شهادات عليا ملقاة بين أكوام البطيخ
شهادات عليا ملقاة بين أكوام البطيخ
دمشق –دنيا الوطن – فؤاد منصور
في زمن امتد فيه قطر رغيف الخبز ليصبح بحجم الوطن تصير أسئلة الطموحات والآمال الكبرى المتعلقة بالشهادة (الكبيرة ) أسئلة عصية على الفهم ،ويصير الخروج في أجوبتها عن دائرة الرغيف تفاؤلاً طوباوياً ، لا يجدي أبدا مع معدة خاوية.
وكيف بوسع المرء أن يتحدث عن طموحات وآمال وهو بمعدة خاوية …؟ تختلف الأجوبة بين من لا يستطيع وآخر يهرب منها نحو الحلم…
_( إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن المعدة قد امتلأت…). يعلق خريج جامعي لا يجد ضيراً في ذكر أسمه ما دام هو أسلوب غير مباشر للإعلان عن رغبته بالعمل، في وقت تمنعنا نحن عن ذكر اسمه ليبقى شيئا من الكرامة للنبي بين أهله ، إنها فضيلة إنسانية ندعي ممارستها في وقت تغص الشوارع فيه بآلاف من الخريجين الجامعين يبحثون عن عمل ، أي عمل.
إلا أن الواقع وفي بعض الأحيان يصير فجاً ، وقاسياً لا ينفع معه التجاهل أو التباكي ، فتصرخ رغم أنك تعلم أن الصراخ لن يقذفك من مكانك القابع بعد عشرين ألف أو أكثر من المنتظرين في مكتب العمل لتعرف معنى آخر للمستطيل الأصفر الباهت الذي تتركه شهادتك الجامعية على الجدار في كل عام تنقله فيها كنوع من كسر الملل .
وحين يحالفك الحظ بوظيفة ما ستعود للصراخ مجدداً على أعتاب كل شهر وأنت تتساءل كيف يمكن من فتات الراتب الشهري هذا أن تبني بيتا وتنجب أولاد ؟!
سؤال صعب وجد (عيسى ) المعلم في واحدة من المدارس الابتدائية في أدلب الإجابة عليه في شهور ثلاثة ،هي شهور العطلة المدرسية ، يقضيها كل عام في بيع البطيخ في دمشق ،فهناك الرزق أوفر واحتمال الالتقاء مع طلابه أقل، الأمر الذي يجنبه الإحراج أمامهم ويغنيه عن فلسفة التبرير بأنه رزق حلال لا يعيب المرء .
لا يخفي عيسى ضيقه من واقع ملموس يشير إلى أن ما يجنيه من مال خلال هذه الأشهر الثلاثة يفوق راتبه الشهري في المدرسة خلال عام، يقول عيسى:
_ لقد بدأت أفقد إيماني بجدوى العلم وأهميته عاماً بعد عام ، هل تتصور إنه ما زال بوسعي إقناع تلاميذي بما أدفع ضريبته كل عام في دمشق…؟!
في الغالب لن يحتاج المعلم عيسى الكثير ليكتشف أن تلك الحقيقة التي يشق عليه الاعتراف بها قد باتت لغة العصر، يتقنها تلاميذه دون الحاجة لبرهان، فالطفل وائل (12سنة ) يرى أن الميكانيكي أفضل من ثلاثة مهندسين، وآخر اعترف لي أن أخوه الفاشل كما اعتاد الوالد على توصيفه، ينفق على البيت أضعاف ما ينفقه والده مدير المدرسة ،وثالث باح لي بسر بأنه يحلم في المستقبل بأن يكون شرطي مرور على نحو خشيت أن أسأله لماذا شرطي مرور بالذات… !
