اغتيال الحريري:الجهة المنفذة قتلت أبو عدس وركبت صوتا آخر أضيف لصورته.. اختفى قبل الجريمة بأسبوعين
اغتيال الحريري:الجهة المنفذة قتلت أبو عدس وركبت صوتا آخر أضيف لصورته.. اختفى قبل الجريمة بأسبوعين
غزة-دنيا الوطن
توشك أن تحل اربعينية مقتل رفيق الحريري الجمعة المقبل, دون أن تتوقف المظاهرات الليلية حول ضريحه المطالبة بمعرفة الحقيقة, ودون أن تعلن السلطات اللبنانية أية معلومات أسفرت عنها تحقيقات أجهزة الأمن الرسمية, أو حتى فريق الخبراء الدوليين, فيما يظل السؤال يكبر مثل كرة الثلج المتدحرجة: من قتل رئيس الوزراء السابق..؟!
بالقطع, لا توجد معلومات مؤكدة, أو تتجاوز حدود الإشتباه والتخمين, تؤشر إلى جهة بعينها, خاصة في ضوء توجيه العديد من الأطراف اللبنانية اتهامات لأطراف أخرى بالوقوف وراء هذه الجريمة. وليس فقط إلى سوريا.
"العرب" قررت أن تكثف ما توصلت إليه من معلومات تتعلق بهذه الجريمة المروعة, مع حلول اربعينية الرجل الذي اتفق اللبنانيون على اعتباره شهيد لبنان, واختلفوا, ليس فقط على الجهة التي يحمّلونها مسؤولية سفك دمه, وإنما كذلك على كيفية توظيف هذا الدم, وفي خدمة أي الأطراف السياسية..؟
أحمد أبو عدس يمكن أن يكون المدخل الأنسب لمحاولة فهم ما جرى.
بعد ساعات قليلة من تفجير موكب الحريري, فوجىء الرأي العام العالمي بفضائية الجزيرة تبث شريطا لشاب ملتح يعلن فيه مسؤوليته عن حادث اغتيال الحريري, مبررا ذلك بالعلاقة التي تربط الحريري بالسعودية.
وبسرعة خرافية, تمكنت أجهزة الأمن اللبنانية من الوصول إلى معرفة, ليس فقط الشخص الذي ظهر في الشريط باعتباره الإنتحاري المفترض, ولكن كذلك إلى منزله, حيث أعلن رسميا أنه تمت مداهمة المنزل, ليكتشف رجال الأمن أن أحمد أبو عدس قد غادره قبل وقت قصير, وبناء عليه, فقد تمت مصادرة أشياء من منزله لغايات متابعة التحقيق. ولم تتلكأ الأجهزة الأمنية اللبنانية في الإعلان عن أن القاتل المفترض هو فلسطيني التزم دينيا فقط قبل عامين, بعد أن كان من عبدة الشيطان ومتعاطي المخدرات, وهي معلومات صحيحة على كل حال.
أبو عدس هو البداية
غير أن سلطات التحقيق اللبنانية نسيت حكاية أبو عدس في اليوم التالي لوقوع الجريمة, وحتى الآن, ولم تعد تأتي لها على ذكر..!
لماذا..؟
من هذه الـ "لماذا" بدأنا استطلاعنا في بيروت, الذي قادنا إلى استنتاج غاية في الأهمية.. ذلك هو أن الجهة التي بعثت بالشريط الخاص بأبي عدس لفضائية الجزيرة هي الجهة المسؤولة عن قتل الحريري, طالما أن التحقيقات أثبتت أن حادث الإغتيال لم ينفذه رجل انتحاري, وأن أحدا لم يعثر بعد على جثة أبو عدس, أو قطع يفترض أن تتناثر منها, إن كان هو القاتل المفترض.
وقد توفرت لدى "العرب" المعلومات الهامة التالية في اطار مسعاها للبحث عن الحقيقة:
اولا: أن فضائية الجزيرة ترددت قبل أن تبث شريط أبو عدس, وذلك لأنها تشككت في صدقيته, وهي لم تفعل ذلك إلا بعد أن تلقى غسان بن جدو مراسلها في بيروت رابع اتصال هاتفي من الشخص الذي أرسل له الشريط, قائلا في الإتصال الأخير "إذا لم تبثوا الشريط فورا, سنرسله لفضائية العربية".. الأمر الذي يعني أن هناك اصرار على اعلان تحمل أبو عدس المسؤولية عن ارتكاب الجريمة, تبرئة للجهة الحقيقية المسؤوية عن الإغتيال وأن الجهة التي كانت تكرر الإتصال غير خائفة, وتتصرف باطمئنان كبير إلى أن تكرر اتصالاتها مع ابن جدو لأربع مرات لن يعرضها لأي خطر..!
ثانيا: أن أبو عدس لم يختف قبل فترة قصيرة من اغتيال الحريري, وإنما هو غادر منزل ذويه قبل اسبوعين من ذلك, وهو لم يظهر حتى الآن, كما لم يتم العثور على جثته. وتؤكد مصادر وثيقة الإتصال بأسرته أن والده بادر إلى ابلاغ مركز الشرطة الأقرب إلى منزله عن اختفاء ولده أحمد, وأخذ يتردد على المركز باستمرار للإستفسار عن أية معلومات ربما تكون الشرطة قد وصلت إليها من شأنها اجلاء الغموض عن هذا الإختفاء.
ولم يتوقف تردد والد أحمد أبو عدس على مركز الشرطة إلا بعد أن تلقى اتصالا هاتفيا من شخص عرّف نفسه باعتباره أحد ضباط أمن الدولة (المخابرات), الذي طلب من ذوي أبو عدس الإطمئنان على ابنهم, وأنه بخير, وقد ذهب للعراق للإنخراط في صفوف المجاهدين, وفقا للمعلومات التي توصل إليها جهاز أمن الدولة.
ثالثا: أن ذوي أحمد أبو عدس هم الذين تعرفوا عليه لدى ظهوره في الشريط التلفزيوني, ذلك أنه كان مكشوف الوجه والرأس, ولم يعمد إلى استخدام اللثام, كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات. وقد بادروا إلى ابلاغ الشرطة اللبنانية بأن الشخص الذي ظهر في الشريط هو ابنهم, لكن الصوت الذي تحدث من خلال الشريط ليس صوته, وهذا ما لم تعلنه المصادر اللبنانية..!
ولا يجد المراقبون من تفسير للغز أبو عدس غير أنه تم قتله من قبل الجهة التي منتجت الشريط أو أنتجته, أو أن يكون أرسل للعراق لينفذ عملية انتحارية هناك. وفي الحالتين تكون الجهة المدبرة لاغتيال الحريري تعمدت التخلص من حياة أبو عدس قبل قتل الحريري نفسه, ولكن بعد تسجيل الشريط الذي تم بثه, وظهر فيه أبو عدس على شاشة الجزيرة. ويفترض أن يكون أبو عدس تحدث في هذا الشريط بشيء مغاير لما تم بثه بصوت شخص آخر, بعد أن جرى التخلص منه. فقد يكون تحدث عن عملية انتحارية اعتزم تنفيذها في العراق, أو أي شيء آخر.
اطمئنان في التنفيذ
الإطمئنان لا يبرز فقط في تكرار الإتصال مع مكتب قناة الجزيرة, لكنه يبرز كذلك في الكيفية التي نفذت بها عملية اغتيال الحريري, ولم تنشر تفاصيلها الدقيقة حتى الآن.
