حزب التحرير الإسلامي: العالم كله بما فيه بلاد المسلمين دار كفر
حزب التحرير الإسلامي: العالم كله بما فيه بلاد المسلمين دار كفر
غزة-دنيا الوطن
يرى عدد من المراقبين أن دعوة حزب التحرير الإسلامي ومساعيه لإقامة "دولة خلافة إسلامية" واحدة في كل البلدان الإسلامية في ظل الواقع الراهن إقليميا ودوليا بالإضافة للواقع الذي تعيشه هذه البلدان، وهي دعوة تفتقر إلى المنطق. لكن الحزب ينظر إلى مساعيه تلك بوصفها السبيل الوحيد لاستنهاض المسلمين. ويقول ممثل حزب التحرير في الدنمارك فادي عبد اللطيف في سياق حوار مطول أجرته معه "العربية.نت" إن حزبه يواجه الحظر حاليا في الدنمارك، كما أن أعضاءه يتعرضون لمضايقات في بلدان أوروبية عدة.
ويشير عبد اللطيف في الحوار إلى أن حزبه الذي يقوده عطا أبو الرشتا يرى أن الدعوات القائمة إلى طرد خطاب التخوين والتكفير من الإعلام العربي هي دعوات "حق يراد به باطل". ويضيف بأن بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية تطلقها لأغراض سياسية لخدمة الأنظمة العربية.
ويرى الحزب بحسب عبد اللطيف أن العالم كله اليوم بما فيه بلاد المسلمين دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع. فدار الكفر وفق الاصطلاح الشرعي -يقول عبد اللطيف- هي الدار التي لا تحكم بالإسلام. ويضيف "وصفنا للغرب بأنه كافر هو وصف لواقع الغرب شعوباً ودولاً وحكومات، والمقصود هو إبراز أصل العداء الذي يحمله الغرب كدول ونخب فكرية وسياسية بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين".
تأسس حزب التحرير في 1953 على يد تقي الدين النبهاني، القاضي وقتذاك في محكمة الاستئناف في القدس، ودعا فيه إلى قيام خلافة إسلامية كبديل عن الدول القائمة. وبحسب موقعه على الانترنت، يهدف الحزب إلى استئناف الحياة الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. وهذه الغاية -بحسب الموقع- تعني إعادة المسلمين إلى العيش بطريقة إسلامية في دار الإسلام.
ويدعو الحزب إلى تنصيب "خليفة" بواسطة المسلمين " يبايعونه على السمع والطاعة وعلى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى أن يحمل الإسلام رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد".
وتطرق الحوار مع ممثل الحزب في الدنمارك إلى جملة موضوعات تلامس رؤى الحزب تجاه العالم الإسلامي و"الآخر"، كما تناول وجود الحزب في الغرب ومنظومته الفكرية وردود فعله على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 بوصفها مفصلا أرّخ لتاريخ جديد في العلاقة بين الغرب والمسلمين، وأدى لتحولات فكرية وسياسية كبيرة.
أحداث 11 سبتمبر/أيلول منحت غطاءً سياسياً للقوى المعادية للإسلام في أوروبا
- نوّه حزبكم إلى أحداث جسيمة وقعت بحق المسلمين في الدنمارك، هل تشعرون فعلا أن الحال تغير ضد المسلمين في هذا البلد بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبعد موجة الاتهامات والعنف التي عمت أوروبا بعد مقتل المخرج الهولندي فان غوخ على يد مغربي مسلم؟
- لقد منحت أحداث 11 سبتمبر/أيلول غطاءاً سياسياً للقوى المعادية للإسلام في أوروبا - ومنها الدنمارك – لترويع الرأي العام وإقناعه بأن الإسلام يشكل خطراً على الشعوب الأوروبية، وقد عملت هذه القوى منذ ذلك الحين على تجريم أي نشاط إسلامي فكري أو سياسي؛ بل وتجريم أفكار الإسلام وأحكامه أمام الرأي العام الأوروبي، ووصل بها الحال - كما في فرنسا - إلى محاربة الإسلام والالتزام به عن طريق سن القوانين الجائرة. إلا أن المراقب لوضع الإسلام والمسلمين في أوروبا يدرك أن أحداث 11 سبتمبر أوجدت المناخ الملائم لذلك؛ ولم تكن السبب وراء هذه السياسيات المعادية للإسلام والمسلمين. أما السبب الحقيقي فيتمثل في أمرين:
الأول هو: بروز تنامي وعي المسلمين في الغرب عموماً على إسلامهم عقيدة وسلوكاً وثقافة وهوية في عقد التسعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى إقبال الكثير من الغربيين على دخول الإسلام، الأمر الذي حدا بعدد من الخبراء والساسة والمفكرين الغربيين إلى دق ناقوس الخطر من تنامي الإسلام وانتشاره مما يشكل خطراً ديمغرافياً وسياسياً على المجتمعات الأوروبية خاصة، وفي هذا السياق أُشعِلَت الحرب ضد المسلمين في البوسنة بتواطؤ من الحكومات الأوروبية. وحقيقة فإن هذا الوعي الإسلامي لدى المسلمين في أوروبا هو جزء من تحوّل حضاري تعيشه الأمة الإسلامية في العالم الإسلامي يتمثل في العودة إلى الإسلام كعقيدة سياسية ونظام للحياة والدولة والمجتمع، وقد بدأ هذا التحول يزداد تسارعاً وبروزاً - بفضل الله وجهد العاملين المخلصين من حملة الدعوة الإسلامية - بعد عقود من التجارب المريرة التي مرت بها الأمة في ظل الأنظمة والأفكار الفاسدة من اشتراكية ورأسمالية وقومية وعلمانية.
والثاني هو: سقوط الشيوعية وظهور عوار الأنظمة الرأسمالية، وذلك أنه بعد سقوط الشيوعية كمبدأ عن المسرح العالمي، وزوال خطرها تماماً في بداية تسعينات القرن الماضي، بدأت الدول الأوروبية في إجراء إصلاحات شاملة لإزالة الترقيعات الاشتراكية والعودة إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي وفق الفلسفة الأصلية لاقتصاد السوق، ولا تزال هذه الإصلاحات الرأسمالية جارية على قدم وساق من خلال سياسات الخصخصة لقطاعات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتعديل قوانين التقاعد وحقوق العمال وغيرها. ومن هنا يأتي تركيز النخب السياسية ووسائل الإعلام الأوروبية على المسلمين وفق حملات منظمة ومكثفة مُحمّلة المسلمين مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية واستنزاف الأموال العامة، ومتّهِمة الأجانب من المسلمين بأنهم السبب وراء المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع، وذلك بهدف صرف الأنظار عن فساد النظام الرأسمالي وستر عوراته عن الرأي العام.
- كيف تصفون الوضع حاليا بين مسلمي الدنمارك ومواطنيها الأصليين، هل هناك احتقان، وبماذا يتمثل هذا الاحتقان؟ هل جرت أحداث عنيفة أو أحداث كادت أن تؤدي لعنف؟
- لقد حصلت بعض حوادث الاعتداء على نساء مسلمات ومساجد ومقابر للمسلمين في هذا البلد. والشعب الدنمركي شأنه شأن باقي الشعوب الأوروبية يتأثر بالخطاب السياسي السائد ووسائل الإعلام المُوجَّهة، إلا أن حالات الاحتقان والتوتر والترويع التي تثيرها النخبة السياسية المتنفذة ووسائل الإعلام الدنماركية بين المسلمين والمواطنين قد أدت في أحيان كثيرة إلى إثارة اهتمام الكثير من المواطنين الدنمركيين بالإسلام، مما ضاعف – وفق إحصائيات نشرتها وسائل الإعلام – عدد المسلمين من أصول دنمركية، خاصة ممن هم في عمر الشباب. ونحن بحكم حملنا لدعوة الإسلام إلى غير المسلمين كواجب فرضه الله علينا نلمس وجود قابلية قوية لدى غير المسلمين لاعتناق الإسلام، خاصة إذا حُمِل الإسلام إليهم بنقائه ووضوحه كعقيدة وطريقة عيش بعيداً عن تشويه وسائل الإعلام. ولا شك أنه من شأن وعي المسلمين على الإسلام والتزامهم به وحملهم لدعوته إلى غير المسلمين، وكذلك وعيهم على قضايا أمتهم وتوعيتهم لأوساطهم من غير المسلمين، أن يفشل محاولات تصوير الإسلام كعدو للشعوب، ويركّز العداء نحو السياسات الاستعمارية الدموية التي تمارسها الدول الرأسمالية ضد بلاد المسلمين كما هو حاصل الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان. وقد قام شباب حزب التحرير في الدنمارك بتنظيم محاضرات ومؤتمرات عامة، حضرها أعداد من غير المسلمين، استهدفت إيجاد الوعي على أفكار الإسلام وأنظمته وحضارته وتسليط الضوء على الأهداف الحقيقية وراء الحروب التي تشنها الدول الاستعمارية على الأمة الإسلامية تحت مسمّى "محاربة الإرهاب".
محاولات حظر الحزب
- أشرتم إلى أن حزبكم على وجه الخصوص يتعرض لتضييق وخنق من قبل بعض القوى السياسية المتنفذة وعلى رأسها "حزب الشعب"، ما هي خلفيات الأزمة بين حزبكم وهذا الحزب؟ ماذا تتوقعون مستقبلا؟
- إن محاولات حظر الحزب في الدنمارك من قبل السلطات، وتجريم نشاطه وسياسة التضييق التي تعرض لها الحزب - وما يزال - هي جزء مما يتعرض له المسلمون وحملة دعوة الإسلام في بلاد الغرب عموماً وفي بلاد المسلمين على وجه الخصوص. والسبب في ذلك هو ثبات الحزب على حمل الدعوة الإسلامية إلى المسلمين بهدف إنهاضهم بالإسلام فكراً وسلوكاً والحيلولة دون ذوبانهم في المجتمع الغربي من خلال المحافظة على هويتهم وولائهم لدينهم وأمتهم وارتباطهم بها ونصرة قضاياها، وهو كذلك نجاحه - بفضل الله وعونه - في حمل دعوة الإسلام إلى غير المسلمين؛ وهو ما يؤرق مضاجع هؤلاء، ولسان حالهم يقول: إن كان المسلمون في هذا الضعف والتشرذم والهوان، وهم على الرغم من ذلك يعتزون بالإسلام ويحملون أفكاره وأنظمته للناس، فكيف سيكون حالهم إذا ما قامت للمسلمين دولة خلافة راشدة تحكم بالعدل، وتذود عن أعراضهم، وتتبنى قضاياهم، وتحمل رسالة الإسلام على المسرح الدولي إلى الشعوب والأمم؟
والواقع أن أحزاب التيار اليميني المتصاعد في أوروبا – بما فيها الدنمارك - تلعب دوراً يخدم النخب السياسية الرأسمالية المتنفذة، فهي تُمثّل العصا التي تستخدمها هذه النخب لترويع المسلمين وإخضاعهم لسياسات الاندماج، ومن الأدلة على ذلك أن الأحزاب الأوروبية العريقة في هذه الدول لا تلبث أن تتبنى أطروحات التيار اليميني وخطابه السياسي بل وتتجاوزه في ظلمها للمسلمين وتترجم شعاراته العدائية إلى سياسات وقوانين، وذلك كما فعل الرئيس الفرنسي شيراك في حظر ارتداء الخمار (الحجاب) في المدارس والمؤسسات العامة، متجاوزاً شعارات اليميني الفرنسي جان ماري لوبان. وهو ما يحصل بالفعل في الدنمارك، حيث يقوم حزب الشعب بإثارة الجدل وتهيئة المناخ السياسي حول قضية ما؛ فتتسارع وسائل الإعلام الرسمية والخاصة إلى إيجاد رأي عام حولها ومن ثم تعمد الأحزاب السياسية المتنفذة من حكومية ومعارضة، ليبرالية ومحافظة واشتراكية، إلى ترجمة طروحات تيار اليمين إلى قوانين وسياسات عملية.
