لسد فراغ الفصائل الإسلامية المسلحة:هل تتجه القاعدة لفتح جبهة ساخنة في فلسطين ؟
غزة-دنيا الوطن
تبرز مخاوف في أوساط المحللين من استراتيجية جديدة ربما يعمد إليها تنظيم "القاعدة" باتجاهه إلى تنفيذ عمليات كبيرة في الأراضي المحتلة لملئ فراغ قد تخلفه المقاومة الإسلامية المسلحة في ظل ظروف عملياتية وسياسية ضاغطة. وفي حال صح هذا الافتراض، فإن التوقعات تشير إلى أن "القاعدة" ستعمل على استقطاب مؤيدين في بيئة لا تخلو من افتتان بالتنظيم وزعيمه أسامة بن لادن.
ويقول المحللون إن تنظيم "القاعدة" لم يعد تنظيما هرميا تسلسليا بل تحول إلى فكرة، وتدرك قيادته هذا الأمر لذا فهي تكتفي بوجود أشخاص أو مجموعات تتبنى رؤيا التنظيم وأفكاره، ومن المنطقي أن ترفض حماس والجهاد الإسلامي أي وجود للقاعدة على الأرض الفلسطينية بسبب تحولهما إلى فصيلين فلسطينيين تماماً غير راغبين في "عولمة الصراع" وتعقيد الوضع زيادة عن التعقيد الموجود.
ولن تكون مهمة القاعدة ذاتها سهلة بالتغلغل في صفوف الفلسطينيين لأن هؤلاء لا يؤيدون كل ما يقوم به التنظيم. ويتضح حجم الرفض الشعبي على سبيل المثال فيما يتعلق بمهاجمة أهداف شيعية في العراق علاوة على ذبح البعض أمام الكاميرات، ووقوع خسائر في صفوف المدنيين إلى غير ذلك.
ظهور القاعدة في فلسطين !!
لكن ظهور القاعدة في فلسطين يبقى رهنا بظروف قد يشكلها عامل أو عوامل مجتمعة لعله ممكن إجمالها في الوضع الداخلي والجانب الإسرائيلي بالإضافة إلى الوضع الإقليمي، بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فإن أي خطوة في اتجاه إحداث أضرار بالمسجد الأقصى تعني الإسهام والتعجيل بظهور التنظيم في فلسطين.
ويظل الوضع الفلسطيني الداخلي أيضا عاملا من العوامل التي قد تؤدي لظهور القاعدة هناك، حيث أن حال السخط التي يمكن أن تعم الشارع الفلسطيني إذا ما تعطلت عجلة الإصلاح وتم التغافل عن محاربة الفساد والمفسدين، قد يجعل المناخ مواتيا لنشاط القاعدة في أوساط الفلسطينيين.
أما فيما يخص الوضع العربي فإن قيام الولايات المتحدة و(أو) إسرائيل بمهاجمة دول عربية أو إيران مع ضمان هدوء الفصائل الفلسطينية سيشجع بعض الفلسطينيين على الخروج على الملأ حاملين فكر القاعدة لكسر الجمود العسكري الداخلي.
من ناحية أخرى إذا استمرت سياسة التطبيع من قبل بعض الدول العربية مع إسرائيل فإن الغضب سيزداد من هذه الدول وسيظهر من سيتصرف بمبدأ خلط الأوراق.
ولكي تكسب القاعدة تأييداً شعبياً والتفافا يمكنها من تجنيد أكبر عدد ممكن من الأشخاص فإنها ستقوم بعمليات استعراضية لافتة للنظر، وستحاول أن تضرب بقدر أكبر مقارنة مع ما قامت به مختلف الفصائل الفلسطينية وبالتوازي مع ضرب أهداف إسرائيلية ستضرب أهدافاً محلية مما يعقد الوضع ويحيل الساحة الفلسطينية إلى ساحة حرب متشابكة يختلط فيها الحابل بالنابل.
وتنبغي الإشارة إلى أن حماس كان لديها القدرة على تنفيذ عملية كبيرة في وقت من الأوقات لكنها لم تقم بذلك لأن المعادلات السياسية والحسابات على الأرض كانت تحتم ذلك. أما القاعدة من ناحيتها فلن ترى حرجا ولن تجهد في تفكيك المعادلات السياسية بحيث أن المتوقع أن تقوم بضربات "تحت الحزام".
