السيناريوهات الصعبة التي تنتظر حزب الله
السيناريوهات الصعبة التي تنتظر حزب الله
غزة-دنيا الوطن
يواجه حزب الله في لبنان وضعا معقدا للغاية في ظل استحقاقات اقليمية ودولية قد تنتهي باتهام عالمي لبعض قادته برعاية الارهاب، كما تملي عليه بالأساس ابدال أولوياته وتغيير أجندته بشكل كامل بالتخلي عن خيار المقاومة والقبول بالانخراط في الحياة السياسية اللبنانية. لكن الحزب الذي رهن خياراته كلها بالمقاومة فيما يبدو يصعب عليه سلك طريق قد يعني تصفيته عمليا.
ومنذ ادراج الحزب بواسطة واشنطن ضمن المنظمات الارهابية وصدور القرار 1559 المتعلق بالحالة اللبنانية السورية باتت الأسئلة المتعلقة بمصير الحزب أكثر سخونة خصوصا بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ورفع المعارضة اللبنانية سقوف مطالباتها بانسحاب سوري من لبنان.
ويرى بعض المحللين، والذين تحدثوا لـ"العربية.نت"، أن لا خيار أمام الحزب سوى التمهيد من الآن فصاعدا لمرحلة تغيّرات عميقة تواكب التحولات الكبرى التي تنتظم منطقة الشرق الأوسط بأسرها أو المخاطرة بالإبقاء على خيار المقاومة بوصفه خيارا مميتا في هذه المرحلة.
سيناريوهات محتملة
ويطرح الأكثر تشاؤما بين المحللين ثلاثة سيناريوهات تقرر مصير حزب الله في لبنان. الأول أن يتم توافق سوري لبناني على تجريده من أسلحته نتيجة الضغوط الدولية، والثاني أن توجه القوى الدولية ضربة عسكرية للحزب، والثالث أن يتم انسحاب سوري من لبنان يفقد الحزب المظلة التي تقيه الاستحقاقات الدولية.
وفي هذه الحال يتوقع هؤلاء المحللين أن يهرب الحزب إلى الأمام باختياره فتح جبهة الجنوب اللبناني ثانية وخلطه الأوراق بهذه الحالة. ويقول هؤلاء إن حزب الله لا يمتلك "مشروعا وطنيا" بديلا إلى غاية الآن يغنيه عن مشروع المقاومة الذي كفل له البقاء في المشهدين الداخلي اللبناني والاقليمي بهذه المناعة.
ولا ينكر هؤلاء المحللين في حواراتهم مع "العربية.نت" أن الحزب حقق حوله اجماعا وطنيا في السنوات الماضية لكنه يجد حرجا مضاعفا في ظل الاستقطاب الحاد القائم بين الموالاة والمعارضة. فمن جهة سيضعه الاصطفاف مع المعارضة في زاوية حرجة مع دمشق، فيما يفقده دعم الموالاة الاجماع الوطني الذي كان يحوزه.
لكن محللين آخرين رأوا أن هذه السيناريوهات مجافية للمنطق. فعلى الأرض ليس ثمة ما يشير لاحتمال "انتحار" الحزب على الأبواب الإسرائيلية، كما أن تجريد الحزب من أسلحته غير وارد في المرحلة الحالية. وإذا حدث الأمر –يقول هؤلاء- فإن فرضه بالقوة أمر مستبعد تماما، إذ يتطلب الأمر توافقا لبنانيا واسعا.
من ناحية ثانية، يستبعد خبراء عسكريون أن تقدم الولايات المتحدة أو إسرائيل على ارتكاب خطأ استراتيجي بتوجيه ضربة عسكرية أو سلسلة ضربات لحزب الله سواء باستهداف مواقع له في جنوب لبنان أو تصفية بعض رموزه لأن ذلك يعني تفجير الوضع اللبناني بكامله.
ولا تغيب هذه الأسئلة عن بال قادة حزب الله الذين عرفوا كسياسيين بارعين علاوة على اتقانهم فنون "اللعبة السياسية" وتشابكاتها الاقليمية والدولية. ويعوّل هؤلاء فيما يبدو على عامل الوقت كعامل قد يؤجل بعض الاستحقاقات لكنه قطعا لا يلغيها.
السعي لحصار حزب الله
ومن جهة ثانية يراهن قادة حزب الله على عدم تطابق وجهات النظر بشكل كامل بين قوى دولية مؤثرة كالولايات المتحدة وفرنسا. ويقول مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله نواف الموسوي إن الفرنسيين على وجه الخصوص ليسوا راغبين في ادراج الحزب على لائحة المنظمات الارهابية لأنهم حريصون على اعادة لبنان إلى دائرة النفوذ الفرنسي واخراجه من حال الرعاية الدولية التي كانت سوريا مفوضة بها، وفي هذه الحال يعتقد مسؤولو الحزب أن لا مصلحة آنية للفرنسيين في تحييد القوى اللبنانية.
ويرجع الموسوي وهو عضو المكتب السياسي بالحزب لـ"العربية.نت" تزايد الضغوط الدولية على حزبه إلى الظروف التي نشأت بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لجهة إسرائيل والمصلحة التي سنحت لها في تحشيد قوى دولية لمواجهة حزب الله بعد اخفاقها في دحره عسكريا.
وقال إن الظروف الحالية بعد غياب الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات "في ظروف غامضة" أوجدت حاجة لاطلاق تسوية فلسطينية إسرائيلية رافقتها ضغوط أوروبية على إسرائيل من أجل الدفع بعملية التسوية لكن في المقابل سعت إسرائيل للضغط على الأوروبيين لادراج حزب الله على لائحة المنظمات الارهابية.
وثمة من يقول –والكلام للموسوي- إن الفرنسيين افلحوا في اقناع الأمريكيين بتأخير مسألة حزب الله، لكن على المدى البعيد سيسعى الأمريكيون لتطويق حزب الله واضعاف المقاومة بتغيير ميزان القوى داخليا (في لبنان) واقليميا مما يعني حصار حزب الله سياسيا.
ويرفض الموسوي قصر حزبه على المقاومة فحسب، فمن وجهة نظره مارس الحزب منذ إنشائه عملا سياسيا واحتفظ بقاعدة شعبية عريضة هي الأكبر في لبنان. ويقول الموسوي إن ثمة طروحات غربية تروج لنظرية تحوّل الحزب إلى تنظيم ذي مشروع سياسي بديل لمشروعه المقاوم، مشيرا إلى أن هذه الطروحات تدلل على نجاح تجربة تحويل "الشين فين" في إيرلندا إلى تنظيم سياسي عوضا عن حمله السلاح.
لكن هذه الطروحات تأتي وفقا للموسوي في اطار "انهاء قوى المقاومة العربية بوجه الهجمة الأمريكية الإسرائيلية". ويؤكد القيادي البارز بالحزب أنه من الضروري أن يحتفظ اللبنانيون بقدرة دفاعية ما دام الاحتلال قائم وطالما التهديد الإسرائيلي مستمر. ولم يستبعد أن يجري ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني في مرحلة لاحقة.
وعن امكان ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني لاحقا يقول العميد الدكتور إلياس حنا "خبير عسكري واستراتيجي لبناني" إن من الأوفق أن يتم الأمر إذا كان الجيش اللبناني سيضطلع بمهام الدفاع عن جنوب لبنان إلى حين اتمام عملية سلمية اقليمية مع إسرائيل. وأشار في هذا السياق إلى تجارب مماثلة بادماج بعض المليشيات اللبنانية في الجيش في أعقاب اتفاق الطائف في 15 نوفمبر 1989.
خطوة انتحارية..!
ويستبعد حنا لـ"العربية.نت" أن يقدم حزب الله على "خطوة انتحارية" بشنه هجمات على إسرائيل في هذا الوقت، كما يستبعد في الوقت ذاته أن يشعل الأمريكيون النار في لبنان بسماحهم للإسرائيليين بالاقدام على خطوة مماثلة.