- هل ينشط حزبكم سياسيا في هذا البلد بهدف المشاركة في الحياة السياسية، وهل يطمح في الوصول إلى السلطة؟ وهل يقوم أي نوع من التعاون بينكم وبين قوى سياسية ومدنية في هذا البلد؟
- إن حزب التحرير قد وقف نفسه على إنهاض الأمة الإسلامية بعقيدة الإسلام ونظامه، وحدد غايته بأنها استئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة دولة الخلافة في بلاد المسلمين، فهو يحمل الدعوة ويستهدف أخذ الحكم في بلاد المسلمين لإقامة دولة الخلافة الراشدة. أما في البلاد الغربية فإن الحزب ينشط في أوساط المسلمين لتثقيفهم بأفكار الإسلام وأحكامه ليعملوا بها ولها، ويسعى إلى الحفاظ على هويتهم وارتباطهم بأمتهم وقضاياها كارتباط العضو بالجسد. وبجانب ذلك يحمل الحزب دعوة الإسلام إلى غير المسلمين كمبدأ شامل لكل نواحي الحياة عقيدة وحضارة وتشريعاً وأنظمة للدولة والمجتمع. أما بالنسبة إلى مسألة المشاركة في الحياة السياسية في هذا البلد فواقعها هو واقع الحياة السياسية في بلاد المسلمين وإن اختلفت شكلاً، إلا أنها تقوم على نفس الأسس العلمانية وقواعد "اللعبة" الديمقراطية، وهي علاوة على ذلك تستهدف دمج المسلمين سياسياً وثقافياً في المجتمع الغربي. وحزب التحرير هو حزب مبدئي قائم على عقيدة الإسلام وأحكامه ويرفض التنازل أو الحيد عن أي جزئية من جزئيات الإسلام، وهو الثمن التي تتطلبه المشاركة في الحياة السياسية في البلاد الغربية كما في البلاد العربية والإسلامية. ولذلك فإن الحزب لا يسعى إلى هذه المشاركة، بل ويقاومها ويحذّر المسلمين منها لمخالفتها لأحكام الإسلام ولطريقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حمله دعوة الإسلام إلى الناس.
- يبدو حزبكم بحسب بياناتكم ومنشوراتكم في أشد حالات العداء للولايات المتحدة وحلفائها، هل تؤيدون العنف وسيلة لمواجهة واشنطن، وكيف تنظرون إلى تنظيم القاعدة مثلا، هل كانت خطوة 11 سبتمبر مثلا صحيحة؟
- إن حزب التحرير يعادي من عادى الله ورسوله ويوالي من والى الله ورسوله، ولا يجادل أحد اليوم فيما تحمله الولايات المتحدة وحلفاؤها من حقد صليبي دفين على الإسلام والمسلمين، وقد ظهر ذلك جلياً في مجازرها ضد المسلمين في أفغانستان والعراق وسجون غوانتنامو وأبو غريب، وفي دعمها لكيان يهود الغاصب بالمال والسلاح ليمعن في أهل فلسطين العُزّل قتلاً وتدميراً. نعم إن الجهاد الذي عطّله حكامُ العرب وتسميه الولايات المتحدة بالإرهاب هو واجب شرعي عظيم لطرد كل كافر محتل لأرض إسلامية. وحزب التحرير يستنهض المسلمين للقيام بهذا الواجب بمفهومه وضوابطه الشرعية المعروفة، فمفهوم الجهاد في الإسلام يقتضي تحريك جيوش جرارة تستأصل شأفة المعتدين على أرض الإسلام، لا أن تبقى الجيوش مكبلة في ثكناتها وظيفتها حماية العروش والاحتفالات. أما بخصوص أحداث 11 سبتمبر فقد أصدر الحزب في حينها بياناً أوضح فيه أن أحكام الإسلام تحرّم العدوانَ على المدنيين غير المحاربين، وتحرّم قتل الأطفال والشيوخ والنساء غير المقاتلات حتى في أرض المعركة، وتحرّم خطف طائرات مدنية تحمل ركاباً أبرياء، وتحرّم تهديم البيوت ومكاتب العمل التي تضم مدنيين أبرياء. كل هذه الأنواع من العدوان حرّمها الإسلام، ولا يقوم بها المسلمون. أما الجهاد لقتال العدو الذي يعتدي على المسلمين ويغتصب أرضهم أو ينهب ثرواتهم أو يحاول أن يسيطر عليهم فإنه عمل مشروع، بل هو فرض، وهو ذروة سنام الإسلام. والحزب يجتهد في توعية المسلمين على أن الواجب الشرعي الذي فرضه الإسلام عليهم هو إزالة الحكام وأنظمة الكفر التي يحكمون بها وطريقة ذلك حمل الدعوة بالطريق الفكري والسياسي وأخذ الحكم عن طريق الأمة، وليس القيام بأعمال مادية أو الالتهاء بأعمال جزئية لا تؤدي إلى تغيير الأوضاع تغييراً جذرياً.
عمل فكري وسياسي
- كيف ينادي حزبكم بـ"خلافة إسلامية" في البلدان الإسلامية كلها في حين تقيم بعض كوادره في الغرب؟
- إن حزب التحرير قد حدد غايته ومجال عمله في بلاد المسلمين، وهو يعمل ليل نهار لإقامة الخلافة الإسلامية في البلاد الإسلامية،وهو لا "ينادي" بالخلافة بل يعمل لها فكرياً وسياسياً ويستجمع القوى المخلصة في الأمة من أهل النصرة والنفوذ لإقامتها بأقصى طاقة وأقصى سرعة. وقيادة الحزب وكامل تشكيلاته وأجهزته موجودة في بلاد المسلمين وفي أوساط الأمة للسير بها نحو تطبيق الإسلام وتوحيد بلاد المسلمين. وانتقال دعوة الحزب إلى البلاد الغربية هو انتشار طبيعي جاء من خلال انتقال المسلمين للعمل والدراسة في هذه البلاد. وبحكم وجود الملايين من أبناء المسلمين في البلاد الغربية - وهم جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية التي يعمل الحزب إلى إنهاضها بالإسلام – حمل شباب الحزب دعوة الإسلام إليهم للحفاظ على هويتهم من الذوبان ولتوعيتهم على واجباتهم تجاه أمتهم ولمناصرته في عمله لإقامة الخلافة في بلاد المسلمين.
إن العالم كله اليوم – بما فيه بلاد المسلمين - دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع
- أنتم تصفون الغرب بأنه "كافر" وتميلون لتسميته "بلاد الكفر" في مقابلة بلاد الإسلام، ألا يعتبر هذا تناقضا واضحا كونكم لذتم إلى أحضانه وأتاح لكم هذا "الغرب الكافر" منابر إعلامية وكفل حرياتكم الشخصية ولم يسومكم العذاب؟
- إن العالم كله اليوم – بما فيه بلاد المسلمين - دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع. فدار الكفر وفق الاصطلاح الشرعي هي الدار التي لا تحكم بالإسلام. ووصفنا للغرب بأنه كافر هو وصف لواقع الغرب شعوباً ودولاً وحكومات، والمقصود هو إبراز أصل العداء الذي يحمله الغرب كدول ونخب فكرية وسياسية بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين. وبلاد الكفر هي البلاد التي لم تحكم بالإسلام وكان أهلها أو جل أهلها من الكفار. وبلاد الإسلام هي البلاد التي حكمها الإسلام وكان أهلها أو جل أهلها من المسلمين، وإن كان واقعها اليوم أنها دار كفر.
أما القول بأن الحزب لاذ إلى أحضان الغرب فهو قول مجاف بل مناقض للحقيقة، وذلك أن حزب التحرير يكاد يكون الحزب الوحيد الذي لم ولن يرتمي في أحضان أي من أنظمة الكفر القائمة في بلاد المسلمين، أو الدول الغربية الكافرة التي حذّر الحزب منذ نشأته من الاستعانة بها واعتبر ذلك انتحاراً سياسياً وخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. والحزب يعتبر الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا وأميركا وفرنسا، العدو اللدود للإسلام والمسلمين، فهي التي تآمرت على دولة الخلافة وهدمتها واستعمرت ولا زالت بلاد المسلمين عسكرياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، وهي التي قسّمت بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة ولا زالت تمعن في الأمة تقسيماً وتمزيقاً، وهي التي أقامت أنظمة الكفر في بلاد المسلمين، وأقامت عليها حكاماً تبع لها يحرسون مصالحها ويحاربون الدعوة إلى عودة الإسلام إلى الحكم بالبطش والسجن والتعذيب، وهي التي أنشأت كيان يهود في أرض فلسطين المباركة، وشردت أهلها ولا زالت تمده بكل أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي والاقتصادي، ولا زالت هذه الدول الغربية تشن حملاتها الاستعمارية عسكرياً وسياسياً على بلاد المسلمين للحيلولة دون نهضة الأمة وانعتاقها من ربقة الاستعمار. وحزب التحرير منذ نشأته إلى اليوم وهو يكافح هذه الدول الكافرة المستعمرة، ويكشف للمسلمين مخططاتها ومؤامراتها، ويحذّر الأمة بكل فئاتها من السير في مخططاته، وتاريخ الحزب ونشراته ومذكراته بل وأعماله التي يقوم بها الآن تشهد على ذلك.
أما القول بأن الغرب أتاح للحزب منابر إعلامية فهو مناقض للواقع، فليس هناك بلد غربي برز فيه نشاط الحزب وانتشرت دعوته فيه إلا وتعرض الحزب لحملات إعلامية مكثفة لتشويه دعوته وأفكاره ووصمه بالتطرف والإرهاب. وقد بدأت هذه الحملات الإعلامية ضد الحزب في المملكة المتحدة والدنمارك مثلاً منذ مطلع التسعينات، إي قبل أحداث 11 سبتمبر، وهي لا تزال مستمرة إلى اليوم. وكذلك الأمر في استراليا وهولندا وألمانيا.
أما القول بأن الغرب قد كفل لشباب الحزب حرياتهم الشخصية ولم يسومهم سوء العذاب فهو قول فيه مغالطة. ففي ألمانيا تم حظر الحزب وطُرِد العديد من شبابه، وألغيت إقامات آخرين، وقامت الأجهزة الأمنية بمداهمات متكررة لمنازل الشباب وترويع نسائهم وأطفالهم، وفي الدنمارك تمت محاكمة أحد شباب الحزب بسبب منشور أصدره الحزب حول مجازر اليهود في فلسطين، وما زالت السلطات تهدد بحظر الحزب رغم اعترافها بصعوبة ذلك وفقاً لدستور البلد، ولا يزال شباب الحزب وأنصاره في هذا البلد يتعرضون للمضايقات والطرد من كلياتهم ووظائفهم، بالإضافة إلى المضايقات والاستدعاءات المتكررة من أجهزة الشرطة.
والمراقب للأوضاع في مختلف الدول الأوروبية يرى بوضوح حجم التغييرات المستمرة لقوانين الإقامة، وسحب الجنسيات والتجسس والاعتقال التعسفي دون أية حقوق قانونية، بالإضافة إلى الصلاحيات الواسعة التي تُعطي للأجهزة الأمنية والمخابرات، وقد وصف بعض خبراء القانون هذه التغييرات بأنها تحوّل حقيقي إلى نظام الدولة البوليسية والأنظمة الدكتاتورية في (العالم الثالث).
