صورة الشيخ منصور مع اربعة من حاخامات اليهود هزت الإسلاميين في الأردن

صورة الشيخ منصور مع اربعة من حاخامات اليهود هزت الإسلاميين في الأردن

غزة-دنيا الوطن

هكذا تبدو ردود الفعل المتتالية على الصورة التي نشرتها جريدة "الرأي" الأردنية السبت الماضي للشيخ حمزة منصور أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي، يسير وراءه اربعة من حاخامات حركة "ناطوري كارتا" المعادية للصهيونية، والداعية إلى تفكيك دولة اسرائيل.. ذلك أن نشر هذه الصورة أثار تساؤلات كبيرة حول ما إذا كانت الحركة الإسلامية، التي لطالما انتقدت المطبعين، ونشرت اسماءهم عبر لجان مقاومة التطبيع التي شكلتها داخل النقابات.. بل إن الشيخ حمزة منصور نفسه يرئس اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع المنبثقة عن احزاب المعارضة الأردنية.. حول ما إذا كانت قد غيرت موقفها من التطبيع والحوار مع اليهود..؟

الصورة المباغتة دفعت منصور وحزبه، وجماعة الإخوان المسلمين، إلى تأكيد ثبات موقفهم لهذه الجهة، على نحو من شأنه أن يثير نوعا آخر من التساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ستظل معنية بدمقرطة المنطقة، حتى لو أدى ذلك إلى فوز اسلاميين بتمثيل شعوبهم، على غرار ما حدث في العراق، مع ضرورة مراعاة الفارق..؟

وكان الرئيس الأميركي جورج بوش تجاهل أية اشارة للأردن في الخطاب الذي القاه مؤخراً في بروكسل، حيث أنه اشاد للمرة الثانية بديمقراطية بعض الدول العربية، وغمز من قناة دول أخرى مثل مصر والسعودية، دون أن يذكر الأردن بشيء.

كذلك فإنه يحق التساؤل حول ما إذا كانت دعوة حزب الله لحاخامات حركة "ناطوري كارتا" تهدف إلى احتواء جانب من الغضب الأميركي على الحزب الذي قاد المقاومة اللبنانية ضد الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان باعتبار هذه الخطوة قابلة للتطوير اللاحق..؟

هل نشرت "الرأي" التي توجهها الحكومة هذه الصورة بهدف استدراج الحركة الإسلامية إلى ردة الفعل التي صدرت عنها، والرافضة للتعامل حتى مع اليهود المعادين لوجود اسرائيل، كي تعيد الإدارة الأميركية تقييمها لمشروع دمقرطة المنطقة..؟!

مراقبون في عمان لا يستبعدون ذلك، خاصة وأن الحكومة الأردنية لم تحقق أية خطوات حقيقية على طريق التنمية السياسية، التي استحدثت لها وزارة، ثم تحول اهتمامها إلى التنمية الإدارية.

ويلاحظ المراقبون في عمان، أن منصور، والحركة الإسلامية، التي رفضت قدوم الديمقراطية عن طريق اميركا، لم يفطنا إلى النتائج التي يمكن أن تسفر عن ردود الفعل التي صدرت عنهما بشكل انفعالي، بعيد نشر الصورة.

رواية منصور

منصور الذي اهتم بنفي أن يكون التقى حاخامات حركة "ناطوري كارتا"، واتهام صحيفة "الرأي" بتقصد الإساءة إلى شخصه، ينفي في مجالسه الخاصة كذلك أن تكون الصورة تمثل لقاء جمعه مع الحاخامات. ويقول إن هذه الصورة التقطت له بينما كان يرد على سؤال لأحد الإعلاميين، فيما كان الحاخامات على مقربة منه.

ويبدي منصور اهتماما بالتأكيد على أنه، ورغم التقائه في مؤتمر البرلمانيين الدوليين المؤيدين لحق العودة، إلا أنه لم يلتق مع الحاخامات. وقال "لم نجلس معهم ولم نلتق بهم ولم نتحاور معهم.. فهذا ليس من اولوياتنا ولا نفكر به".

وجدد منصور تأكيده بأنه تفاجأ بحضور الحاخامات اليهود إلى المؤتمر، وأكد أنه لم يكن يعلم بمشاركتهم قبل سفره إلى بيروت، حيث لم تشر الدعوة التي تلقاها إلى ذلك، ولا البرنامج الذي تلقاه.