الثابت حتى الآن أن الحريري لم يتم اغتياله بواسطة عملية انتحارية, سواء هاجمه الإنتحاري بشخصه, أو بواسطة سيارة مفخخة.. ذلك أنه لم يعثر على جثمان أو بقايا الإنتحاري المفترض, أو على السيارة المفخخة المفترضة. كما أن موكبه لم يتعرض لقصف صاروخي أو مدفعي من البر أو البحر أو الجو, إنما هو قتل بواسطة تفجير أرضي نفذ سلكيا, وهذا ما يفسر شل قدرة جهازي تعطيل التفجير اللاسلكي (بواسطة الريموت) المزود بهما موكبه.
تشرح مصادر "العرب" أن موكب الحريري لحظة اغتياله, كما هو دائما, كانت تتقدمه سيارة لاندكروزر مزودة بجهاز تشويش متطور لتعطيل التفجيرات اللاسلكية, وكانت تسير في مؤخرته سيارة مماثلة. وهذه الأجهزة يوجد مثلها فقط لدى الرئيس الأميركي جورج بوش, والرئيس الباكستاني برويز مشرف, حيث كان تلقاه هدية من الحريري نفسه. ولذلك, فإن الجهة التي خططت لاغتيال الحريري اعتمدت اسلوب التفجير السلكي, الذي يحتاج إلى جهد أكبر للتنفيذ, يتحقق فقط في حالة الإطمئنان الكامل من قبل الجهة المنفذة.
يوم الإغتيال الرابع عشر من شباط/فبراير الماضي سلك موكب الحريري طريق فندق السان جورج, في طريقه إلى منزله في قريطم, وهو واحد من ثلاثة طرق يسلك واحدا منها في كل يوم, من قبيل الإحترازات الأمنية. وقد تشكل موكبه من سيارة درك (شرطة) سارت أمام الموكب, تلتها سيارة التشويش, ثم اربع سيارات مصفحة استقل الحريري واحدة منها, ثم سيارة اسعاف, تليها سيارة التشويش الثانية.
انطلق الموكب من أمام مقهى قرب مبنى مجلس النواب, بعد أن شرب الحريري وصحبه فناجيل قهوة, أو مشروبات أخرى. ولدى وصوله قرب فندق السان جورج, اضطر إلى تبطئة السرعة نظرا لأن مطبين وضعا على الطريق منذ عدة أيام, كان عمال يعملون في أحد جانبيه. ولم يلفت النظر خلال الأيام القليلة الماضية أن المسافة بين المطبين تستوعب كامل سيارات الموكب, في اطار ترتيب عملية الإغتيال, كما سنبين لاحقا. ويوم الحادث انفجرت الأرض واحترقت بين المطبين, كما إلى جانبي الطريق, لتأتي على جميع سيارات الموكب, باستثناء سيارة الدرك التي لم تصب بأي أذى, ذلك أن الإنفجار وقع بعد تخطيها المطب الأمامي, وكأن من خطط للعملية لم يرد أن يصيب أحدا من رجال الدرك بسوء.
الذين أتيح لهم الإقتراب من مكان الحادث يقولون إن المتفجرات زرعت تحت الأرض حيث كانت الحفريات التي افتعلت بموازاة الطريق العام, وفي المسافة الفاصلة بين المطبين. بل إن بعض المتفجرات زرعت داخل أنفاق صغيرة حفرت تحت الطريق.
لذلك, فقد استدعى الأمر من رئيس بلدية بيروت, وهو من أنصار الحريري (تيار المستقبل) مخاطبة المحافظ طالبا تزويده بأسماء الذين امروا بإجراء الحفريات, وأسماء العمال الذين شاركوا في احداثها, واسم الشركة المنفذة والمشرفة. وقد تجاهل المحافظ الرد على هذه الأسئلة, في الرسالة الجوابية التي بعث بها لرئيس البلدية واتسمت بالمراوغة.
وما سبق, من حيث تلغيم فقط طريق واحد من أصل ثلاثة طرق يسلكها موكب الحريري, يعني أن الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة لم يكونوا في عجلة من امرهم, ولم يكن لديهم شعور بالقلق من احتمال انكشاف امرهم جراء انتظار مرور موكب الحريري عبر الطريق الذي تم اختياره من قبلهم ليكون مصيدة قتل.
ومع أن المعلومات التفصيلية لكيفية تنفيذ الجريمة أصبحت في متناول اليد, إلا أن الحكومة اللبنانية لم تقدم حتى الآن رواية متماسكة لكيفية وقوع الحادث, تاركة الحبل على الغارب, لتداول العديد من الشائعات, وتوجيه العديد من الإتهامات التي تتناول اسرائيل وسوريا, وما بينهما. ولكل رواية من هذه الروايات ما يسندها من تحليل واستنتاجات, لكن القاسم المشترك بين جميع هذه الروايات هو افتقارها لما يسندها من معلومات.
اسرائيل أولاً
اسرائيل هي أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن العربي كمتهم في حال تنفيذ جريمة من هذا الطراز, خاصة وأن اسرائيل تقف في مقدمة الأطراف التي تدفع باتجاه اخراج القوات السورية من لبنان.. ذلك أن وجود هذه القوات على الأراضي اللبنانية يوفر غطاء لحزب الله ولوجود الفصائل الفلسطينية.
ثم إن التنفيذ الإسرائيلي لا يمكن أن يكون منفصلا عن المصالح والحسابات الأميركية, حيث أن واشنطن تخطط منذ بعض الوقت لإستهداف ايران, يردعها عن التصعيد باتجاه طهران الخشية من أن يتولى حزب الله الإنتقام من اسرائيل عبر منظومة الصواريخ التي يمتلكها وتستطيع الوصول إلى قلب المدن الإسرائيلية.
وعلى ذلك, فإن المخطط الإسرائيلي ـ الأميركي المفترض وضع على أساس ضرب هدف كبير في لبنان من طراز اغتيال الحريري, يقود إلى اخراج القوات السورية من لبنان, ثم نزع اسلحة حزب الله, وكلاهما منصوص عليه في قرار مجلس الأمن الدولي 1559, بحيث يتم بعد ذلك الإنفراد بإيران من خلال توجيه ضربات عسكرية مركزة لأهداف مختارة فيها, دون الإرتقاء بذلك إلى مستوى احتلال ايران.
ولا جدال في أن حادثة اغتيال الحريري تفوق بكثير محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة من حيث حجمها, وردود الفعل التي ترتبت عليها. ثم هي عملية نفذت من قبل جهة محترفة, يصعب على جهات صغيرة أن تقوم بتنفيذ عمليات مثلها.
لإسرائيل واميركا مصلحة أكيدة في اغتيال الحريري نظرا للمكاسب التي ترتبت بالفعل على هذا الحادث لصالحهما. لذلك, فقد كان قرار القيادة السورية سحب قواتها إلى سهل البقاع توطئة لسحبها إلى الأراضي السورية, خطوة ذكية هدفت إلى سحب الذرائع من يد واشنطن, حتى لا توجه ضربة عسكرية للقوات السورية في لبنان.
وتوجيه مثل هذه الضربة لسوريا وارد ما دامت قواتها تتواجد في سهل البقاع اللبناني.