- كيف يرى حزبكم الشعب الدنماركي الذي عشتم لسنوات بينه، هل تغيرت آراءكم نوعا ما حيال "إمكانية التعايش" مع المسيحيين؟
- إن الحزب ينظر إلى غير المسلمين نظرة الإسلام والتي تقوم على وجوب حمل دعوة الإسلام إليهم بالحجة والجدال بالتي هي أحسن بهدف هدايتهم إلى ما فيه فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والإسلام لا ينظر إلى الشعوب نظرة عدائية بل نظرة رحمة وهداية لقوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والمسلمون كانوا دائماً يتعايشون مع غير المسلمين من نصارى وغيرهم في ظل دولة الخلافة وحكم الإسلام الذي كفل الأمن والأمان والعدل لجميع الرعايا، وهو ما فشلت الأنظمة العلمانية-الديمقراطية الغربية في تحقيقه. وحقيقة العداء القائم الآن ليس بين الإسلام والمسلمين وغيرهم من الشعوب الغربية، مسيحية أو علمانية، بل هو بين الإسلام والأمة الإسلامية والقوى الرأسمالية من دول وقوى سياسية وفكرية متنفذة، فهو صراع مبادئ وليس صراع أديان.
لا توجد مشكلة أقليات في دولة الخلافة
- وكيف ستنظر "الخلافة الإسلامية" التي تنادون بها بعين الاعتبار وضع الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي؟
- لا توجد مشكلة أقليات في دولة الخلافة، فقد ضمنت أحكام الإسلام حقوق جميع الرعايا بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين. والواقع أن ما يُسمّى بمشكلة الأقليات الدينية في بلاد المسلمين أوجدتها الدول الاستعمارية في منتصف القرن التاسع عشر كأداة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية. ولا زالت الدول الغربية تمارس هذه السياسة تجاه بلاد المسلمين كأداة لبذر النزاعات والتقسيم والحروب الداخلية بحجة حماية الأقليات. ويساعدها على ذلك وجود الأنظمة الفاسدة التي لا تطبق أحكام الإسلام وتهضم الحقوق وتسيء استغلال الثروات وتقوم على أساس قومي فاسد مستغلة اسم الإسلام دون تطبيقه كاملاً في كل نواحي الحياة، كما هو حاصل الآن في السودان. فإحسان تطبيق أحكام الإسلام – بما فيها أحكام أهل الذمة – كافية لضمان حقوق جميع الرعايا وإرساء العدل والإنصاف والطمأنينة للجميع مسلمين وغير مسلمين، وهو ما من شأنه أن يحول دون ظهور النزاعات و استغلالها من قبل الدول الرأسمالية الاستعمارية، خاصة عند شعور غير المسلمين بعدالة النظام ورفضهم الاستعانة بهذه الدول وإعطائها مبرّرات للتدخل.
هذا وقد أعد الحزب مشروعاً لدستور دولة الخلافة مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو جاهز للتطبيق في الدولة الإسلامية حين قيامها قريباً بإذن الله. وقد نص الدستور في المادة رقم 5 على أنه: لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة يغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك. ونص في المادة السادسة على أن: يترك غير المسلمين وما يعتقدون وما يعبدون، وأن يعامل غير المسلمين في أمور المطعومات والملبوسات حسب أديانهم ضمن ما تجيزه الأحكام الشرعية، وأن تنفذ باقي الأحكام الشرعية من معاملات وعقوبات وبينات ونظم حكم واقتصاد وغير ذلك على الجميع، مسلمين وغير مسلمين على السواء.
والخلاصة أن دولة الخلافة هي دولة بشرية لجميع بني الإنسان وليست دولة دينية بالمعنى الغربي، وهي ستضمن حين قيامها من جديد العدل والأمان والحقوق للجميع فيدخل الناس في دين الله أفواجاً نتيجة لعدل الإسلام وحسن تطبيقه.
- كيف السبيل إلى قيام خلافة كهذه تلغي الحدود والفوارق في حين أن الواقع يقول بأن هناك تباينات واختلافات جذرية مانعة لدمج الدول، مثلا كيف تستقيم الوحدة بين بلد كل مواطنيه مسلمون كالسعودية مع بلدان أخرى كمصر ولبنان والسودان والعراق أقرت حقوق المسيحيين إلى حد كبير من خلال "المواطنة"؟
- إن الحدود القائمة اليوم هي حدود مصطنعة فرضتها الدولة الغربية على بلاد المسلمين خاصة وفق اتفاقية سايكس-بيكو. والذي أطال عمر هذه الحدود هو سيطرة الروابط الوطنية والقومية الفاسدة على المسلمين عقوداً من الزمن، بالإضافة إلى الأنظمة التي أقامتها دول الاستعمار لحراسة هذه الحدود السياسية والحيلولة دون وجود وحدة حقيقية. أما اليوم فقد عاد الإسلام كعقيدة ونظام حياة إلى فكر الأمة وشعورها ليعيد إليها وحدتها من جديد. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تحرك الأمة بمظاهرات عارمة وفق إيقاع واحد كالجسد الواحد أثناء أحداث الانتفاضة في فلسطين وحرب أفغانستان وحرب العراق، تحركت الأمة من إندونيسيا إلى باكستان إلى المغرب إلى مسلمي أوروبا. فالأمة اليوم تتطلع إلى الوحدة على أساس الإسلام ولم يبق إلا إزالة الأنظمة السياسية التي تشكل العائق الفعلي أمام توحيد الأمة في ظل نظام الإسلام ودولة الإسلام. فالوحدة الحقيقية للأمة تتشكل من خلال توحد عقيدتها ونظامها وأهدافها ومن ثم وجود قيادة سياسية واحدة في الحكم ترعى شؤونها وفق النظام الذي تؤمن به. أما الاختلافات المانعة لدمج الدول فهي في حقيقتها ليست إلا خلافات بين الحكام الحاليين أنفسهم للحفاظ على كراسي الحكم، ويرجع معظمها إلى الاختلاف في التبعية والولاء للدول الاستعمارية، أميركا وأوروبا، والصراع بين هذه القوى على المصالح والنفوذ. فهو على كل حال ليس خلاف شعوب عاشت على مدى ثلاثة عشر قرن كأمة واحدة في طل حكم الإسلام إلى أن جاء الاستعمار ومزقها إلى قوميات ودويلات.
والناظر إلى البلاد الأوروبية شعوباً ودولاً، تاريخياً وواقعياً، يجد أن بينها من الاختلافات بل والنزاعات الدينية والقومية ما يصعب معه مد جسور للوحدة، وعلى الرغم من ذلك سعت بل ونجحت في إلغاء الحدود في ما بينها وذلك فقط حين توفرت الإرادة السياسية لدى أهل الحكم والرأي فيها. والمفارقة العجيبة أن حكام أوروبا الغربية بذلوا جهوداً ضخمة على مدى سنوات طويلة لإقناع شعوبهم الرافضة للوحدة – لأسباب دينية أو ثقافية أو قومية - بفوائدها وأهميتها وضرورتها. أما حكام المسلمين فقد عملوا على مدى عقود من الزمن - ولا يزالون - على إيجاد الفرقة والتناحر والعداء بل والحروب بين شعوبهم.
أما بالنسبة لموضوع حقوق "المواطنة" لغير المسلمين فليس هناك "مواطنة" بالمفهوم الغربي في دولة الإسلام، وإنما تقرر حقوق وواجبات الرعية في طل دولة الخلافة وفقاً لمفهوم التابعية، فكل من يحمل تابعية الدولة الإسلامية يتمتع بنفس الحقوق والواجبات، وكما أوضحت في الجواب السابق فإن أحكام أهل الذمة من العدل والإنصاف بمكان لا يمكن مقارنته بالقوانين الجائرة المعمول بها في أنظمة الدول القائمة في العالم اليوم وخاصة تلك القائمة في بلاد المسلمين.
الحزب الإسلامي والعلمانية
- أنتم تكفرون تماما بالعلمانية مثلا، لكنها كفلت للمسلمين الأوربيين حقوقا أكثر من التي ينالها نظرائهم في البلدان الإسلامية، ولم يجر التضييق على حقول الدعوة الإسلامية والأنشطة الشبيهة إلا بعد 11 سبتمبر؟
- العلمانية هي عقيدة ووجهة نظر في الحياة، وهي تعني فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، أي فصل الدين عن السياسية والتشريع والاقتصاد. وقد نشأت في أوروبا كردة فعل على استغلال الدين النصراني من قبل الملوك والأمراء ورجال الكنيسة. أما الإسلام فهو ليس ديناً كهنوتياً بالمفهوم الغربي، بل هو نظام أنزله الله تعالى لتنظيم شؤون الفرد والمجتمع والدولة، وهو نظام شامل لكل نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية. فقد بينت نصوص القرآن والسنة أحكام العبادات كما بينت الأحكام المتعلقة بشؤون الحكم والاقتصاد والاجتماع والمعاهدات الدولية. قال الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وقال سبحانه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وعليه فإن الإسلام يرفض العلمانية وما انبثق عنها من أفكار ونظم ديمقراطية ورأسمالية جملة وتفصيلاً. ونحن نرفض العلمانية ونكفر بها لكونها عقيدة كفر تقول بإعطاء حق التشريع للإنسان وإقصاء نظام الله تعالى عن شؤون الحياة والدولة والمجتمع، ونحاربها أيضا لكونها مفروضة على بلاد المسلمين على شكل دساتير وقوانين ونظم من قبل الدول الاستعمارية وأتباعها من الحكام.
أما القول بأن العلمانية كفلت حقوق المسلمين في أوروبا أكثر من التي ينالها غير المسلمين في البلدان الإسلامية فهو غير دقيق. وذلك أن القوانين المطبقة حالياً في بلاد المسلمين ليست قوانين وأحكام الإسلام ولذلك لا تصلح أن تكون مرجعاً أو مقياساً، وهي قوانين ونظم ظالمة بحق المسلمين وغيرهم، بل إنها في بعض البلدان - كالمغرب وتركيا مثلاً - تُعطي غير المسلمين امتيازات وحقوقاً أكثر من تلك التي تمنحها للمسلمين.
أما موضوع كفالة العلمانية لحقوق المسلمين عن طريق قوانين الحريات الدينية وما شاكلها فهي لم توجد من أجل المسلمين ولا بهدف رعايتهم وإعطائهم حقوقهم، بل كان المقصود بها الطوائف الدينية المسيحية المتنازعة ومن ثم مشكلة الأقليات اليهودية في أوروبا. وواقع نشأة هذه القوانين والحريات الدينية يشهد على ذلك. فقد صيغت هذه القوانين على مدى القرنين الماضيين لعلاج نزاعات وصراعات دينية مريرة بين الطوائف والفرق النصرانية حيث لم يكن هناك وجود للمسلمين أو الإسلام. وعند بروز وجود إسلامي في الدول الأوروبية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي بدأت هذه الدول في إجراء تعديلات وتغييرات قانونية عديدة بهدف الحد من حقوق المسلمين الاجتماعية والدينية، وذلك قبل أحداث 11 سبتمبر وإن كان بدرجة أقل. فسياسات التمييز التي مارستها الدول الأوروبية ضد المسلمين ومدارسهم وجمعياتهم ومساجدهم وشعائرهم الدينية وأنشطتهم الدعوية كانت قائمة قبل أحداث 11 سبتمبر، وموضوع محاربة الخمار (الحجاب) في فرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك هو مثال بسيط على ذلك، حيث بدأت المؤسسات التعليمية وسوق العمل ووسائل الإعلام بل وأجهزة القضاء بمحاربته والتضييق على الفتيات المسلمات بسببه منذ عام 1993 م.