وفيما إذا كان مستعدا للقائهم والحوار معهم، قال منصور إن هذا الأمر غير مطروح لدينا في الحركة الإسلامية الآن، ولم نناقشه لأنه ليس من اولوياتنا ولا نفكر به، فأولوياتنا تصب في تحرير ارضنا وتعزيز المقاومة وصمود شعبنا في فلسطين والعراق، وإحكام الخطة لمحاصرة المطبعين والمستسلمين.. لذلك لا نفكر في موضوع محاورتهم أو عدمه رغم أن مواقفهم ـ أي حركة "ناطوري كارتا" ـ تعتبر، إذا صح ما يعلنوه، متقدمة على مواقف كثير من الحكومات العربية المطبعة، وحتى بعض التنظيمات الفلسطينية والعربية التي تكتفي بالمطالبة بالأراضي المحتلة عام 67. وحين سألنا منصور عن موقف الحركة الإسلامية من الحوار مع اليهود جدد تأكيده على أنه لم يحاور أحدا منهم وأن قضية الحوار غير مطروحة الآن، وهي ليست في نية الحركة لوجود اولويات أخرى.

وفيما إذا كان عاتب منظمي المؤتمر لعدم ابلاغه بمشاركتهم، قال منصور إنه وفور رؤيته للحاخامات، بادر بسؤال المنظمين واستفسر منهم عن الموقف فابلغوه بهويتهم.. إلا أنه فضل عدم التعليق على الأسباب التي دفعت منظمي المؤتمر وحزب الله إلى دعوتهم.

نمانع ولا نمانع

غير أن النائب الإسلامي ابراهيم عرعراوي، الذي كان ضمن الوفد الأردني المشارك في المؤتمر يعبر عن وجهة نظر أخرى، فهو يرى عدم وجود ما يمنع التحدث مع يهود يعارضون وجود اسرائيل، مؤكدا استعداد الحركة الإسلامية لالتقاء حتى ارئيل شارون رئيس وزراء اسرائيل إن أصبح يؤمن بالغاء وجود اسرائيل لصالح دولة فلسطينية، "أما اللقاء على قاعدة الإعتراف المتبادل، فإننا نرفضه حتى مع اليساريين اليهود، وهذا ما عبرت عنه الحركة في مواقف كثيرة..!".

ويركز عرعراوي على أن الوفد اليهودي الذي ألقى كلمة في افتتاح المؤتمر عبرت عن موقفهم الرافض لوجود الكيان الصهيوني ولوجود دولة اسرائيلية على أرض فلسطين، حيث طالبوا أيضا بتفتيت الكيان السياسي للدولة الإسرائيلية وازالتها. وقال إن الحاخامات كانوا يرتدون على صدورهم علم فلسطين وعبارة كتب عليها "نحن يهود ولسنا صهيونيين".!

لكن عرعراوي كان حريصاً على نفي حدوث أي لقاء بين وفد الحركة الإسلامية الأردنية وحاخامات "ناطوري كارتا"، فيما لا يمكن توقع عدم حدوث مثل هذا اللقاء بين الحاخامات، وحزب الله الذي نظم المؤتمر، ووجه الدعوات للمشاركين فيه.

حسابات "الرأي"

لم امتنعت صحيفة "الرأي" عن نشر رد الشيخ حمزة منصور على نشرها لصورته مع الحاخامات..؟

عبد الوهاب الزغيلات رئيس تحرير الصحيفة برر ذلك بعدم استلامه للرد، الذي نشره أمس (الإثنين) بعد أن تحول إلى بيان رسمي صادر عن حزب جبهة العمل الإسلامي. وقد ارفقه بـ"رد على الرد"، نفى فيه أن تكون "الرأي" صحيفة الحكومة، مع ملاحظته عدم وجود عيب في هذا.. ذلك أن "السبيل" هي صحيفة الحركة الإسلامية.

وجاء في رد "الرأي".."نسمع قادة الجبهة ومنظريها وسياسييها ورجالات الدين فيها يرددون دعاء يقول "اللهم عليك باليهود ومن والاهم" وهم يبنون عليه خطابهم السياسي الذي يزايد على الآخرين ويوزع الإتهامات بحقهم مصحوبة بشهادات وطنية للبعض". وأضاف الرد "وإذ نحن لا نتبنى هذا الدعاء ولا ندافع عنه، فإننا نسأل إذا لم يكن هؤلاء "الحاخامات" من اليهود فهل هم صهاينة، وهل تناقض الشيخ منصور مع نفسه وخطابه عندما حضر مؤتمرا مع "صهاينة" لأنه ضد اليهود وفقا للدعاء، فلماذا يرفض أن يحاور الآخرين لليهود أو يروا فيمن ينادي بكنس الإحتلال ووقف العدوان جريمة وخيانة وتطبيعاً مع العدو "الصهيوني"..؟!!

