اخرى .
وهناك عدد من الامثلة الحديثة التي تمكنت فيها انظمة المخابرات التقنية من كشف النوايا او كان يجب ان تتمكن من ذلك كان احدها في سنة 1986 عندما التقطت الولايات المتحدة رسائل صادرة من الحكومة الليبية الى سفارتها في المانيا الشرقية ، يتبين منها علمها المسبق بهجوم ارهابي بالقنابل في برلين الغربية .
وحاولت الحكومة الامريكية ان تستخدم تلك المعلومة لافساد الخطة لكن المعلومات كانت لسوء الحظ غير محددة بالقدر الكافي ، مثال آخر هو العملية الارهابية لقصف ملحق السفارة الامريكية في بيروت في سبتمبر 1982 فقد بينت الصور التي التقطتها الاقمار الصناعية قبل العملية ولكن تم تجاهلها لسوء الحظ ، ان هناك من اقام هيكلا لملحق السفارة ودفاعاته واخذ يجرب قيادة سيارات النقل لاقتحامها .
وليس التجسس البشري الوسيلة الوحيدة للتعرف على النوايا ولكن هناك مجالا تنفرد به هذه الوسيلة بالفعل وهو مجال تزداد فيه احتياجات الولايات المتحدة : هو التنبؤ بالاحداث الناتجة من التراكمات التحتية في موقف الجمهور مثل العداء المتزايد لحكومة قائمة او انفجار اعمال الهدم الناتجة من الحماسة الطائفية او الدينية وقد يبدو من الغريب لأول وهلة ان يستخدم جهاز التجسس البشري لجس نبض الجمهور ، فالتجسس البشري يقوم عادة على تجنيد عملاء مقربين الى احد الافراد المهمين او احد الاجهزة التي تتخذ القرارات او زرع اجهزة تنصت في المكان الصحيح او تصوير الوثائق في الخفاء ، غير ان الولايات المتحدة تواجه الآن عددا متزايدا من الحالات التي لا يكون الهدف فيها خطة حسنة الاعداد استكملت صياغتها من خلال مناقشات يمكن ان تصنت عليها او خطة وضعت في صورتها النهائية ويمكن الحصول على نسخة منها .
وعلى سبيل المثال ففي وجودي كمدير لل " سي اي ايه " كان اكبر فشل منينا به هو اننا لم نهتم بالقدر الكافي بالمياه الخطرة التي كان الشاه رضا بهلوي شاه ايران يبحر فيها في 1978 ، ولم يكن ما نحن بحلجة الى معرفته هو ان آية الله روح الله الخوميني وزملاءه يتآمرون سرا في باريس ويستخدمون اساليب غير مألوفة مثل ارسال اشرطه مسجلة للدعاية في ايران ولو اننا حصلنا على ذلك النوع من المعلومات عن خطط الخميني لتساءلنا عما اذا كان اي منها يمكن ان يحقق نتيجة ملموسة وانما كان ينقصنا ان نعرف عمق ومدى الشعور المناهض للشاه داخل ايران وكان ذلك هو الشيء الذي مكن الخميني من اشعال البلد ، فقد كانت تلك المشاعر المناهضة للشاه منتشرة بين فئات متباينة لم تجتمع الا لغرض محدد ومؤقت هو اسقاطه .
وكان الوضع ببساطة ان من يعملون لحساب المخابرات الامريكية ليسوا على صلة برجال الدين في المساجد الذين كانوا يقولون للفلاحين ان الشاه " يدنس " الاسلام ، كما لم يكونوا يعملون مع التجار في الاسواق ممكن كانوا ساخطين لسيطرة النظام على الاقتصاد ، ولم يكونوا على اتصال بالمثقفين سياسيا الذي كان يثير سخطهم عدم استعداد الشاه لاقتسام السلطة ، لم يكن الامر مجرد اننا لا نتحدث مع قطاع مستعرض من الشعب بقدر كاف بل اننا لم نكن ايضا نأخذ عينات كافية من جميع انحاء البلد وكان ذلك راجعا جزئيا الى ان وزارة الخارجية الامريكية ومعها ال سي اي ايه ، كانت خلال العقود السابقة قد قصرت عملياتها على العواصم ومدينة او مدينتين في البلدان الرئيسية .
ومع ذلك فان الدبلوماسيين الامريكيين يبذلون جهودهم ليكونا على معرفة بموقف الرأي العام وذلك منطقيا واجبهم وليس واجب اجهزة المخابرات ومن المؤسف ان رجال السلك الدبلوماسي يبذلون جهودا اقل واقل في هذا المجال وربما يكون ذلك راجعا جزئيا الى ان اعباء الدبلوماسية آخذة في التزايد خاصة وان البلدان الشمولية مثل ايران في عهد الشاه ، لا ترتاح لقيام اتصالات بين موظفي وزارة الخارجية وجماعات المعارضة التي يكون بعضها ليس له وضع قانوني وكان في توسع رجال المخابرات الذين لا تعرف الحكومة المحلية انهم يعملون لحساب الحكومة الامريكية ان ينهضوا بالمهمة او كان في وسعهم ان يجندوا عملاء محليين يقومون سرا بجمع عينات من الرأي العام ومن شأن هذه العملية الاخيرة ان تكون اكثر فاعلية على اي حال نظرا لاحتمال ان يقوم المواطنون الذين تجرى المقابلات معهم بتحوير إجابتهم عند اعطائها لأشخاص من الاجانب وذلك بالاضافة الى اننا نحتاج لأن يقوم الفرد ذاته بعملية جمع العينات على امتداد عدة سنوات ، فليس المهم هو ما تقوله احدى العينات بالذات بل ما يطرأ عليها من تغييرات مثل هل هناك زيادة او نقصان في تأييد الحكومة او معارضتها .