- انتقدتم –بشدة- اتفاق السلام في السودان، على الرغم من أنه يوقف نزيف دم راح ضحيته 2 مليون سوداني، هل تضعون لـ"الشعارات" أهمية تفوق أهمية "الإنسان" كقيمة صانها الإسلام؟
- إن الاتفاقيات الجارية الآن بين أطراف النزاع في السودان ليست باتفاقيات سلام ولن تجلب السلام لأهل السودان، بل هي اتفاقيات فرضتها أميركا بهدف تفتيت السودان إلى كيانات هزيلة متناحرة خدمة لأطماعها. وحقيقة الصراع القائم بين مختلف الأطراف: الحكومة وحركة التمرد في الجنوب وحركات التمرد في إقليم دارفور هو صراع بالوكالة تديره الدول الغربية، أي صراع بين أميركا والدول الأوروبية على النفوذ والمصالح، وإن اتخذ شكل النزاع الداخلي. وهذه الاتفاقيات باطلة في نظر الإسلام ويجب على المسلمين رفضها وإلغائها. والحل من وجهة نظر الإسلام هو في تطبيق أحكام الشرع في كافة نواحي الحياة دون تمييز في رعاية الشؤون وضمان الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وصحة وتعليم وأمن للجميع. فالعدل يكمن في تطبيق أحكام الإسلام تطبيقاً كاملاً شاملاً، وفيما جاء به الإسلام من واجبات وحقوق تتعلق بأهل الذمة الكفاية والضمانة لإزالة بذور النزاع وإرساء السلام الحقيقي وفق شرع الله الحكيم. وبجانب ذلك أوجب الشرع على الدولة الإسلامية أن تُصغي لشكاوى الرعية مسلمين وغير مسلمين، وفي نفس الوقت أن تضرب بقوة على يد من يعبث بأمن البلاد ووحدتها وأن ترفض تدخل الدول الأجنبية في شؤونها الداخلية.
والحزب منذ نشأته ابتعد عن طرح "الشعارات" والتزم طريقة الإسلام في علاج مشاكل المجتمع في بلاد المسلمين، سواء من الناحية السياسية أو تقديم الحلول الشرعية العملية. وفيما يتعلق بالنزاع القائم في جنوب السودان فقد أصدر الحزب العشرات من البيانات والمذكرات محذّراً ومبيّناً لخطورة هذه المفاوضات والاتفاقيات والتنازلات المهينة للسودان وأهله. وقد حصل ما حذّر منه الحزب لعشرات السنين، فها هي بنود الاتفاق بين حكومة "الشعارات الإسلامية" وحركة التمرد في الجنوب تنص بوضوح على الاستفتاء ممهدة الطريق للانفصال، وها هي الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا تؤجج الصراع في إقليم دارفور بغية إقامة جيب استعماري جديد في الإقليم، وها هي بوادر تمرد جديد في مناطق الشرق تلوح في الأفق. ذلك بالإضافة إلى ما يُسمّى بتجمعات المعارضة في الشمال التي تتنافس على المنافع والمصالح، بل ويمدّ بعضها جسور "التفاهم" و"التعاون" مع حركات التمرد في الجنوب أو الغرب على أمل الحصول على موقع في السلطة.
الديمقراطية كنظام سياسي تخالف الإسلام في الأصل والفروع
- من الذي يقود الحزب، وكيف تتشكل هياكله القيادية، وكيف يتم اختيارها؟ وأين يقع مقر قيادة الحزب، ومن أين تحصلون على التمويل؟
- أمير الحزب الحالي هو العالم الجليل عطا أبو الرشتا، وفيما يتعلق بتشكيل الأجهزة فإن الحزب يعتمد أسلوبي الانتخاب والتعيين معاً. أما فيما يتعلق بالتمويل فإن الحزب يعتمد على التمويل الذاتي ولا يقبل تمويلاً من أية جهة كانت دولاً أو أنظمة أو هيئات أو غيرها، إسلامية أو غير إسلامية، وسواء كان ذلك على شكل مساعدات أو هبات أو تحت مسميات أخرى.
- تطرقتم في أوراقكم الفكرية إلى "طريقة نصب الخليفة" مشيرين إلى أن الأعضاء المسلمين في "مجلس الأمة" يجرون حصرا لمرشحي هذا المنصب، وتعلن أسماؤهم ويتم من المسلمين انتخاب أحدهم. ألا تشكل هذه الآلية الانتخابية وجها من وجوه الديمقراطية، ثم كيف يتم اختيار "مجلس الأمة" ولماذا يستثني غير المسلمين إذا كان لا يتكون من المسلمين وحدهم؟
- الديمقراطية ليست آلية انتخابية. الديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه، بمعنى أن الشعب هو صاحب السيادة فهو يسن القوانين التي يريدها ويغيرها متى أراد. فهي كفكرة وكنظام سياسي تخالف الإسلام في الأصل والفروع. فالسيادة في الإسلام لشرع الله وليست للشعب، قال تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾. وفي الديمقراطية يمارس الشعب إرادته وسيادته من خلال السلطات الثلاث وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. أما نظام الخلافة فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الشريفة أن المسلمين ينيبوا عنهم من يتولى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله عن طريق البيعة بالرضا والاختيار. أما الانتخاب فهو أسلوب يعتمد لمعرفة رأي مجموعة من الناس عن طريق وكلائهم في الرأي، وهو أسلوب جائز لا علاقة له يالتشريع والسيادة. وهو ليس أسلوب خاص بالنطام الديمقراطي، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من الأنصار في بيعة العقبة الثانية أن يختاروا من بينهم من يفاوضهم، وقد كانوا ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان فقال لهم الرسول الكريم: أَخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم. ثم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، قالوا نعم. وعليه فإن حصر مجلس الأمة لمرشحي منصب الخلافة وانتخاب المسلمين أحد المرشحين ومبايعته على الحكم بالإسلام لا علاقة له بالنظام الديمقراطي.
أما بالنسبة لمجلس الأمة فيجوز أن يتكون من الرجال والنساء، ويتم اختيارهم من خلال الانتخاب لضمان تمتعهم بالصفة التمثيلية لمن انتخبهم ليكونوا وكلاء عنهم في الرأي والمشورة ومحاسبة الحكام والتأكد من توفّر الشروط الشرعية لمرشحي منصب الخلافة. ويجوز كذلك لغير المسلمين من رعايا دولة الخلافة أن ينيبوا عنهم من يمثلهم في مجلس الأمة إلا أن عضوية غير المسلم قاصرة على إظهار الشكوى من ظلم الحكام أو من إساءة تطبيق أحكام الإسلام. أما الشورى وانتخاب الخليفة والبيعة فهي حق للمسلمين فقط.
- انتقدتم الدعوة لعدم استخدام خطاب التخوين والتكفير في أجهزة الإعلام، أليست هذه دعوة لإطلاق أحكام التكفير –جزافيا- ثم ما هي المرجعية التي يكفر بها المسلم أخاه، وهل يعني هذا عجز "الفكر الإسلامي" عن مقارعة الحجة بالحجة ولجوئه إلى نوع من "الإرهاب الفكري" بتوسل بعض مدارسه دائما بخطاب "التكفير" لإرهاب الخصوم كما يقول بعض مخالفيكم في الرأي؟
- إن الدعوة إلى عدم استخدام خطاب التخوين والتكفير هي حق يراد به باطل، وهي إن يكن فيها صواب ففيها من التضليل ما يغمر صوابها. وهذه الدعوة تطلقها بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية لأغراض سياسية تخدم حكام الأنظمة العربية، والهدف من إطلاق هذه الدعوة تشويه صورة من يتصدى لمحاسبة حكام المسلمين على سياساتهم المفرّطة في الحقوق والمتخاذلة عن نصرة المسلمين في فلسطين والعراق والسير في اتفاقيات الصلح المذل مع يهود المغتصبين. فالخيانة تعني التفريط في الأمانة والتواطؤ مع أعداء الأمة ضد دينها ومصالحها. والكفر هو ما عدا شرع الإسلام وأحكامه، والكافر هو من لا يؤمن بدين الإسلام أو ينكر حكماً قطعياً من أحكام الشرع. والمرجع في ذلك هو نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة. أما الحكم بالكفر على فرد بعينه فيحتاج إلى روية وتوفّر شروط وتحقّق موانع حدّدها الشرع وتستلزم من صاحبها دراية بالأحكام الشرعية وخاصة أحكام القضاء، فلا يجوز إطلاق أحكام الكفر جزافاً. إلا أن الأمر يختلف حين الحديث عن نظام ما كالديمقراطية مثلاً أو قانون الدولة المؤقت الذي فرضته أميركا في العراق، حيث يستطيع المسلمون بعد دراسة النظام الديمقراطي أو قانون الدولة المؤقت وعرضهما على نصوص الشرع وأحكامه أن يحكموا عليهما بالكفر لمخالفتهما بل مناقضتهما لأحكام الإسلام وعقيدته.
إن الفكر الإسلامي ليس بعاجز في ذاته بل في أبنائه ممن يجهلونه أو يحملون ثقافة غربية غريبة عن الأمة وثقافتها وهويتها وحضارتها. والحزب يعمل منذ عقود على إنهاض المسلمين بالفكر الإسلامي من خلال تثقيف الملايين ثقافة إسلامية وتخليصهم من أفكار الثقافة الغربية التي تحول دون نهوضهم، وهو يقوم بذلك من خلال مقارعة الفكر بالفكر والحجة بالحجة ملتزماً طريقة القرآن في الرد على الأفكار والعقائد الفاسدة والمفاهيم المغلوطة.
إزالة الحدود بين المسلمين
- تسعون لنسف "الوطنية"، لكن بعض المحللين يرون أن خطابكم الفكري في "تفكيك الأوطان" كان نظريا مجردا ولم يعمل أبدا في حقول الاجتماع والاقتصاد وغيرها من الحقول التي تتطلب بحثا معمقا بغية تأسيس "خطاب عملي" مقنع؟
- المقصود من نسف "الوطنية" هو إزالتها من قلوب وعقول المسلمين كرابطة مزقت جسد الأمة الإسلامية إلى كيانات هزيلة متناحرة جعلت منها فريسة سهلة لدول الاستعمار. والحزب يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى إزالة هذه الحدود المصطنعة التي فرضتها الدول الغربية ويحرسها أتباعهم من الحكام، ويعمل على ضم البلاد الإسلامية في دولة واحدة هي دولة الخلافة، التي يعزّ بها الإسلام والمسلمون بعد عقود من الذل والضعف والهوان.
أما سؤالكم حول عدم عمل الحزب في حقول الاجتماع والاقتصاد وغياب الخطاب العملي لديه فالواقع غير ذلك، بل على العكس تماماً. إلا أن الحزب يعاني منذ عقود من التعتيم الإعلامي والحصار المضروب على أفكاره وطروحاته مما يمنع الكثيرين من الإطلاع عليها. فالحزب قد أعد للأمر عدته في كل المجالات بهدف إعادة ثقة المسلمين بأفكار الإسلام وأحكامه وأنظمته وإنهاضهم على أساس الإسلام، واجتهد في وضع دراسات وأبحاث عملية وبلور أنظمة الإسلام في الحكم والاقتصاد والتعليم والفقه الشرعي الدستوري والعلاقات الدولية والسياسة المالية، والتزم في كل ذلك بنصوص الشرع. ومن الكتب التي أصدرها الحزب كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام، وكتاب الأموال في دولة الخلافة، وكتاب نظام الحكم في الإسلام ومشروع دستور دولة الخلافة. وهذه الكتب متوفرة الآن على الموقع الرسمي للحزب في شبكة المعلومات (الإنترنت). وعلاوة على ذلك فقد أعد الحزب العديد من الأبحاث العملية الجاهزة للتطبيق فيما يتعلق بتحويل العملات إلى قاعدة الذهب والفضة، وسياسية التعليم في دولة الخلافة وسياسة إدارة المصالح، وكيفية تحويل الشركات إلى شركات إسلامية وغيرها.
