قصص مؤلمة لعاملات مغربيات يتعرضن للتحرش الجنسي من رؤوسائهن

قصص مؤلمة لعاملات مغربيات يتعرضن للتحرش الجنسي من رؤوسائهن

غزة-دنيا الوطن

تعاني الكثير من الفتيات والسيدات المغربيات من ظاهرة "التحرش الجنسي" المتفشية في كثير من مؤسسات القطاع الخاص في المغرب، ويتبع بعض أرباب ورؤوساء العمل طرقا شتى من التحرش للايقاع بضحاياهم مستغلين في معظم الأحيان سطوتهم وحاجة تلك النساء للعمل.

وبحسب صحيفة "الأحداث" المغربية فإن بعض النساء أكدن بأنهن لم يسمعن عن شيء اسمه "التحرش الجنسي"، وأخريات حصرن المفهوم في أنه شخص "كيتبسل" على فتاة(تحرش بألفاظ غزل فاضح أو كلمات بذيئة) على فتاة، وقليل من النساء اللواتي يجاهرن بالأفعال التحرشية المرتكبة بحقهن خوفا من لوم المجتمع أو خسارة عملهن الذي يسد رمق أسرهن.

وترسم نجاة معاناتها خلال مرحلة بحثها عن عمل بقولها إنها إن أرادت ان تحصل على وظيفة عليها أن تقدم تنازلات، " أو تستعينين بالحيلة مع الشخص الذي يتحرش بك حتى تحصلين على عمل وبعد ذلك تبدأين في مماطلته".

و تقول فتاة كانت برفقة نجاة محاولة"لقد أصبح أول شرط لقبول الفتاة أن تكون جميلة، وليس أن تتقن العمل الذي ستؤديه".وعند سؤال نجاة وصديقتها فيما إذا كانتا تعلمان أن القانون المغربي يمنع التحرش الجنسي ويعاقب عليه، أبديتا استغرابهما قائلتين" هل من (يتسبل) علي أستطيع أن اقاضيه؟!"

وبعد اخبارهما بأن الفصل 503 من القانون الجنائي المغربي يعاقب على التحرش، قالت نجاة وهي تلعن الظروف التي حرمتها من نعمة الدراسة «لم يكن في علمي ذلك»، قبل أن تستدرك ولكن «كيف أستطيع أن اثبت أن ذلك الرجل تحرش بي؟!".

دموع نعيمة والمعاناة اليومية

أما نعيمة فكانت الدموع تنهمر من عينيها حينما خرجت من مكتب رئيسها المباشر في العمل. انتبهت بعض العاملات معها بشركة للنسيج، فتوجهن نحوها واستفسرن منها عن الأمر بعد أن اعتقدن أنها تلقت خبرا غير سار عن والدتها التي كانت تعيش وقتها مشاكل صحية مزمنة، وبصوت مرتفع وغضب باد على محياها ردت عليهن «هاذاك الحمار(تبسل)علي» ثم توجهت مسرعة نحو صاحب الشركة من أجل إخباره بما جرى لها مع رئيسها المباشر.

غير أن صاحب الشركة المتواجد بالطابق الثاني، استقبلها ببرود، وعندما اخبرته نعيمة أن رئيسها "تبسل عليها"، طلب منها أن تخبره بالتدقيق ما قاله لها، فردت عليه وهي تمسح خديها المبللتين بالدموع"قال ليا تمشي معايا للدار وأنا غاذي(هناك) نتهلى فيك (أتسلى معك)"، فهم صاحب الشركة قصد نعيمة غير أنه حاول التظاهر بعدم الفهم، فقال لها قائلا "ربما يرديك أن تعاوني زوجته في أمر ما".

بدأت شكوك نعيمة حول عدم إنصافها من قبل مشغلها تتحول الى حقائق،.فبالرغم مما حكته له عن سلوكات سابقة لرئيسها المباشر تجاهها، فإن مشغلها كان يجتهد من أجل إيجاد تبرير لتلك السلوكات، ورغم هذه الشكوك فقد أصرت على إفشاء كل الحقيقة مؤكدة لمشغلها أن هذا التحرش سبقته تحرشات سابقة غير أنها كانت تتم بطريقة غير مباشرة، فتارة كان يطلب منها إيصالها بسيارته، وتارة أخرى كان يبدي تعاطفه معها مرجعا اللوم لأحوال هذا البلد التي دفعت فتاة إلى التوقف عن متابعة دراستها، والخروج للبحث عن عمل من أجل إعالة أسرتها... لم يكن كل ما قدمته «نعيمة» كافيا من أجل إقناع صاحب الشركة أن الأمر يتعلق بتحرش جنسي، والأكثر من هذا فقد وجدت نفسها مخيرة بين اعتبار ما تعرضت له شيئا عاديا أو مغادرة العمل.