لكن حنا يرى أنه ينبغي على حزب الله أن يواكب التحولات الكبرى الجارية باعادة دراسة حساباته واعادة انتاج خطابه السياسي ورسم اهدافه العسكرية وحراكه الاقليمي والدولي. ويشير هنا إلى أن ما يجري في لبنان حاليا هو أن المعارضة تتقاطع حول حماية حزب الله على الرغم من اصدار مجلس الأمن القرار 1559 والذي ينص على "حل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها" إلى جانب "انسحاب كل القوات الاجنبية من لبنان".
لكن هذا كله ليس كفيلا بنجاة الحزب من الشراك التي تنصب له، ففي تقدير حنا أن الحزب بعقله المقاوماتي يدرك أنه لا ينبغي أن يكون حجر عثرة في سبيل استقرار لبنان. كما أن قوى دولية كفرنسا تسعى لايجاد "مخرج مشرف" لحزب الله. ولرؤية الصورة كاملة –يقول حنا- إن الجانب اللبناني بما فيه حزب الله تسوده قناعة بأن المطالبة بمزارع شبعا حق مشروع، في حين أن الأسرة الدولية خلصت وفقا للقرار 425 الصادر عن مجلس الأمن إلى أنها أراض سورية.
وأشار إلى أن هذا الواقع طرأ عليه متغير في غاية الأهمية يتمثل في وجود الولايات المتحدة في المنطقة. ومن شأن هذا التمدد أن ينسحب بالضرورة على الوضع الداخلي بحكم دوران لبنان في الفلك السوري من جانب ومحاددته إسرائيل من جانب آخر.
ويبدو أنه لن يكون سهلا حدوث توافق دولي بشأن حزب الله، ويسم الرؤية الفرنسية بخلاف نظيرتها الأمريكية عمق تحليلي في ادراك صعوبة التخلص من حزب الله على ذلك النحو الذي ترجوه الادارة الأمريكية وتضغط من أجل تنفيذه بادراج حزب الله كمنظمة ارهابية لا ينفي نواف الموسوي امكان أن يعقبه مطالبات بتسليم قادة في الحزب كارهابيين.
الفرنسيون مدركون لحساسية الوضع
ولعل الفرنسيين يدركون أن ثمة طرق أفضل للتعامل مع حزب الله. ويرى آلان غريش "رئيس تحرير لو موند دبلوماتيك" الفرنسية وهو محلل بارز في شؤون الشرق الأوسط أن مصير حزب الله مرتبط إلى حد كبير بالوضع العام في الشرق الأوسط. ولم ينف غريش لعب الحزب دورا بارزا في المنطقة مستبعدا أن تثمر الضغوط الحالية الرامية إلى إنهاء وجود الحزب بوصفه مقاومة.
وعدد غريش لـ"العربية.نت" الأسباب التي تدعوه للاعتقاد بصعوبة الأمر مشيرا إلى الوزن الداخلي الكبير لحزب الله في لبنان وخصوصا في الأوساط الشيعية إضافة لتأثيره على الوضع اللبناني العام الأمر الذي يدفع المعارضة ذاتها لرفض الضغوط الأمريكية.
وعلاوة على هذا –يقول غريش- لا يزال حزب الله ورقة ضغط فاعلة بيد السوريين في وجه إسرائيل وفي حال فقدانهم –أي السوريين- هذه الورقة بالذات، فسيصعب عليهم استرجاع الجولان. ومن ناحية ثانية –يضيف- تفهم الضغوط على حزب الله كضغوط على طهران لصلاته الخاصة بإيران.
وقال غريش إن أي خطوة لتجريد حزب الله من سلاحه بالقوة تعني اندلاع حروب داخلية نظرا لأن الحزب يعتبر القوة العسكرية الوحيدة مع الجيش اللبناني. وفي تحليله لمآلات الضغوط الحالية ومصير حزب الله، قال غريش إن هناك امكانا لتفكيك الحزب عسكريا وتحوله لحزب سياسي لاحقا.
غير أن غريش لا يتوقع أن يتم تفكيك الحزب قريبا لأن المنطقة كلها تمر بحال من الاضطراب. وعرج المحلل الفرنسي على نقطة في غاية الأهمية تتعلق بممانعة بلاده ادراج الحزب على لائحة المنظمات الارهابية، ففي تقديره يحرص الفرنسيون على استمرار علاقتهم الخاصة بالشيعة في لبنان (منذ الثمانينات من القرن الماضي) بعد أن كانت علاقاتهم مقصورة تاريخيا على المارونيين.
ويبدو أن الفرنسيين كما يلاحظ غريش ليسوا مضطرين للتغافل عن القوة الكبيرة التي يتمتع بها الحزب في الساحة اللبنانية، لذا فالحكومة الفرنسية تقاوم الاصوات الفرنسية (موالون لإسرائيل والولايات المتحدة كما يقول) الداعية للنظر لحزب الله كتنظيم ارهابي وهي الاصوات ذاتها التي أفلحت سابقا في ايقاف بث تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله في فرنسا.
أما المحلل السياسي الفرنسي إيريك لورو فيرى أن بلاده لا تحبذ وجود "منظمات معسكرة" في لبنان، مشيرا إلى أن فرنسا كانت صوتت في مجلس الأمن لصالح استصدار القرار 1559. وأضاف لورو لـ"العربية.نت" أن الضغوط الفرنسية في هذا الاتجاه ليست مباشرة، مشيرا إلى أنه لا يوجد ما يؤكد تنسيق الفرنسيين مع الأمريكيين بشأن حل كل المنظمات العسكرية في لبنان.
وأوضح أنه يعتقد أن اللبنانيين سيسعون تبعا لتوافق واسع بينهم على ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني، غير أن هذا الأمر يظل خيارا مطروحا على المدى البعيد. وقال إن الضغوط حاليا من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل و"قد يضاف اليها ضغوط من قبل الفلسطينيين" تسعى لاخراج السوريين من لبنان، وبعد ذلك ستزيد الضغوط على حزب الله.
ملف سلاح المقاومة بعد اخراج سوريا
ويرى عضو المجلس السياسي بحزب الله سابقا نايف كريّم وهو أيضا مدير تلفزيون المنار سابقا أنه ليس من السهولة تجريد حزب الله من السلاح ما لم يتم تفاهم لبناني - لبناني. ويقول كريّم في سياق تحليل لـ"العربية.نت" إنه لا يعتقد أن الضغوط الدولية ترمي لدفع الوضع اللبناني إلى حافة الانفجار.
ويضيف أن الهدف الرئيس لهذه الضغوط ينصب للحد من سيطرة السوريين وتحكمهم في مفاصل الحياة السياسية اللبنانية، ومتى تحقق هذا الهدف سيتم الانتقال لملف "سلاح المقاومة". ويرى كريّم أن حزب الله كان بحاجة لبلورة مشروع سياسي يخاطب القضايا الداخلية مما مثل ثغرة في مشروعه.
ولا يتوقع كريّم أن يندفع الحزب باتجاه فتح جبهة عسكرية مع إسرائيل لأن هذا بحد وصفه سيكون "خيارا انتحاريا"، على الرغم من تأكيده بأن انسحاب السوريين من لبنان ستصيب شظاياه حزب الله الذي سيتأثر سلبا لكنه لن يفقد المظلة الاقليمية المتمثلة بإيران وسوريا.
ويقول كريّم إن حزب الله ليست لديه قوات بالمعنى المفهوم، وإنما "تعبئة شعبية" يمكن أن تتحول في أية لحظة لعشرات الآلاف من المسلحين. وختم ضاحكا بأنه يصعب الحديث عن تدريب عسكري بالنسبة لهؤلاء لأن غالبية اللبنانيين تلقوا تدريبات عسكرية في أوقات سابقة.
وتعتبر بعض الأطراف اللبنانية كما هو شأن بعض المحللين أن حزب الله بوضعه الحالي أنجز مهمته بتحرير الأرض. ويرى المحلل السياسي حازم صاغيّة أن النزاعات اللبنانية منذ الستينات لم يشتعل فتيلها إلا بالاشتباك بين الداخل والخارج.