*العربية نت
غزة-دنيا الوطن
يرى عدد من المراقبين أن دعوة حزب التحرير الإسلامي ومساعيه لإقامة "دولة خلافة إسلامية" واحدة في كل البلدان الإسلامية في ظل الواقع الراهن إقليميا ودوليا بالإضافة للواقع الذي تعيشه هذه البلدان، وهي دعوة تفتقر إلى المنطق. لكن الحزب ينظر إلى مساعيه تلك بوصفها السبيل الوحيد لاستنهاض المسلمين. ويقول ممثل حزب التحرير في الدنمارك فادي عبد اللطيف في سياق حوار مطول أجرته معه "العربية.نت" إن حزبه يواجه الحظر حاليا في الدنمارك، كما أن أعضاءه يتعرضون لمضايقات في بلدان أوروبية عدة.
ويشير عبد اللطيف في الحوار إلى أن حزبه الذي يقوده عطا أبو الرشتا يرى أن الدعوات القائمة إلى طرد خطاب التخوين والتكفير من الإعلام العربي هي دعوات "حق يراد به باطل". ويضيف بأن بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية تطلقها لأغراض سياسية لخدمة الأنظمة العربية.
ويرى الحزب بحسب عبد اللطيف أن العالم كله اليوم بما فيه بلاد المسلمين دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع. فدار الكفر وفق الاصطلاح الشرعي -يقول عبد اللطيف- هي الدار التي لا تحكم بالإسلام. ويضيف "وصفنا للغرب بأنه كافر هو وصف لواقع الغرب شعوباً ودولاً وحكومات، والمقصود هو إبراز أصل العداء الذي يحمله الغرب كدول ونخب فكرية وسياسية بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين".
تأسس حزب التحرير في 1953 على يد تقي الدين النبهاني، القاضي وقتذاك في محكمة الاستئناف في القدس، ودعا فيه إلى قيام خلافة إسلامية كبديل عن الدول القائمة. وبحسب موقعه على الانترنت، يهدف الحزب إلى استئناف الحياة الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. وهذه الغاية -بحسب الموقع- تعني إعادة المسلمين إلى العيش بطريقة إسلامية في دار الإسلام.
ويدعو الحزب إلى تنصيب "خليفة" بواسطة المسلمين " يبايعونه على السمع والطاعة وعلى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى أن يحمل الإسلام رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد".
وتطرق الحوار مع ممثل الحزب في الدنمارك إلى جملة موضوعات تلامس رؤى الحزب تجاه العالم الإسلامي و"الآخر"، كما تناول وجود الحزب في الغرب ومنظومته الفكرية وردود فعله على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 بوصفها مفصلا أرّخ لتاريخ جديد في العلاقة بين الغرب والمسلمين، وأدى لتحولات فكرية وسياسية كبيرة.
أحداث 11 سبتمبر/أيلول منحت غطاءً سياسياً للقوى المعادية للإسلام في أوروبا
- نوّه حزبكم إلى أحداث جسيمة وقعت بحق المسلمين في الدنمارك، هل تشعرون فعلا أن الحال تغير ضد المسلمين في هذا البلد بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبعد موجة الاتهامات والعنف التي عمت أوروبا بعد مقتل المخرج الهولندي فان غوخ على يد مغربي مسلم؟
- لقد منحت أحداث 11 سبتمبر/أيلول غطاءاً سياسياً للقوى المعادية للإسلام في أوروبا - ومنها الدنمارك – لترويع الرأي العام وإقناعه بأن الإسلام يشكل خطراً على الشعوب الأوروبية، وقد عملت هذه القوى منذ ذلك الحين على تجريم أي نشاط إسلامي فكري أو سياسي؛ بل وتجريم أفكار الإسلام وأحكامه أمام الرأي العام الأوروبي، ووصل بها الحال - كما في فرنسا - إلى محاربة الإسلام والالتزام به عن طريق سن القوانين الجائرة. إلا أن المراقب لوضع الإسلام والمسلمين في أوروبا يدرك أن أحداث 11 سبتمبر أوجدت المناخ الملائم لذلك؛ ولم تكن السبب وراء هذه السياسيات المعادية للإسلام والمسلمين. أما السبب الحقيقي فيتمثل في أمرين:
الأول هو: بروز تنامي وعي المسلمين في الغرب عموماً على إسلامهم عقيدة وسلوكاً وثقافة وهوية في عقد التسعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى إقبال الكثير من الغربيين على دخول الإسلام، الأمر الذي حدا بعدد من الخبراء والساسة والمفكرين الغربيين إلى دق ناقوس الخطر من تنامي الإسلام وانتشاره مما يشكل خطراً ديمغرافياً وسياسياً على المجتمعات الأوروبية خاصة، وفي هذا السياق أُشعِلَت الحرب ضد المسلمين في البوسنة بتواطؤ من الحكومات الأوروبية. وحقيقة فإن هذا الوعي الإسلامي لدى المسلمين في أوروبا هو جزء من تحوّل حضاري تعيشه الأمة الإسلامية في العالم الإسلامي يتمثل في العودة إلى الإسلام كعقيدة سياسية ونظام للحياة والدولة والمجتمع، وقد بدأ هذا التحول يزداد تسارعاً وبروزاً - بفضل الله وجهد العاملين المخلصين من حملة الدعوة الإسلامية - بعد عقود من التجارب المريرة التي مرت بها الأمة في ظل الأنظمة والأفكار الفاسدة من اشتراكية ورأسمالية وقومية وعلمانية.
والثاني هو: سقوط الشيوعية وظهور عوار الأنظمة الرأسمالية، وذلك أنه بعد سقوط الشيوعية كمبدأ عن المسرح العالمي، وزوال خطرها تماماً في بداية تسعينات القرن الماضي، بدأت الدول الأوروبية في إجراء إصلاحات شاملة لإزالة الترقيعات الاشتراكية والعودة إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي وفق الفلسفة الأصلية لاقتصاد السوق، ولا تزال هذه الإصلاحات الرأسمالية جارية على قدم وساق من خلال سياسات الخصخصة لقطاعات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتعديل قوانين التقاعد وحقوق العمال وغيرها. ومن هنا يأتي تركيز النخب السياسية ووسائل الإعلام الأوروبية على المسلمين وفق حملات منظمة ومكثفة مُحمّلة المسلمين مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية واستنزاف الأموال العامة، ومتّهِمة الأجانب من المسلمين بأنهم السبب وراء المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع، وذلك بهدف صرف الأنظار عن فساد النظام الرأسمالي وستر عوراته عن الرأي العام.
- كيف تصفون الوضع حاليا بين مسلمي الدنمارك ومواطنيها الأصليين، هل هناك احتقان، وبماذا يتمثل هذا الاحتقان؟ هل جرت أحداث عنيفة أو أحداث كادت أن تؤدي لعنف؟
- لقد حصلت بعض حوادث الاعتداء على نساء مسلمات ومساجد ومقابر للمسلمين في هذا البلد. والشعب الدنمركي شأنه شأن باقي الشعوب الأوروبية يتأثر بالخطاب السياسي السائد ووسائل الإعلام المُوجَّهة، إلا أن حالات الاحتقان والتوتر والترويع التي تثيرها النخبة السياسية المتنفذة ووسائل الإعلام الدنماركية بين المسلمين والمواطنين قد أدت في أحيان كثيرة إلى إثارة اهتمام الكثير من المواطنين الدنمركيين بالإسلام، مما ضاعف – وفق إحصائيات نشرتها وسائل الإعلام – عدد المسلمين من أصول دنمركية، خاصة ممن هم في عمر الشباب. ونحن بحكم حملنا لدعوة الإسلام إلى غير المسلمين كواجب فرضه الله علينا نلمس وجود قابلية قوية لدى غير المسلمين لاعتناق الإسلام، خاصة إذا حُمِل الإسلام إليهم بنقائه ووضوحه كعقيدة وطريقة عيش بعيداً عن تشويه وسائل الإعلام. ولا شك أنه من شأن وعي المسلمين على الإسلام والتزامهم به وحملهم لدعوته إلى غير المسلمين، وكذلك وعيهم على قضايا أمتهم وتوعيتهم لأوساطهم من غير المسلمين، أن يفشل محاولات تصوير الإسلام كعدو للشعوب، ويركّز العداء نحو السياسات الاستعمارية الدموية التي تمارسها الدول الرأسمالية ضد بلاد المسلمين كما هو حاصل الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان. وقد قام شباب حزب التحرير في الدنمارك بتنظيم محاضرات ومؤتمرات عامة، حضرها أعداد من غير المسلمين، استهدفت إيجاد الوعي على أفكار الإسلام وأنظمته وحضارته وتسليط الضوء على الأهداف الحقيقية وراء الحروب التي تشنها الدول الاستعمارية على الأمة الإسلامية تحت مسمّى "محاربة الإرهاب".
محاولات حظر الحزب
- أشرتم إلى أن حزبكم على وجه الخصوص يتعرض لتضييق وخنق من قبل بعض القوى السياسية المتنفذة وعلى رأسها "حزب الشعب"، ما هي خلفيات الأزمة بين حزبكم وهذا الحزب؟ ماذا تتوقعون مستقبلا؟
- إن محاولات حظر الحزب في الدنمارك من قبل السلطات، وتجريم نشاطه وسياسة التضييق التي تعرض لها الحزب - وما يزال - هي جزء مما يتعرض له المسلمون وحملة دعوة الإسلام في بلاد الغرب عموماً وفي بلاد المسلمين على وجه الخصوص. والسبب في ذلك هو ثبات الحزب على حمل الدعوة الإسلامية إلى المسلمين بهدف إنهاضهم بالإسلام فكراً وسلوكاً والحيلولة دون ذوبانهم في المجتمع الغربي من خلال المحافظة على هويتهم وولائهم لدينهم وأمتهم وارتباطهم بها ونصرة قضاياها، وهو كذلك نجاحه - بفضل الله وعونه - في حمل دعوة الإسلام إلى غير المسلمين؛ وهو ما يؤرق مضاجع هؤلاء، ولسان حالهم يقول: إن كان المسلمون في هذا الضعف والتشرذم والهوان، وهم على الرغم من ذلك يعتزون بالإسلام ويحملون أفكاره وأنظمته للناس، فكيف سيكون حالهم إذا ما قامت للمسلمين دولة خلافة راشدة تحكم بالعدل، وتذود عن أعراضهم، وتتبنى قضاياهم، وتحمل رسالة الإسلام على المسرح الدولي إلى الشعوب والأمم؟
والواقع أن أحزاب التيار اليميني المتصاعد في أوروبا – بما فيها الدنمارك - تلعب دوراً يخدم النخب السياسية الرأسمالية المتنفذة، فهي تُمثّل العصا التي تستخدمها هذه النخب لترويع المسلمين وإخضاعهم لسياسات الاندماج، ومن الأدلة على ذلك أن الأحزاب الأوروبية العريقة في هذه الدول لا تلبث أن تتبنى أطروحات التيار اليميني وخطابه السياسي بل وتتجاوزه في ظلمها للمسلمين وتترجم شعاراته العدائية إلى سياسات وقوانين، وذلك كما فعل الرئيس الفرنسي شيراك في حظر ارتداء الخمار (الحجاب) في المدارس والمؤسسات العامة، متجاوزاً شعارات اليميني الفرنسي جان ماري لوبان. وهو ما يحصل بالفعل في الدنمارك، حيث يقوم حزب الشعب بإثارة الجدل وتهيئة المناخ السياسي حول قضية ما؛ فتتسارع وسائل الإعلام الرسمية والخاصة إلى إيجاد رأي عام حولها ومن ثم تعمد الأحزاب السياسية المتنفذة من حكومية ومعارضة، ليبرالية ومحافظة واشتراكية، إلى ترجمة طروحات تيار اليمين إلى قوانين وسياسات عملية.