ومن الامثلة على اهمية فهم موقف الجمهور تجربتنا في ارسال قوات لحفظ السلام في بيروت ابتداء من 1982 ، فقد فشلت المخابرات الامريكية في التعرف على عمق العداء لهذا الوجود العسكري الامريكي وعندما بدأ الجمهور ينظر الى القوات الامريكية على انها مساندة للحكومة ذات الغالبية المسيحية لا على انها قوات لحفظ السلام اندفعت موجة من الاعمال الارهابية من جماعات مختلفة ادت الى اخراج قوات حفظ السلام الامريكية وكذلك الدبلوماسية الامريكيين من لبنان ، وقد عرفنا ذلك لا لأن بعض رجال الدين الاصوليين الإسلاميين عقدوا اجتماعات سرية ربما كان في وسعنا ان نسرب اليها احد العملاء بل لأن سلسلة القاء القنابل والخطف والقتل الرامية الى تخويف واشنطن جاءت من جانب عدد من الجماعات الدينية والطائفية في لبنان وكان الأثر التراكمي للأعمال المنفردة لكل واحدة من تلك الجماعات هو الذي ادى الى خروجنا وكان في وسع من يعملون لصالح مخابراتنا سرا ان ينشروا بين تلك الجماعات ويتعرفوا على مواقفها ويبينوا انها آخذة في الزيادة بحيث كادت تصل الى حد الازمة .
ومن الحالات الاخرى التي لم نكن فيها على بينة من المواقف المهمة للأهالي المحليين ، حالة نيكاراجوا في الثمانينات فرغم ان ال سي اي ايه كانت تعمل بقوة على مساعدة الكونترا فانها لم تكن تعرف مدى قوة معارضة السكان من غير الكونترا لحكومة السندنيستا ، ويكفي اننا لم نكن نعرف ان فيوليتا باريوس دي كامورو المرشحة المعارضة للسندنيستا كان يمكن ان تكسب انتخابات فبراير 1990 بتلك النسبة العالية ، وكان التعرف على تلك المواقف يعتبر عملا جوهريا للمخابرات نظرا لأن الكثير من ابناء نيكاراجوا كانوا يخافون الاعراب عن آراء مناهضة للسندنيستا ولكن هذا بالتحديد هو نوع المعلومات الذي يدرب العاملون في المخابرات من البشر على القيام به .
ومن الامثلة الصارخة على الفشل في فهم الثقافات والمواقف الاجنبية ، الفكرة التي انتشرت داخل ال سي اي ايه والقائلة بأن بيع الاسلحة لايران في 1989 هو السبيل لدعم موقف الإيرانيين " المعتدلين " الذين يمكن ان يسقطوا حكومة الخميني ولكن عندما توجه روبرت مكفرلين المستشار السابق للامن القومي سرا الى طهران للتفاوض وجد ان شخصا في مركز رفيع مثل حجة الاسلام هاشمي رفسنجاني خاف من حضور الاجتماع لئلا يتهم بأنه يتآمر مع " الشيطان الاعظم " وكان ذلك كله بعد مرور سبع سنوات على خطأ ال سي اي ايه ( في وقت رياستي ) في تقدير مدى عداء الاصوليين الاسلاميين للولايات المتحدة .
رابعا
ورغم ان هذه الامثلة تبين ان لدى الولايات المتحدة فجوة مخابرات خطيرة ينبغي ملؤها فلن يكون من السهل دفع الخدمات السرية للحكومة الى ان تفعل ذلك ، وموظفو ال سي اي ايه مدربون على تجنيد العملاء وزرع الميكروفونات وتصوير المستندات ولكن ان يطلب منهم ان يذهبوا للتعرف على مواقف الرأي العام اشبه بأن نطلب من قائد طائرة مقاتلة ان يترك طائرته النفاثة الاسرع من الصوت ليعمل ملاحا عاديا في طائرة مدنية بمحرك ضعيف .