أمنيات غريبة ومدهشة أثارها أطفال كتلاميذ المعلم (عيسى) ،في وقت راح شيء ما كأنه الغضب يجذبنا إلى كل ما أنجزناه بالأمس احتفاء بفروع الجامعات الخاصة وبدع التعليم المفتوح والموازي والافتراضي…، وعبثاً كنت أحاول استحضار كل ما طالعتنا به الصحف والكتب وحكايات الجدة من قيم هذا العلم وجدواه في معركة الحياة ومعركة التحرير ومعركة البناء …،إلا أني لم أستطيع أبدا تمثلها عبر رؤية المعلم عيسى (بائع البطيخ ) وتذكر أمنية الصغير بأن يكون شرطي مرور …
هل يعقل أن كل ما تعلمناه يصير عبثاً أمام حقيقة العلم الذي لم يعد يقوى على إطعام الخبز،وهل تمنح قسوة الحياة مبرراً لاستيعاب الأمر…؟!
يروي لنا الدكتور( طيب تيزيني) عن عينين يعرفهما توشح صاحبهما كيلا يعرفه أحد وهو يمد يده طالبا العون من أولاد الحلال ، إلا أن الوشاح لم يكن ليمنع الدكتور (طيب) من معرفة واحد من طلابه المتفوقين في الدراسات العليا في قسم الفلسفة ، يقول الطالب :
_(لقد أعياني البحث يا دكتور عن عمل مناسب، ولم تتح لي بنية جسدي الهزيلة فرصة في عمل غير مناسب ولم يكن أمامي سوى هذا الوشاح ومد اليد، الجوع قاسٍ يا دكتور …!).
يتحدث الدكتور (طيب) عن طالبه بحرقة، على نحو يثير فينا حقيقة مرّة، وأمام هذه الحقيقة سيبدو تقرير الأمم المتحدة الخاص بالتنمية الإنسانية الذي تناول الأوضاع الإنسانية في الوطن العربي بأنه ينشر غسلينا النظيف لا الوسخ_ كما قيل _ أمام العالم ، وأمامها أيضا سيبدو 18 كمبيوترا لكل ألف شخص في الوطن العربي _ حسب ما ذكر التقرير السابق _ ترفا معرفياً لا نقدر عليه نحن العرب …!
_وهل تعني هذه الحقيقة شيئاً أمام معدة خاوية، لا اعتقد … ؟!
دمشق –دنيا الوطن – فؤاد منصور
في زمن امتد فيه قطر رغيف الخبز ليصبح بحجم الوطن تصير أسئلة الطموحات والآمال الكبرى المتعلقة بالشهادة (الكبيرة ) أسئلة عصية على الفهم ،ويصير الخروج في أجوبتها عن دائرة الرغيف تفاؤلاً طوباوياً ، لا يجدي أبدا مع معدة خاوية.
وكيف بوسع المرء أن يتحدث عن طموحات وآمال وهو بمعدة خاوية …؟ تختلف الأجوبة بين من لا يستطيع وآخر يهرب منها نحو الحلم…
_( إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن المعدة قد امتلأت…). يعلق خريج جامعي لا يجد ضيراً في ذكر أسمه ما دام هو أسلوب غير مباشر للإعلان عن رغبته بالعمل، في وقت تمنعنا نحن عن ذكر اسمه ليبقى شيئا من الكرامة للنبي بين أهله ، إنها فضيلة إنسانية ندعي ممارستها في وقت تغص الشوارع فيه بآلاف من الخريجين الجامعين يبحثون عن عمل ، أي عمل.
إلا أن الواقع وفي بعض الأحيان يصير فجاً ، وقاسياً لا ينفع معه التجاهل أو التباكي ، فتصرخ رغم أنك تعلم أن الصراخ لن يقذفك من مكانك القابع بعد عشرين ألف أو أكثر من المنتظرين في مكتب العمل لتعرف معنى آخر للمستطيل الأصفر الباهت الذي تتركه شهادتك الجامعية على الجدار في كل عام تنقله فيها كنوع من كسر الملل .
وحين يحالفك الحظ بوظيفة ما ستعود للصراخ مجدداً على أعتاب كل شهر وأنت تتساءل كيف يمكن من فتات الراتب الشهري هذا أن تبني بيتا وتنجب أولاد ؟!