- هل ينشط حزبكم سياسيا في هذا البلد بهدف المشاركة في الحياة السياسية، وهل يطمح في الوصول إلى السلطة؟ وهل يقوم أي نوع من التعاون بينكم وبين قوى سياسية ومدنية في هذا البلد؟
- إن حزب التحرير قد وقف نفسه على إنهاض الأمة الإسلامية بعقيدة الإسلام ونظامه، وحدد غايته بأنها استئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة دولة الخلافة في بلاد المسلمين، فهو يحمل الدعوة ويستهدف أخذ الحكم في بلاد المسلمين لإقامة دولة الخلافة الراشدة. أما في البلاد الغربية فإن الحزب ينشط في أوساط المسلمين لتثقيفهم بأفكار الإسلام وأحكامه ليعملوا بها ولها، ويسعى إلى الحفاظ على هويتهم وارتباطهم بأمتهم وقضاياها كارتباط العضو بالجسد. وبجانب ذلك يحمل الحزب دعوة الإسلام إلى غير المسلمين كمبدأ شامل لكل نواحي الحياة عقيدة وحضارة وتشريعاً وأنظمة للدولة والمجتمع. أما بالنسبة إلى مسألة المشاركة في الحياة السياسية في هذا البلد فواقعها هو واقع الحياة السياسية في بلاد المسلمين وإن اختلفت شكلاً، إلا أنها تقوم على نفس الأسس العلمانية وقواعد "اللعبة" الديمقراطية، وهي علاوة على ذلك تستهدف دمج المسلمين سياسياً وثقافياً في المجتمع الغربي. وحزب التحرير هو حزب مبدئي قائم على عقيدة الإسلام وأحكامه ويرفض التنازل أو الحيد عن أي جزئية من جزئيات الإسلام، وهو الثمن التي تتطلبه المشاركة في الحياة السياسية في البلاد الغربية كما في البلاد العربية والإسلامية. ولذلك فإن الحزب لا يسعى إلى هذه المشاركة، بل ويقاومها ويحذّر المسلمين منها لمخالفتها لأحكام الإسلام ولطريقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حمله دعوة الإسلام إلى الناس.
- يبدو حزبكم بحسب بياناتكم ومنشوراتكم في أشد حالات العداء للولايات المتحدة وحلفائها، هل تؤيدون العنف وسيلة لمواجهة واشنطن، وكيف تنظرون إلى تنظيم القاعدة مثلا، هل كانت خطوة 11 سبتمبر مثلا صحيحة؟
- إن حزب التحرير يعادي من عادى الله ورسوله ويوالي من والى الله ورسوله، ولا يجادل أحد اليوم فيما تحمله الولايات المتحدة وحلفاؤها من حقد صليبي دفين على الإسلام والمسلمين، وقد ظهر ذلك جلياً في مجازرها ضد المسلمين في أفغانستان والعراق وسجون غوانتنامو وأبو غريب، وفي دعمها لكيان يهود الغاصب بالمال والسلاح ليمعن في أهل فلسطين العُزّل قتلاً وتدميراً. نعم إن الجهاد الذي عطّله حكامُ العرب وتسميه الولايات المتحدة بالإرهاب هو واجب شرعي عظيم لطرد كل كافر محتل لأرض إسلامية. وحزب التحرير يستنهض المسلمين للقيام بهذا الواجب بمفهومه وضوابطه الشرعية المعروفة، فمفهوم الجهاد في الإسلام يقتضي تحريك جيوش جرارة تستأصل شأفة المعتدين على أرض الإسلام، لا أن تبقى الجيوش مكبلة في ثكناتها وظيفتها حماية العروش والاحتفالات. أما بخصوص أحداث 11 سبتمبر فقد أصدر الحزب في حينها بياناً أوضح فيه أن أحكام الإسلام تحرّم العدوانَ على المدنيين غير المحاربين، وتحرّم قتل الأطفال والشيوخ والنساء غير المقاتلات حتى في أرض المعركة، وتحرّم خطف طائرات مدنية تحمل ركاباً أبرياء، وتحرّم تهديم البيوت ومكاتب العمل التي تضم مدنيين أبرياء. كل هذه الأنواع من العدوان حرّمها الإسلام، ولا يقوم بها المسلمون. أما الجهاد لقتال العدو الذي يعتدي على المسلمين ويغتصب أرضهم أو ينهب ثرواتهم أو يحاول أن يسيطر عليهم فإنه عمل مشروع، بل هو فرض، وهو ذروة سنام الإسلام. والحزب يجتهد في توعية المسلمين على أن الواجب الشرعي الذي فرضه الإسلام عليهم هو إزالة الحكام وأنظمة الكفر التي يحكمون بها وطريقة ذلك حمل الدعوة بالطريق الفكري والسياسي وأخذ الحكم عن طريق الأمة، وليس القيام بأعمال مادية أو الالتهاء بأعمال جزئية لا تؤدي إلى تغيير الأوضاع تغييراً جذرياً.
عمل فكري وسياسي
- كيف ينادي حزبكم بـ"خلافة إسلامية" في البلدان الإسلامية كلها في حين تقيم بعض كوادره في الغرب؟
- إن حزب التحرير قد حدد غايته ومجال عمله في بلاد المسلمين، وهو يعمل ليل نهار لإقامة الخلافة الإسلامية في البلاد الإسلامية،وهو لا "ينادي" بالخلافة بل يعمل لها فكرياً وسياسياً ويستجمع القوى المخلصة في الأمة من أهل النصرة والنفوذ لإقامتها بأقصى طاقة وأقصى سرعة. وقيادة الحزب وكامل تشكيلاته وأجهزته موجودة في بلاد المسلمين وفي أوساط الأمة للسير بها نحو تطبيق الإسلام وتوحيد بلاد المسلمين. وانتقال دعوة الحزب إلى البلاد الغربية هو انتشار طبيعي جاء من خلال انتقال المسلمين للعمل والدراسة في هذه البلاد. وبحكم وجود الملايين من أبناء المسلمين في البلاد الغربية - وهم جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية التي يعمل الحزب إلى إنهاضها بالإسلام – حمل شباب الحزب دعوة الإسلام إليهم للحفاظ على هويتهم من الذوبان ولتوعيتهم على واجباتهم تجاه أمتهم ولمناصرته في عمله لإقامة الخلافة في بلاد المسلمين.
إن العالم كله اليوم – بما فيه بلاد المسلمين - دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع
- أنتم تصفون الغرب بأنه "كافر" وتميلون لتسميته "بلاد الكفر" في مقابلة بلاد الإسلام، ألا يعتبر هذا تناقضا واضحا كونكم لذتم إلى أحضانه وأتاح لكم هذا "الغرب الكافر" منابر إعلامية وكفل حرياتكم الشخصية ولم يسومكم العذاب؟
- إن العالم كله اليوم – بما فيه بلاد المسلمين - دار كفر بمعنى أنه لا توجد فيه دولة تحكم بما أنزل الله في الدولة والمجتمع. فدار الكفر وفق الاصطلاح الشرعي هي الدار التي لا تحكم بالإسلام. ووصفنا للغرب بأنه كافر هو وصف لواقع الغرب شعوباً ودولاً وحكومات، والمقصود هو إبراز أصل العداء الذي يحمله الغرب كدول ونخب فكرية وسياسية بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين. وبلاد الكفر هي البلاد التي لم تحكم بالإسلام وكان أهلها أو جل أهلها من الكفار. وبلاد الإسلام هي البلاد التي حكمها الإسلام وكان أهلها أو جل أهلها من المسلمين، وإن كان واقعها اليوم أنها دار كفر.
أما القول بأن الحزب لاذ إلى أحضان الغرب فهو قول مجاف بل مناقض للحقيقة، وذلك أن حزب التحرير يكاد يكون الحزب الوحيد الذي لم ولن يرتمي في أحضان أي من أنظمة الكفر القائمة في بلاد المسلمين، أو الدول الغربية الكافرة التي حذّر الحزب منذ نشأته من الاستعانة بها واعتبر ذلك انتحاراً سياسياً وخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. والحزب يعتبر الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا وأميركا وفرنسا، العدو اللدود للإسلام والمسلمين، فهي التي تآمرت على دولة الخلافة وهدمتها واستعمرت ولا زالت بلاد المسلمين عسكرياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، وهي التي قسّمت بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة ولا زالت تمعن في الأمة تقسيماً وتمزيقاً، وهي التي أقامت أنظمة الكفر في بلاد المسلمين، وأقامت عليها حكاماً تبع لها يحرسون مصالحها ويحاربون الدعوة إلى عودة الإسلام إلى الحكم بالبطش والسجن والتعذيب، وهي التي أنشأت كيان يهود في أرض فلسطين المباركة، وشردت أهلها ولا زالت تمده بكل أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي والاقتصادي، ولا زالت هذه الدول الغربية تشن حملاتها الاستعمارية عسكرياً وسياسياً على بلاد المسلمين للحيلولة دون نهضة الأمة وانعتاقها من ربقة الاستعمار. وحزب التحرير منذ نشأته إلى اليوم وهو يكافح هذه الدول الكافرة المستعمرة، ويكشف للمسلمين مخططاتها ومؤامراتها، ويحذّر الأمة بكل فئاتها من السير في مخططاته، وتاريخ الحزب ونشراته ومذكراته بل وأعماله التي يقوم بها الآن تشهد على ذلك.
أما القول بأن الغرب أتاح للحزب منابر إعلامية فهو مناقض للواقع، فليس هناك بلد غربي برز فيه نشاط الحزب وانتشرت دعوته فيه إلا وتعرض الحزب لحملات إعلامية مكثفة لتشويه دعوته وأفكاره ووصمه بالتطرف والإرهاب. وقد بدأت هذه الحملات الإعلامية ضد الحزب في المملكة المتحدة والدنمارك مثلاً منذ مطلع التسعينات، إي قبل أحداث 11 سبتمبر، وهي لا تزال مستمرة إلى اليوم. وكذلك الأمر في استراليا وهولندا وألمانيا.
أما القول بأن الغرب قد كفل لشباب الحزب حرياتهم الشخصية ولم يسومهم سوء العذاب فهو قول فيه مغالطة. ففي ألمانيا تم حظر الحزب وطُرِد العديد من شبابه، وألغيت إقامات آخرين، وقامت الأجهزة الأمنية بمداهمات متكررة لمنازل الشباب وترويع نسائهم وأطفالهم، وفي الدنمارك تمت محاكمة أحد شباب الحزب بسبب منشور أصدره الحزب حول مجازر اليهود في فلسطين، وما زالت السلطات تهدد بحظر الحزب رغم اعترافها بصعوبة ذلك وفقاً لدستور البلد، ولا يزال شباب الحزب وأنصاره في هذا البلد يتعرضون للمضايقات والطرد من كلياتهم ووظائفهم، بالإضافة إلى المضايقات والاستدعاءات المتكررة من أجهزة الشرطة.
والمراقب للأوضاع في مختلف الدول الأوروبية يرى بوضوح حجم التغييرات المستمرة لقوانين الإقامة، وسحب الجنسيات والتجسس والاعتقال التعسفي دون أية حقوق قانونية، بالإضافة إلى الصلاحيات الواسعة التي تُعطي للأجهزة الأمنية والمخابرات، وقد وصف بعض خبراء القانون هذه التغييرات بأنها تحوّل حقيقي إلى نظام الدولة البوليسية والأنظمة الدكتاتورية في (العالم الثالث).