خرجت نعيمة من مكتب صاحب الشركة دون أن تلوي على شيء، واصلت عملها والكثير من الأفكار والأسئلة تتناسل في مخيلتها، كادت في مرات عديدة أن تنهض من مكانها وتحمل حقيبتها اليدوية وتنهال على رئيسها المباشر بالسب والشتم ثم تغادر الشركة دون رجعة، غير أنها كانت تتراجع كلما تذكرت أمها الطريحة الفراش وصورة والدها شبه العاطل الذي لايكف لحظة على لعن اليوم الذي فكر فيه في تكوين هذه الأسرة.

البحث عن عمل آخر

اضطرت نعيمة إلى الرضوخ للأمر الواقع متحملة نظرات الشماتة من رئيسها المباشر الذي تحول عطفه عليها وحرصه على عدم إزعاجها وإتعابها قبل الإقدام على التحرش بها، إلى سعي حثيث على إتعابها ومضايقتها... كان كل العاملين بالشركة (نساء ورجالا ) متأكدين أن كل خطوة كان رئيسهم المباشر يتخذها في حق نعيمة يسعى من ورائها إلى الإنتقام منها ودفعها إلى مغادرة العمل، غير أن أيا منهما لم يكن قادرا على التدخل لإنهاء عن هذه السلوكات المجحفة في حق فتاة عرفت بين زميلاتها وزملائها بحسن سلوكها ومواظبتها في عملها "لقد استمر الوضع على هذه الحال مدة شهر، لم أستطع تحمل الظلم الذي كنت أتعرض له بشكل يومي من قبل رئيسي المباشر في العمل، فقررت مغادرة الشركة والبحث عن عمل آخر".

وتتابع نعيمة سرد قصتها لصحيفة "الأحداث" موضحة أن معاناتها استمرت ولكن بشكل أخف، ففي الشركة الجديدة التي التحقت بها بعد معاناة طويلة خلال فترة البحث عن عمل... لا تقتصر المعاناة من التحرش الجنسي على الفتيات اللواتي يشتغلن بالشركات بل إنها تشمل، وبصفة أكثر حدة، الفتيات اللواتي يطرقن باب بعض المؤسسات من أجل الحصول على عمل "لقد تعرضت لتحرشات جنسية من قبل بعض المسؤولين بالشركات التي كنت أطرق بابها خلال فترة بحثي عن عمل، فواحد طلب مني ربط علاقة غرامية معه ليتوسط لي لدى صاحب الشركة من أجل تشغيلي، وآخر يقول بأن المسألة تستوجب استضافته لي بشقته، وقليلون هم الذين كانوا لبقين أثناء حديثهم معي".

صعوبات قانونية

ويوضح أحد المحامين أنه رغم وجود قانون يعاقب على التحرش الجنسي، إلا أن توجد صعوبات كثيرة تحول دون الاستفادة منه بشكل كبير في الوقت الراهن،" خاصة إذا علمنا بأن وسائل الإثبات الكلاسيكية ( الشهود مثلا ) لا يمكن الإعتماد عليها في هذا المجال، لأن التحرش الجنسي، غالبا مايتم في فضاءات مغلقة".

ويضيف ذلك المحامي، " وما يزيد من صعوبة الموضوع كون المقدمين على التحرش الجنسي غالبا ما يعمدون إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة من أجل محو أي آثار للجرم المقبلين على ارتكابه".

ومن تلك الاجراءات التي يتخذها رؤساء العمل ما قالت أحدى الفتيات التي عانت من التحرش الجنسي بأن رئيسها ومن أجل الإفلات من المساءلة كان يكلف عاملة بالشركة "بجس نبض كل فتاة أعجب بها، قبل أن يقدم على خطوة التحرش الجنسي بشكل مباشر".

وتتابع تلك الفتاة قصتها، "كان يبدي نظرات إعجاب تجاهي، تجاهلت نظراته لعلمي بأنه قد أوقع العديد من الفتيات في شباكه من قبل، وبعد أن بدأت أتضايق من الأمر قررت التعامل معه بحزم، وفي أحد الأيام وبينما كنت أتناول وجبة الغذاء برفقة إحدى زميلاتي، التي كانت تحظى بتعامل تفضيلي من قبله، أخبرتني أن سر هذا التعامل يكمن في كونها قد قضت معه ليلة بشقة فاخرة يمتلكها وسط المدينة".

وحتى تقنعني بقبول عرضه- والكلام ما زال لنفس الفتاة - فقد أخبرتني "بأنه إنسان واع وتعامل معها باحترام كبير، وأنها حصلت منه على مبلغ مالي بالإضافة إلى الامتيازات التي أصبحت تتمتع بها داخل الشركة".