وفي حال قدرتها على التسلل إلى الأراضي الفلسطينية فستنفذ القاعدة على الأرجح عمليات تشمل ضرب أهداف إسرائيلية لافتة للنظر بحجم الخسائر البشرية أو ضرب أهداف حيوية معينة تثير الصخب وإن لم توقع خسائر بشرية كبيرة.
كما يتوقع قيامها بضرب ممثليات وبعثات دبلوماسية أو تجارية عربية أو أوروبية أو أمريكية داخل إسرائيل بهدف الضغط على دولهم وثنيها عن التعامل مع إسرائيل، وقد تركز على ضرب الممثليات العربية خصوصا. وتشمل الأهداف المفترضة للقاعدة شخصيات فلسطينية أو مؤسسات أمنية فلسطينية معينة وربما بقوة لافتة للنظر كإعلان دموي لرفض النهج السياسي الموجود.
نظرية الحرب الصليبية قد تدفع القاعدة لفلسطين
بغض النظر عن المسمى الذي ستستخدمه القاعدة في فلسطين فإن سلوكها سيصب في تطبيق رؤياها لطبيعة الصراع. ولعله يمكن الإجابة على التساؤل حول سعي القاعدة لدخول الساحة الفسلطينية في ظل حضور الفصائل، بالإشارة إلى ولوجها الساحة العراقية على الرغم من وجود تنظيمات وقوى تعمل ضد الأمريكيين بشكل فاعل وقوي. بل أن هذه الأخيرة لم تستنفد قواها بعد كنظيراتها في فلسطين.
وللقاعدة رؤية منبثقة عن نظرية "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بفلسطين، وهي بناء على هذه النظرية تطمح للقفز إلى الحلبة الفلسطينية نظرا لما تمثله هذه القضية من أهمية لدى المسلمين. وكان من المآخذ على القاعدة عدم دخولها على الخط الفلسطيني وانهماكها في حروب أفغانستان والصومال وغيرها، ويحمل عليها بعض المتشددين عدم خوضها إلى غاية الآن حربا ضد إسرائيل.
وقد يطرح سؤال آخر يحمل في طياته التشكيك في إمكان "غزو" القاعدة الساحة الفلسطينية يتعلق بقدرة التنظيم على الحصول على معدات وأسلحة تمكنه من تنفيذ مآربه. وللإجابة على هذا السؤال ينبغي النظر مجددا في الكيفية التي ظهرت بها حركة "حماس" بينما الإسرائيليين مشغولون بمراقبة حركة فتح. وتبين لاحقا أن الأمر خاضع للرغبة في العمل وليس بإمكانيات العمل بحد ذاتها.
وتبدو إسرائيل منهمكة حاليا بمتابعة نشاطات الفصائل ومحاربتها، لكن من جانب آخر فإنه لا يستبعد أن يكون الإسرائيليون قد وضعوا خططا بناء على فرضية ظهور القاعدة. لكن إسرائيل عادة تنشغل بالحرب على الواقع لا على المتوقع الذي يظهر فجأة لتعيد ترتيب أوراقها من جديد مثلما كان الحال مع حماس. وتبين من تجارب القاعدة أن لديها ابتكارات مثيرة وتستطيع التكيف مع الإمكانيات الموجودة وتطويعها لإلحاق أكبر الخسائر.
ويبقى جديرا بالذكر أن إسرائيل في حال تعرضها لهجمات من قبل القاعدة، فإن المتوقع قيامها بإجراءات عديدة على كافة المستويات وأن تشن عملية عسكرية ضد دول عربية مثل سورية ولبنان إن تعرضت لعملية كبيرة كذلك يتوقع أن تجتاح قطاع غزة بالكامل.
خطاب القاعدة هل يدغدغ الفلسطينيين؟
وبتحليل الحراك السياسي الفلسطيني والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، وبالتعرض أيضا للظروف التاريخية المتعلقة ببنى التنظيمات الفلسطينية وأشكال المقاومة من جهة وخطاب "القاعدة" وآليات عمله من جهة ثانية، يتضح أن هذا الافتراض لا ينشأ من فراغ، وإنما يمليه التحليل المتتبع بدقة لمجمل هذه الملابسات.
وكان من شأن انفجار سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس/آب 1998 أن يلفت أنظار الفلسطينيين وبقوة لهذا التنظيم الذي استطاع أن يوجه ضربة قوية للولايات المتحدة. لكن بداية اهتمام الفلسطينيين بزعيم التنظيم سبقت ذلك بكثير.