تؤكد صحة الإستقراء السابق المعلومات التي كشف عنها حسن نصر الله أمين عام حزب الله مؤخرا, من أن واشنطن ساومت دمشق: بقاء وزيادة حجم قواتها في لبنان مقابل نزع اسلحة حزب الله..! أي أن حزب الله هو الهدف, لا وجود القوات السورية في لبنان. ويتأكد ذلك من التناقض الصارخ في المطالب الأميركية التي كانت تقدم لدمشق خلال السنوات الماضية, وكانت تتضمن: الإنسحاب من لبنان, ونزع اسلحة حزب الله.! إذ كيف يمكن لسوريا أن تنزع سلاح حزب الله بعد أن تسحب قواتها من لبنان..؟! وإذا كان لا بد لواشنطن من الإختيار, فلا شك أنها ستختار نزع اسلحة حزب الله, وقد يكون ذلك أولا, لتطالب بسحب القوات السورية لاحقا, دون أن يخل هذا الترتيب بانعدام الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة توافق ابتداء على دخول وبقاء القوات السورية في لبنان حتى الآن, وعلى مدى ثلاثين عاما.
لقد وافقت واشنطن على دخول القوات السورية إلى لبنان في حينه, من أجل وقف الحرب الأهلية اللبنانية الذي يعني انقاذ حلفائها في ذلك الوقت, (القوات اللبنانية) ولجم قوات منظمة التحرير الفلسطنينية على نحو يوقف عملياتها ضد اسرائيل عبر جنوب لبنان.. فضلا عن لجم قوات المعارضة اللبنانية اليسارية ونزع اسلحتها. ومع الزمن, ومع خروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها الرئيسة من لبنان إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982, أصبح الوجود السوري في لبنان يمثل خطرا على المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية, بعد أن كان يتماهى مع اهدافها بشكل غير مباشر. فقد حصل حزب الله على الدعم والغطاء السوري. وكذلك فصائل فلسطينية مماثلة, فيما لجمت سوريا القوات اللبنانية (حزب الكتائب وحلفائه), ولم يعد لها وجود فعلي. لقد تحولت سوريا إلى العمل من أجل مصالحها في لبنان, وهو ما لا يمكن أن تقبل به الولايات المتحدة الأميركية.
ومع كل ذلك, فإن الشيخ حسن نصر الله لم يتهم حتى الآن اسرائيل بالوقوف وراء اغتيال الحريري. وكل ما قاله هو أن جهة خارجية تقف وراء هذه الجريمة, وصفها بأنها لا تريد للبنان الإستقرار.
اتهامات لسوريا
أما حلفاء اميركا واسرائيل في لبنان, فإنهم يتهمون سوريا بالوقوف وراء اغتيال الحريري. وهو الإتهام الذي تم التعبير عنه قبل أن تنطفىء النيران التي اشعلها الإنفجار في مكان الجريمة.
هؤلاء يستندون إلى عدة اسباب في توجيههم الإتهام لسوريا:
اولا: اتهام المسؤولين السوريين للحريري, في جلسات مغلقة لم يكونوا يخفون فيها انزعاجهم الكامل والكبير منه, بأنه وقف وراء اصدار مجلس الأمن الدولي للقرار 1559, وذلك من خلال علاقته الوثيقة مع جاك شيراك, الرئيس الفرنسي, الذي يقال أن صداقته مع الحريري بلغت حدا جعله يمول حملته الإنتخابية التي جاءت به رئيسا لفرنسا. كما تضيف هذه المصادر أن هناك مصالح تجارية مشتركة بين الحريري وشيراك.
الحريري وفقا لذات المصادر مسؤول عن تحويل فرنسا من صديق لسوريا يعادل الكفة الأميركية المعادية لها, إلى حليف لأميركا في الضغط على سوريا لسحب قواتها من لبنان, مع ما يؤدي إليه ذلك من عزل للمسار التفاوضي السوري مع اسرائيل, وابقائه وحيدا في مواجهة التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي, بعد أن وقعت القاهرة معاهدة كامب ديفيد (1979) ووقع الأردن معاهدة وادي عربة (1994), ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق اوسلو (1994).
ثانيا: اتهام الحريري بأنه هو من يحرك المعارضة ضد سوريا في لبنان, ويمولها. ولم تكن هذه الإتهامات من قبيل الأسرار. فقد صرح سليمان فرنجية وزير الداخلية اللبناني, قبيل اغتيال الحريري, وهو من أقرب حلفاء سوريا إن الحريري هو معلم المعارضة, والآخرين ليسوا سوى "بودي جاردز"..!
ثالثا: أن الحريري كان يستعد لخوض الإنتخابات النيابية المقبلة (أيار/مايو المقبل), بتكتيك جديد, بعد أن عمل أميل لحود رئيس الجمهورية على تحجيمه, وذلك عبر قانون انتخابي جديد قسم دوائر بيروت على نحو يفقد الحريري وانصاره فرصة الفوز. لكن الحريري كان يعمل في المقابل على تشكيل قوائم متعددة من انصاره, وعلى نحو يؤمن لها تحقيق اغلبية في مجلس النواب, بدلا من الأغلبية الراهنة التي تملكها سوريا في المجلس. وكان الحريري فقد تأييد عدد من نواب قائمته انشقوا عنه لصالح سوريا, ما جعله يفقد الأغلبية في مجلس النواب الحالي. ولذلك, كان أبلغ النواب باسم يموت, ناصر قنديل, وعدنان عرقجي أنه لن يرشحهم على قوائمه في الإنتخابات المقبلة, التي رصد مبلغ 200 مليون دولار لتمويل حملته فيها.
تواصل المصادر في صيغة تساؤل: ماذا لو نجح الحريري في السيطرة على الأغلبية النيابية في الإنتخابات المقبلة, لتقرر مطالبة سوريا بالإنسحاب من لبنان, علما أن قرارات مجلس النواب اللبناني ملزمة للحكومة..؟! تضيف المصادر إلى ذلك أن الحريري لم يعد زعيما فقط للطائفة السنية, لكنه تحول إلى زعيم على مستوى لبنان, خاصة بفضل المال الذي كان ينفقه بسخاء من أجل تحقيق مصالحه واهدافه السياسية.
رابعا: أن الحريري كان يخطط مبكرا من أجل اسقاط عمر كرامي في الإنتخابات المقبلة, بحيث ل لا يعاد انتخابه نائباً عن طرابلس, كما أسقط الدكتور سليم الحص في بيروت في الإنتخابات السابقة. وبهذا يكون الحريري أصبح الزعيم السني الوحيد في لبنان كله.
محاولات سحب حزب الله
خامسا: ولعل أخطر ما فعله الحريري, من وجهة نظر دمشق, كما تراها ذات المصادر, هو أنه حاول أن يسحب حزب الله منها..!
وتكشف المصادر هنا عن أن الحريري كان التقى حسن نصر الله أمين عام حزب الله عدة مرات قبل اغتياله, طرح خلالها استعداده للتحالف انتخابيا مع حزب الله في بيروت, وناقش مع نصر الله تفاصيل العملية الإنتخابية المقبلة. وبذا, فإنه شكل خطورة كبيرة جدا على مصالح سوريا ووجودها في لبنان.
ومعروف أن العلاقات بين الحريري ودمشق كانت قد توترت على قاعدة التمديد السوري لولاية الرئيس لحود, وهو الدور المعاكس تماما لدور الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت سوريا ومصر الرافض لتمديد ولاية الرئيس كميل شمعون سنة 1958. وخاصة وأن دمشق لم تحسن اختيار الوسيلة المناسبة لتسويق عملية التمديد.