- كيف يرى حزبكم الشعب الدنماركي الذي عشتم لسنوات بينه، هل تغيرت آراءكم نوعا ما حيال "إمكانية التعايش" مع المسيحيين؟
- إن الحزب ينظر إلى غير المسلمين نظرة الإسلام والتي تقوم على وجوب حمل دعوة الإسلام إليهم بالحجة والجدال بالتي هي أحسن بهدف هدايتهم إلى ما فيه فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والإسلام لا ينظر إلى الشعوب نظرة عدائية بل نظرة رحمة وهداية لقوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والمسلمون كانوا دائماً يتعايشون مع غير المسلمين من نصارى وغيرهم في ظل دولة الخلافة وحكم الإسلام الذي كفل الأمن والأمان والعدل لجميع الرعايا، وهو ما فشلت الأنظمة العلمانية-الديمقراطية الغربية في تحقيقه. وحقيقة العداء القائم الآن ليس بين الإسلام والمسلمين وغيرهم من الشعوب الغربية، مسيحية أو علمانية، بل هو بين الإسلام والأمة الإسلامية والقوى الرأسمالية من دول وقوى سياسية وفكرية متنفذة، فهو صراع مبادئ وليس صراع أديان.
لا توجد مشكلة أقليات في دولة الخلافة
- وكيف ستنظر "الخلافة الإسلامية" التي تنادون بها بعين الاعتبار وضع الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي؟
- لا توجد مشكلة أقليات في دولة الخلافة، فقد ضمنت أحكام الإسلام حقوق جميع الرعايا بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين. والواقع أن ما يُسمّى بمشكلة الأقليات الدينية في بلاد المسلمين أوجدتها الدول الاستعمارية في منتصف القرن التاسع عشر كأداة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية. ولا زالت الدول الغربية تمارس هذه السياسة تجاه بلاد المسلمين كأداة لبذر النزاعات والتقسيم والحروب الداخلية بحجة حماية الأقليات. ويساعدها على ذلك وجود الأنظمة الفاسدة التي لا تطبق أحكام الإسلام وتهضم الحقوق وتسيء استغلال الثروات وتقوم على أساس قومي فاسد مستغلة اسم الإسلام دون تطبيقه كاملاً في كل نواحي الحياة، كما هو حاصل الآن في السودان. فإحسان تطبيق أحكام الإسلام – بما فيها أحكام أهل الذمة – كافية لضمان حقوق جميع الرعايا وإرساء العدل والإنصاف والطمأنينة للجميع مسلمين وغير مسلمين، وهو ما من شأنه أن يحول دون ظهور النزاعات و استغلالها من قبل الدول الرأسمالية الاستعمارية، خاصة عند شعور غير المسلمين بعدالة النظام ورفضهم الاستعانة بهذه الدول وإعطائها مبرّرات للتدخل.
هذا وقد أعد الحزب مشروعاً لدستور دولة الخلافة مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو جاهز للتطبيق في الدولة الإسلامية حين قيامها قريباً بإذن الله. وقد نص الدستور في المادة رقم 5 على أنه: لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة يغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك. ونص في المادة السادسة على أن: يترك غير المسلمين وما يعتقدون وما يعبدون، وأن يعامل غير المسلمين في أمور المطعومات والملبوسات حسب أديانهم ضمن ما تجيزه الأحكام الشرعية، وأن تنفذ باقي الأحكام الشرعية من معاملات وعقوبات وبينات ونظم حكم واقتصاد وغير ذلك على الجميع، مسلمين وغير مسلمين على السواء.
والخلاصة أن دولة الخلافة هي دولة بشرية لجميع بني الإنسان وليست دولة دينية بالمعنى الغربي، وهي ستضمن حين قيامها من جديد العدل والأمان والحقوق للجميع فيدخل الناس في دين الله أفواجاً نتيجة لعدل الإسلام وحسن تطبيقه.
- كيف السبيل إلى قيام خلافة كهذه تلغي الحدود والفوارق في حين أن الواقع يقول بأن هناك تباينات واختلافات جذرية مانعة لدمج الدول، مثلا كيف تستقيم الوحدة بين بلد كل مواطنيه مسلمون كالسعودية مع بلدان أخرى كمصر ولبنان والسودان والعراق أقرت حقوق المسيحيين إلى حد كبير من خلال "المواطنة"؟
- إن الحدود القائمة اليوم هي حدود مصطنعة فرضتها الدولة الغربية على بلاد المسلمين خاصة وفق اتفاقية سايكس-بيكو. والذي أطال عمر هذه الحدود هو سيطرة الروابط الوطنية والقومية الفاسدة على المسلمين عقوداً من الزمن، بالإضافة إلى الأنظمة التي أقامتها دول الاستعمار لحراسة هذه الحدود السياسية والحيلولة دون وجود وحدة حقيقية. أما اليوم فقد عاد الإسلام كعقيدة ونظام حياة إلى فكر الأمة وشعورها ليعيد إليها وحدتها من جديد. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تحرك الأمة بمظاهرات عارمة وفق إيقاع واحد كالجسد الواحد أثناء أحداث الانتفاضة في فلسطين وحرب أفغانستان وحرب العراق، تحركت الأمة من إندونيسيا إلى باكستان إلى المغرب إلى مسلمي أوروبا. فالأمة اليوم تتطلع إلى الوحدة على أساس الإسلام ولم يبق إلا إزالة الأنظمة السياسية التي تشكل العائق الفعلي أمام توحيد الأمة في ظل نظام الإسلام ودولة الإسلام. فالوحدة الحقيقية للأمة تتشكل من خلال توحد عقيدتها ونظامها وأهدافها ومن ثم وجود قيادة سياسية واحدة في الحكم ترعى شؤونها وفق النظام الذي تؤمن به. أما الاختلافات المانعة لدمج الدول فهي في حقيقتها ليست إلا خلافات بين الحكام الحاليين أنفسهم للحفاظ على كراسي الحكم، ويرجع معظمها إلى الاختلاف في التبعية والولاء للدول الاستعمارية، أميركا وأوروبا، والصراع بين هذه القوى على المصالح والنفوذ. فهو على كل حال ليس خلاف شعوب عاشت على مدى ثلاثة عشر قرن كأمة واحدة في طل حكم الإسلام إلى أن جاء الاستعمار ومزقها إلى قوميات ودويلات.
والناظر إلى البلاد الأوروبية شعوباً ودولاً، تاريخياً وواقعياً، يجد أن بينها من الاختلافات بل والنزاعات الدينية والقومية ما يصعب معه مد جسور للوحدة، وعلى الرغم من ذلك سعت بل ونجحت في إلغاء الحدود في ما بينها وذلك فقط حين توفرت الإرادة السياسية لدى أهل الحكم والرأي فيها. والمفارقة العجيبة أن حكام أوروبا الغربية بذلوا جهوداً ضخمة على مدى سنوات طويلة لإقناع شعوبهم الرافضة للوحدة – لأسباب دينية أو ثقافية أو قومية - بفوائدها وأهميتها وضرورتها. أما حكام المسلمين فقد عملوا على مدى عقود من الزمن - ولا يزالون - على إيجاد الفرقة والتناحر والعداء بل والحروب بين شعوبهم.
أما بالنسبة لموضوع حقوق "المواطنة" لغير المسلمين فليس هناك "مواطنة" بالمفهوم الغربي في دولة الإسلام، وإنما تقرر حقوق وواجبات الرعية في طل دولة الخلافة وفقاً لمفهوم التابعية، فكل من يحمل تابعية الدولة الإسلامية يتمتع بنفس الحقوق والواجبات، وكما أوضحت في الجواب السابق فإن أحكام أهل الذمة من العدل والإنصاف بمكان لا يمكن مقارنته بالقوانين الجائرة المعمول بها في أنظمة الدول القائمة في العالم اليوم وخاصة تلك القائمة في بلاد المسلمين.
الحزب الإسلامي والعلمانية
- أنتم تكفرون تماما بالعلمانية مثلا، لكنها كفلت للمسلمين الأوربيين حقوقا أكثر من التي ينالها نظرائهم في البلدان الإسلامية، ولم يجر التضييق على حقول الدعوة الإسلامية والأنشطة الشبيهة إلا بعد 11 سبتمبر؟
- العلمانية هي عقيدة ووجهة نظر في الحياة، وهي تعني فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، أي فصل الدين عن السياسية والتشريع والاقتصاد. وقد نشأت في أوروبا كردة فعل على استغلال الدين النصراني من قبل الملوك والأمراء ورجال الكنيسة. أما الإسلام فهو ليس ديناً كهنوتياً بالمفهوم الغربي، بل هو نظام أنزله الله تعالى لتنظيم شؤون الفرد والمجتمع والدولة، وهو نظام شامل لكل نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية. فقد بينت نصوص القرآن والسنة أحكام العبادات كما بينت الأحكام المتعلقة بشؤون الحكم والاقتصاد والاجتماع والمعاهدات الدولية. قال الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وقال سبحانه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وعليه فإن الإسلام يرفض العلمانية وما انبثق عنها من أفكار ونظم ديمقراطية ورأسمالية جملة وتفصيلاً. ونحن نرفض العلمانية ونكفر بها لكونها عقيدة كفر تقول بإعطاء حق التشريع للإنسان وإقصاء نظام الله تعالى عن شؤون الحياة والدولة والمجتمع، ونحاربها أيضا لكونها مفروضة على بلاد المسلمين على شكل دساتير وقوانين ونظم من قبل الدول الاستعمارية وأتباعها من الحكام.
أما القول بأن العلمانية كفلت حقوق المسلمين في أوروبا أكثر من التي ينالها غير المسلمين في البلدان الإسلامية فهو غير دقيق. وذلك أن القوانين المطبقة حالياً في بلاد المسلمين ليست قوانين وأحكام الإسلام ولذلك لا تصلح أن تكون مرجعاً أو مقياساً، وهي قوانين ونظم ظالمة بحق المسلمين وغيرهم، بل إنها في بعض البلدان - كالمغرب وتركيا مثلاً - تُعطي غير المسلمين امتيازات وحقوقاً أكثر من تلك التي تمنحها للمسلمين.
أما موضوع كفالة العلمانية لحقوق المسلمين عن طريق قوانين الحريات الدينية وما شاكلها فهي لم توجد من أجل المسلمين ولا بهدف رعايتهم وإعطائهم حقوقهم، بل كان المقصود بها الطوائف الدينية المسيحية المتنازعة ومن ثم مشكلة الأقليات اليهودية في أوروبا. وواقع نشأة هذه القوانين والحريات الدينية يشهد على ذلك. فقد صيغت هذه القوانين على مدى القرنين الماضيين لعلاج نزاعات وصراعات دينية مريرة بين الطوائف والفرق النصرانية حيث لم يكن هناك وجود للمسلمين أو الإسلام. وعند بروز وجود إسلامي في الدول الأوروبية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي بدأت هذه الدول في إجراء تعديلات وتغييرات قانونية عديدة بهدف الحد من حقوق المسلمين الاجتماعية والدينية، وذلك قبل أحداث 11 سبتمبر وإن كان بدرجة أقل. فسياسات التمييز التي مارستها الدول الأوروبية ضد المسلمين ومدارسهم وجمعياتهم ومساجدهم وشعائرهم الدينية وأنشطتهم الدعوية كانت قائمة قبل أحداث 11 سبتمبر، وموضوع محاربة الخمار (الحجاب) في فرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك هو مثال بسيط على ذلك، حيث بدأت المؤسسات التعليمية وسوق العمل ووسائل الإعلام بل وأجهزة القضاء بمحاربته والتضييق على الفتيات المسلمات بسببه منذ عام 1993 م.