سنوات "الجهاد" في أفغانستان كانت قد أفلحت في تغيير الصورة النمطية المبثوثة عن الشخصية السعودية بوصفها شخصية مستهلكة غير معنية بالقتال. وبرز اسم أسامة بن لادن في تلك الحقبة بشكل لافت زادت في تلميعه أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
ولا شك بأن حالة من الارتياح سادت نفوس الكثير من الفلسطينيين بموازاة تلك الأحداث لكون الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل. وعلى الرغم من حماس "الجهاد الإسلامي" لعمليتي نيروبي ودار السلام كان أشد وضوحا من نظيره لدى حماس، ولكن أيا من الحركتين لم تعلن أنها تؤيد هذا العمل وتدعمه فقد كانت الحركتان قد قطعتا مسافة كبيرة نحو "الفلسطنة".
الخطاب الإسلامي.. من الاشتغال بالخارج إلى "الفلسطنة"
بيد أن اتجاه الحركات الإسلامية الفلسطينية وأبرزها "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى "فلسطنة" حراكهما الفكري والسياسي لم تتولد إلا عن رحلة شاقة على صعيد الاجتهاد الفكري والإفادة من التجارب. فقد كان خطاب "حماس" مثلا حادا في البداية ونازعا إلى اعتبار الصراع حربا بين اليهود والمسلمين.
وشاعت في أروقة الحركة وأدبياتها مصطلحات "أحفاد القردة والخنازير" و "أحفاد قتلة الأنبياء والمرسلين" كناية عن "اليهود" الذين شملتهم نظرية مؤامرة متسعة الأطراف راحت تؤكد تحكمهم بالأمم المتحدة وأمريكا وروسيا وأوروبا وأنهم يديرون العالم من خلال "الحركة الماسونية".
لكن هذا الخطاب تغير مع الزمن وأعلنت "حماس" أنها تقاتل لتحرير الأرض لا لقتل المخالفين في العقيدة، كما اختفت عبارات "اليهودية واليهود" لتحل محلها"الصهيونية والصهاينة "أو حتى إسرائيل وأسماء قادتها ومؤسساتها مما عد تطورا في الخطاب الإسلامي الفلسطيني أشر أيضا في اتجاه نضج هذه الحركات سياسيا.
توجهت الحركتان بقوة نحو"الفلسطنة" الكاملة وأدركتا أن "هنا" يختلف عن "هناك"من باب أن أهل مكة أدرى بشعابها وأن المعركة مع إسرائيل وليست مع هذا أو ذاك. فأدارت ظهرها لمقاتلي أفغانستان بعد أن كانت تؤمل في قدومهم لنصرة إخوانهم في فلسطين، وهو ما حدث أيضا بشأن دعمها زعيم حركة "حماس" الجزائرية محفوظ نحناح ونظام الإسلاميين في السودان.
أما الجهاد الإسلامي فقد اعتبرت أن إيران تجربة إسلامية نموذجية ولكنها – أي الجهاد التي بدأت داعمة لإيران دون أية تحفظات - ليست مضطرة للدفاع عن كل سياساتها. وبات حكمها على طهران من خلال مواقفها تجاه القضية الفلسطينية.
نيروبي.. دار السلام.. نيويورك
كما لم تعر الجهاد الإسلامي اهتماما لما آلت إليه أمور الجماعة الإسلامية في مصر ولا انكشاف أمر الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر كتنظيم مخترق أي اهتمام لأن الجهاد الإسلامي في فلسطين كان قد تحول إلى حركة فلسطينية تماما مثلما كان الحال بالنسبة لحماس عند الافتراق بين الترابي والبشير.
ومنذ أواخر 1987 حين انطلقت الانتفاضة الأولى، اكتسبت الحركات الإسلامية الفلسطينية يوما بعد آخر نصيبا وافرا من التأييد والنجاحات الإعلامية والمكاسب السياسية على الأرض.
وراحت حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" تباعدان خطاهما عن خطى مسيرة التسوية. ولم تتوقف الحركتان شأنهما شأن التنظيمات اليسارية والقومية الأخرى الرافضة لاتفاقات السلام مع إسرائيل عن شن هجمات موجعة ضد الأهداف الإسرائيلية.
