فتاة: نزوات والدي أفقدتني فرصة الزواج

فتاة: نزوات والدي أفقدتني فرصة الزواج

دمشق – دنيا الوطن - أماني برغلة

لماذا أصبح العزوف عن الزواج ظاهرة رائجة هذه الأيام لنشهد بذلك عنوسة تطال

الشباب قبل الفتيات؟ تُرى هل السبب يكمن في عدم العثور على الشريك المناسب؟ أو

لعل الظروف والضغوطات هي الصانع الأول لهذه الظاهرة؟ أم أن هناك أسباباً أخرى

دفينة لا يعرفها إلا أصحابها المعنيون بها وحدهم؟

يقول البعض إن وراء كل حالة عنوسة مأساة اجتماعية، فهل هذه المقولة تنطبق على

الجميع؟ وأين هي المأساة إن وجدت؟

وداعاً للزواج

يقول سليم (31 سنة): عزمت قبل عام على الزواج معتقداً أن هذا الأمر لن يستغرق

سوى أشهر قليلة كوني أتمتع بسمعة طيبة وأعمل بوظيفة محترمة في إحدى الشركات

الكبيرة كمهندس مدني.

يقول سليم: كنت أريدها جامعية متعلمة وخلوقة وبدأت رحلة البحث والتي طالت

كثيراً لدرجة أني يئست من انتهائها على خير ما يرام. فقد قابلت الكثير من

الفتيات ولم أوفق، تارة بسبب الرفض من جانبي وتارة من جانبهن، لكن الشيء الذي

لفت انتباهي هو أسباب الرفض التي واجهتني والتي تمحور معظمها حول الفارق في

السن والمستوى الاجتماعي كوني انتمي إلى عائلة عادية، فمثلاً صادفت فتاة تبلغ

من العمر 24 سنة قالت إن فارق السن بيننا كبير وتكرر هذا الأمر مع خمس فتيات

على الأقل. وفي تجربة أخرى صادفت فتاة أعجبتني كثيراً لكنها رفضت لأنها تفكر

بالارتباط بشاب على قدر كبير من الغنى لينشلها من وضعها العائلي السيّئ وهذا

لا ينطبق عليّ طبعاً وتكرر ذلك عندما طالبني والد إحدى الفتيات بمهر وهو أقرب

إلى الخيال وكأني أريد شراء ابنته لا الارتباط بها.. إن ما حدث زرع الاحباط في

نفسي وجعلني أفكر بشكل جدي بالتراجع عن فكرة الزواج فما واجهته صدر عن فتيات

متعلمات فما بالك بغير المتعلمات؟

عنوسة قسرية

لا يتردد بعض الآباء في الحجر على بناتهم معطين أنفسهم حق الاحتفاظ بهن، كل ذلك

بسبب راتب الوظيفة ليحرموا بناتهم من حق الزواج ويكبتون في داخلهن عاطفة

الأمومة وحب بناء الأسرة، فيكنَّ بذلك عرضة للأفكار السوداوية وللكثير من

الطامعين المتربصين وليصبحن مع مرور السنين ضحايا الجشع وموت الضمير.

سناء (28 سنة) واحدة من كثيرات ذقن مرارة هذا الظلم وعشن معاناته، هي تعمل

كموظفة في إحدى الوزارات براتب جيد لا سيما بالنسبة لوالدها الذي يضع يده عليه

في بداية كل شهر ليصرفه على ملذاته وشهواته، ورغم أن سناء على قدر من الثقافة

والجمال والأخلاق العالية لتكون بذلك محط أنظار الشبان فهي لاتزال تحصي السنين

السنة تلو الأخرى ووالدها مستمر في رفض كل من يتقدم خاطباً واضعاً الكثير من

الحجج والأسباب.

تقول سناء: لقد قالها لي صراحة في إحدى المشاحنات لن تغادري هذا المنزل ما دمت

حياً فأنت ابنتي وعليك طاعتي وإلا فعلت ما لا تحمد عقباه. وتضيف سناء: إن اصرار

أبي على رفض وتنفير الخاطبين كان كافياً لأكون من المغضوب عليهم فيما يتعلق

بموضوع الزواج.