تقول المصادر إن العميد غزالة قائد الإستخبارات العسكرية السورية في لبنان طلب التقاء رجال الدولة اللبنانية في مقر قيادته بعنجر, حيث استقبل بالتتابع عمر كرامي, الدكتور سليم الحص, سليمان فرنجية, نبيه بري رئيس مجلس النواب ورفيق الحريري رئيس الوزارء في حينه, ووليد جنبلاط. وقام بإبلاغ كل واحد منهم في الموعد المحدد للقائه بأن الرئيس بشار الأسد يريد أن يستقبله في دمشق لإبلاغه رغبته التمديد للرئيس اميل لحود. فكان أن وافق كرامي والحص وفرنجية وبري, الذي التقاه الأسد طوال ساعة كاملة, فيما اكتفى الحريري بالقول "انشاء الله خير", واقتصر لقاءه مع الأسد على فقط ربع ساعة. ورفض جنبلاط الفكرة, فألغي لقاءه مع الأسد.
أما حسن نصر الله أمين عام حزب الله, فقد كانت زيارته لدمشق غير معلنة, وافق خلالها على التمديد للحود.
ولدى تصويت مجلس النواب اللبناني على التمديد, وافقت كتلة الحريري, الذي قدم استقالة حكومته بعد ذلك بفترة قصيرة. لتبدأ صفحة جديدة من علاقاته بالسوريين.
لحود وحزب الله
بالطبع, فإن الرئيس أميل لحود واجهزته الأمنية من ضمن المتهمين. والمعارضة اللبنانية تشير إليهم بشكل متفاوت الصراحة, خاصة وهي تطالب باستقالة أو اقالة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية.. وهي الأجهزة التي تلكأت في اجراء التحقيقات, وإلى الحد الذي أدى بقطة إلى اكتشاف جثة عامل سوري في مكان الجريمة بعد عدة أيام من وقوعها, في حين تم اكتشاف جثة المرحوم الغلاييني بفعل صدفة أخرى بعد عدة أيام أخرى, ما يعني أن مسحا لم يجر بعد على موقع الحدث.
ولهذا, تقول المصادر إن الرئيس لحود وحكومته يرفضان اجراء تحقيق دولي, وقبلا تحت الضغط مجيء خبراء دوليين للمشاركة في التحقيق, لا ليجروا تحقيقا مستقلا.
حزب الله توجه له اتهامات في هذا الحادث أيضا, فهو لديه الإمكانات لتنفيذ عملية اغتيال من هذا الطراز, كما لديه المصلحة في ذلك, وفقا لذات المصادر..!
ولكن ما هي مصلحة الحزب..؟!
تردنا المصادر إلى نص قرار مجلس الأمن 1559 الذي يطالب بنزع اسلحة جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. كما أن الحريري متهم بالوقوف وراء اصدار القرار المذكور, كما يطالب حزب الله بتسليم سلاحه.
وتضيف المصادر أن الحريري, الذي أعطى وزنا كبيرا للطائفة السنية في لبنان, خاطب نصر الله ذات مرة قائلا "خامنئي ولي أمر المسلمين الشيعة, وأنا ولي أمر المسلمين السنة في لبنان"..!
وبدوره يتهم حزب الله التيار السلفي واسامة بن لادن باغتيال الحريري, كما تشيع اوساطه, دون أن يعلن هذه الإتهامات عبر الإعلام.
ويسأل نصر الله المعارضة اللبنانية في معرض مناقشته للقرار 1559, ورفضه تسليم سلاح حزب الله والتحول إلى العمل السياسي دون العسكري: هل نحن ميليشيا أم معارضة..؟ وهو يرفض التسمية الأولى لصالح التسمية الثانية.
وبالطبع, فإن القرار 1559 يعني حزب الله والمنظمات الفلسطينية لجهة مطالبته نزع اسلحة الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
البقاع مقابل العراق
والآن, وبعد أن قررت سوريا سحب قواتها إلى سهل البقاع توطئة لسحبها إلى داخل اراضيها, يتساءل المراقبون في بيروت: من سينفذ القرار 1559 لجهة نزع اسلحة حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان..؟
في سياق الإجابة على هذا السؤال المفصلي قرر محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ارسال وفد فلسطيني لبيروت فور تشكيل حكومة جديدة لبحث تعديل اتفاق القاهرة الذي يحكم الوجود الفلسطيني في لبنان, بما يؤمنه نزع السلاح الفلسطيني, خاصة وأن هذا السلاح يخص قوات موالية لمنافسه فاروق القدومي رئيس حركة "فتح", وفصائل فلسطينية أخرى لا يعرف متى يمكن أن يختلف معها, لتشكل ثقلا عسكريا وسياسيا في الخارج موازيا, إن لم يكن متفوقا على ثقل سلطته في الداخل.
وعودة إلى العلاقات السورية ـ الأميركية ترى المصادر استحالة عودة التوافق بين الجانبين على بقاء القوات السورية في لبنان, ليس فقط لأن الوجود السوري أصبح يتعارض مع المصالح الأميركية في لبنان, ولكن كذلك لأن سوريا لا تقدم ما فيه الكفاية للأميركان في العراق. ولهذا تبدي المصادر اعتقادها بأن واشنطن قد تعمد إلى مقايضة دمشق على وجود قواتها في البقاع مقابل تعاون سوري أكبر في العراق. وفي هذا السياق, تقول المصادر جاء تسليم سوريا سبعاوي ابراهيم الأخ غير الشقيق لصدام حسين للحكومة العراقية المعينة من قبل الأميركان. وبخلاف ذلك, فإن واشنطن قد تعمد إلى توجيه ضربات صاروخية للقوات السورية في البقاع إن لم توافق دمشق على المقايضة المشار إليها والتي قد تتطور لاحقا إلى الطلب من سوريا تولي نزع اسلحة حزب الله والفصائل الفلسطينية الموالية لها في لبنان..!
السعودية مع التهدئة
أما احتلال سوريا فهو غير وارد, لأن واشنطن لا تفكر بارتكاب حماقة جديدة قبل أن تخرج من ورطتها في العراق.. خاصة وأن كل المؤشرات تؤكد أن السوريين الذين يذهبون ليجاهدوا اميركا في العراق سيفرحهم مجيء القوات الأميركية إليهم, لتقصر عليهم الطريق, وتسهل عليهم ضرب الأميركيين والإختباء في ارضهم التي يعرفونها بشكل أفضل مما يعرفون أرض العراق.
ولأن ازدياد حدة التوتر في سوريا ولبنان يهدد بمزيد من الإنعكاسات السلبية على الأمن السعودي تؤكد المصادر أن السعودية تعمل على تهدئة المعارضة اللبنانية. وقد تجلى ذلك في مؤشرين هامين:
الأول: اعتذار أبناء رفيق الحريري عن استضافة اللقاء الثالث للمعارضة في منزلهم بقريطم, بعد أن كانوا استضافوا اللقاء الأول, واستضاف وليد جنبلاط اللقاء الثاني بكليمنصو, وذلك استجابة لنصيحة سعودية.
الثاني: تراجع وليد جنبلاط بعد زيارته للسعودية عن المطالبة بتنفيذ القرار 1559 وقصره مطالبته بتنفيذ اتفاق الطائف الذي يقضي بسحب القوات السورية لسهل البقاع. وفي هذا شيء من التهدئة مع سوريا.
ومن شأن ذلك أن يساعد سوريا على ابقاء نفوذها السياسي في لبنان, بما يوفر غطاء سوريا يحتاجه حزب الله.. في كل الأحوال. وهذا ما حاولت ايجاده مظاهرة حزب الله وحلفائه في قلب بيروت, التي شارك فيها أكثر من مليون انسان, اضطرت المعارضة لمضاهاتها بمظاهرة مقابلة.