وأضاف صاغيّة لـ"العربية.نت" أن حزب الله هو الجسر الواصل بين الوضعين الداخلي اللبناني والاقليمي مشيرا إلى أن هذا الوضع ليس في صالح لبنان ولا الفلسطينيين الذين يرغبون في ترتيب أوضاعهم في هذا الوقت.
ويشير إلى ضرورة تفكيك حزب الله كتنظيم مسلح لصالح العمل السياسي، لكن صاغيّة لا يغفل أن هذا الأمر رهن بظروف عدة. ويقول إن الحزب لا يمتلك مشروع وطني سياسي لأن مشروعه ملحق بالمقاومة. وفي هذا الخصوص يعتبر أن المقاومة إذا أنجزت التحرير فإن من الضروري تحول دورها لدور سياسي.
قصة حزب الله
حازم صاغيّة نفسه كان قد نشر سلسلة من المقالات الصحفية في صحيفة "الحياة" اللندنية في يناير الماضي تناولت ملابسات نشأة حزب الله والظروف الداخلية والاقليمية والدولية المعقدة التي رافقت صعوده، كما رصدت الحلقات الست العوالم الجوانية لحزب الله وطبيعة تركيبه ولفتت إلى قياداته وأنشطته.
وأبدى صاغيّة استغرابه في الحلقة الأولى مما أسماه تحوّل الضاحية (يقصد الضاحية الجنوبية الحاضنة الرئيسة للحزب في بيروت) إلى الصانع الأبرز لسياسة بيروت، وأحد الصنّاع البارزين لسياسات الشرق الأوسط. وعبر تتبع مسار تاريخي طويل يبدأ من حقبة الاستقلال، وتاليتها ما بين 1943 و1975، راح يخط معالم التحولات البارزة التي طرأت على الضاحية خصوصا بعد أن شيد مخيم للاجئين الفلسطينيين هناك.
وتبدو هذه المسألة هي ذاتها التي أثارها صاغيّة في سياق تحليله لـ"العربية.نت" عن تشابك الداخل والخارج، إذ كان معسكر اللاجئين الفلسطينيين نقطة تحوّل بارزة خصوصا على صعيد التعايش الذي كان قائما بين الشيعة والمسيحيين المارونيين الذين يمثلون الأغلبية في جبل لبنان القريب الذي لم تكن تفصله عن الضاحية إلا "نقطة دخول" صغيرة.
لكن هذا التعايش بين المارونيين والشيعة لم يكن بالقوة الكافية لصد عوامل طارئة يمكن أن تنخر لحمة التماسك الهشة، حيث ترك خلاف جمال عبدالناصر مع الرئيس اللبناني كميل شمعون آثاره على هذا النسيج الاجتماعي وبدا واضحا أنه قسمه لفريقين مؤيدين كل لطرف.
ولم يثر الاحتكاك بالفلسطينيين السنة لدى الشيعة، أية حساسية مذهبية تذكر، بل ربما زاد التعاطف مع قضيتهم تبعا للتعاطف مع بؤس سكان المخيم. فالعدد كان قليلا والشوكة كانت مكسورة، أما انخراطهم في السياسة المحلية فكان "مما لا يجرؤ على تخيله الخيال الخصب" طبقا لما كتب صاغيّة.
ويمضي الكاتب للقول إن هذا ما تغير في وقت لاحق. فعندما تسلمت المقاومة الفلسطينية، أواخر الستينات، راية الراديكالية القومية من الناصرية، كان للأمر أثره البادي على الضاحية، وكان مسيحيوها أول المتلقّين. فقد بدأ التشنج يسم الصلة التي تربطهم بشيعتها، كما جعلت تختل المعادلات التقليدية التي نهضت سياستها عليها. وإذ تحالف الشيعة، ولم يكونوا قد امتلكوا بعد أداتهم السياسية والحزبية، مع الفلسطينيين، شارف خوف المسيحيين على أن يصير خُوافاً. فما ان انطلقت نشاطات التدريب في مخيم البرج، حتى رأوا في الشبان المتطوعين، من الضاحية وغير الضاحية، نواة جيش بديل يهددهم ويقوّض عيشهم المألوف.
وجاءت اشتباكات أيار (مايو) 1973 بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني تمريناً أولياً على الخوف المسيحي، لكنها حملت للشيعة أنفسهم نُذُراً مقلقة. فما ان اندلعت حرب السنتين (1975-77)، وكانت شرارتها اشتباكات المسلحين الفلسطينيين والشيعة في الشيّاح مع المسلحين المسيحيين في عين الرمانة، حتى كبرت بقع الزيت المسموم. فإذ تولى المهمات القتالية الأساسية، هجوماً ودفاعاً، مقاتلو «فتح» والجبهات الأخرى، اختفى مخفر الدرك من الضاحية وتعطل القضاء وعمّت سرقة الماء والكهرباء، كما نشأت دكاكين مرتجلة ومحال عشوائية فيما تمدد البناء غير الشرعي المُقام على أراضي الغير. وانكمشت، الى ذلك، قدرة العائلات وأعيانها على ممارسة التحكيم الأهلي فحل، بالتالي، الفراغ الضخم الباحث عمّن يملأه.
وما ان غادر معظم المسيحيين مناطق الاختلاط –يضيف صاغيّة في مقاله- بنتيجة حرب السنتين، منكفئين شرقاً، حتى خلت الساحة لحليفي الأمس وكانت بذور التنافس الشيعي-الفلسطيني تينع. وبالتحولين هذين ارتسمت الخطى الأولى على طريق إحراز الصفاء المذهبي الساعي الى بلورة أدواته.
المزاج الجنوبي ينزح إلى الضاحية
في هذه الغضون كانت ظهرت «حركة المحرومين» التي أسسها الإمام موسى الصدر ذراعاً سياسية للطائفة الشيعية. وما لبثت ظروف مثلى أن أحاطت بالولادة. فمع اختتام حرب السنتين، طرأ الدخول السوري الذي أيّده الصدر وعارضته المنظمات الفلسطينية وحلفاؤها اللبنانيون، ما جعل الشيعة يعبّرون علناً عن تململهم من جيرانهم الأقوياء، وهو تململ زوّدته السنوات أسناناً وأنياباً. كذلك هبّت الرياح السكانية لإنجاد المشروع. ففي 1976 هُجّر الجنوبيون من النبعة والدكوانة المسيحيتين فجاء معظمهم الى الضاحية، وبعد عامين كان الاجتياح الاسرائيلي الصغير الذي صبّت بفعله كتل سكانية أخرى في المصبّ نفسه.
وبعد العزوف التقليدي عن التديّن عند السكان «الأصليين» من ذوي المزاج الجبلي اللبناني، حمل اليهم الجنوبيون النازحون ورعهم وتقواهم. فلما تأسست «حركة أمل» الصدرية في أوساطهم، بدا كأن التديّن، في الضاحية، بات يملك شوكته وعصبيته. ووسط جموع المهجّرين من النبعة الذين غدا معظمهم وقوداً لـ« أمل»، وُجد رجل دين مؤثّر هو السيد محمد حسين فضل الله.
ويرصد صاغيّة في مقاله الثاني ميلاد حزب الله الذي جاء كاحتجاج على اطلاق سراح الرهينة الأميركي جيسي تيرنر في دمشق. لكنهم, فقد غادر أمليون, كحسين الموسوي, حركتهم الى ما بات يُعرف بـ"حزب الله". وكان واضحاً في المغادرين, وفي عدادهم ابراهيم الأمين السيد وحسين خليل وعلي عمار وحسن نصر الله, أنهم أكثر الأمليين تشدداً في مقاتلة البعث العراقي, وأشدهم تعاطفاً مع الفلسطينيين.
