هل تدخين الفتيات للنرجيلة يحمل ايحاءات جنسية

هل تدخين الفتيات للنرجيلة يحمل ايحاءات جنسية
دمشق-دنيا الوطن
لم يخطر على بال الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي قط ولا حتى على بال الجنرال "غورو" من قبله أن "مقهى النوفرة" الذي جلسا فيه مرارًا في وسط دمشق القديمة سوف يكون أول مقهى تجلس فيه البنات والسيدات الدمشقيات يومًا ما.. بل ويشربن فيه النرجيلة على قارعة الرصيف!!..ويعتبر مقهى النوفرة من أقدم المقاهي الدمشقية، فعمره الآن يتجاوز مائتي سنة، وهو يقع خلف الجامع الأموي في ساحة جميلة مرصوفة بالأحجار البازلتية السوداء، وبجانبه شجر الياسمين الأبيض ومئذنة العروس المطلة عليه من الجامع الأموي وكل هذا يضفي سحرًا وجوًا وعبقًا خاصًا، وقد كان موقعه هذا سبب شهرته، فضلاً عن "الحكواتي" الذي لم تنقطع حكاياه في هذا المقهى حتى يومنا.ووسط دهشة واستغراب الأهالي بدأت بعض السائحات الأوروبيات في اقتحام عالم المقهى والجلوس فيه لاحتساء القهوة أو تناول المشروبات الأخرى والسبب في ذلك أنه المقهى الوحيد الذي ورد اسمه في الكتب السياحية التي تتحدث عن دمشق، ولم تكن الفتيات والسيدات السوريات بطبيعة الحال يتجرأن على الجلوس في مثل هذه المقاهي، بل كن يتحاشين حتى المرور أمامها، فالجلوس في هذه الأماكن أمر يتعارض مع خصائص المجتمع السوري وعاداته وتقاليده، إلا أن التغيرات الاقتصادية التي حدثت في المجتمع أفرزت تغيرات اجتماعية نتج عنها سلوكيات جديدة للمرأة ولكن، وعلى الرغم من اختلافهم حول النقطة السابقة إلا أنهم جميعاً اتفقوا على سماحهم لأولادهم مستقبلاً بالجلوس على المقاهي، مع الوضع في الاعتبار الحال التي ستكون عليها المقاهي في ذلك الحين. أجمع المشاركون في الحوار على انتقائهم للساعات من 8-11 مساء للجلوس في المقاهي، وأنها هي الأوقات المفضلة لديهم، وفيما بررت الفتيات اختيارهن لهذا الوقت بأنه المناسب بعيداً عن انشغالات الصباح، وحرّ الظهيرة، فقد برر الشباب ذلك بوجود أكبر قدر من الصديقات فيه، ولعل هذا ما أرادته الفتيات دون إفصاح.. إلا أن سؤالاً آخر أظهر تناقضاً وعدم اتساق مع ما قرروه؛ فحين سئلوا عما إذا كانوا يفضلون الجلسات المختلطة أم المنفصلة، كانت إجابة الأغلب تفضيل الجلسات المنفصلة؛ لما فيها من حرية وتلقائية في الحديث دون ضوابط.وإجابة عن سؤال موجه للفتيات: تخيلي لو أن أباك رآك وأنت تشربين النارجيلة ماذا سيكون رد فعلكما؟"؛ كشفت الأجوبة عن تباين ردود فعل الأهل تجاه ذلك، حيث وصفت إحدى الفتيات رد فعل والدها بأنه قد يصل إلى منعها من الخروج من البيت، بل وصل بها الوصف إلى أنه "ربما يفقد صوابه"! بينما تمنت فتاة أخرى أن تقف مثل هذا الموقف، وهنا تناقض واضح بين رؤية البعض لعدم خطأ جلوسهن في المقهى، وتوقع رد الفعل العنيف من الأهل. في المقابل أجابت إحدى الفتيات ببساطة وبتلقائية شديدة: "سيكون رد فعله عادياً لأنه يعرف أنني أشربها"! وحول أسباب ذهاب الشباب والفتيات إلى هذه المقاهي.. دارت إجاباتهم حول: الفراغ - تجمع الأصدقاء والصديقات - البطالة - مكان خاص بالشباب دون الأسر - المذاق الخاص. ومع شِبْه اتفاقهم على أسباب ذهابهم للمقهى إلا أنهم اختلفوا في مستلزمات الجلسة، فمنهم من رأى وجود النارجيلة شرطاً ولازمة لا يمكن الاستغناء عنها، ورأى البعض الآخر أن الموسيقى هي القاسم المشترك الذي يجمعهم، وإلا فلن يكون للجلسة أي معنى -على حد قول أحدهم-، وقد رفض الجميع اعتبار النارجيلة نوعاً من الإدمان بل وصل بهم الأمر إلى رفضهم اعتبارها إثباتاً للذات وأعرب معظمهم عن استعداده للإقلاع عنها إذا طلب منهم حبيب أو خطيب ذلك!!