وليس معنى ذلك ان قياس الرأي العام ينبغي ام يصبح المهمة الرئيسية للإدارات السرية الامريكية ، فقد شهدت واشنطن في الآونة الاخيرة امثلة عديدة كانت فيها في حاجة ماسة الى ممارساتهم التقليدية في تجنيد العملاء من اجل التغلغل داخل الحكومات ، وكان من تلك الحالات معرفة ما اذا كان صدام حسين يعتزم كهاجمة الكويت في اغسطس 1990 ومن الحالات الاخرى كانت معرفة مكان وجود مانويل انطونيو نورييجا عندما قامت الولايات المتحدة بغزو بنما في ديسمبر 1989 ولسوء الحظ فان رجال المخابرات الامريكيين العاملين في كلتا الحالتين لم يستطيعوا معرفة نوايا هذين الحاكمين المستبدين ، فلماذ حدث ذلك ؟
في بنما كان الوضع مثاليا لتجنيد العملاء وكان للولايات المتحدة وجود كبير هناك منذ امد طويل مما يجعل من السهل اقناع بعض ابنميين بأنهم يستطيعون ان يستفيدوا من تأييد الحكومة الامريكية ومع ذلك فعندما دخلت القوات الامريكية الى بنما احتاج الامر الى اربعة ايام طوال عانت خلالها الحرج قبل ان تتمكن من معرفة مكان الديكتاتور ولا شك في ان نورييجا حرص على الابتعاد عن طريق القوات الامريكية بتغيير مكانه بصورة مستمرة واستخدام سيارات متماثلة واشخاص يحلون مكانه وكان ما تحتاجه الولايات المتحدة ومن الواضح انه لم يكن لديها ، هو شخص يشغل مكانه في البطانة المحيطة بنورييجا مباشرة ولم يكن للولايات المتحدة ايضا شخص في الدائرة الداخلية لصدام حسين وكان العراق تحديا اكبر نظرا للفوارق الثقافية والصعوبات التي كان يواجهها اي امريكي يعمل هناك في ذلك الوقت والمخاطر التي يتعرض لها اي شخص تقوم بتجنيده المخابرات الامريكية .
وهناك اسباب عديدة جعلتنا غير قادرين على احداث مثل هذه الاختراقات وستجعلنا على الارجح غير قادرين على نصل بتجسسنا الى ما نريد له ان يكون ، فقبل كل شيء تعد المخابرات المركزية الامريكية منظمة حديثة نسبيا ولم يسبق لها في اي وقت ان وجدت تراثا صحيحا في هذا المجال ، وفي الايام الاولى للمخابرات المركزية كان جيمس انجلتون رئيس جهاز مقاومة التجسس بها يخاف من احتمال تسلل السوفييت الى الوكالة مما منعه من تجنيد عملاء سوفييتي وبعد ان ترك انجلتون منصبه حدث اندفاع في التجنيد ادى الى سوء اختيار العملاء في حالات كثيرة وما زال على وكالة المخابرات المركزية ان تنشئ جهازا سريا متوازنا .
وهناك ايضا مشكلة عاجلة وهي ان موظفي الوكالة يعملون في ظل عائق خطير وهو عدم قدرتهم على الاحتفاظ ب " غطاء " جيد ، وحكومة الولايات المتحدة لا تطلب من العاملين في مجال التجسس ان يقدموا التضحيات التي يطلبها السوفييت من عملائهم ، فعملاء السوفييت يتركون مساكنهم ويعيشون لفترات طويلة في بلد اجنبي ويكتسبون جنسيته ويشتغلون بأعمال عادية عدة سنوات قبل البدء في عمليات التجسس وليس في وسعنا ان نطلب من الامريكيين ان يذهبوا الى بلدان غالبا ما تكون استبدادية وهي البلدان التي تحتاج الى التجسس عليها وان يعيشوا بتلك الطريقة ، كما ان واشنطن لا تحب ان تعرض العملاء الامريكيين للعقوبات المترتبة على القبض عليهم وهم يتجسسون دون ان تكون لهم الحصانة الدبلوماسية .
والولايات المتحدة ليست بارعة حتى في الاحتفاظ بالغطاء المحدود الذي تنشئه ، فمعظم اجهزة الحكومة الامريكية لا ترحب بأن تضم موظفين سريين لوكالة المخابرات يتظاهرون بأنهم من العاملين فيها ورجال المخابرات السريون انفسهم لا يكونون على استعداد في الغالب لدفع ثمن الاندماج بالكامل في عمليات ادارات اخرى لأن ذلك يحتاج منهم الى العمل وقتا كاملا في وظيفتين في وقت واحد .
ونظرا لهذه الصعوبات لا يتوقع ان تتمكن الحكومة من احداث تحسن ملموس في عمليات التجسس البشري ومع ذلك فمن واجبنا ان نحاول لأن العائد يمكن ان يكون كبيرا في حالة النجاح وينبغي ان تبلغ جميع الجهات التابعة للحكومة الامريكية بأن التجسس البشري نشاط تجيزه الرئاسة ويجيزه الكونجرس وانها ينبغي ان تقوم بدور فيه بل ان بعض الهيئات الحكومية يجب ان يطلب منها ان تنشئ اعمالا جديدة فيما وراء البحار حتى تتخذ غطاء جيدا لوكالة المخابرات .
وينبغي للإدارة السرية في المخابرات ان تبذل هي ايضا المزيد من الجهود اذ يجب اولا ان تدرك ان تكلفة الغطاء زادت زيادة كبيرة وفي احسن الاحوال فان نسبة لا تزيد على 20-30% من وقت ضابط المخابرات سينقضي في عمله من اجل المخابرات ، وثانيا يجب ان تقبل الادارة السرية مسألة عدم وجود مكتب مستقل للمخابرات في كل سفارة ، فهذه المكاتب يمكن اكتشافها بسهولة تامة وكان من الحقائق المثيرة التي صادفتها في سنوات عملي في وكالة المخابرات ان للوكالة ناديا خاصا بضباطها العاملين فيما وراء البحار في الخمسينات وذلك في الوقت الذي كان الاعتماد الرئيسي فيه قائما على التجسس البشري ، وكان معنى ذلك عمليا تسهيل الكشف عن الأدوار التي يقوم بها العملاء .