*العرب
غزة-دنيا الوطن
توشك أن تحل اربعينية مقتل رفيق الحريري الجمعة المقبل, دون أن تتوقف المظاهرات الليلية حول ضريحه المطالبة بمعرفة الحقيقة, ودون أن تعلن السلطات اللبنانية أية معلومات أسفرت عنها تحقيقات أجهزة الأمن الرسمية, أو حتى فريق الخبراء الدوليين, فيما يظل السؤال يكبر مثل كرة الثلج المتدحرجة: من قتل رئيس الوزراء السابق..؟!
بالقطع, لا توجد معلومات مؤكدة, أو تتجاوز حدود الإشتباه والتخمين, تؤشر إلى جهة بعينها, خاصة في ضوء توجيه العديد من الأطراف اللبنانية اتهامات لأطراف أخرى بالوقوف وراء هذه الجريمة. وليس فقط إلى سوريا.
"العرب" قررت أن تكثف ما توصلت إليه من معلومات تتعلق بهذه الجريمة المروعة, مع حلول اربعينية الرجل الذي اتفق اللبنانيون على اعتباره شهيد لبنان, واختلفوا, ليس فقط على الجهة التي يحمّلونها مسؤولية سفك دمه, وإنما كذلك على كيفية توظيف هذا الدم, وفي خدمة أي الأطراف السياسية..؟
أحمد أبو عدس يمكن أن يكون المدخل الأنسب لمحاولة فهم ما جرى.
بعد ساعات قليلة من تفجير موكب الحريري, فوجىء الرأي العام العالمي بفضائية الجزيرة تبث شريطا لشاب ملتح يعلن فيه مسؤوليته عن حادث اغتيال الحريري, مبررا ذلك بالعلاقة التي تربط الحريري بالسعودية.
وبسرعة خرافية, تمكنت أجهزة الأمن اللبنانية من الوصول إلى معرفة, ليس فقط الشخص الذي ظهر في الشريط باعتباره الإنتحاري المفترض, ولكن كذلك إلى منزله, حيث أعلن رسميا أنه تمت مداهمة المنزل, ليكتشف رجال الأمن أن أحمد أبو عدس قد غادره قبل وقت قصير, وبناء عليه, فقد تمت مصادرة أشياء من منزله لغايات متابعة التحقيق. ولم تتلكأ الأجهزة الأمنية اللبنانية في الإعلان عن أن القاتل المفترض هو فلسطيني التزم دينيا فقط قبل عامين, بعد أن كان من عبدة الشيطان ومتعاطي المخدرات, وهي معلومات صحيحة على كل حال.
أبو عدس هو البداية
غير أن سلطات التحقيق اللبنانية نسيت حكاية أبو عدس في اليوم التالي لوقوع الجريمة, وحتى الآن, ولم تعد تأتي لها على ذكر..!
لماذا..؟
من هذه الـ "لماذا" بدأنا استطلاعنا في بيروت, الذي قادنا إلى استنتاج غاية في الأهمية.. ذلك هو أن الجهة التي بعثت بالشريط الخاص بأبي عدس لفضائية الجزيرة هي الجهة المسؤولة عن قتل الحريري, طالما أن التحقيقات أثبتت أن حادث الإغتيال لم ينفذه رجل انتحاري, وأن أحدا لم يعثر بعد على جثة أبو عدس, أو قطع يفترض أن تتناثر منها, إن كان هو القاتل المفترض.
وقد توفرت لدى "العرب" المعلومات الهامة التالية في اطار مسعاها للبحث عن الحقيقة:
اولا: أن فضائية الجزيرة ترددت قبل أن تبث شريط أبو عدس, وذلك لأنها تشككت في صدقيته, وهي لم تفعل ذلك إلا بعد أن تلقى غسان بن جدو مراسلها في بيروت رابع اتصال هاتفي من الشخص الذي أرسل له الشريط, قائلا في الإتصال الأخير "إذا لم تبثوا الشريط فورا, سنرسله لفضائية العربية".. الأمر الذي يعني أن هناك اصرار على اعلان تحمل أبو عدس المسؤولية عن ارتكاب الجريمة, تبرئة للجهة الحقيقية المسؤوية عن الإغتيال وأن الجهة التي كانت تكرر الإتصال غير خائفة, وتتصرف باطمئنان كبير إلى أن تكرر اتصالاتها مع ابن جدو لأربع مرات لن يعرضها لأي خطر..!
ثانيا: أن أبو عدس لم يختف قبل فترة قصيرة من اغتيال الحريري, وإنما هو غادر منزل ذويه قبل اسبوعين من ذلك, وهو لم يظهر حتى الآن, كما لم يتم العثور على جثته. وتؤكد مصادر وثيقة الإتصال بأسرته أن والده بادر إلى ابلاغ مركز الشرطة الأقرب إلى منزله عن اختفاء ولده أحمد, وأخذ يتردد على المركز باستمرار للإستفسار عن أية معلومات ربما تكون الشرطة قد وصلت إليها من شأنها اجلاء الغموض عن هذا الإختفاء.
ولم يتوقف تردد والد أحمد أبو عدس على مركز الشرطة إلا بعد أن تلقى اتصالا هاتفيا من شخص عرّف نفسه باعتباره أحد ضباط أمن الدولة (المخابرات), الذي طلب من ذوي أبو عدس الإطمئنان على ابنهم, وأنه بخير, وقد ذهب للعراق للإنخراط في صفوف المجاهدين, وفقا للمعلومات التي توصل إليها جهاز أمن الدولة.
ثالثا: أن ذوي أحمد أبو عدس هم الذين تعرفوا عليه لدى ظهوره في الشريط التلفزيوني, ذلك أنه كان مكشوف الوجه والرأس, ولم يعمد إلى استخدام اللثام, كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات. وقد بادروا إلى ابلاغ الشرطة اللبنانية بأن الشخص الذي ظهر في الشريط هو ابنهم, لكن الصوت الذي تحدث من خلال الشريط ليس صوته, وهذا ما لم تعلنه المصادر اللبنانية..!
ولا يجد المراقبون من تفسير للغز أبو عدس غير أنه تم قتله من قبل الجهة التي منتجت الشريط أو أنتجته, أو أن يكون أرسل للعراق لينفذ عملية انتحارية هناك. وفي الحالتين تكون الجهة المدبرة لاغتيال الحريري تعمدت التخلص من حياة أبو عدس قبل قتل الحريري نفسه, ولكن بعد تسجيل الشريط الذي تم بثه, وظهر فيه أبو عدس على شاشة الجزيرة. ويفترض أن يكون أبو عدس تحدث في هذا الشريط بشيء مغاير لما تم بثه بصوت شخص آخر, بعد أن جرى التخلص منه. فقد يكون تحدث عن عملية انتحارية اعتزم تنفيذها في العراق, أو أي شيء آخر.
اطمئنان في التنفيذ
الإطمئنان لا يبرز فقط في تكرار الإتصال مع مكتب قناة الجزيرة, لكنه يبرز كذلك في الكيفية التي نفذت بها عملية اغتيال الحريري, ولم تنشر تفاصيلها الدقيقة حتى الآن.