- انتقدتم –بشدة- اتفاق السلام في السودان، على الرغم من أنه يوقف نزيف دم راح ضحيته 2 مليون سوداني، هل تضعون لـ"الشعارات" أهمية تفوق أهمية "الإنسان" كقيمة صانها الإسلام؟
- إن الاتفاقيات الجارية الآن بين أطراف النزاع في السودان ليست باتفاقيات سلام ولن تجلب السلام لأهل السودان، بل هي اتفاقيات فرضتها أميركا بهدف تفتيت السودان إلى كيانات هزيلة متناحرة خدمة لأطماعها. وحقيقة الصراع القائم بين مختلف الأطراف: الحكومة وحركة التمرد في الجنوب وحركات التمرد في إقليم دارفور هو صراع بالوكالة تديره الدول الغربية، أي صراع بين أميركا والدول الأوروبية على النفوذ والمصالح، وإن اتخذ شكل النزاع الداخلي. وهذه الاتفاقيات باطلة في نظر الإسلام ويجب على المسلمين رفضها وإلغائها. والحل من وجهة نظر الإسلام هو في تطبيق أحكام الشرع في كافة نواحي الحياة دون تمييز في رعاية الشؤون وضمان الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وصحة وتعليم وأمن للجميع. فالعدل يكمن في تطبيق أحكام الإسلام تطبيقاً كاملاً شاملاً، وفيما جاء به الإسلام من واجبات وحقوق تتعلق بأهل الذمة الكفاية والضمانة لإزالة بذور النزاع وإرساء السلام الحقيقي وفق شرع الله الحكيم. وبجانب ذلك أوجب الشرع على الدولة الإسلامية أن تُصغي لشكاوى الرعية مسلمين وغير مسلمين، وفي نفس الوقت أن تضرب بقوة على يد من يعبث بأمن البلاد ووحدتها وأن ترفض تدخل الدول الأجنبية في شؤونها الداخلية.
والحزب منذ نشأته ابتعد عن طرح "الشعارات" والتزم طريقة الإسلام في علاج مشاكل المجتمع في بلاد المسلمين، سواء من الناحية السياسية أو تقديم الحلول الشرعية العملية. وفيما يتعلق بالنزاع القائم في جنوب السودان فقد أصدر الحزب العشرات من البيانات والمذكرات محذّراً ومبيّناً لخطورة هذه المفاوضات والاتفاقيات والتنازلات المهينة للسودان وأهله. وقد حصل ما حذّر منه الحزب لعشرات السنين، فها هي بنود الاتفاق بين حكومة "الشعارات الإسلامية" وحركة التمرد في الجنوب تنص بوضوح على الاستفتاء ممهدة الطريق للانفصال، وها هي الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا تؤجج الصراع في إقليم دارفور بغية إقامة جيب استعماري جديد في الإقليم، وها هي بوادر تمرد جديد في مناطق الشرق تلوح في الأفق. ذلك بالإضافة إلى ما يُسمّى بتجمعات المعارضة في الشمال التي تتنافس على المنافع والمصالح، بل ويمدّ بعضها جسور "التفاهم" و"التعاون" مع حركات التمرد في الجنوب أو الغرب على أمل الحصول على موقع في السلطة.
الديمقراطية كنظام سياسي تخالف الإسلام في الأصل والفروع
- من الذي يقود الحزب، وكيف تتشكل هياكله القيادية، وكيف يتم اختيارها؟ وأين يقع مقر قيادة الحزب، ومن أين تحصلون على التمويل؟
- أمير الحزب الحالي هو العالم الجليل عطا أبو الرشتا، وفيما يتعلق بتشكيل الأجهزة فإن الحزب يعتمد أسلوبي الانتخاب والتعيين معاً. أما فيما يتعلق بالتمويل فإن الحزب يعتمد على التمويل الذاتي ولا يقبل تمويلاً من أية جهة كانت دولاً أو أنظمة أو هيئات أو غيرها، إسلامية أو غير إسلامية، وسواء كان ذلك على شكل مساعدات أو هبات أو تحت مسميات أخرى.
- تطرقتم في أوراقكم الفكرية إلى "طريقة نصب الخليفة" مشيرين إلى أن الأعضاء المسلمين في "مجلس الأمة" يجرون حصرا لمرشحي هذا المنصب، وتعلن أسماؤهم ويتم من المسلمين انتخاب أحدهم. ألا تشكل هذه الآلية الانتخابية وجها من وجوه الديمقراطية، ثم كيف يتم اختيار "مجلس الأمة" ولماذا يستثني غير المسلمين إذا كان لا يتكون من المسلمين وحدهم؟
- الديمقراطية ليست آلية انتخابية. الديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه، بمعنى أن الشعب هو صاحب السيادة فهو يسن القوانين التي يريدها ويغيرها متى أراد. فهي كفكرة وكنظام سياسي تخالف الإسلام في الأصل والفروع. فالسيادة في الإسلام لشرع الله وليست للشعب، قال تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾. وفي الديمقراطية يمارس الشعب إرادته وسيادته من خلال السلطات الثلاث وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. أما نظام الخلافة فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الشريفة أن المسلمين ينيبوا عنهم من يتولى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله عن طريق البيعة بالرضا والاختيار. أما الانتخاب فهو أسلوب يعتمد لمعرفة رأي مجموعة من الناس عن طريق وكلائهم في الرأي، وهو أسلوب جائز لا علاقة له يالتشريع والسيادة. وهو ليس أسلوب خاص بالنطام الديمقراطي، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من الأنصار في بيعة العقبة الثانية أن يختاروا من بينهم من يفاوضهم، وقد كانوا ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان فقال لهم الرسول الكريم: أَخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم. ثم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، قالوا نعم. وعليه فإن حصر مجلس الأمة لمرشحي منصب الخلافة وانتخاب المسلمين أحد المرشحين ومبايعته على الحكم بالإسلام لا علاقة له بالنظام الديمقراطي.
أما بالنسبة لمجلس الأمة فيجوز أن يتكون من الرجال والنساء، ويتم اختيارهم من خلال الانتخاب لضمان تمتعهم بالصفة التمثيلية لمن انتخبهم ليكونوا وكلاء عنهم في الرأي والمشورة ومحاسبة الحكام والتأكد من توفّر الشروط الشرعية لمرشحي منصب الخلافة. ويجوز كذلك لغير المسلمين من رعايا دولة الخلافة أن ينيبوا عنهم من يمثلهم في مجلس الأمة إلا أن عضوية غير المسلم قاصرة على إظهار الشكوى من ظلم الحكام أو من إساءة تطبيق أحكام الإسلام. أما الشورى وانتخاب الخليفة والبيعة فهي حق للمسلمين فقط.
- انتقدتم الدعوة لعدم استخدام خطاب التخوين والتكفير في أجهزة الإعلام، أليست هذه دعوة لإطلاق أحكام التكفير –جزافيا- ثم ما هي المرجعية التي يكفر بها المسلم أخاه، وهل يعني هذا عجز "الفكر الإسلامي" عن مقارعة الحجة بالحجة ولجوئه إلى نوع من "الإرهاب الفكري" بتوسل بعض مدارسه دائما بخطاب "التكفير" لإرهاب الخصوم كما يقول بعض مخالفيكم في الرأي؟
- إن الدعوة إلى عدم استخدام خطاب التخوين والتكفير هي حق يراد به باطل، وهي إن يكن فيها صواب ففيها من التضليل ما يغمر صوابها. وهذه الدعوة تطلقها بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية لأغراض سياسية تخدم حكام الأنظمة العربية، والهدف من إطلاق هذه الدعوة تشويه صورة من يتصدى لمحاسبة حكام المسلمين على سياساتهم المفرّطة في الحقوق والمتخاذلة عن نصرة المسلمين في فلسطين والعراق والسير في اتفاقيات الصلح المذل مع يهود المغتصبين. فالخيانة تعني التفريط في الأمانة والتواطؤ مع أعداء الأمة ضد دينها ومصالحها. والكفر هو ما عدا شرع الإسلام وأحكامه، والكافر هو من لا يؤمن بدين الإسلام أو ينكر حكماً قطعياً من أحكام الشرع. والمرجع في ذلك هو نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة. أما الحكم بالكفر على فرد بعينه فيحتاج إلى روية وتوفّر شروط وتحقّق موانع حدّدها الشرع وتستلزم من صاحبها دراية بالأحكام الشرعية وخاصة أحكام القضاء، فلا يجوز إطلاق أحكام الكفر جزافاً. إلا أن الأمر يختلف حين الحديث عن نظام ما كالديمقراطية مثلاً أو قانون الدولة المؤقت الذي فرضته أميركا في العراق، حيث يستطيع المسلمون بعد دراسة النظام الديمقراطي أو قانون الدولة المؤقت وعرضهما على نصوص الشرع وأحكامه أن يحكموا عليهما بالكفر لمخالفتهما بل مناقضتهما لأحكام الإسلام وعقيدته.
إن الفكر الإسلامي ليس بعاجز في ذاته بل في أبنائه ممن يجهلونه أو يحملون ثقافة غربية غريبة عن الأمة وثقافتها وهويتها وحضارتها. والحزب يعمل منذ عقود على إنهاض المسلمين بالفكر الإسلامي من خلال تثقيف الملايين ثقافة إسلامية وتخليصهم من أفكار الثقافة الغربية التي تحول دون نهوضهم، وهو يقوم بذلك من خلال مقارعة الفكر بالفكر والحجة بالحجة ملتزماً طريقة القرآن في الرد على الأفكار والعقائد الفاسدة والمفاهيم المغلوطة.
إزالة الحدود بين المسلمين
- تسعون لنسف "الوطنية"، لكن بعض المحللين يرون أن خطابكم الفكري في "تفكيك الأوطان" كان نظريا مجردا ولم يعمل أبدا في حقول الاجتماع والاقتصاد وغيرها من الحقول التي تتطلب بحثا معمقا بغية تأسيس "خطاب عملي" مقنع؟
- المقصود من نسف "الوطنية" هو إزالتها من قلوب وعقول المسلمين كرابطة مزقت جسد الأمة الإسلامية إلى كيانات هزيلة متناحرة جعلت منها فريسة سهلة لدول الاستعمار. والحزب يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى إزالة هذه الحدود المصطنعة التي فرضتها الدول الغربية ويحرسها أتباعهم من الحكام، ويعمل على ضم البلاد الإسلامية في دولة واحدة هي دولة الخلافة، التي يعزّ بها الإسلام والمسلمون بعد عقود من الذل والضعف والهوان.
أما سؤالكم حول عدم عمل الحزب في حقول الاجتماع والاقتصاد وغياب الخطاب العملي لديه فالواقع غير ذلك، بل على العكس تماماً. إلا أن الحزب يعاني منذ عقود من التعتيم الإعلامي والحصار المضروب على أفكاره وطروحاته مما يمنع الكثيرين من الإطلاع عليها. فالحزب قد أعد للأمر عدته في كل المجالات بهدف إعادة ثقة المسلمين بأفكار الإسلام وأحكامه وأنظمته وإنهاضهم على أساس الإسلام، واجتهد في وضع دراسات وأبحاث عملية وبلور أنظمة الإسلام في الحكم والاقتصاد والتعليم والفقه الشرعي الدستوري والعلاقات الدولية والسياسة المالية، والتزم في كل ذلك بنصوص الشرع. ومن الكتب التي أصدرها الحزب كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام، وكتاب الأموال في دولة الخلافة، وكتاب نظام الحكم في الإسلام ومشروع دستور دولة الخلافة. وهذه الكتب متوفرة الآن على الموقع الرسمي للحزب في شبكة المعلومات (الإنترنت). وعلاوة على ذلك فقد أعد الحزب العديد من الأبحاث العملية الجاهزة للتطبيق فيما يتعلق بتحويل العملات إلى قاعدة الذهب والفضة، وسياسية التعليم في دولة الخلافة وسياسة إدارة المصالح، وكيفية تحويل الشركات إلى شركات إسلامية وغيرها.
*العربية نت

التعليقات