وثالثا لا بد من تغيير نظام مكافأة العاملين في التجسس فالمكافأة تعتمد في الوقت الحالي على عدد العملاء الذين يتم تجنيدهم في حين ينبغي ان يكون التركيز على نوعية المعلومات التي يتم الحصول عليها وان يكون التقييم خلال فترة طويلة نسبيا من الزمن .
واخيرا فان نوعية الاشخاص الذين يدخلون في مجال التجسس يجب ان تتغير تبعا لتغير الاهداف ، فسوف نحتاج الى ضباط على اطلاع واسع في الاقتصاد وفي الشؤون التقنية مثل الانتشار النووي اكثر مما نحتاج الى أخصائيين في العلوم السياسية في جوانبها المتعددة ممن كانوا تقليديا يمثلون العمود الفقري للادارة السرية .
وجملة القول ان النظام العالمي الجديد سوف يوجد انظمة تقنية تقوم بعمل الاسلحة يكون احد حديها جمع المعلومات عن بعد ويكون حدها الثاني التجسس البشري ويمكن استخدام كل منهما بمهارة لأغراض محددة بعناية وفوق كل شيء يجب ان يكون لدى الولايات المتحدة القدرة على الجمع بين كل من الجهدين البشري والتقني اللذين يؤدي اجتماعهما الى النجاح في جمع المعلومات ، ولكل من الأسلوبين نقاط قوته وضعفه وعلينا ان نضع كل منهما في خدمة الآخر .
خامسا
وضمان هذا التنسيق هو مسؤولية مدير وكالة المخابرات المركزية ومن الناحية النظرية فان لديه سلطة القيام بهذا التنسيق ولكن من الناحية العملية فان الآليات المتاحة له غير كافية والمطلوب هو ايجاد علاقة بين مدير المخابرات المركزية واجهزة جمع المعلومات شبيهة بالعلاقة بين القائد العسكري الميداني والجيش والاسطول والطيران وهي العلاقة التي كانت احد مفاتيح نجاح الجنرال شوارتسكوف في حرب الخليج ، فقد كانت لشوارتسكوف السيطرة الميدانية الكاملة على جميع الاسلحة التابعة له وكان على افرع الجيش والاسطول والطيران مسئولية توفير الدعم لتلك القوات ، اي جمع وتدريب الاشخاص اللازمين والمعدات والامدادات بدون ان يكون لها سلطة توجيه عملياتها في الميدان .
ووضع مدير المخابرات المركزية اشبه ما يكون بوضع القائد الميداني فهو ملزم بإدارة كل امكانيات البلد فيما يتعلق بجمع المعلومات ساعة بساعة في كل يوم ، ولكن واقع الحال ان اهم جهازين يساعدانه في جمع المعلومات وهما وكالة الامن القومي ووكالة جمع المعلومات بالاقمار الصناعية كانا دائما تحت سيطرة القيادات العسكرية ، وقد يكون من المناسب ان تقوم الوحدات العسكرية باطلاق اقمار صناعية وان تضع أشخاصا مهمتهم التقاط الاشارات والرسائل على متن الطائرات والسفن وفي القواعد العسكرية كما ان العسكريين يحتاجون بصورة ماسة الى ذلك النوع من المعلومات الذي يمكن للأنظمة التقنية لهاتين الوكالتين ان تجمعها ولكننا اذا اردنا ان نتحول بالأولويات الى الاقتصاد والسياسة فاننا نحتاج الى آلية تضمن الا تكون للأولويات العسكرية المكانة الاولى دائما .
ويستطيع مدير المخابرات الآن ان يأمر باجراء اية عمليات يريدها لجمع المعلومات ولكن مديري هاتين الوكالتين يعرفان ان مصيرها معلق بيد البنتاجون ولاكتساب اهتمامهما يجب ان يكون لمدير المخابرات المركزية وليس لوزير الدفاع سلطة تعيين هذين المديرين وفصلهما فهما بعد كل شيء اثنان من اهم معاونيه في المجتمع الاستخباراتي ، كما ان مدير المخابرات المركزية في حاجة الى موظفين لديهم القدرة والسلطة اللازمة لإصدار اوامر تنفيذية الى جميع وكالات جمع المعلومات سواء بالطريق البشري او بالطريق التقني ، وبإيجاز فان الاحتياجات الى المعلومات في النظام العالمي الجديد تجعل من الضروري وجود سلطة واحدة تجري الموازنة بين الاحتياجات الاستخباراتية للبلد سواء كانت اقتصادية او سياسية او عسكرية وذلك الشخص لا يمكن ان يكون في القيادة العسكرية بل يجب ان يكون هو مدير المخابرات المركزية .