رفضت الفتاة العرض وأخبرت زميلتها في العمل أنها مخطوبة لشخص تحبه كثيرا، طالبة منها بلهجة لم تخل من إظهار انزعاجها مما سمعته، أن لا تعيد مناقشة مثل هذه المواضيع معها.

كسر حاجز الصمت

وترى احدى الناشطات في جميعة متخصصة للدفاع عن حقوق النساء أن أغلب الفتيات المتحرش بهن جنسيا يخفين المسألة إما خوفا من فقدان عملهن؛ أو خوفا من سلطة المجتمع الذي غالبا مايرد اللوم للمرأة،"فهي متضررة من جهة لكنها لاتقدر على البوح بالمسألة من جهة أخرى".

وتضيف تلك الناشطة بأن الوضع كان كذلك خلال الشهور القليلة الماضية وبالضبط قبل أن يجرم القانون الجنائي التحرش الجنسي وتعتبره مدونة الشغل من الأخطاء الجسيمة، وأوضحت الناشطة لصحيفة الأحداث أن جمعيتها التي تشتغل في إطارها استقبلت خلال الشهور الأخيرة مجموعة من الشكايات التي قرر أصحابها تكسير الصمت الذي يلف هذا الموضوع الذي لايزال «طابو» ضمن طابوهات أخرى في المجتمع المغربي.

وذكرت الناشطة قصة الفتاة «سميرة» (عاملة بالقطاع الخاص) التي توجهت بكل شجاعة ذات صباح الى مقر الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء من أجل سرد تفاصيل معاناتها مع مشغلها. صعدت الى مقر الجمعية الموجود بالطابق الثالث. طرقت الباب ففتحت إحدى المناضلات داخل الجمعية وطلبت من المرأة الدخول، جلست المرأة فسألتها العضوة بالجمعية عن السبب وراء هذه الزيارة فأخبرتها أنها قررت كسر جدار الصمت عن التحرش الجنسي الذي تتعرض له من قبل رئيسها المباشر في العمل بعد طول معاناة ...

طلبت المناضلة بالجمعية من المرأة التوجه برفقتها إلى قاعة مخصصة للاستماع إلى الضحايا. وبعد أن أغلق الباب عليهما بدأت المرأة في سرد معاناتها مع رئيس المصلحة التي تشتغل بها.. بدأت المعاناة منذ حوالي خمس سنوات، صمدت خلالها المرأة كثيرا أمام إغراءات ومطالب رئيسها في العمل قبل أن يتحول التحرش الجنسي إلى انتقام بعد أن رفضت المرأة الاستجابة لطلبات رئيسها المباشر في الشغل، فقد أصبح يتدخل في كل مرة من أجل حرمانها من كل امتياز أو ترقية، قبل أن يعمد، بعد أن يئس من النيل منها، على الضغط عليها من أجل دفعها لمغادرة العمل...

أصبحت سميرة مهددة بالطرد جراء مقاومتها لسلوكات رئيسها المباشر في العمل فقررت طرق باب الجمعية من أجل وضع حد لهذه التصرفات وإيجاد حل للخروج من هذه الورط.

و كان الحل، حسب ما أخبرها به المسؤولون بالجمعية، أن تتقدم بشكاية إلى وكيل الملك تحدد فيها ما تعرضت له من قبل المتحرِّش بها، وكذا طبيعة العلاقة المؤسسية التي تجمعها به، لتغادر بعدها المؤسسة وهي عازمة على وضع حد لهذه التصرفات آملة أن ينصفها القضاء...

وتذكر الناشطة قصة أخرى اعتبرت فتياتها قمة في الشجاع، حيث تضامنت 16 عاملة مع زميلة لهن بالشركة تعرضت لتحرش جنسي. وأبدت الفتيات استعدادا كبيرا لطرح ملف هذه الفتاة على جميع الجهات، تضامنا معها من جهة ولكون المشتكى به معروفا بالشركة بكونه اعتاد التحرش بالعديد من العاملات والأكثر من هذا فقد كان سببا في مغادرة العديد منهن للشركة، بعد أن عانين كثيرا من مضايقاته. ورغبة منهن في المساهمة في تكسير جدار الصمت الذي يلف هذا الموضوع، فإن الفتيات كتبن شكاية ووضعن أسماءهن عليها وتقدمن بها إلى وكيل الملك، ولايزلن ينتظرن اتخاذ الإجراءات اللازمة في حق المتحرش بزميلتهن وبفتيات أخريات كن ضحايا صمت مجتمع على ظاهرة متفشية بشكل مفضوح.

التعليقات