وفي مقاله الثالث شرّح صاغيّة جهود حزب الله في تنقية "الضاحية" من الثقافات الأخرى وربطها بمشروع "الثورة الإسلامية". ويمضي المقال للقول "إن ساحة عبد الناصر"، مثلاً، وكانت الساحة الرئيسية في برج البراجنة، حُوّلت ساحة الإمام الخميني، ترتفع فيها ثلاث صور ضخمة للخميني وخامنئي ونصر الله مكان تمثال الزعيم المصري الذي أزيل.
وهي خطة شُرع بتنفيذها مبكراً بعون عناصر «الحرس الثوري» الإيراني ممن وفدوا الى الضاحية أوائل الثمانينات، حاملين تجربتهم في إقامة نظام ثوري. وليس صعباً في من يتأمل خريطة لبنان اكتشاف أهمية الضاحية: فهي تربط الخزّانات البشرية للحزب في الجنوب والبقاع، مَصدري العدد الشيعي، فيما تمارس الرقابة على العاصمة وقرارها. لكن الناظر الى لبنان يكتشف بالسهولة نفسها أن ذاك البلد ليس إيران، لا تركيباً سكانياً ولا ظروفاً سياسية واجتماعية، فيما تصفية هوائه مهمة أقرب الى الاستحالة.
وفي مقاله الرابع عرض إلى بعض الاشكالات الفكرية والاقتصادية التي جابهت ولا تزال حزب الله. كتب صاغية: لا يشذ «حزب الله» عن أحزاب عدة، عربية وغربية، اجتمع فيها نقيضان ظاهريان: تشديدٌ مبالَغ فيه على الوحدة والتراصّ ودرجة من التفتّت بعيدة تكبتها دعوات الوحدة نفسها. فلئن حافظت «حركة أمل» على حد أدنى من تماسكها بفضل تقديمات الدولة، بدت قضية الحزب، في هذا الميدان، أعقد. فإلى الشخصية المنزّهة للأمين العام، والى موضوعة «المقاومة» المرفوعة الى مصاف المقدّس، انضافت الخدمات وفرص العمل، حيث لعب التمويل الإيراني دوراً مركزياً.
الشيخ نصر الله.. صورة عن قرب
أما في مقاله الخامس فقد تناول صاغيّة شخص الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، وكتب بهذا الخصوص: " صعد نصر الله الى الأمانة العامة, لا من موقعه كعالم دين, بل كمسؤول في الجهاز الأمني العسكري الذي بناه عماد مغنية. حصل هذا في 1992, بعدما اغتال الاسرائيليون بأحد صواريخهم الأمين العام السابق عباس الموسوي. يومها كان الجنوبي ابن الـ 32 عاماً إشارة الى صعود الجنوب في حزبه, فيما إيران الخارجة من حرب الخليج, تتهيأ لمقاتلة الوجهة السلمية في المنطقة التي افتتحها مؤتمر مدريد. بيد أن الشيخ الشاب نمّ عن علامات نباهة. فهو, على عكس منافسه الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي, قرن نوعه الايديولوجي برجاحة سياسية تهيئه لما بعد اتفاق الطائف اللبناني أواخر 1989.
فلئن تمسك الطفيلي براديكالية الرفض لدخول اللعبة الانتخابية اللبنانية, حل نصر الله المعضلة باسكالياً: فما دمنا لا نخسر شيئاً بالدخول, فما الضير منه؟ والحال أن هناك ما يمكن كسبه في المقابل: فإرضاء سورية التي استثمرت الكثير في الطائف, وضمنت للحزب موقعه وسلاحه كـ"مقاومة", لا كـ"ميليشيا", هو العصفور الذي في اليد. أما "الجمهورية الاسلامية" فعصافير على الشجرة يمكن تأجيل اصطيادها قليلاً.
ولن يسيء ايران إطلاقاً أن توجد كتلة نواب تدافع عنها في البرلمان اللبناني, وقد تساهم في تشريعات تتطلبها المصالح الحزبية-الايرانية النامية. وهذا كسب خالص, لا سيما أن في وسع الحزب الاحتفاظ بموقفه الاسلامي المبدئي, ماضياً في هجاء الاتفاق الذي عامله بالتبجيل, بوصفه "تسوية طائفية عفنة"!
وتساءل صاغيّة في مقاله السادس والأخير عن "حدود اللبننة المنسوبة الى الحزب في الاقتصاد وفي السياسة أيضا". وصاغ هذا السؤال الكبير كالآتي: وقد يقال, بدرجة معقولة من الصحة, إن الحزب يمثل من اللبننة التحولات الديموغرافية التي طرأت في العقود الثلاثة الماضية. بيد أن التعبير عن ذلك لا يزال ملتبساً مختلطاً عاصفاً.
أما أن نكون أمام عيّنة مصغّرة عن تجربة "حزب العدالة والتنمية" الاسلامي في تركيا, حيث يتضافر المؤمنون والسياسيون ورجال الأعمال الأناضوليون والمثقفون المتدينون, مستندين الى العنصر الشبابي المتكاثر ومُشكّلين سلطة بديلاً فهذا, في لبنان, آخر الممكن.
ذاك أن "حزب الله", تبعاً لطبيعته المذهبية في بلد منقسم طائفياً, وطبيعته الراديكالية في بلد معتدل, غريب عن الجماعات الأخرى, مُخيف لها, من دون أن ينجح في بناء همزة وصل واحدة مع المثقفين الشيعة. ولما كان الجَـدّ عنده هو "المقاومة" بوصفها جسراً إيرانياً-سورياً الى الداخل, وعتبةً لصعود المشروع المذهبي الراديكالي, باتت لبننة الحزب قبلة موت للبنان.
خلفية تاريخية
وبخصوص تاريخ حزب الله، تشير مصادر إلى العام 1982 وهو عام الاجتياح الإسرائيلي للبنان بوصفه المنعطف الحاسم الذي شكل الحزب، الذي بات بعد 1985 الجهة الأعلى كعبا في مقاومة إسرائيل إلى أن تحقق الانسحاب في 2000. ويلعب الحزب إلى جانب دوره العسكري المستمر في الجنوب في شكل مناوشات مع الإسرائيليين ناحية مزارع شبعا، بأدوار اجتماعية وثقافية في مناطق نفوذه.
ويكتسب الأمين العام للحزب حسن عبد الكريم نصر الله (45عاما) احتراما واسعا في أوساط الحزب، وفي الأوساط العربية والإسلامية. ولا يبدو ذلك ناتجا عن تحرير الجنوب فحسب، وإنما لسيرة الرجل على المستوى الشخصي حيث يقدم على أنه نزيه و"ثوري" من طراز باعث على الاعجاب.
سافر نصرالله إلى النجف في 1976 لتحصيل "العلم الديني الإمامي". ونال عضوية المكتب السياسي لحركة "أمل" في 1982 قبل أن ينشق عنها ويلتحق بحزب الله حيث تم تعيينه كمسؤول عن بيروت في 1985. وما لبث نصرالله أن أصبح عضوا في القيادة المركزية والهيئة التنفيذية للحزب في 1987. وفي إثر اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله عباس الموسوي في 1992 تم اختياره لتكملة ولاية سلفه، وأعيد انتخابه كأمين عام لحزب الله في 1993 ثم 1995.
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت خلال الاسبوعين الماضيين إلى أن الادارة الأمريكية تبذل مجددا جهودا مع الحلفاء الأوربيين في سبيل وضع حزب الله على قائمة الارهاب. ووردت أنباء في هذا الخصوص عن رفض فرنسي لمطالب أمريكية وإسرائيلية بهذا الشأن.
ومهما كانت آراء المحللين حول مصير حزب الله في وجه التغيرات التي تعيشها المنطقة، فإن الحقائق تؤكد أن قادة حزب الله يحملون في أيديهم واحدا من أكثر الملفات إثارة في تحولات المنطقة وعلاقتها بإسرائيل وإقامة التوازن الاستراتيجي، وهذا بالطبع يعني أن أي تحول يعيشه حزب الله يعني تغيرا في وضع المنطقة الاستراتيجي، الأمر الذي يستدعي طبعا الكثير من التأمل والتساؤل.