وكذلك يحتاج مدير المخابرات الى سلطة التحكم في توزيع المعلومات التي يتم جمعها وقد كان من الاسباب الرئيسية التي دعت الكونجرس الى انشاء هذه الوظيفة في عام 1947 تجنب الاخطاء التي وقعت قبيل هجوم اليابان على بيرل هاربر عندما لم يحدث تبادل كامل للمعلومات التي توافرت لدى مكاتب المخابرات التابعة للجيش والاسطول ووزارة الخارجية في شأن نوايا اليابان وقد عادت اليوم اجهزة جمع المعلومات الى نوع من الاستقلال فيما يتعلق بعدم اطلاع الوكالات الاخرى على ما تم جمعه بواسطتها من معلومات ومنطقها في ذلك هو حماية " المصادر والأساليب " التي تم جمع المعلومات بها وذلك امر مشروع بغير شك ، ولكن هناك مغالاة في الاخفاء بدرجة تجعل الولايات المتحدة في رأيي معرضة الآن للخطر بقدر ما كانت معرضة له في وقت بيرل هاربر 1941 .
وهناك مشكلة اخرى تسير في الاتجاه المضاد اذ ان اجهزة جمع المعلومات تميل الى توسيع مجال عملها فتنتقل من جمع البيانات الى محاولة تفسيرها وذلك امر ينطوي على اخطار لأنه ليس هناك ما يضمن ان يكون لدى اي واحد من اجهزة المعلومات القدر الكافي من المعرفة او المهارات اللازمة لهذا التفسير وفي 1979 اعدت وكالة الامن القومي تقريرا يؤكد ان الاتحاد السوفييتي ارسل " وحدة قتالية " جديدة الى كوبا وكان ذلك استنتاجا يتجاوز الابلاغ عما كانت الوكالة قد لاحظته بالفعل ولم تكن تلك الوكالة قد ضاهت معلوماتها مع وكالة المخابرات المركزية او مع وزارة الخارجية بشأن تاريخ تلك الوحدة ومن ثم كانت النتيجة التي انتهت اليها خاطئة وكان لذلك التقرير اثر مدمر على مفاوضات اتفاقية سولت الثانية التي كانت جارية في ذلك الحين.
سادسا
وعلى العموم ستكون هناك تحديات كبيرة في اعادة توجيه وكالات جمع المعلومات واتباعها لأولويات جديدة وتحسين ادائها برمته ولكن يجب ان يقال انه من الناحية النسبية هناك حاجة اكبر الى تحسين الجانب التحليلي في مجتمع المخابرات وذلك على الاقل لأن الحكومة الامريكية ستقلل من اعتمادها على التجسس من اجل الحصول على المعلومات ، وفي نظام عالمي جديد اكثر ديموقراطية وانفتاحا ، سيكون هناك مزيد من المعلومات متاح من خلال المناقشة العامة ومن خلال ازدياد عدد الترتيبات التي توضع لاجراء تفتيش موضعي لأغراض الحد من التسلح ونتيجة لازدياد التجارة والسياحة الدولية .
وفيما هو ابعد من ذلك فان نوعية تحليلات المخابرات لم تكن قط على مستوى توقعاتنا ، وقد اقترح السيناتور دانيال موينيهان او توضع وكالة المخابرات المركزية تحت اشراف وزير الخارجية وقال : " خلال ربع قرن اخطأت وكالة المخابرات المركزية مرارا وتكرارا فيما يتعلق بالمسائل السياسية والاقتصادية الكبرى التي عهد اليها بتحليلها " وينبغي ملاحظة ان السيناتور تحدث عن تحليل المسائل " السياسية والاقتصادية " وليس العسكرية وفيما يتعلق بالمخابرات العسكرية يكون من الضروري معرفة القدرات العسكرية للخصم حتى يمكن الاستعداد لملاقاته غير ان قياس القدرات العسكرية مسألة اكثر وضوحا وارتباطا بالوقائع عن التنبؤ مثلا بوقوع ثورة سياسية مثل سقوط الشاه او انفجار اقتصادي على غرار التحول الذي حدث في كوريا الجنوبية خلال العقدين الماضيين.
ومن العيوب الاساسية في التحليلات التي تجريها المخابرات الامريكية ان هناك جهازا بيروقراطيا ضخما يربط سمعته بما يقدمه من تنبؤات ، وعلى سبيل المثال وحتى وقت متأخر يصل الى عام 1980 كنت ابلغ لجنة الكونجرس المشتركة المعنية بالشؤون الاقتصادية في جلسة علنية بأن معدل نمو الناتج القومي الاجمالي في الاتحاد السوفييتي اخذ في التناقص ولكن معدل الانفاق السوفييتي على اغراض الدفاع آخذ في الارتفاع ، ولم اصل انا ولا المحللون في وكالة المخابرات المركزية الى استنتاج انه لا بد من حدوث شيء ما : وأنه سيترتب على ذلك وقوع ازمة سياسية واقتصادية ، ولكن لميمض اكثر من اربعة اعوام بعد تركي لوكالة المخابرات المركزية حتى ظهر ميخائيل جورباتشوف على المسرح ووجد ان الوضع ميئوس منه الى حد انه مضى سريعا الى الابحار في مياه البيريسترويكا والجلاسنوست الخطرة .