وتضيف "الرأي".. "والحال فإننا نؤكد عدم معارضتنا للحوار مع معسكر اليهود الذين يدعون للسلام، وكنا نود لو أن الشيخ منصور وجبهة العمل استثمروا المؤتمر للبناء عليه سياسيا وفضح السياسات الاسرائيلية، وليس التنصل منه والمراوغة في الرد، فإننا نربأ بأنفسنا أن ندخل في جدل وسباق في تبادل الإتهامات والتربص، ولكننا قد اوضحنا بعض "ملابسات" الصورة التي اغضبت الشيخ منصور، فإننا كنا نتمنى لو أن أمين عام جبهة العمل الإسلامي سجل موقفاً منسجما مع قناعاته عندما فوجىء (..) كما يقول بوجود عدد من الحاخامات داخل القاعة.. فأعلن انسحابه واحتجاجه على "الفخ" الذي نصب له، بدل أن يقلب الحقائق ويختلق الأعذار والأوصاف ويحاول أن "يطفىء" نور الحقيقة عبر قلبها والاتكاء على أوهام وخطاب عدمي آن للشيخ أن يتخلى عنه عبر وقفة شجاعة مع الذات والضمير والله غالب على كل شيء".

"الرأي" إذا تتحدى الحركة الإسلامية عن سابق تصور وتصميم. وموضوع التحدي هو الفكر السياسي والمواقف السياسية لهذه الحركة، وعلى نحو تسبب بشيء من الحرج لقياداتها، لم تقتصر تعبيراته على تصريحات منصور "الإنفعالية"، على حد وصف "الرأي"، لكنها تجاوزت ذلك إلى امتناع بعض قادة الحركة الإسلامية عن التعليق على الحدث، كما فعل المهندس عزام الهنيدي، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب جبهة العمل الإسلامي والمهندس وائل السقا نقيب المهندسين. وكذلك جميل أبو بكر النائب الأول لأمين عام حزب الجبهة الذي ارتأى أن منصور أكثر مقدرة منه على تفسير ما حدث.

موقف مرتبك

الإرباك الذي يمكن تلمسه كذلك في تصريح يحيى شقرة الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين التي انبثق عنها حزب جبهة العمل الإسلامي. فهو إذ يؤكد قناعة الجماعة برؤية وتوجهات وتعامل منصور مع أي قضية، يرى في ذات الآن أن "الصورة غير مكتملة، وأن الجماعة في انتظار معرفة الحقيقة كاملة قبل أن تطلق الأحكام عليها"، مشددا على قناعة الجماعة بأن "لدى الشيخ منصور توضيحا منطقيا ومبررا وأنه سيقوم بإبلاغه بالتأكيد، كون الجماعة والحزب يؤمنون بنشر الحقيقة كاملة كما هي بدون تحريف وتشويه".

الإرباك تجاوز صفوف الحركة الإسلامية إلى أحزاب لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة، التي فضلت التريث، وعدم ابداء أي رد فعل.. أيضا بانتظار التوضيحات من الشيخ منصور.

فرصة قاقيش

غير أن الأمر لم يكن كذلك في الجانب الآخر، وإن تباينت طريقة التعامل مع الصورة المثيرة للجدل. ففيما ارتأى النائب رائد قاقيش (الإصلاحيون الجدد) انتهاز الفرصة لرد الصاع صاعين بإتجاه الإسلاميين، ارتأى النائب السابق حمادة فراعنة أن يوظف الحدث من أجل الدفع باتجاه تطوير مواقف الحركة الإسلامية باتجاه أكثر مرونة.

قاقيش الذي سبق للجنة مقاومة التطبيع في نقابة المهندسين أن أوصت باتخاذ اجراءات تمنع دعوته لرعاية أي من نشاطات النقابة لقبوله الظهور على شاشة احدى الفضائيات مع اسرائيليين، سارع للقول "إذا كانت الصورة حقيقية وغير مزيفة فهي من باب التطبيع.. ولها دلالات عديدة اهمها تغير ايديولوجية الحركة الإسلامية وهو توجه جديد للحركة".