وكان واضحا العداء بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، فانعقد مؤتمر شرم الشيخ الخاص "بمكافحة الإرهاب"على أثر الهجمات التي قامت بها حماس والجهاد وقاطعته سوريا ولبنان، ولم يكن لدى حماس ما تخسره ولا يهمها رأي أمريكا وأوروبا بها بقدر ما يهمها الشارع الفلسطيني.
لكن على صعيد آخر لم يكن صعبا على الفلسطينيين ملاحظة التنافس بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي لدرجة أنه أثار اشمئزاز المراقبين في الشارع الفلسطيني وساهم في ارتفاع شعبية تنظيم القاعدة باعتباره المثال الأصلح والنموذج الصادق للحالة الإسلامية.
حين ضربت الطائرات المخطوفة بواسطة نشطاء القاعدة برجي التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية، كانت القوات الإسرائيلية تحاصر جنين وقتلت قذائف الدبابات هناك عددا من المواطنين. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين لا يكرهون الشعب الأمريكي، فإنهم لا يستطيعون مقاومة كراهيتهم السياسات الأمريكية المنحازة لإسرائيل.
ولعل هذا ما دفع العشرات منهم للخروج في تظاهرات تعبر عن سرورهم لما حدث في نيويورك وواشنطن. إسرائيل من ناحيتها عملت على استغلال مظاهر الفرح والتظاهرات لتروج إعلاميا عن معاداة الفلسطينيين لأمريكا حكومة وشعبا. وحرصت السلطة الفلسطينية على تعديل هذه الصورة وسارع رئيسها ياسر عرفات إلى التبرع بدمائه من أجل الضحايا.
لكن ما خلفته الأحداث في بعض الأوساط الفلسطينية كان تناميا في المشاعر المؤيدة لبن لادن والاحتفاء به كـ"بطل يتحدى الجبروت الأمريكي ويستطيع أن يضرب قلب أقوى دولة في العالم"، ووجدت صورة البطل الجديد مكانا إلى جانب صورة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي كان قد حاز إعجاب الفلسطينيين منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
بن لادن يغازل الفلسطينيين
ولم ينس أسامة بن لادن مغازلة الفلسطينيين من حين لآخر مخاطبا قضيتهم. وبعد الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية التي نجم عنها اختيار محمود عباس (أبومازن) رئيسا لوزارة السلطة في 2003 دخلت القاعدة على الخط من جديد حيث انتقد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أبومازن موحيا بشكل غير مباشر أنه متابع لما يجري.
وخلال العام الأخير وبعد أن وجهت إليها إسرائيل ضربات نوعية باهظة الكلفة على صعيد القيادات العليا والميدانية، خصوصا الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، لم تعد حماس قادرة كما السابق على تنفيذ هجمات موجعة وناجحة وتقلصت قدرتها على اختراق الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة.
والحال ذاته انطبق على عمليات حركة "الجهاد الإسلامي" بل سائر تنظيمات المقاومة. تلى ذلك رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ليحدث غيابه قدرا من الإرباك كون الرجل كان قاسما مشتركا وقادرا على إضفاء نوع من التماسك داخل فتح وأجهزة السلطة كما كان ممسكا إلى حد كبير بخيوط مع المقاومة.
فاز أبومازن في انتخابات الرئاسة وهو مدرك من تجاربه السابقة حساسية الموقف. وأصر على التفاوض والتحاور مع الفصائل ولم يرضخ حتى اللحظة لمطالب أمريكا وإسرائيل بشن حرب أمنية عليها واستطاع مرة أخرى أن ينتزع وعداً بالتهدئة.
إسرائيل من جانبها خففت من ضغطها العسكري لكنها لا تريد إطلاق سراح الأسرى وقد تعود في أي لحظة لسياستها العسكرية السابقة. ويبدو أن واشنطن وتل أبيب وبسبب تعقد الوضع في العراق سحبتا ضمنياً مطلب تفكيك الفصائل رغم الضجيج الإعلامي حول هذه المسألة.
وعلى الرغم من أن هذا الاحتمال يظل مطروحا من قبل المحللين، إلا أن الدلائل على الأرض لا تشير إلى غاية الآن إلى إفلاح القاعدة في كسب مؤيدين فلسطينيين بمقدورهم تبني نهجها وتنفيذ هجمات كبيرة ضد إسرائيل. لكن، من جانب آخر، وكما دلت التجارب مع هذا التنظيم فإنه لا ينزع للكشف عن أوراقه وخططه إلا في اللحظة التي يراها مناسبة وحين لا يكون بالإمكان إلا دراسة المسرح الذي عملت على أرضه.