سؤال صعب وجد (عيسى ) المعلم في واحدة من المدارس الابتدائية في أدلب الإجابة عليه في شهور ثلاثة ،هي شهور العطلة المدرسية ، يقضيها كل عام في بيع البطيخ في دمشق ،فهناك الرزق أوفر واحتمال الالتقاء مع طلابه أقل، الأمر الذي يجنبه الإحراج أمامهم ويغنيه عن فلسفة التبرير بأنه رزق حلال لا يعيب المرء .
لا يخفي عيسى ضيقه من واقع ملموس يشير إلى أن ما يجنيه من مال خلال هذه الأشهر الثلاثة يفوق راتبه الشهري في المدرسة خلال عام، يقول عيسى:
_ لقد بدأت أفقد إيماني بجدوى العلم وأهميته عاماً بعد عام ، هل تتصور إنه ما زال بوسعي إقناع تلاميذي بما أدفع ضريبته كل عام في دمشق…؟!
في الغالب لن يحتاج المعلم عيسى الكثير ليكتشف أن تلك الحقيقة التي يشق عليه الاعتراف بها قد باتت لغة العصر، يتقنها تلاميذه دون الحاجة لبرهان، فالطفل وائل (12سنة ) يرى أن الميكانيكي أفضل من ثلاثة مهندسين، وآخر اعترف لي أن أخوه الفاشل كما اعتاد الوالد على توصيفه، ينفق على البيت أضعاف ما ينفقه والده مدير المدرسة ،وثالث باح لي بسر بأنه يحلم في المستقبل بأن يكون شرطي مرور على نحو خشيت أن أسأله لماذا شرطي مرور بالذات… !
أمنيات غريبة ومدهشة أثارها أطفال كتلاميذ المعلم (عيسى) ،في وقت راح شيء ما كأنه الغضب يجذبنا إلى كل ما أنجزناه بالأمس احتفاء بفروع الجامعات الخاصة وبدع التعليم المفتوح والموازي والافتراضي…، وعبثاً كنت أحاول استحضار كل ما طالعتنا به الصحف والكتب وحكايات الجدة من قيم هذا العلم وجدواه في معركة الحياة ومعركة التحرير ومعركة البناء …،إلا أني لم أستطيع أبدا تمثلها عبر رؤية المعلم عيسى (بائع البطيخ ) وتذكر أمنية الصغير بأن يكون شرطي مرور …
هل يعقل أن كل ما تعلمناه يصير عبثاً أمام حقيقة العلم الذي لم يعد يقوى على إطعام الخبز،وهل تمنح قسوة الحياة مبرراً لاستيعاب الأمر…؟!
يروي لنا الدكتور( طيب تيزيني) عن عينين يعرفهما توشح صاحبهما كيلا يعرفه أحد وهو يمد يده طالبا العون من أولاد الحلال ، إلا أن الوشاح لم يكن ليمنع الدكتور (طيب) من معرفة واحد من طلابه المتفوقين في الدراسات العليا في قسم الفلسفة ، يقول الطالب :
_(لقد أعياني البحث يا دكتور عن عمل مناسب، ولم تتح لي بنية جسدي الهزيلة فرصة في عمل غير مناسب ولم يكن أمامي سوى هذا الوشاح ومد اليد، الجوع قاسٍ يا دكتور …!).
يتحدث الدكتور (طيب) عن طالبه بحرقة، على نحو يثير فينا حقيقة مرّة، وأمام هذه الحقيقة سيبدو تقرير الأمم المتحدة الخاص بالتنمية الإنسانية الذي تناول الأوضاع الإنسانية في الوطن العربي بأنه ينشر غسلينا النظيف لا الوسخ_ كما قيل _ أمام العالم ، وأمامها أيضا سيبدو 18 كمبيوترا لكل ألف شخص في الوطن العربي _ حسب ما ذكر التقرير السابق _ ترفا معرفياً لا نقدر عليه نحن العرب …!
_وهل تعني هذه الحقيقة شيئاً أمام معدة خاوية، لا اعتقد … ؟!

التعليقات