ولا يجوز لنا ان نتغاضى عن جسامة هذا الفشل في التنبؤ بحجم الازمة السوفييتية ونحن نعرف الآن انه كان هناك الكثير من الأكاديميين والاقتصاديين والمفكرين السياسيين السوفييت بخلاف اؤلئك الذين كانت الحكومة السوفييتية تقدمهم لنا رسميا قد ادركوا قبل عام 1980 بأمد طويل ان هناك عطبا في النظام الاقتصادي السوفييتي وانها مسألة وقت فحسب حتى يظهر شخص ما يحاول اصلاحه كما فعل جورباتشوف ولكني لم اسمع في اي وقت اشارة من وكالة المخابرات المركزية او من الجناح المخابراتي لوزارتي الدفاع او الخارجية بأن كثيرا من المفكرين السوفييت يعترفون بوجود مشكلة اقتصادية متفاقمة تتعلق بالنظام نفسه .
ونحن الآن نسمع دمدمات تذكر ان وكالة المخابرات المركزية قد لاحظت في واقع الامر بدايات الانهيار السوفييتي ، وعلى فرض ان بعض الافراد من المحللين في وكالة المخابرات المركزية كان لهم رأي اكثر نفاذا من الرأي السائد في المؤسسة فقد استبعدت افكارهم خلال العملية البيروقراطية ، والرأي الذي تبديه المؤسسة هو الذي يعنينا في نهاية الامر لأنه هو الذي يصل الى رئيس الجمهورية ومستشاريه وفي هذه المسألة كان رأي المؤسسة بعيدا عن الواقع بكثير .
ترى لماذا كان الكثيرون منا غير حساسين لذلك الامر الحتمي ؟ اعتقد ان من اسباب ذلك ان الحوافز على التنبؤ في مجتمع المخابرات ضئيلة للغاية فقد اصبحت مكاتب التحليل لدينا وخاصة المكاتب التي تتعامل مع الاتحاد السوفييتي اجهزة بيروقراطية ضخمة بحيث ان انتقال التنبؤ في طريقه الصاعد من المحلل الفردي حتى يصل الى رئيس الوكالة يضعف من الافكار الجديدة لصالح الافكار التي استقرت واصبح لها احترامها وعلى سبيل المثال فان من الاسباب التي ادت الى فشل الحكومة في التنبؤ بالأزمة الاقتصادية السوفييتية على الوجه الصحيح انها افترضت ان الاساليب الستالينية القديمة في قمع السخط مازالت قائمة وان مواقف الجمهور ليس لها حساب في الاتحاد السوفييتي ومع ذلك فان جورباتشوف اقدم على تحركاته الجذرية لا لمجرد ان الانتاجية الاقتصادية آخذة في التراجع بل ايضا لأن موقف الجماهير السوفييتية من حكومتها ومن عملها ومن حزبها الشيوعي باتت سلبية للغاية ولم يعد هناك امل في ان يؤدي الخوف والقمع الى دفع الشعب السوفييتي الى بذل جهد اكبر من عمله .
وهناك سبب آخر لكثير من عيوبنا في تحليل المواقف وهو ان وكالات التحليل لدينا لا تتوافر فيها معرفة كافية بثقافات كثير من البلدان التي يجب ان نتعامل معها ويرجع ذلك جزئيا بطبيعة الحال الى فشلنا في جس النبض في البلدان الاخرى ولكنها مشكلة اكبر من ذلك تتعلق بالتعليم والتقدير .
وهناك تفسير آخر ايضا لضعفنا في التحليل وهو التعارض بين المعلومات المخابراتية الجديدة والسياسات المستقرة ، فالتنبؤ بسقوط الشاه مثلا كان سيمثل تحديا لسياسة خارجية امريكية مستقرة في منطقة الخليج الفارسي والافلات من قيود السياسة سيكون دائما مشكلة تواجه المحللين العاملين في المخابرات وينبغي ان تكون المشكلة اقل حجما بالنسبة للمحللين في وكالة المخابرات المركزية لأن تلك الوكالة لا تشتغل بصنع السياسة شأن الوكالات الاخرى العاملة في مجتمع المخابرات مثل الاجهزة التابعة لوزارات الدفاع والخارجية والخزانة ولعل اكبر نقاط الضعف في الاقتراح الذي قدمه السيناتور موينيهان هو ان وكالة المخابرات المركزية ستصبح خاضعة لجهة تقوم بوضع السياسات والذي حدث عمليا ان معظم مديري الوكالة لم يتخذوا مواقف علنية في المسائل المتعلقة بالسياسات ومع ذلك فان اي باحث مسئول عن التحليلات يعرف ، فيما يتعلق بالمسائل الكبرى في السياسة الخارجية ، الاتجاه الذي يتخذه الرئيس وبذلك يشعر بنوع من الضغط الذي يلزمه بتأييد موقف رئيسه الاعلى وعلى ذلك فنحن بحاجة لأن نجد وسيلة لتعزيز الشعور بالاستقلال بين القائمين بالتحليلات في كل انحاء مجتمع المخابرات .