الثابت حتى الآن أن الحريري لم يتم اغتياله بواسطة عملية انتحارية, سواء هاجمه الإنتحاري بشخصه, أو بواسطة سيارة مفخخة.. ذلك أنه لم يعثر على جثمان أو بقايا الإنتحاري المفترض, أو على السيارة المفخخة المفترضة. كما أن موكبه لم يتعرض لقصف صاروخي أو مدفعي من البر أو البحر أو الجو, إنما هو قتل بواسطة تفجير أرضي نفذ سلكيا, وهذا ما يفسر شل قدرة جهازي تعطيل التفجير اللاسلكي (بواسطة الريموت) المزود بهما موكبه.
تشرح مصادر "العرب" أن موكب الحريري لحظة اغتياله, كما هو دائما, كانت تتقدمه سيارة لاندكروزر مزودة بجهاز تشويش متطور لتعطيل التفجيرات اللاسلكية, وكانت تسير في مؤخرته سيارة مماثلة. وهذه الأجهزة يوجد مثلها فقط لدى الرئيس الأميركي جورج بوش, والرئيس الباكستاني برويز مشرف, حيث كان تلقاه هدية من الحريري نفسه. ولذلك, فإن الجهة التي خططت لاغتيال الحريري اعتمدت اسلوب التفجير السلكي, الذي يحتاج إلى جهد أكبر للتنفيذ, يتحقق فقط في حالة الإطمئنان الكامل من قبل الجهة المنفذة.
يوم الإغتيال الرابع عشر من شباط/فبراير الماضي سلك موكب الحريري طريق فندق السان جورج, في طريقه إلى منزله في قريطم, وهو واحد من ثلاثة طرق يسلك واحدا منها في كل يوم, من قبيل الإحترازات الأمنية. وقد تشكل موكبه من سيارة درك (شرطة) سارت أمام الموكب, تلتها سيارة التشويش, ثم اربع سيارات مصفحة استقل الحريري واحدة منها, ثم سيارة اسعاف, تليها سيارة التشويش الثانية.
انطلق الموكب من أمام مقهى قرب مبنى مجلس النواب, بعد أن شرب الحريري وصحبه فناجيل قهوة, أو مشروبات أخرى. ولدى وصوله قرب فندق السان جورج, اضطر إلى تبطئة السرعة نظرا لأن مطبين وضعا على الطريق منذ عدة أيام, كان عمال يعملون في أحد جانبيه. ولم يلفت النظر خلال الأيام القليلة الماضية أن المسافة بين المطبين تستوعب كامل سيارات الموكب, في اطار ترتيب عملية الإغتيال, كما سنبين لاحقا. ويوم الحادث انفجرت الأرض واحترقت بين المطبين, كما إلى جانبي الطريق, لتأتي على جميع سيارات الموكب, باستثناء سيارة الدرك التي لم تصب بأي أذى, ذلك أن الإنفجار وقع بعد تخطيها المطب الأمامي, وكأن من خطط للعملية لم يرد أن يصيب أحدا من رجال الدرك بسوء.
الذين أتيح لهم الإقتراب من مكان الحادث يقولون إن المتفجرات زرعت تحت الأرض حيث كانت الحفريات التي افتعلت بموازاة الطريق العام, وفي المسافة الفاصلة بين المطبين. بل إن بعض المتفجرات زرعت داخل أنفاق صغيرة حفرت تحت الطريق.
لذلك, فقد استدعى الأمر من رئيس بلدية بيروت, وهو من أنصار الحريري (تيار المستقبل) مخاطبة المحافظ طالبا تزويده بأسماء الذين امروا بإجراء الحفريات, وأسماء العمال الذين شاركوا في احداثها, واسم الشركة المنفذة والمشرفة. وقد تجاهل المحافظ الرد على هذه الأسئلة, في الرسالة الجوابية التي بعث بها لرئيس البلدية واتسمت بالمراوغة.
وما سبق, من حيث تلغيم فقط طريق واحد من أصل ثلاثة طرق يسلكها موكب الحريري, يعني أن الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة لم يكونوا في عجلة من امرهم, ولم يكن لديهم شعور بالقلق من احتمال انكشاف امرهم جراء انتظار مرور موكب الحريري عبر الطريق الذي تم اختياره من قبلهم ليكون مصيدة قتل.
ومع أن المعلومات التفصيلية لكيفية تنفيذ الجريمة أصبحت في متناول اليد, إلا أن الحكومة اللبنانية لم تقدم حتى الآن رواية متماسكة لكيفية وقوع الحادث, تاركة الحبل على الغارب, لتداول العديد من الشائعات, وتوجيه العديد من الإتهامات التي تتناول اسرائيل وسوريا, وما بينهما. ولكل رواية من هذه الروايات ما يسندها من تحليل واستنتاجات, لكن القاسم المشترك بين جميع هذه الروايات هو افتقارها لما يسندها من معلومات.
اسرائيل أولاً
اسرائيل هي أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن العربي كمتهم في حال تنفيذ جريمة من هذا الطراز, خاصة وأن اسرائيل تقف في مقدمة الأطراف التي تدفع باتجاه اخراج القوات السورية من لبنان.. ذلك أن وجود هذه القوات على الأراضي اللبنانية يوفر غطاء لحزب الله ولوجود الفصائل الفلسطينية.
ثم إن التنفيذ الإسرائيلي لا يمكن أن يكون منفصلا عن المصالح والحسابات الأميركية, حيث أن واشنطن تخطط منذ بعض الوقت لإستهداف ايران, يردعها عن التصعيد باتجاه طهران الخشية من أن يتولى حزب الله الإنتقام من اسرائيل عبر منظومة الصواريخ التي يمتلكها وتستطيع الوصول إلى قلب المدن الإسرائيلية.
وعلى ذلك, فإن المخطط الإسرائيلي ـ الأميركي المفترض وضع على أساس ضرب هدف كبير في لبنان من طراز اغتيال الحريري, يقود إلى اخراج القوات السورية من لبنان, ثم نزع اسلحة حزب الله, وكلاهما منصوص عليه في قرار مجلس الأمن الدولي 1559, بحيث يتم بعد ذلك الإنفراد بإيران من خلال توجيه ضربات عسكرية مركزة لأهداف مختارة فيها, دون الإرتقاء بذلك إلى مستوى احتلال ايران.
ولا جدال في أن حادثة اغتيال الحريري تفوق بكثير محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة من حيث حجمها, وردود الفعل التي ترتبت عليها. ثم هي عملية نفذت من قبل جهة محترفة, يصعب على جهات صغيرة أن تقوم بتنفيذ عمليات مثلها.
لإسرائيل واميركا مصلحة أكيدة في اغتيال الحريري نظرا للمكاسب التي ترتبت بالفعل على هذا الحادث لصالحهما. لذلك, فقد كان قرار القيادة السورية سحب قواتها إلى سهل البقاع توطئة لسحبها إلى الأراضي السورية, خطوة ذكية هدفت إلى سحب الذرائع من يد واشنطن, حتى لا توجه ضربة عسكرية للقوات السورية في لبنان.
وتوجيه مثل هذه الضربة لسوريا وارد ما دامت قواتها تتواجد في سهل البقاع اللبناني.