لا بديل عن الانتظار

منال (29 سنة) مازالت تنتظر حتى اليوم موافقة أهلها على زواجها من الشخص الذي

اختارته لنفسها (عبدو) بعد أن كانت ظروفه الصعبة وتدهور وضعه الاجتماعي ذريعة

قوية لرفضه. تقول منال: لقد مضت سبع سنوات حتى الآن ومازلت مصرة على اختياري

الذي أقتنع به وها أنا أسعى جاهدة لاقناع الآخرين بوجهة نظري. حتى لو تطلب هذا

الأمر المزيد من السنوات. فبرأيي نعتي بالعانس أسهل بكثير من اقترابي من شخص لا

أقتنع به وعندها قد أنعت بالمطلقة فتكون النتيجة واحدة مع اختلاف الألقاب

طبعاً.

نفس الاصرار والتجلد وجدناه لدى عبدو الذي أكد على انتظاره منال حتى لو اقتضى

ذلك عزوفه عن الزواج العمر كله.

أما ميرفت (27 سنة) فهي الأخت الصغرى بين أخواتها والوحيدة التي لم تتزوج بعد،

ما يثير تساؤل واستغراب الجميع كونها الأكثر علماً وأدباً ولدى الاستفسار عن

سرّ ذلك اتضح أن ميرفت قد تعرضت في طفولتها (12 سنة) إلى عملية اختطاف بهدف

الاغتصاب أخرجتها من دائرة الفتيات لينتهي بها الأمر ضمن قائمة العوانس. تقول

ميرفت: هذا هو وضعي الذي اعتدت عليه فأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً حيال ذلك إنه

قضاء الله وقدره.

للمغامرات كلمتها أيضاً

وسيم (36 سنة) اسم على مسمى فهو يمتلك من الوسامة والجاذبية ما يجعله محط أنظار

الفتيات غير أن فكرة الزواج ليست ضمن حسابات وسيم واعتباراته المستقبلية، يقول

وسيم: بصراحة أنا لا أثق بأية فتاة على الاطلاق فأنا لا يمكن أن أنسى أبداً موت

صديق عمري منتحراً بسبب خيانة الفتاة التي أحبها، كل الفتيات أنانيات بعيدات عن

حس المسؤولية يهوين التلاعب بالمشاعر ثم يخترن الأنسب لمصالحهن.

الأمر نفسه ينطبق على رباب ايضاً (28 سنة) فهي ترى أن الرجال لا يحترمون المرأة

بل يعتبرونها مجرد وسيلة لاشباع رغباتهم وارضاء نزواتهم.

تقول رباب: أبي شخص طيب القلب لطيف وودود أحبه واحترمه كثيراً فهو مثلي الأعلى

في الحياة وطالما تمنيت أن أحظى في يوم من الأيام برجل مثله، لتأخذني الصاعقة

عندما أخبرتني أمي عن فترة مغامراته وانتقاله من امرأة إلى أخرى غير آبه

بكرامتها مستهتراً بمشاعرها فإذا كان أبي هكذا فكيف سيكون الأمر مع شباب اليوم؟

إني أفضل البقاء على ما أنا عليه فهو أرحم عندي من أن أتعرض لمثل هذا المصير.

وقفة على الأطلال

مازالت جمانة والتي تبلغ من العمر (27 سنة) تعيش على ذكرى خطيبها الغائب بلا

رجعة الحاضر دائماً في حياتها، فلم يسبق أن أعاد الموت أحداً، حدث ذلك عندما

استشهد أثناء أداء واجبه في إحدى الجبهات ليخلف وراءه حبيبة اختارت أن تكمل ما

تبقى من العمر واقفة على أطلال الذكريات. تقول جمانة: كانت علاقتنا أقوى من كل

الظروف وسأبقى مخلصة له إلى الأبد، لا تهمني تعليقات الناس وهمزاتهم واليوم أنا

أكرس نفسي للعمل ومساعدة إخوتي لإتمام دراستهم، أما فكرة الزواج فهي خارج حياتي

تماماً.