*العربية نت
غزة-دنيا الوطن
يواجه حزب الله في لبنان وضعا معقدا للغاية في ظل استحقاقات اقليمية ودولية قد تنتهي باتهام عالمي لبعض قادته برعاية الارهاب، كما تملي عليه بالأساس ابدال أولوياته وتغيير أجندته بشكل كامل بالتخلي عن خيار المقاومة والقبول بالانخراط في الحياة السياسية اللبنانية. لكن الحزب الذي رهن خياراته كلها بالمقاومة فيما يبدو يصعب عليه سلك طريق قد يعني تصفيته عمليا.
ومنذ ادراج الحزب بواسطة واشنطن ضمن المنظمات الارهابية وصدور القرار 1559 المتعلق بالحالة اللبنانية السورية باتت الأسئلة المتعلقة بمصير الحزب أكثر سخونة خصوصا بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ورفع المعارضة اللبنانية سقوف مطالباتها بانسحاب سوري من لبنان.
ويرى بعض المحللين، والذين تحدثوا لـ"العربية.نت"، أن لا خيار أمام الحزب سوى التمهيد من الآن فصاعدا لمرحلة تغيّرات عميقة تواكب التحولات الكبرى التي تنتظم منطقة الشرق الأوسط بأسرها أو المخاطرة بالإبقاء على خيار المقاومة بوصفه خيارا مميتا في هذه المرحلة.
سيناريوهات محتملة
ويطرح الأكثر تشاؤما بين المحللين ثلاثة سيناريوهات تقرر مصير حزب الله في لبنان. الأول أن يتم توافق سوري لبناني على تجريده من أسلحته نتيجة الضغوط الدولية، والثاني أن توجه القوى الدولية ضربة عسكرية للحزب، والثالث أن يتم انسحاب سوري من لبنان يفقد الحزب المظلة التي تقيه الاستحقاقات الدولية.
وفي هذه الحال يتوقع هؤلاء المحللين أن يهرب الحزب إلى الأمام باختياره فتح جبهة الجنوب اللبناني ثانية وخلطه الأوراق بهذه الحالة. ويقول هؤلاء إن حزب الله لا يمتلك "مشروعا وطنيا" بديلا إلى غاية الآن يغنيه عن مشروع المقاومة الذي كفل له البقاء في المشهدين الداخلي اللبناني والاقليمي بهذه المناعة.
ولا ينكر هؤلاء المحللين في حواراتهم مع "العربية.نت" أن الحزب حقق حوله اجماعا وطنيا في السنوات الماضية لكنه يجد حرجا مضاعفا في ظل الاستقطاب الحاد القائم بين الموالاة والمعارضة. فمن جهة سيضعه الاصطفاف مع المعارضة في زاوية حرجة مع دمشق، فيما يفقده دعم الموالاة الاجماع الوطني الذي كان يحوزه.
لكن محللين آخرين رأوا أن هذه السيناريوهات مجافية للمنطق. فعلى الأرض ليس ثمة ما يشير لاحتمال "انتحار" الحزب على الأبواب الإسرائيلية، كما أن تجريد الحزب من أسلحته غير وارد في المرحلة الحالية. وإذا حدث الأمر –يقول هؤلاء- فإن فرضه بالقوة أمر مستبعد تماما، إذ يتطلب الأمر توافقا لبنانيا واسعا.
من ناحية ثانية، يستبعد خبراء عسكريون أن تقدم الولايات المتحدة أو إسرائيل على ارتكاب خطأ استراتيجي بتوجيه ضربة عسكرية أو سلسلة ضربات لحزب الله سواء باستهداف مواقع له في جنوب لبنان أو تصفية بعض رموزه لأن ذلك يعني تفجير الوضع اللبناني بكامله.
ولا تغيب هذه الأسئلة عن بال قادة حزب الله الذين عرفوا كسياسيين بارعين علاوة على اتقانهم فنون "اللعبة السياسية" وتشابكاتها الاقليمية والدولية. ويعوّل هؤلاء فيما يبدو على عامل الوقت كعامل قد يؤجل بعض الاستحقاقات لكنه قطعا لا يلغيها.
السعي لحصار حزب الله
ومن جهة ثانية يراهن قادة حزب الله على عدم تطابق وجهات النظر بشكل كامل بين قوى دولية مؤثرة كالولايات المتحدة وفرنسا. ويقول مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله نواف الموسوي إن الفرنسيين على وجه الخصوص ليسوا راغبين في ادراج الحزب على لائحة المنظمات الارهابية لأنهم حريصون على اعادة لبنان إلى دائرة النفوذ الفرنسي واخراجه من حال الرعاية الدولية التي كانت سوريا مفوضة بها، وفي هذه الحال يعتقد مسؤولو الحزب أن لا مصلحة آنية للفرنسيين في تحييد القوى اللبنانية.
ويرجع الموسوي وهو عضو المكتب السياسي بالحزب لـ"العربية.نت" تزايد الضغوط الدولية على حزبه إلى الظروف التي نشأت بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لجهة إسرائيل والمصلحة التي سنحت لها في تحشيد قوى دولية لمواجهة حزب الله بعد اخفاقها في دحره عسكريا.
وقال إن الظروف الحالية بعد غياب الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات "في ظروف غامضة" أوجدت حاجة لاطلاق تسوية فلسطينية إسرائيلية رافقتها ضغوط أوروبية على إسرائيل من أجل الدفع بعملية التسوية لكن في المقابل سعت إسرائيل للضغط على الأوروبيين لادراج حزب الله على لائحة المنظمات الارهابية.
وثمة من يقول –والكلام للموسوي- إن الفرنسيين افلحوا في اقناع الأمريكيين بتأخير مسألة حزب الله، لكن على المدى البعيد سيسعى الأمريكيون لتطويق حزب الله واضعاف المقاومة بتغيير ميزان القوى داخليا (في لبنان) واقليميا مما يعني حصار حزب الله سياسيا.
ويرفض الموسوي قصر حزبه على المقاومة فحسب، فمن وجهة نظره مارس الحزب منذ إنشائه عملا سياسيا واحتفظ بقاعدة شعبية عريضة هي الأكبر في لبنان. ويقول الموسوي إن ثمة طروحات غربية تروج لنظرية تحوّل الحزب إلى تنظيم ذي مشروع سياسي بديل لمشروعه المقاوم، مشيرا إلى أن هذه الطروحات تدلل على نجاح تجربة تحويل "الشين فين" في إيرلندا إلى تنظيم سياسي عوضا عن حمله السلاح.
لكن هذه الطروحات تأتي وفقا للموسوي في اطار "انهاء قوى المقاومة العربية بوجه الهجمة الأمريكية الإسرائيلية". ويؤكد القيادي البارز بالحزب أنه من الضروري أن يحتفظ اللبنانيون بقدرة دفاعية ما دام الاحتلال قائم وطالما التهديد الإسرائيلي مستمر. ولم يستبعد أن يجري ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني في مرحلة لاحقة.
وعن امكان ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني لاحقا يقول العميد الدكتور إلياس حنا "خبير عسكري واستراتيجي لبناني" إن من الأوفق أن يتم الأمر إذا كان الجيش اللبناني سيضطلع بمهام الدفاع عن جنوب لبنان إلى حين اتمام عملية سلمية اقليمية مع إسرائيل. وأشار في هذا السياق إلى تجارب مماثلة بادماج بعض المليشيات اللبنانية في الجيش في أعقاب اتفاق الطائف في 15 نوفمبر 1989.
خطوة انتحارية..!
ويستبعد حنا لـ"العربية.نت" أن يقدم حزب الله على "خطوة انتحارية" بشنه هجمات على إسرائيل في هذا الوقت، كما يستبعد في الوقت ذاته أن يشعل الأمريكيون النار في لبنان بسماحهم للإسرائيليين بالاقدام على خطوة مماثلة.