تؤكد صحة الإستقراء السابق المعلومات التي كشف عنها حسن نصر الله أمين عام حزب الله مؤخرا, من أن واشنطن ساومت دمشق: بقاء وزيادة حجم قواتها في لبنان مقابل نزع اسلحة حزب الله..! أي أن حزب الله هو الهدف, لا وجود القوات السورية في لبنان. ويتأكد ذلك من التناقض الصارخ في المطالب الأميركية التي كانت تقدم لدمشق خلال السنوات الماضية, وكانت تتضمن: الإنسحاب من لبنان, ونزع اسلحة حزب الله.! إذ كيف يمكن لسوريا أن تنزع سلاح حزب الله بعد أن تسحب قواتها من لبنان..؟! وإذا كان لا بد لواشنطن من الإختيار, فلا شك أنها ستختار نزع اسلحة حزب الله, وقد يكون ذلك أولا, لتطالب بسحب القوات السورية لاحقا, دون أن يخل هذا الترتيب بانعدام الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة توافق ابتداء على دخول وبقاء القوات السورية في لبنان حتى الآن, وعلى مدى ثلاثين عاما.
لقد وافقت واشنطن على دخول القوات السورية إلى لبنان في حينه, من أجل وقف الحرب الأهلية اللبنانية الذي يعني انقاذ حلفائها في ذلك الوقت, (القوات اللبنانية) ولجم قوات منظمة التحرير الفلسطنينية على نحو يوقف عملياتها ضد اسرائيل عبر جنوب لبنان.. فضلا عن لجم قوات المعارضة اللبنانية اليسارية ونزع اسلحتها. ومع الزمن, ومع خروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها الرئيسة من لبنان إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982, أصبح الوجود السوري في لبنان يمثل خطرا على المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية, بعد أن كان يتماهى مع اهدافها بشكل غير مباشر. فقد حصل حزب الله على الدعم والغطاء السوري. وكذلك فصائل فلسطينية مماثلة, فيما لجمت سوريا القوات اللبنانية (حزب الكتائب وحلفائه), ولم يعد لها وجود فعلي. لقد تحولت سوريا إلى العمل من أجل مصالحها في لبنان, وهو ما لا يمكن أن تقبل به الولايات المتحدة الأميركية.
ومع كل ذلك, فإن الشيخ حسن نصر الله لم يتهم حتى الآن اسرائيل بالوقوف وراء اغتيال الحريري. وكل ما قاله هو أن جهة خارجية تقف وراء هذه الجريمة, وصفها بأنها لا تريد للبنان الإستقرار.
اتهامات لسوريا
أما حلفاء اميركا واسرائيل في لبنان, فإنهم يتهمون سوريا بالوقوف وراء اغتيال الحريري. وهو الإتهام الذي تم التعبير عنه قبل أن تنطفىء النيران التي اشعلها الإنفجار في مكان الجريمة.
هؤلاء يستندون إلى عدة اسباب في توجيههم الإتهام لسوريا:
اولا: اتهام المسؤولين السوريين للحريري, في جلسات مغلقة لم يكونوا يخفون فيها انزعاجهم الكامل والكبير منه, بأنه وقف وراء اصدار مجلس الأمن الدولي للقرار 1559, وذلك من خلال علاقته الوثيقة مع جاك شيراك, الرئيس الفرنسي, الذي يقال أن صداقته مع الحريري بلغت حدا جعله يمول حملته الإنتخابية التي جاءت به رئيسا لفرنسا. كما تضيف هذه المصادر أن هناك مصالح تجارية مشتركة بين الحريري وشيراك.
الحريري وفقا لذات المصادر مسؤول عن تحويل فرنسا من صديق لسوريا يعادل الكفة الأميركية المعادية لها, إلى حليف لأميركا في الضغط على سوريا لسحب قواتها من لبنان, مع ما يؤدي إليه ذلك من عزل للمسار التفاوضي السوري مع اسرائيل, وابقائه وحيدا في مواجهة التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي, بعد أن وقعت القاهرة معاهدة كامب ديفيد (1979) ووقع الأردن معاهدة وادي عربة (1994), ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق اوسلو (1994).
ثانيا: اتهام الحريري بأنه هو من يحرك المعارضة ضد سوريا في لبنان, ويمولها. ولم تكن هذه الإتهامات من قبيل الأسرار. فقد صرح سليمان فرنجية وزير الداخلية اللبناني, قبيل اغتيال الحريري, وهو من أقرب حلفاء سوريا إن الحريري هو معلم المعارضة, والآخرين ليسوا سوى "بودي جاردز"..!
ثالثا: أن الحريري كان يستعد لخوض الإنتخابات النيابية المقبلة (أيار/مايو المقبل), بتكتيك جديد, بعد أن عمل أميل لحود رئيس الجمهورية على تحجيمه, وذلك عبر قانون انتخابي جديد قسم دوائر بيروت على نحو يفقد الحريري وانصاره فرصة الفوز. لكن الحريري كان يعمل في المقابل على تشكيل قوائم متعددة من انصاره, وعلى نحو يؤمن لها تحقيق اغلبية في مجلس النواب, بدلا من الأغلبية الراهنة التي تملكها سوريا في المجلس. وكان الحريري فقد تأييد عدد من نواب قائمته انشقوا عنه لصالح سوريا, ما جعله يفقد الأغلبية في مجلس النواب الحالي. ولذلك, كان أبلغ النواب باسم يموت, ناصر قنديل, وعدنان عرقجي أنه لن يرشحهم على قوائمه في الإنتخابات المقبلة, التي رصد مبلغ 200 مليون دولار لتمويل حملته فيها.
تواصل المصادر في صيغة تساؤل: ماذا لو نجح الحريري في السيطرة على الأغلبية النيابية في الإنتخابات المقبلة, لتقرر مطالبة سوريا بالإنسحاب من لبنان, علما أن قرارات مجلس النواب اللبناني ملزمة للحكومة..؟! تضيف المصادر إلى ذلك أن الحريري لم يعد زعيما فقط للطائفة السنية, لكنه تحول إلى زعيم على مستوى لبنان, خاصة بفضل المال الذي كان ينفقه بسخاء من أجل تحقيق مصالحه واهدافه السياسية.
رابعا: أن الحريري كان يخطط مبكرا من أجل اسقاط عمر كرامي في الإنتخابات المقبلة, بحيث ل لا يعاد انتخابه نائباً عن طرابلس, كما أسقط الدكتور سليم الحص في بيروت في الإنتخابات السابقة. وبهذا يكون الحريري أصبح الزعيم السني الوحيد في لبنان كله.
محاولات سحب حزب الله
خامسا: ولعل أخطر ما فعله الحريري, من وجهة نظر دمشق, كما تراها ذات المصادر, هو أنه حاول أن يسحب حزب الله منها..!
وتكشف المصادر هنا عن أن الحريري كان التقى حسن نصر الله أمين عام حزب الله عدة مرات قبل اغتياله, طرح خلالها استعداده للتحالف انتخابيا مع حزب الله في بيروت, وناقش مع نصر الله تفاصيل العملية الإنتخابية المقبلة. وبذا, فإنه شكل خطورة كبيرة جدا على مصالح سوريا ووجودها في لبنان.
ومعروف أن العلاقات بين الحريري ودمشق كانت قد توترت على قاعدة التمديد السوري لولاية الرئيس لحود, وهو الدور المعاكس تماما لدور الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت سوريا ومصر الرافض لتمديد ولاية الرئيس كميل شمعون سنة 1958. وخاصة وأن دمشق لم تحسن اختيار الوسيلة المناسبة لتسويق عملية التمديد.