*العربية نت
تبرز مخاوف في أوساط المحللين من استراتيجية جديدة ربما يعمد إليها تنظيم "القاعدة" باتجاهه إلى تنفيذ عمليات كبيرة في الأراضي المحتلة لملئ فراغ قد تخلفه المقاومة الإسلامية المسلحة في ظل ظروف عملياتية وسياسية ضاغطة. وفي حال صح هذا الافتراض، فإن التوقعات تشير إلى أن "القاعدة" ستعمل على استقطاب مؤيدين في بيئة لا تخلو من افتتان بالتنظيم وزعيمه أسامة بن لادن.
ويقول المحللون إن تنظيم "القاعدة" لم يعد تنظيما هرميا تسلسليا بل تحول إلى فكرة، وتدرك قيادته هذا الأمر لذا فهي تكتفي بوجود أشخاص أو مجموعات تتبنى رؤيا التنظيم وأفكاره، ومن المنطقي أن ترفض حماس والجهاد الإسلامي أي وجود للقاعدة على الأرض الفلسطينية بسبب تحولهما إلى فصيلين فلسطينيين تماماً غير راغبين في "عولمة الصراع" وتعقيد الوضع زيادة عن التعقيد الموجود.
ولن تكون مهمة القاعدة ذاتها سهلة بالتغلغل في صفوف الفلسطينيين لأن هؤلاء لا يؤيدون كل ما يقوم به التنظيم. ويتضح حجم الرفض الشعبي على سبيل المثال فيما يتعلق بمهاجمة أهداف شيعية في العراق علاوة على ذبح البعض أمام الكاميرات، ووقوع خسائر في صفوف المدنيين إلى غير ذلك.
ظهور القاعدة في فلسطين !!
لكن ظهور القاعدة في فلسطين يبقى رهنا بظروف قد يشكلها عامل أو عوامل مجتمعة لعله ممكن إجمالها في الوضع الداخلي والجانب الإسرائيلي بالإضافة إلى الوضع الإقليمي، بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فإن أي خطوة في اتجاه إحداث أضرار بالمسجد الأقصى تعني الإسهام والتعجيل بظهور التنظيم في فلسطين.
ويظل الوضع الفلسطيني الداخلي أيضا عاملا من العوامل التي قد تؤدي لظهور القاعدة هناك، حيث أن حال السخط التي يمكن أن تعم الشارع الفلسطيني إذا ما تعطلت عجلة الإصلاح وتم التغافل عن محاربة الفساد والمفسدين، قد يجعل المناخ مواتيا لنشاط القاعدة في أوساط الفلسطينيين.
أما فيما يخص الوضع العربي فإن قيام الولايات المتحدة و(أو) إسرائيل بمهاجمة دول عربية أو إيران مع ضمان هدوء الفصائل الفلسطينية سيشجع بعض الفلسطينيين على الخروج على الملأ حاملين فكر القاعدة لكسر الجمود العسكري الداخلي.
من ناحية أخرى إذا استمرت سياسة التطبيع من قبل بعض الدول العربية مع إسرائيل فإن الغضب سيزداد من هذه الدول وسيظهر من سيتصرف بمبدأ خلط الأوراق.
ولكي تكسب القاعدة تأييداً شعبياً والتفافا يمكنها من تجنيد أكبر عدد ممكن من الأشخاص فإنها ستقوم بعمليات استعراضية لافتة للنظر، وستحاول أن تضرب بقدر أكبر مقارنة مع ما قامت به مختلف الفصائل الفلسطينية وبالتوازي مع ضرب أهداف إسرائيلية ستضرب أهدافاً محلية مما يعقد الوضع ويحيل الساحة الفلسطينية إلى ساحة حرب متشابكة يختلط فيها الحابل بالنابل.
وتنبغي الإشارة إلى أن حماس كان لديها القدرة على تنفيذ عملية كبيرة في وقت من الأوقات لكنها لم تقم بذلك لأن المعادلات السياسية والحسابات على الأرض كانت تحتم ذلك. أما القاعدة من ناحيتها فلن ترى حرجا ولن تجهد في تفكيك المعادلات السياسية بحيث أن المتوقع أن تقوم بضربات "تحت الحزام".