وأضاف "هذا يدفعنا للتساؤل لماذا تحلل الحركة الإسلامية لنفسها ممارسة ما كانت تتهم الآخرين بالخيانة بسببه.. هل تحلل لنفسها ما تحرمه على الآخرين.. وهل تقبل لأي كان من الشعب الأردني أن يقوم بنفس ما قام به أمين عام حزب الجبهة".

وشن قاقيش هجوماً جديدا على النقابات بالقول "أوجه السؤال أيضا إلى مجالس النقابات المهنية التي مارست علي وعلى غيري كل اشكال الإرهاب الفكري.. واتساءل عن موقفها من الصورة وما حملته وهل ستتخذ موقفا شبيها بما اتخذته ضدي قبل فترة قصيرة.. واضاف "اسألهم رغم وجود فارق في الحالتين والمشهدين فأنا قمت بالحديث عبر فضائية للدفاع عن الموقف الأردني وتفصلني الكيلومترات عن الإسرائيليين، أما الشيخ منصور فكان يقف في الصورة إلى جانب حاخامات يهود في مؤتمر لا يفصله عنهم سوى سنتيمترات".

تكتيك فراعنة

أما فراعنة الذي سبق للحركة الإسلامية وأحزاب المعارضة الأخرى أن اتهمته بالتطبيع، فقد بادر إلى اعلان تأييده "لمثل هذه اللقاءات"، التي ينفي منصور حدوثها. ويتابع فراعنة "لأنني اؤمن بالحوار مع الآخر، وليس بالضرورة أن نستطيع أن نقنع الآخرين بوجهة نظرنا أو أن نقتنع بوجهة نظرهم"، وأضاف "ما قام به الشيخ منصور وآخرون من الحركة الإسلامية بهذا اللقاء اعتبره جرأة سياسية كان يجب أن يتعلمها الإسلاميون منذ زمن".

وقال "نحن نقول أن الإسلام هو العقيدة الصحيحة ولذلك يجب أن لا نخشى الحوار مع الآخر سواء اكان مسيحيا أو يهوديا".

ورفض فراعنة فكرة المطالبة بإعتذار لنفسه عن الإتهامات التي وجهت له بالتطبيع أو غيره. وقال رغم أن ما جرى قد يكون مفارقة كونهم يمارسون الآن ما كانوا يتهموننا بالخيانة بسببه إلا أن الإعتذار السياسي أو الشخصي غير وارد ولا أطلبه.. لكن أعتقد أن المطلوب هو توفر الشجاعة السياسية لدى القوى المختلفة في بلادنا لأن تعترف بأن اللقاء والحوار مع الآخر سواء كان عدوا أو خصما أمر مطلوب ولا بد منه وهو لا يلغي قناعاتنا بعدالة قضايانا، بل هو جزء من النضال لتحقيق اهدافنا الوطنية والقومية".

وأضاف "يجب أن يتغير مفهوم التطبيع لدى قوانا السياسية، فأنا ضد التطبيع وتحديدا التطبيع المجاني، لكنني مع اختراق المجتمع الإسرائيلي والتجمعات اليهودية في مختلف انحاء العالم لكشف المزيد من الانحيازات الإسرائيلية واليهودية لصالح عدالة القضية الفلسطينية".

ومضى فراعنة "الحوار مطلوب.. والإنسان لا يحاور اصدقاء لأنهم بالضرورة يؤمنون بقضيته ويدعمونها.. بل عليه أن يحاور عدوه وخصمه من أجل اقناعه بالتراجع عن ضلاله والتقدم نحو العادلة".

وقال فراعنة "في هذا السياق فإن الحوار واللقاء السياسي ليس تطبيعا، والتطبيع برأيي الذي يتم على ارضية التعاون مع الإسرائيليين على حساب الشعب الفلسطيني أو تسويق المشروع الإستعماري التوسعي وتسويق لمشروع الإحتلال"، وهنا انتقد فراعنة الحركة الإسلامية التي عمدت إلى توجيه الاتهامات للآخرين بالقول "الاخوان كانوا لسنوات طويلة يحاورون الأميركان فلماذا لم نكن نتهمهم بالخيانة..؟".

واضاف كذلك "وحتى فترة قريبة كانت الحركة الإسلامية في الأردن وحتى "حماس" تعقد لقاءات مع الأميركان، ولم نتهمهم بالخيانة أيضا لأننا نؤمن بأهمية الحوار ونؤيده".

*العرب

التعليقات