لكن حنا يرى أنه ينبغي على حزب الله أن يواكب التحولات الكبرى الجارية باعادة دراسة حساباته واعادة انتاج خطابه السياسي ورسم اهدافه العسكرية وحراكه الاقليمي والدولي. ويشير هنا إلى أن ما يجري في لبنان حاليا هو أن المعارضة تتقاطع حول حماية حزب الله على الرغم من اصدار مجلس الأمن القرار 1559 والذي ينص على "حل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها" إلى جانب "انسحاب كل القوات الاجنبية من لبنان".
لكن هذا كله ليس كفيلا بنجاة الحزب من الشراك التي تنصب له، ففي تقدير حنا أن الحزب بعقله المقاوماتي يدرك أنه لا ينبغي أن يكون حجر عثرة في سبيل استقرار لبنان. كما أن قوى دولية كفرنسا تسعى لايجاد "مخرج مشرف" لحزب الله. ولرؤية الصورة كاملة –يقول حنا- إن الجانب اللبناني بما فيه حزب الله تسوده قناعة بأن المطالبة بمزارع شبعا حق مشروع، في حين أن الأسرة الدولية خلصت وفقا للقرار 425 الصادر عن مجلس الأمن إلى أنها أراض سورية.
وأشار إلى أن هذا الواقع طرأ عليه متغير في غاية الأهمية يتمثل في وجود الولايات المتحدة في المنطقة. ومن شأن هذا التمدد أن ينسحب بالضرورة على الوضع الداخلي بحكم دوران لبنان في الفلك السوري من جانب ومحاددته إسرائيل من جانب آخر.
ويبدو أنه لن يكون سهلا حدوث توافق دولي بشأن حزب الله، ويسم الرؤية الفرنسية بخلاف نظيرتها الأمريكية عمق تحليلي في ادراك صعوبة التخلص من حزب الله على ذلك النحو الذي ترجوه الادارة الأمريكية وتضغط من أجل تنفيذه بادراج حزب الله كمنظمة ارهابية لا ينفي نواف الموسوي امكان أن يعقبه مطالبات بتسليم قادة في الحزب كارهابيين.
الفرنسيون مدركون لحساسية الوضع
ولعل الفرنسيين يدركون أن ثمة طرق أفضل للتعامل مع حزب الله. ويرى آلان غريش "رئيس تحرير لو موند دبلوماتيك" الفرنسية وهو محلل بارز في شؤون الشرق الأوسط أن مصير حزب الله مرتبط إلى حد كبير بالوضع العام في الشرق الأوسط. ولم ينف غريش لعب الحزب دورا بارزا في المنطقة مستبعدا أن تثمر الضغوط الحالية الرامية إلى إنهاء وجود الحزب بوصفه مقاومة.
وعدد غريش لـ"العربية.نت" الأسباب التي تدعوه للاعتقاد بصعوبة الأمر مشيرا إلى الوزن الداخلي الكبير لحزب الله في لبنان وخصوصا في الأوساط الشيعية إضافة لتأثيره على الوضع اللبناني العام الأمر الذي يدفع المعارضة ذاتها لرفض الضغوط الأمريكية.
وعلاوة على هذا –يقول غريش- لا يزال حزب الله ورقة ضغط فاعلة بيد السوريين في وجه إسرائيل وفي حال فقدانهم –أي السوريين- هذه الورقة بالذات، فسيصعب عليهم استرجاع الجولان. ومن ناحية ثانية –يضيف- تفهم الضغوط على حزب الله كضغوط على طهران لصلاته الخاصة بإيران.
وقال غريش إن أي خطوة لتجريد حزب الله من سلاحه بالقوة تعني اندلاع حروب داخلية نظرا لأن الحزب يعتبر القوة العسكرية الوحيدة مع الجيش اللبناني. وفي تحليله لمآلات الضغوط الحالية ومصير حزب الله، قال غريش إن هناك امكانا لتفكيك الحزب عسكريا وتحوله لحزب سياسي لاحقا.
غير أن غريش لا يتوقع أن يتم تفكيك الحزب قريبا لأن المنطقة كلها تمر بحال من الاضطراب. وعرج المحلل الفرنسي على نقطة في غاية الأهمية تتعلق بممانعة بلاده ادراج الحزب على لائحة المنظمات الارهابية، ففي تقديره يحرص الفرنسيون على استمرار علاقتهم الخاصة بالشيعة في لبنان (منذ الثمانينات من القرن الماضي) بعد أن كانت علاقاتهم مقصورة تاريخيا على المارونيين.
ويبدو أن الفرنسيين كما يلاحظ غريش ليسوا مضطرين للتغافل عن القوة الكبيرة التي يتمتع بها الحزب في الساحة اللبنانية، لذا فالحكومة الفرنسية تقاوم الاصوات الفرنسية (موالون لإسرائيل والولايات المتحدة كما يقول) الداعية للنظر لحزب الله كتنظيم ارهابي وهي الاصوات ذاتها التي أفلحت سابقا في ايقاف بث تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله في فرنسا.
أما المحلل السياسي الفرنسي إيريك لورو فيرى أن بلاده لا تحبذ وجود "منظمات معسكرة" في لبنان، مشيرا إلى أن فرنسا كانت صوتت في مجلس الأمن لصالح استصدار القرار 1559. وأضاف لورو لـ"العربية.نت" أن الضغوط الفرنسية في هذا الاتجاه ليست مباشرة، مشيرا إلى أنه لا يوجد ما يؤكد تنسيق الفرنسيين مع الأمريكيين بشأن حل كل المنظمات العسكرية في لبنان.
وأوضح أنه يعتقد أن اللبنانيين سيسعون تبعا لتوافق واسع بينهم على ادماج قوات حزب الله في الجيش اللبناني، غير أن هذا الأمر يظل خيارا مطروحا على المدى البعيد. وقال إن الضغوط حاليا من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل و"قد يضاف اليها ضغوط من قبل الفلسطينيين" تسعى لاخراج السوريين من لبنان، وبعد ذلك ستزيد الضغوط على حزب الله.
ملف سلاح المقاومة بعد اخراج سوريا
ويرى عضو المجلس السياسي بحزب الله سابقا نايف كريّم وهو أيضا مدير تلفزيون المنار سابقا أنه ليس من السهولة تجريد حزب الله من السلاح ما لم يتم تفاهم لبناني - لبناني. ويقول كريّم في سياق تحليل لـ"العربية.نت" إنه لا يعتقد أن الضغوط الدولية ترمي لدفع الوضع اللبناني إلى حافة الانفجار.
ويضيف أن الهدف الرئيس لهذه الضغوط ينصب للحد من سيطرة السوريين وتحكمهم في مفاصل الحياة السياسية اللبنانية، ومتى تحقق هذا الهدف سيتم الانتقال لملف "سلاح المقاومة". ويرى كريّم أن حزب الله كان بحاجة لبلورة مشروع سياسي يخاطب القضايا الداخلية مما مثل ثغرة في مشروعه.
ولا يتوقع كريّم أن يندفع الحزب باتجاه فتح جبهة عسكرية مع إسرائيل لأن هذا بحد وصفه سيكون "خيارا انتحاريا"، على الرغم من تأكيده بأن انسحاب السوريين من لبنان ستصيب شظاياه حزب الله الذي سيتأثر سلبا لكنه لن يفقد المظلة الاقليمية المتمثلة بإيران وسوريا.
ويقول كريّم إن حزب الله ليست لديه قوات بالمعنى المفهوم، وإنما "تعبئة شعبية" يمكن أن تتحول في أية لحظة لعشرات الآلاف من المسلحين. وختم ضاحكا بأنه يصعب الحديث عن تدريب عسكري بالنسبة لهؤلاء لأن غالبية اللبنانيين تلقوا تدريبات عسكرية في أوقات سابقة.
وتعتبر بعض الأطراف اللبنانية كما هو شأن بعض المحللين أن حزب الله بوضعه الحالي أنجز مهمته بتحرير الأرض. ويرى المحلل السياسي حازم صاغيّة أن النزاعات اللبنانية منذ الستينات لم يشتعل فتيلها إلا بالاشتباك بين الداخل والخارج.