وفي حال قدرتها على التسلل إلى الأراضي الفلسطينية فستنفذ القاعدة على الأرجح عمليات تشمل ضرب أهداف إسرائيلية لافتة للنظر بحجم الخسائر البشرية أو ضرب أهداف حيوية معينة تثير الصخب وإن لم توقع خسائر بشرية كبيرة.
كما يتوقع قيامها بضرب ممثليات وبعثات دبلوماسية أو تجارية عربية أو أوروبية أو أمريكية داخل إسرائيل بهدف الضغط على دولهم وثنيها عن التعامل مع إسرائيل، وقد تركز على ضرب الممثليات العربية خصوصا. وتشمل الأهداف المفترضة للقاعدة شخصيات فلسطينية أو مؤسسات أمنية فلسطينية معينة وربما بقوة لافتة للنظر كإعلان دموي لرفض النهج السياسي الموجود.
نظرية الحرب الصليبية قد تدفع القاعدة لفلسطين
بغض النظر عن المسمى الذي ستستخدمه القاعدة في فلسطين فإن سلوكها سيصب في تطبيق رؤياها لطبيعة الصراع. ولعله يمكن الإجابة على التساؤل حول سعي القاعدة لدخول الساحة الفسلطينية في ظل حضور الفصائل، بالإشارة إلى ولوجها الساحة العراقية على الرغم من وجود تنظيمات وقوى تعمل ضد الأمريكيين بشكل فاعل وقوي. بل أن هذه الأخيرة لم تستنفد قواها بعد كنظيراتها في فلسطين.
وللقاعدة رؤية منبثقة عن نظرية "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بفلسطين، وهي بناء على هذه النظرية تطمح للقفز إلى الحلبة الفلسطينية نظرا لما تمثله هذه القضية من أهمية لدى المسلمين. وكان من المآخذ على القاعدة عدم دخولها على الخط الفلسطيني وانهماكها في حروب أفغانستان والصومال وغيرها، ويحمل عليها بعض المتشددين عدم خوضها إلى غاية الآن حربا ضد إسرائيل.
وقد يطرح سؤال آخر يحمل في طياته التشكيك في إمكان "غزو" القاعدة الساحة الفلسطينية يتعلق بقدرة التنظيم على الحصول على معدات وأسلحة تمكنه من تنفيذ مآربه. وللإجابة على هذا السؤال ينبغي النظر مجددا في الكيفية التي ظهرت بها حركة "حماس" بينما الإسرائيليين مشغولون بمراقبة حركة فتح. وتبين لاحقا أن الأمر خاضع للرغبة في العمل وليس بإمكانيات العمل بحد ذاتها.
وتبدو إسرائيل منهمكة حاليا بمتابعة نشاطات الفصائل ومحاربتها، لكن من جانب آخر فإنه لا يستبعد أن يكون الإسرائيليون قد وضعوا خططا بناء على فرضية ظهور القاعدة. لكن إسرائيل عادة تنشغل بالحرب على الواقع لا على المتوقع الذي يظهر فجأة لتعيد ترتيب أوراقها من جديد مثلما كان الحال مع حماس. وتبين من تجارب القاعدة أن لديها ابتكارات مثيرة وتستطيع التكيف مع الإمكانيات الموجودة وتطويعها لإلحاق أكبر الخسائر.
ويبقى جديرا بالذكر أن إسرائيل في حال تعرضها لهجمات من قبل القاعدة، فإن المتوقع قيامها بإجراءات عديدة على كافة المستويات وأن تشن عملية عسكرية ضد دول عربية مثل سورية ولبنان إن تعرضت لعملية كبيرة كذلك يتوقع أن تجتاح قطاع غزة بالكامل.
خطاب القاعدة هل يدغدغ الفلسطينيين؟
وبتحليل الحراك السياسي الفلسطيني والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، وبالتعرض أيضا للظروف التاريخية المتعلقة ببنى التنظيمات الفلسطينية وأشكال المقاومة من جهة وخطاب "القاعدة" وآليات عمله من جهة ثانية، يتضح أن هذا الافتراض لا ينشأ من فراغ، وإنما يمليه التحليل المتتبع بدقة لمجمل هذه الملابسات.
وكان من شأن انفجار سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس/آب 1998 أن يلفت أنظار الفلسطينيين وبقوة لهذا التنظيم الذي استطاع أن يوجه ضربة قوية للولايات المتحدة. لكن بداية اهتمام الفلسطينيين بزعيم التنظيم سبقت ذلك بكثير.