، ولكن بعض من أقرّ باستعداده للإقلاع عنها ربط هذا الإقلاع بعدم حدوث شجار مع الخطيب، إذ "لو تم شجار بيننا فسوف أعود إليها مرة أخرى" كما قال أحدهم.نقطة أخيرة جديرة بالاهتمام، تتعلق بظهور الوازع الديني في نفوس الشباب، رغم كل ما توحي به تصرفاتهم من ضعف هذا الوازع، فعند الحديث عن حكم النرجيلة، لم يجرؤ أحد على الفتوى، بل تركوها لأهل الفتوى، فمن الشباب من توقف عن إبداء رأيه، وطلب رأي الشارع، ومنهم من نقل رأي من أجازها من الفقهاء، ومنهم من أقرَّ بأنها تغضب الله، ويحتاج إلى من يعينه، ويدعو له، حتى يقلع عنها. وأيًّا كان الرأي في الحوار، إلا أنه ظهر فيه الصدق والبساطة والتلقائية والبعد عن التنظير.بدأت ظاهرة تدخين النارجيلة على استحياء منذ سنوات في بعض المقاهي المغلقة بالمناطق السياحية ثم في الخيام الرمضانية الخاصة بالشباب، ثم انتشرت أخيراً في المقاهي وسط البلد لكنها لم تتعدها إلى مقاهي الأحياء الشعبية السورية بعد، فالنظرة هناك للفتاة التي تدخن النارجيلة غير مقبولة على الإطلاق، بل إن جلوس الفتاة على المقهى أمر غير وارد من الأساس، فالمعروف أن المقاهي العامة للرجال فقط. ومع الأيام بدأت النارجيلة مع البنات بالظهور على نحو كبير بوصفها موضة "وتقليعة" من تقاليع الشباب وغرائبهم، خاصة عند أولئك اللائي يردن تقليد الرجال، ويثبتن لهم أنهن على نفس القدر من المساواة في كل شيء معهم، في حين أن منظر الفتيات وهن يشربن الشيشة يثير اشمئزاز كثير من الرجال. وفي دمشق يقول صاحب مقهى النوفرة: "إن أهالي الحي يتقبلون ظاهرة تناول النرجيلة من قبل الفتيات على مضض، وهو شخصيًا لا يحبها مع أنها تدر عليه ربحًا وفيرًا حيث إن المقهى مكتظ دائمًا بالنساء والرجال؛ وذلك بسبب موقعه وتاريخه فضلاً عن كونها رخيصة، ويؤكد أنه غير مسموح للفتيات أو الشباب دون سن العشرين بالجلوس في المقهى". وبالفعل ومنذ عشر سنوات تقريبًا بدأنا نلحظ جلوس بعض الفتيات والسيدات في مقهى "النوفرة" ما أدى إلى نزوح بعض رواده من الرجال إلى المقاهي المجاورة احتجاجًا واستهجانًا، ومع مرور الوقت لم يعد الأمر مقتصرًا على الجلوس واحتساء المشروبات بل وصل في السنوات الثلاث الأخيرة إلى شرب النرجيلة وبدأت ظاهرة شرب النرجيلة من قبل الفتيات والسيدات تنتشر في كل المطاعم والفنادق وخاصة في مطاعم "الغوطة" التقليدية حيث أصبح أمرًا "عاديًا" مشاهدة كل أفراد العائلة (فتيات وشبان) وهم يشربون النرجيلة، بل ولم يمنع الحجاب بعض صاحباته من الجلوس في المقهى أو المطعم وشرب النرجيلة! وتؤكد دكتورة علم الاجتماع / آمال عبد الرحيم أن "خروج المرأة للعمل واستقلاليتها الاقتصادية ساهمت بشكل أو بآخر في خروجها عن الشيء المألوف والعادات والتقاليد ومنها الجلوس على المقهى." وتفسر د. آمال عبد الرحيم هذه الظاهرة بأنها تقليد نبع من تقليد النساء في الطبقات الدنيا والمتوسطة للتساوي بالنساء في الطبقات العليا اللواتي بدأن هذه الظاهرة كنوع من التعبير عن الحرية. ومحاكاة المرأة الغربية شكلياً. وتختلف الآراء حول هذه الظاهرة التي أخذت تنتشر في كل أرجاء الوطن العربي، ولا يقتصر رفضها على الرجال فقط بل إن الدكتورة آمال عبد الرحيم تعتبرها قمة التخلف.جريدة البيارق

*جريدة البيارق-دمشق

التعليقات