واذا نحن لم نقبل اقتراح السيناتور موينيهان فكيف لنا ان نصل الى وضع تحليلات افضل ؟ ان اعطاء مدير الوكالة سلطة اوسع على وكالات جمع المعلومات يعتبر حلا جزئيا لمسألة تحسين جمعها ولكنه لا يحل مشكلة تحسين التحليلات والشيء الذي يجب ان نتجنبه هو ان يكون هناك تماثل اجباري في التحليل ، واسمحوا لي ان اذكر على سبيل المقارنة ان المطابقة بين تقارير المخابرات والايديولوجية السياسية كانت دائما اكبر نقاط الضعف لدى المخابرات السوفييتية وقد اتيحت لي مرة فرصة سؤال احد كبار المنشقين السوفييت عما اذا كان المسؤولون في قمة القيادات السوفييتية يتلقون معلومات دقيقة توضح لهم لماذا تفعل الولايات المتحدة ما تفعله – فكان رده ان بعض الاشخاص الكبار مثل اناتولي دوبرتين الذي كان وقتها سفيرا للاتحاد السوفييتي في الولايات المتحدة والذي يفهم بغير شك الولايات المتحدة فهما جيدا لم يكن ليجرؤ على تقديم تقارير صريحة تماما اذا كان رأيه مخالفا للعقيدة السائدة .
ولا بد من توفير الحوافز للقائمين بالتحليل للتقدم بتقديراتهم بشجاعة وان يدخلوا في اعتبارهم وجهات نظر الامم الاخرى وان يقدموا افكارا مدعمة تخالف الافكار او السياسات القائمة وربما تستطيع الحكومة ان تساعد في هذا المجال برصد مكافآت ربما تشمل عائدا ماليا للتنبؤات التي تثبت دقتها حتى اذا تجاهلتها المؤسسة او رفضتها وينبغي تشجيع القائمين بالتحليل على الاحتفاظ بالمستندات الدالة على الآراء التي ابدوها ويستطيع رئيس الجمهورية ان يساعد في ذلك بأن يأذن لدير وكالة المخابرات بنقل افراد من القائمين بالتحليل بين الوكالات المختلفة لفترات مؤقتة فربما يساعد ذلك في الخروج من اطار التفكير المغروس .
وفوق ذلك ربما يستطيع الكونجرس ان يصدر تشريعا يتيح للقائمين بالتحليل في المخابرات فرصة اوسع للالتحاق بالمؤسسات الاكاديمية والمشاركة في المؤتمرات المهنية والسفر الى الخارج والعيش في البلدان الاخرى واكتساب مهارات لغوية وبذلك يصبحون خبراء حقا في مجالاتهم ويستطيع الكونجرس ايضا ان يأذن بتوسيع جهاز التحليل التابع لرئيس الوكالة شخصيا ذلك الذي يعرف حاليا باسم مجلس المخابرات القومي ورغم توسيع المجلس فانه يجب ان يبقى صغيرا الى حد يمنع التلاعب بعمل القائمين بالتحليل اثناء صعود تقاريرهم خلال التسلسل التنظيمي كما ان توسيع المجلس يمكن ان يكون جلا جزئيا لمسألة القيود الشديدة المفروضة على نشر المعلومات التي توفرها وكالات جمع البيانات اذ سيكون المجلس مؤلفا من نواة من المحللين الذين يسمح لهم بالحصول على جميع المعلومات او ما يقارب من ذلك – فهذا هو الضمان لنا بعدم وقوع خطأ مثل ما حدث في بيرل هاربر .
سابعا
وينبغي للكونجرس ان يعدل التشريع الذي اصدره في 1947 والذي يجعل رئيس الوكالة مسئولا عن مهمة مزدوجة في التنسيق بين جهات المخابرات المختلفة ورئاسة وكالة المخابرات المركزية ، ففي ذلك الحين لم تكن هناك اقمار صناعية تعمل على اساس قومي ولم تكن وكالة الامن القومي قد انشئت بعد وكان التصنت الالكتروني تقوم به الجهات العسكرية وكانت وكالة المخابرات المركزية في بداية تشكيلها ، وكان مجتمع المخابرات برمته اصغر كثيرا مما هو الآن وكان التجسس العسكري مقسما بين فرعين متواضعين احدها مخابرات الجيش والآخر مخابرات البحرية ، اما اليوم فقد اصبحت ميزانية المخابرات بالمليارات ولدينا عدد كبير من الاقمار الصناعية ذات قدرات متنوعة على الاستكشاف ويقال ان لدى وكالة المخابرات المركزية آلافا من الناس ولدى وكالة الامن القومي اشخاصا آخرين بالاضافة الى عدد من اقوى اجهزة الكمبيوتر في العالم وهناك وكالة مخابرات الدفاع ووكالة مخابرات الطيران بالاضافة الى عدد كبير من المعامل العسكرية التي يختص كل منها بموضوع واحد مثل الديناميكا الهوائية والصوتيات تحت الماء ودروع الدبابات .