وأضاف صاغيّة لـ"العربية.نت" أن حزب الله هو الجسر الواصل بين الوضعين الداخلي اللبناني والاقليمي مشيرا إلى أن هذا الوضع ليس في صالح لبنان ولا الفلسطينيين الذين يرغبون في ترتيب أوضاعهم في هذا الوقت.
ويشير إلى ضرورة تفكيك حزب الله كتنظيم مسلح لصالح العمل السياسي، لكن صاغيّة لا يغفل أن هذا الأمر رهن بظروف عدة. ويقول إن الحزب لا يمتلك مشروع وطني سياسي لأن مشروعه ملحق بالمقاومة. وفي هذا الخصوص يعتبر أن المقاومة إذا أنجزت التحرير فإن من الضروري تحول دورها لدور سياسي.
قصة حزب الله
حازم صاغيّة نفسه كان قد نشر سلسلة من المقالات الصحفية في صحيفة "الحياة" اللندنية في يناير الماضي تناولت ملابسات نشأة حزب الله والظروف الداخلية والاقليمية والدولية المعقدة التي رافقت صعوده، كما رصدت الحلقات الست العوالم الجوانية لحزب الله وطبيعة تركيبه ولفتت إلى قياداته وأنشطته.
وأبدى صاغيّة استغرابه في الحلقة الأولى مما أسماه تحوّل الضاحية (يقصد الضاحية الجنوبية الحاضنة الرئيسة للحزب في بيروت) إلى الصانع الأبرز لسياسة بيروت، وأحد الصنّاع البارزين لسياسات الشرق الأوسط. وعبر تتبع مسار تاريخي طويل يبدأ من حقبة الاستقلال، وتاليتها ما بين 1943 و1975، راح يخط معالم التحولات البارزة التي طرأت على الضاحية خصوصا بعد أن شيد مخيم للاجئين الفلسطينيين هناك.
وتبدو هذه المسألة هي ذاتها التي أثارها صاغيّة في سياق تحليله لـ"العربية.نت" عن تشابك الداخل والخارج، إذ كان معسكر اللاجئين الفلسطينيين نقطة تحوّل بارزة خصوصا على صعيد التعايش الذي كان قائما بين الشيعة والمسيحيين المارونيين الذين يمثلون الأغلبية في جبل لبنان القريب الذي لم تكن تفصله عن الضاحية إلا "نقطة دخول" صغيرة.
لكن هذا التعايش بين المارونيين والشيعة لم يكن بالقوة الكافية لصد عوامل طارئة يمكن أن تنخر لحمة التماسك الهشة، حيث ترك خلاف جمال عبدالناصر مع الرئيس اللبناني كميل شمعون آثاره على هذا النسيج الاجتماعي وبدا واضحا أنه قسمه لفريقين مؤيدين كل لطرف.
ولم يثر الاحتكاك بالفلسطينيين السنة لدى الشيعة، أية حساسية مذهبية تذكر، بل ربما زاد التعاطف مع قضيتهم تبعا للتعاطف مع بؤس سكان المخيم. فالعدد كان قليلا والشوكة كانت مكسورة، أما انخراطهم في السياسة المحلية فكان "مما لا يجرؤ على تخيله الخيال الخصب" طبقا لما كتب صاغيّة.
ويمضي الكاتب للقول إن هذا ما تغير في وقت لاحق. فعندما تسلمت المقاومة الفلسطينية، أواخر الستينات، راية الراديكالية القومية من الناصرية، كان للأمر أثره البادي على الضاحية، وكان مسيحيوها أول المتلقّين. فقد بدأ التشنج يسم الصلة التي تربطهم بشيعتها، كما جعلت تختل المعادلات التقليدية التي نهضت سياستها عليها. وإذ تحالف الشيعة، ولم يكونوا قد امتلكوا بعد أداتهم السياسية والحزبية، مع الفلسطينيين، شارف خوف المسيحيين على أن يصير خُوافاً. فما ان انطلقت نشاطات التدريب في مخيم البرج، حتى رأوا في الشبان المتطوعين، من الضاحية وغير الضاحية، نواة جيش بديل يهددهم ويقوّض عيشهم المألوف.
وجاءت اشتباكات أيار (مايو) 1973 بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني تمريناً أولياً على الخوف المسيحي، لكنها حملت للشيعة أنفسهم نُذُراً مقلقة. فما ان اندلعت حرب السنتين (1975-77)، وكانت شرارتها اشتباكات المسلحين الفلسطينيين والشيعة في الشيّاح مع المسلحين المسيحيين في عين الرمانة، حتى كبرت بقع الزيت المسموم. فإذ تولى المهمات القتالية الأساسية، هجوماً ودفاعاً، مقاتلو «فتح» والجبهات الأخرى، اختفى مخفر الدرك من الضاحية وتعطل القضاء وعمّت سرقة الماء والكهرباء، كما نشأت دكاكين مرتجلة ومحال عشوائية فيما تمدد البناء غير الشرعي المُقام على أراضي الغير. وانكمشت، الى ذلك، قدرة العائلات وأعيانها على ممارسة التحكيم الأهلي فحل، بالتالي، الفراغ الضخم الباحث عمّن يملأه.
وما ان غادر معظم المسيحيين مناطق الاختلاط –يضيف صاغيّة في مقاله- بنتيجة حرب السنتين، منكفئين شرقاً، حتى خلت الساحة لحليفي الأمس وكانت بذور التنافس الشيعي-الفلسطيني تينع. وبالتحولين هذين ارتسمت الخطى الأولى على طريق إحراز الصفاء المذهبي الساعي الى بلورة أدواته.
المزاج الجنوبي ينزح إلى الضاحية
في هذه الغضون كانت ظهرت «حركة المحرومين» التي أسسها الإمام موسى الصدر ذراعاً سياسية للطائفة الشيعية. وما لبثت ظروف مثلى أن أحاطت بالولادة. فمع اختتام حرب السنتين، طرأ الدخول السوري الذي أيّده الصدر وعارضته المنظمات الفلسطينية وحلفاؤها اللبنانيون، ما جعل الشيعة يعبّرون علناً عن تململهم من جيرانهم الأقوياء، وهو تململ زوّدته السنوات أسناناً وأنياباً. كذلك هبّت الرياح السكانية لإنجاد المشروع. ففي 1976 هُجّر الجنوبيون من النبعة والدكوانة المسيحيتين فجاء معظمهم الى الضاحية، وبعد عامين كان الاجتياح الاسرائيلي الصغير الذي صبّت بفعله كتل سكانية أخرى في المصبّ نفسه.
وبعد العزوف التقليدي عن التديّن عند السكان «الأصليين» من ذوي المزاج الجبلي اللبناني، حمل اليهم الجنوبيون النازحون ورعهم وتقواهم. فلما تأسست «حركة أمل» الصدرية في أوساطهم، بدا كأن التديّن، في الضاحية، بات يملك شوكته وعصبيته. ووسط جموع المهجّرين من النبعة الذين غدا معظمهم وقوداً لـ« أمل»، وُجد رجل دين مؤثّر هو السيد محمد حسين فضل الله.
ويرصد صاغيّة في مقاله الثاني ميلاد حزب الله الذي جاء كاحتجاج على اطلاق سراح الرهينة الأميركي جيسي تيرنر في دمشق. لكنهم, فقد غادر أمليون, كحسين الموسوي, حركتهم الى ما بات يُعرف بـ"حزب الله". وكان واضحاً في المغادرين, وفي عدادهم ابراهيم الأمين السيد وحسين خليل وعلي عمار وحسن نصر الله, أنهم أكثر الأمليين تشدداً في مقاتلة البعث العراقي, وأشدهم تعاطفاً مع الفلسطينيين.