تقول المصادر إن العميد غزالة قائد الإستخبارات العسكرية السورية في لبنان طلب التقاء رجال الدولة اللبنانية في مقر قيادته بعنجر, حيث استقبل بالتتابع عمر كرامي, الدكتور سليم الحص, سليمان فرنجية, نبيه بري رئيس مجلس النواب ورفيق الحريري رئيس الوزارء في حينه, ووليد جنبلاط. وقام بإبلاغ كل واحد منهم في الموعد المحدد للقائه بأن الرئيس بشار الأسد يريد أن يستقبله في دمشق لإبلاغه رغبته التمديد للرئيس اميل لحود. فكان أن وافق كرامي والحص وفرنجية وبري, الذي التقاه الأسد طوال ساعة كاملة, فيما اكتفى الحريري بالقول "انشاء الله خير", واقتصر لقاءه مع الأسد على فقط ربع ساعة. ورفض جنبلاط الفكرة, فألغي لقاءه مع الأسد.
أما حسن نصر الله أمين عام حزب الله, فقد كانت زيارته لدمشق غير معلنة, وافق خلالها على التمديد للحود.
ولدى تصويت مجلس النواب اللبناني على التمديد, وافقت كتلة الحريري, الذي قدم استقالة حكومته بعد ذلك بفترة قصيرة. لتبدأ صفحة جديدة من علاقاته بالسوريين.
لحود وحزب الله
بالطبع, فإن الرئيس أميل لحود واجهزته الأمنية من ضمن المتهمين. والمعارضة اللبنانية تشير إليهم بشكل متفاوت الصراحة, خاصة وهي تطالب باستقالة أو اقالة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية.. وهي الأجهزة التي تلكأت في اجراء التحقيقات, وإلى الحد الذي أدى بقطة إلى اكتشاف جثة عامل سوري في مكان الجريمة بعد عدة أيام من وقوعها, في حين تم اكتشاف جثة المرحوم الغلاييني بفعل صدفة أخرى بعد عدة أيام أخرى, ما يعني أن مسحا لم يجر بعد على موقع الحدث.
ولهذا, تقول المصادر إن الرئيس لحود وحكومته يرفضان اجراء تحقيق دولي, وقبلا تحت الضغط مجيء خبراء دوليين للمشاركة في التحقيق, لا ليجروا تحقيقا مستقلا.
حزب الله توجه له اتهامات في هذا الحادث أيضا, فهو لديه الإمكانات لتنفيذ عملية اغتيال من هذا الطراز, كما لديه المصلحة في ذلك, وفقا لذات المصادر..!
ولكن ما هي مصلحة الحزب..؟!
تردنا المصادر إلى نص قرار مجلس الأمن 1559 الذي يطالب بنزع اسلحة جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. كما أن الحريري متهم بالوقوف وراء اصدار القرار المذكور, كما يطالب حزب الله بتسليم سلاحه.
وتضيف المصادر أن الحريري, الذي أعطى وزنا كبيرا للطائفة السنية في لبنان, خاطب نصر الله ذات مرة قائلا "خامنئي ولي أمر المسلمين الشيعة, وأنا ولي أمر المسلمين السنة في لبنان"..!
وبدوره يتهم حزب الله التيار السلفي واسامة بن لادن باغتيال الحريري, كما تشيع اوساطه, دون أن يعلن هذه الإتهامات عبر الإعلام.
ويسأل نصر الله المعارضة اللبنانية في معرض مناقشته للقرار 1559, ورفضه تسليم سلاح حزب الله والتحول إلى العمل السياسي دون العسكري: هل نحن ميليشيا أم معارضة..؟ وهو يرفض التسمية الأولى لصالح التسمية الثانية.
وبالطبع, فإن القرار 1559 يعني حزب الله والمنظمات الفلسطينية لجهة مطالبته نزع اسلحة الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
البقاع مقابل العراق
والآن, وبعد أن قررت سوريا سحب قواتها إلى سهل البقاع توطئة لسحبها إلى داخل اراضيها, يتساءل المراقبون في بيروت: من سينفذ القرار 1559 لجهة نزع اسلحة حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان..؟
في سياق الإجابة على هذا السؤال المفصلي قرر محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ارسال وفد فلسطيني لبيروت فور تشكيل حكومة جديدة لبحث تعديل اتفاق القاهرة الذي يحكم الوجود الفلسطيني في لبنان, بما يؤمنه نزع السلاح الفلسطيني, خاصة وأن هذا السلاح يخص قوات موالية لمنافسه فاروق القدومي رئيس حركة "فتح", وفصائل فلسطينية أخرى لا يعرف متى يمكن أن يختلف معها, لتشكل ثقلا عسكريا وسياسيا في الخارج موازيا, إن لم يكن متفوقا على ثقل سلطته في الداخل.
وعودة إلى العلاقات السورية ـ الأميركية ترى المصادر استحالة عودة التوافق بين الجانبين على بقاء القوات السورية في لبنان, ليس فقط لأن الوجود السوري أصبح يتعارض مع المصالح الأميركية في لبنان, ولكن كذلك لأن سوريا لا تقدم ما فيه الكفاية للأميركان في العراق. ولهذا تبدي المصادر اعتقادها بأن واشنطن قد تعمد إلى مقايضة دمشق على وجود قواتها في البقاع مقابل تعاون سوري أكبر في العراق. وفي هذا السياق, تقول المصادر جاء تسليم سوريا سبعاوي ابراهيم الأخ غير الشقيق لصدام حسين للحكومة العراقية المعينة من قبل الأميركان. وبخلاف ذلك, فإن واشنطن قد تعمد إلى توجيه ضربات صاروخية للقوات السورية في البقاع إن لم توافق دمشق على المقايضة المشار إليها والتي قد تتطور لاحقا إلى الطلب من سوريا تولي نزع اسلحة حزب الله والفصائل الفلسطينية الموالية لها في لبنان..!
السعودية مع التهدئة
أما احتلال سوريا فهو غير وارد, لأن واشنطن لا تفكر بارتكاب حماقة جديدة قبل أن تخرج من ورطتها في العراق.. خاصة وأن كل المؤشرات تؤكد أن السوريين الذين يذهبون ليجاهدوا اميركا في العراق سيفرحهم مجيء القوات الأميركية إليهم, لتقصر عليهم الطريق, وتسهل عليهم ضرب الأميركيين والإختباء في ارضهم التي يعرفونها بشكل أفضل مما يعرفون أرض العراق.
ولأن ازدياد حدة التوتر في سوريا ولبنان يهدد بمزيد من الإنعكاسات السلبية على الأمن السعودي تؤكد المصادر أن السعودية تعمل على تهدئة المعارضة اللبنانية. وقد تجلى ذلك في مؤشرين هامين:
الأول: اعتذار أبناء رفيق الحريري عن استضافة اللقاء الثالث للمعارضة في منزلهم بقريطم, بعد أن كانوا استضافوا اللقاء الأول, واستضاف وليد جنبلاط اللقاء الثاني بكليمنصو, وذلك استجابة لنصيحة سعودية.
الثاني: تراجع وليد جنبلاط بعد زيارته للسعودية عن المطالبة بتنفيذ القرار 1559 وقصره مطالبته بتنفيذ اتفاق الطائف الذي يقضي بسحب القوات السورية لسهل البقاع. وفي هذا شيء من التهدئة مع سوريا.
ومن شأن ذلك أن يساعد سوريا على ابقاء نفوذها السياسي في لبنان, بما يوفر غطاء سوريا يحتاجه حزب الله.. في كل الأحوال. وهذا ما حاولت ايجاده مظاهرة حزب الله وحلفائه في قلب بيروت, التي شارك فيها أكثر من مليون انسان, اضطرت المعارضة لمضاهاتها بمظاهرة مقابلة.
*العرب

التعليقات