سنوات "الجهاد" في أفغانستان كانت قد أفلحت في تغيير الصورة النمطية المبثوثة عن الشخصية السعودية بوصفها شخصية مستهلكة غير معنية بالقتال. وبرز اسم أسامة بن لادن في تلك الحقبة بشكل لافت زادت في تلميعه أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
ولا شك بأن حالة من الارتياح سادت نفوس الكثير من الفلسطينيين بموازاة تلك الأحداث لكون الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل. وعلى الرغم من حماس "الجهاد الإسلامي" لعمليتي نيروبي ودار السلام كان أشد وضوحا من نظيره لدى حماس، ولكن أيا من الحركتين لم تعلن أنها تؤيد هذا العمل وتدعمه فقد كانت الحركتان قد قطعتا مسافة كبيرة نحو "الفلسطنة".
الخطاب الإسلامي.. من الاشتغال بالخارج إلى "الفلسطنة"
بيد أن اتجاه الحركات الإسلامية الفلسطينية وأبرزها "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى "فلسطنة" حراكهما الفكري والسياسي لم تتولد إلا عن رحلة شاقة على صعيد الاجتهاد الفكري والإفادة من التجارب. فقد كان خطاب "حماس" مثلا حادا في البداية ونازعا إلى اعتبار الصراع حربا بين اليهود والمسلمين.
وشاعت في أروقة الحركة وأدبياتها مصطلحات "أحفاد القردة والخنازير" و "أحفاد قتلة الأنبياء والمرسلين" كناية عن "اليهود" الذين شملتهم نظرية مؤامرة متسعة الأطراف راحت تؤكد تحكمهم بالأمم المتحدة وأمريكا وروسيا وأوروبا وأنهم يديرون العالم من خلال "الحركة الماسونية".
لكن هذا الخطاب تغير مع الزمن وأعلنت "حماس" أنها تقاتل لتحرير الأرض لا لقتل المخالفين في العقيدة، كما اختفت عبارات "اليهودية واليهود" لتحل محلها"الصهيونية والصهاينة "أو حتى إسرائيل وأسماء قادتها ومؤسساتها مما عد تطورا في الخطاب الإسلامي الفلسطيني أشر أيضا في اتجاه نضج هذه الحركات سياسيا.
توجهت الحركتان بقوة نحو"الفلسطنة" الكاملة وأدركتا أن "هنا" يختلف عن "هناك"من باب أن أهل مكة أدرى بشعابها وأن المعركة مع إسرائيل وليست مع هذا أو ذاك. فأدارت ظهرها لمقاتلي أفغانستان بعد أن كانت تؤمل في قدومهم لنصرة إخوانهم في فلسطين، وهو ما حدث أيضا بشأن دعمها زعيم حركة "حماس" الجزائرية محفوظ نحناح ونظام الإسلاميين في السودان.
أما الجهاد الإسلامي فقد اعتبرت أن إيران تجربة إسلامية نموذجية ولكنها – أي الجهاد التي بدأت داعمة لإيران دون أية تحفظات - ليست مضطرة للدفاع عن كل سياساتها. وبات حكمها على طهران من خلال مواقفها تجاه القضية الفلسطينية.
نيروبي.. دار السلام.. نيويورك
كما لم تعر الجهاد الإسلامي اهتماما لما آلت إليه أمور الجماعة الإسلامية في مصر ولا انكشاف أمر الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر كتنظيم مخترق أي اهتمام لأن الجهاد الإسلامي في فلسطين كان قد تحول إلى حركة فلسطينية تماما مثلما كان الحال بالنسبة لحماس عند الافتراق بين الترابي والبشير.
ومنذ أواخر 1987 حين انطلقت الانتفاضة الأولى، اكتسبت الحركات الإسلامية الفلسطينية يوما بعد آخر نصيبا وافرا من التأييد والنجاحات الإعلامية والمكاسب السياسية على الأرض.
وراحت حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" تباعدان خطاهما عن خطى مسيرة التسوية. ولم تتوقف الحركتان شأنهما شأن التنظيمات اليسارية والقومية الأخرى الرافضة لاتفاقات السلام مع إسرائيل عن شن هجمات موجعة ضد الأهداف الإسرائيلية.
وكان واضحا العداء بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، فانعقد مؤتمر شرم الشيخ الخاص "بمكافحة الإرهاب"على أثر الهجمات التي قامت بها حماس والجهاد وقاطعته سوريا ولبنان، ولم يكن لدى حماس ما تخسره ولا يهمها رأي أمريكا وأوروبا بها بقدر ما يهمها الشارع الفلسطيني.