وفي مقاله الثالث شرّح صاغيّة جهود حزب الله في تنقية "الضاحية" من الثقافات الأخرى وربطها بمشروع "الثورة الإسلامية". ويمضي المقال للقول "إن ساحة عبد الناصر"، مثلاً، وكانت الساحة الرئيسية في برج البراجنة، حُوّلت ساحة الإمام الخميني، ترتفع فيها ثلاث صور ضخمة للخميني وخامنئي ونصر الله مكان تمثال الزعيم المصري الذي أزيل.
وهي خطة شُرع بتنفيذها مبكراً بعون عناصر «الحرس الثوري» الإيراني ممن وفدوا الى الضاحية أوائل الثمانينات، حاملين تجربتهم في إقامة نظام ثوري. وليس صعباً في من يتأمل خريطة لبنان اكتشاف أهمية الضاحية: فهي تربط الخزّانات البشرية للحزب في الجنوب والبقاع، مَصدري العدد الشيعي، فيما تمارس الرقابة على العاصمة وقرارها. لكن الناظر الى لبنان يكتشف بالسهولة نفسها أن ذاك البلد ليس إيران، لا تركيباً سكانياً ولا ظروفاً سياسية واجتماعية، فيما تصفية هوائه مهمة أقرب الى الاستحالة.
وفي مقاله الرابع عرض إلى بعض الاشكالات الفكرية والاقتصادية التي جابهت ولا تزال حزب الله. كتب صاغية: لا يشذ «حزب الله» عن أحزاب عدة، عربية وغربية، اجتمع فيها نقيضان ظاهريان: تشديدٌ مبالَغ فيه على الوحدة والتراصّ ودرجة من التفتّت بعيدة تكبتها دعوات الوحدة نفسها. فلئن حافظت «حركة أمل» على حد أدنى من تماسكها بفضل تقديمات الدولة، بدت قضية الحزب، في هذا الميدان، أعقد. فإلى الشخصية المنزّهة للأمين العام، والى موضوعة «المقاومة» المرفوعة الى مصاف المقدّس، انضافت الخدمات وفرص العمل، حيث لعب التمويل الإيراني دوراً مركزياً.
الشيخ نصر الله.. صورة عن قرب
أما في مقاله الخامس فقد تناول صاغيّة شخص الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، وكتب بهذا الخصوص: " صعد نصر الله الى الأمانة العامة, لا من موقعه كعالم دين, بل كمسؤول في الجهاز الأمني العسكري الذي بناه عماد مغنية. حصل هذا في 1992, بعدما اغتال الاسرائيليون بأحد صواريخهم الأمين العام السابق عباس الموسوي. يومها كان الجنوبي ابن الـ 32 عاماً إشارة الى صعود الجنوب في حزبه, فيما إيران الخارجة من حرب الخليج, تتهيأ لمقاتلة الوجهة السلمية في المنطقة التي افتتحها مؤتمر مدريد. بيد أن الشيخ الشاب نمّ عن علامات نباهة. فهو, على عكس منافسه الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي, قرن نوعه الايديولوجي برجاحة سياسية تهيئه لما بعد اتفاق الطائف اللبناني أواخر 1989.
فلئن تمسك الطفيلي براديكالية الرفض لدخول اللعبة الانتخابية اللبنانية, حل نصر الله المعضلة باسكالياً: فما دمنا لا نخسر شيئاً بالدخول, فما الضير منه؟ والحال أن هناك ما يمكن كسبه في المقابل: فإرضاء سورية التي استثمرت الكثير في الطائف, وضمنت للحزب موقعه وسلاحه كـ"مقاومة", لا كـ"ميليشيا", هو العصفور الذي في اليد. أما "الجمهورية الاسلامية" فعصافير على الشجرة يمكن تأجيل اصطيادها قليلاً.
ولن يسيء ايران إطلاقاً أن توجد كتلة نواب تدافع عنها في البرلمان اللبناني, وقد تساهم في تشريعات تتطلبها المصالح الحزبية-الايرانية النامية. وهذا كسب خالص, لا سيما أن في وسع الحزب الاحتفاظ بموقفه الاسلامي المبدئي, ماضياً في هجاء الاتفاق الذي عامله بالتبجيل, بوصفه "تسوية طائفية عفنة"!
وتساءل صاغيّة في مقاله السادس والأخير عن "حدود اللبننة المنسوبة الى الحزب في الاقتصاد وفي السياسة أيضا". وصاغ هذا السؤال الكبير كالآتي: وقد يقال, بدرجة معقولة من الصحة, إن الحزب يمثل من اللبننة التحولات الديموغرافية التي طرأت في العقود الثلاثة الماضية. بيد أن التعبير عن ذلك لا يزال ملتبساً مختلطاً عاصفاً.
أما أن نكون أمام عيّنة مصغّرة عن تجربة "حزب العدالة والتنمية" الاسلامي في تركيا, حيث يتضافر المؤمنون والسياسيون ورجال الأعمال الأناضوليون والمثقفون المتدينون, مستندين الى العنصر الشبابي المتكاثر ومُشكّلين سلطة بديلاً فهذا, في لبنان, آخر الممكن.
ذاك أن "حزب الله", تبعاً لطبيعته المذهبية في بلد منقسم طائفياً, وطبيعته الراديكالية في بلد معتدل, غريب عن الجماعات الأخرى, مُخيف لها, من دون أن ينجح في بناء همزة وصل واحدة مع المثقفين الشيعة. ولما كان الجَـدّ عنده هو "المقاومة" بوصفها جسراً إيرانياً-سورياً الى الداخل, وعتبةً لصعود المشروع المذهبي الراديكالي, باتت لبننة الحزب قبلة موت للبنان.
خلفية تاريخية
وبخصوص تاريخ حزب الله، تشير مصادر إلى العام 1982 وهو عام الاجتياح الإسرائيلي للبنان بوصفه المنعطف الحاسم الذي شكل الحزب، الذي بات بعد 1985 الجهة الأعلى كعبا في مقاومة إسرائيل إلى أن تحقق الانسحاب في 2000. ويلعب الحزب إلى جانب دوره العسكري المستمر في الجنوب في شكل مناوشات مع الإسرائيليين ناحية مزارع شبعا، بأدوار اجتماعية وثقافية في مناطق نفوذه.
ويكتسب الأمين العام للحزب حسن عبد الكريم نصر الله (45عاما) احتراما واسعا في أوساط الحزب، وفي الأوساط العربية والإسلامية. ولا يبدو ذلك ناتجا عن تحرير الجنوب فحسب، وإنما لسيرة الرجل على المستوى الشخصي حيث يقدم على أنه نزيه و"ثوري" من طراز باعث على الاعجاب.
سافر نصرالله إلى النجف في 1976 لتحصيل "العلم الديني الإمامي". ونال عضوية المكتب السياسي لحركة "أمل" في 1982 قبل أن ينشق عنها ويلتحق بحزب الله حيث تم تعيينه كمسؤول عن بيروت في 1985. وما لبث نصرالله أن أصبح عضوا في القيادة المركزية والهيئة التنفيذية للحزب في 1987. وفي إثر اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله عباس الموسوي في 1992 تم اختياره لتكملة ولاية سلفه، وأعيد انتخابه كأمين عام لحزب الله في 1993 ثم 1995.
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت خلال الاسبوعين الماضيين إلى أن الادارة الأمريكية تبذل مجددا جهودا مع الحلفاء الأوربيين في سبيل وضع حزب الله على قائمة الارهاب. ووردت أنباء في هذا الخصوص عن رفض فرنسي لمطالب أمريكية وإسرائيلية بهذا الشأن.
ومهما كانت آراء المحللين حول مصير حزب الله في وجه التغيرات التي تعيشها المنطقة، فإن الحقائق تؤكد أن قادة حزب الله يحملون في أيديهم واحدا من أكثر الملفات إثارة في تحولات المنطقة وعلاقتها بإسرائيل وإقامة التوازن الاستراتيجي، وهذا بالطبع يعني أن أي تحول يعيشه حزب الله يعني تغيرا في وضع المنطقة الاستراتيجي، الأمر الذي يستدعي طبعا الكثير من التأمل والتساؤل.
*العربية نت

التعليقات