لقد نما مجتمع المخابرات من حيث الحجم والتركيب والاهمية بحيث اصبح يحتاج الآن الى قائد متفرغ يكون هو مدير المخابرات القومية ، وبعد ان قلنا هذا يجب ان نذكر انه كان هناك منذ امد طويل تضارب في المصالح عند شخص واحد يدير كلا من مجتمع المخابرات بكامله ويدير في الوقت نفسه احد اجزائه الرئيسية وهي وكالة المخابرات المركزية فاذا تقرر مثلا خفض نفقات الامن القومي بنسبة كبيرة ستكون الولايات المتحدة في حاجة الى حكم نزيه ليحدد كيفية التخلص من التكرار الكبير الذي يحدث داخل مجتمع المخابرات والمشكلة الحقيقية هي انه مهما يكن من ضآلة او كبر التعديلات التي ستجري بشأن المخابرات المتعلقة بالاتحاد السوفييتي والمتعلقة بالمسائل العسكرية ستكون هناك مقاومة لذلك وستنبع تلك المقاومة من معتقدات مستقرة منذ امد طويل ونابعة من جذور منطقية واهم الحجج في هذا المجال هي ان الولايات المتحدة لا يجوز ان تعرض قدراتها العسكرية للخطر حتى اذا كان قادتنا يعتقدون ان الحاجة الى تلك القدرات ستكون اقل من المستقبل .
وخلال العقد الماضي حاول العسكريون ان يفرضوا مزيدا من السيطرة على عمليات المخابرات بما في ذلك بذل جهد كبير لتكرار قدرة وكالة المخابرات المركزية على توفير المعلومات عن طريق التجسس البشري وتمكن العسكريون خلال ذلك من تحويل جانب كبير من اعتمادات المخابرات الى حد ان نسبة تزيد على ثلث مجموع النفقات اصبح خاضعا لسيطرة البنتاجون وليس لمدير المخابرات وهناك نصف آخر يخضع للسيطرة المشتركة والحجج التي يقدمها العسكريون لاحداث هذا التحول لها وجاهتها ، فوكالة المخابرات المركزية لم توجه في اي وقت الاهتمام الكافي للمخابرات العسكرية فيما عدا المسائل المتعلقة بالجانب النووي الاستراتيجي .
وعلى ذلك فعلينا ان نوفق بين النفوذ المتزايد للعسكريين والاهمية المتناقصة للجزء العسكري في عمل المخابرات، وهنا ايضا ، الحل هو وجود مدير للمخابرات غير متحيز لا يكون بحاجة للدفاع عن وكالة المخابرات المركزية كما هو الحال الآن بل يكون قادرا على تخصيص كل وقته لتوزيع العمل والامكانيات بدون تحيز داخل مجتمع المخابرات ومع ذلك فانه يكون من الحكمة والكياسة ان يضمن القانون تمثيل العسكريين في الهيئة الجديدة لادارة المخابرات وينبغي النص على ان يكون المدير او نائبه من الضباط العسكريين العاملين او المتقاعدين وان يكون له ثلاثة نواب للرئيس يكون احدهم على الاقل من الضباط العسكريين الكبار .ويمكن ان يكون هذا الضابط هو نائب الرئيس المختص بشؤون الميزانيات وهذا المنصب موجود بالفعل في مجتمع المخابرات والتغيير الوحيد المطلوب هو ان يرسل الكونجرس بالاعتمادات مباشرة الى رئيس الجهاز ثم يقوم نائبه هذا بتوزيعها على مختلف الوكالات واذا لم يؤخذ بذلك يمكن ان يكون النائب العسكري هو النائب المختص بالتحليلات وهذا ايضا منصب موجود بالفعل وهو منصب رئيس المجلس القومي للمخابرات وتوسيع هذا المجلس امر ضروري عند الاخذ بمفهوم تعيين رئيس لجهاز المخابرات برمته لأنه اذا لم يوجد جهاز كبير بما فيه الكفاية يختص بالتحليلات لابقاء رئيس الجهاز على معرفة مستمرة بالتطورات فان مدير المخابرات القومية سيصبح معتمدا على غيره اكثر مما ينبغي .
واخيرا فان الضابط العسكري ربما يكون اصلح لمنصب نائب الرئيس لشؤون جمع المعلومات وهذه المهمة موجودة الآن في صورة محدودة هي صورة لجان تنسيق الجمع البشري والإلكتروني والفوتوغرافي والمطلوب هو المزيد من القوى العاملة لادارة هذه العمليات اما الدعم اليومي فيمكن ان يبقى لدى الادارات الاصلية وفي مقدمتها وزارة الدفاع .
والمرجو ان يكون في الوسع انشاء منصب المدير القومي للمخابرات عن طريق التناوب بين الوظائف بدلا من زيادة العدد الكلي للعاملين في مجال المخابرات فزيادة عدد العاملين وزيادة السيطرة المركزية ليسا دائما هما الحل الامثل للمشاكل ، وفي حالتنا هذه كانت المركزية آخذة في الزيادة منذ اليوم الاول لانشاء منصب مدير المخابرات المركزية ، فقد وجد كل مدير انه يجب ان يقوم بدور اكبر ايجابية وساعد رؤساء الجمهورية على زيادة سلطات كل منهم باطراد ويجب ان نتعظ الآن بالاحداث العالمية الدرامية التي وقعت في عام 1989 وما بعدها ونتبين اننا ينبغي ان ندخل تغييرات جوهرية على قدراتنا المخابراتية حتى نتمكن من ملاحقة العصر .

التعليقات