لكن على صعيد آخر لم يكن صعبا على الفلسطينيين ملاحظة التنافس بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي لدرجة أنه أثار اشمئزاز المراقبين في الشارع الفلسطيني وساهم في ارتفاع شعبية تنظيم القاعدة باعتباره المثال الأصلح والنموذج الصادق للحالة الإسلامية.
حين ضربت الطائرات المخطوفة بواسطة نشطاء القاعدة برجي التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية، كانت القوات الإسرائيلية تحاصر جنين وقتلت قذائف الدبابات هناك عددا من المواطنين. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين لا يكرهون الشعب الأمريكي، فإنهم لا يستطيعون مقاومة كراهيتهم السياسات الأمريكية المنحازة لإسرائيل.
ولعل هذا ما دفع العشرات منهم للخروج في تظاهرات تعبر عن سرورهم لما حدث في نيويورك وواشنطن. إسرائيل من ناحيتها عملت على استغلال مظاهر الفرح والتظاهرات لتروج إعلاميا عن معاداة الفلسطينيين لأمريكا حكومة وشعبا. وحرصت السلطة الفلسطينية على تعديل هذه الصورة وسارع رئيسها ياسر عرفات إلى التبرع بدمائه من أجل الضحايا.
لكن ما خلفته الأحداث في بعض الأوساط الفلسطينية كان تناميا في المشاعر المؤيدة لبن لادن والاحتفاء به كـ"بطل يتحدى الجبروت الأمريكي ويستطيع أن يضرب قلب أقوى دولة في العالم"، ووجدت صورة البطل الجديد مكانا إلى جانب صورة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي كان قد حاز إعجاب الفلسطينيين منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
بن لادن يغازل الفلسطينيين
ولم ينس أسامة بن لادن مغازلة الفلسطينيين من حين لآخر مخاطبا قضيتهم. وبعد الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية التي نجم عنها اختيار محمود عباس (أبومازن) رئيسا لوزارة السلطة في 2003 دخلت القاعدة على الخط من جديد حيث انتقد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أبومازن موحيا بشكل غير مباشر أنه متابع لما يجري.
وخلال العام الأخير وبعد أن وجهت إليها إسرائيل ضربات نوعية باهظة الكلفة على صعيد القيادات العليا والميدانية، خصوصا الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، لم تعد حماس قادرة كما السابق على تنفيذ هجمات موجعة وناجحة وتقلصت قدرتها على اختراق الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة.
والحال ذاته انطبق على عمليات حركة "الجهاد الإسلامي" بل سائر تنظيمات المقاومة. تلى ذلك رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ليحدث غيابه قدرا من الإرباك كون الرجل كان قاسما مشتركا وقادرا على إضفاء نوع من التماسك داخل فتح وأجهزة السلطة كما كان ممسكا إلى حد كبير بخيوط مع المقاومة.
فاز أبومازن في انتخابات الرئاسة وهو مدرك من تجاربه السابقة حساسية الموقف. وأصر على التفاوض والتحاور مع الفصائل ولم يرضخ حتى اللحظة لمطالب أمريكا وإسرائيل بشن حرب أمنية عليها واستطاع مرة أخرى أن ينتزع وعداً بالتهدئة.
إسرائيل من جانبها خففت من ضغطها العسكري لكنها لا تريد إطلاق سراح الأسرى وقد تعود في أي لحظة لسياستها العسكرية السابقة. ويبدو أن واشنطن وتل أبيب وبسبب تعقد الوضع في العراق سحبتا ضمنياً مطلب تفكيك الفصائل رغم الضجيج الإعلامي حول هذه المسألة.
وعلى الرغم من أن هذا الاحتمال يظل مطروحا من قبل المحللين، إلا أن الدلائل على الأرض لا تشير إلى غاية الآن إلى إفلاح القاعدة في كسب مؤيدين فلسطينيين بمقدورهم تبني نهجها وتنفيذ هجمات كبيرة ضد إسرائيل. لكن، من جانب آخر، وكما دلت التجارب مع هذا التنظيم فإنه لا ينزع للكشف عن أوراقه وخططه إلا في اللحظة التي يراها مناسبة وحين لا يكون بالإمكان إلا دراسة المسرح الذي عملت على أرضه.
*العربية نت

التعليقات