وبعيداً عن تلك الحالة تعيش رجاء في إحدى الضيع حياة يملؤها الخوف والحيرة بعد

أن تركها أهلها فريسة أمرين أحلاهما مرّ بالنسبة لها، فإما أن تقترن بابن عمها

أو تبقى عزباء إلى أن تعدل عن رأيها ولو فكرت بغير ذلك فإن الموت على يد ابن

عمها سيكون مصيرها المؤكد. وقد مضى على وضعها هذا ست سنوات وابن عمها مازال

يتربص بها معلناً هو الآخر الاضراب عن الزواج أملاً بنيل ابنة عمه.

تقول رجاء: قبولي بابن عمي يعني نهايتي حتماً فهو جاهل ومتعصب لا أستطيع أن

أتخيل أننا يمكن أن نعيش في بيت واحد.

نورما الجميلة تتكلم

لا شك أن الخوض في الأعمال المشبوهة غير الشريفة له ثمن، وثمنه كان باهضاً جداً

بالنسبة لنورما (28 سنة) وهو لقبها المعروفة به فهي منذ أربع سنوات تبيع جسدها

للعيش في منزل والدتها الذي تحول إلى وكر حقيقي بعد أن غادرهما والدها خارج

البلاد وتركهما في مواجهة مصيرهما، تقول نورما: إن التفكير بالزواج بالنسبة لي

أشبه بالحلم، فهو يشكل عائقاً يحول دون عملي الذي لا مفر منه كما أخبرتني

والدتي، لقد دخلت سجناً أبدياً لا مكان للزواج فيه.

امنحوني بعض الشجاعة

على الرغم من أن ظروف فريد (27 سنة) تؤهله للإقدام على خطوة الارتباط والزواج

إلا أن هذا الأمر يحظى من قبله بالرفض والسبب في ذلك كما يقول إني أجد صعوبة في

تقبل فكرة انفصالي عن عائلتي والاستقرار بعيداً عنها خاصة والدتي فهي كل شيء

بالنسبة لي وابتعادي عنها سيوقعني في مآزق لا نهاية لها، فقد اعتدت أن تتكفل

بحل مشكلاتي وتدبير أموري، أنا حقاً افتقد الشجاعة للاقدام على ذلك وأفضل إبعاد

هذه الفكرة عن حياتي فهذا يريحني أكثر.

أما باسم (50 سنة) فبعد غيابه لأكثر من 15 عاماً بغرض الدراسة ثم العمل في

روسيا عاد إلى الوطن يحمل حقيبة طموحاته وأحلامه وها هي تمضي 16 عاماً أخرى على

عمله كمدير في إحدى المحطات دون أن يفكر في كسر عزوبيته. يقول باسم: قابلت

الكثير من الفتيات لكني لم أجد لديهن ما ينسجم مع تفكيري و يكمل كياني واصبحت

أرى أنه من الصعب أن يحدث ذلك بعد أن تجاوزت الخمسين من عمري، قد أفكر بالعودة

إلى روسيا والاستقرار والزواج هناك فبرأيي هذا هو الحل الأنسب.

من جهة أخرى يقول مازن (43 سنة) والذي زار سورية مؤخراً وبعد أن امتهن السفر

والترحال من بلد لآخر بحثاً عن العمل: لا أفكر في الزواج أبداً فهو سيجبرني على

الاستقرار ويحملني مسؤولية كبرى يكون ذلك عثرة تحد من طموحاتي هذا وحده ما

يبعدني عن فكرة الزواج. فهو سبب مقنع وكافٍ بالنسبة لي على الأقل.

قد يكون من الصعب الحكم على ظاهرة العنوسة وتحديد الأسباب المؤدية لها سيما

بوجود أسباب هي حكر على أصحابها وحدهم مضافاً إليها لائحة المسببات التي تبدو

منطقية في مجتمعنا كالمعاناة المادية التي يعيشها شبابنا هذه الأيام أو خصوصية

العقلية التي تنفرد بها بعض العائلات ولا ننسى أن أسلوب التربية الذي يسلكه

البعض في تنشئة الأبناء له مكانه الهام في هذا المضمار أيضاً كذلك ظروف العمل

والاغتراب لتبقى هناك أسباب لا يد لنا في وجودها نحن البشر كأمور المرض،

والافتقار إلى الجمال... إلخ. ومع ذلك فإن الوضع الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه

الفرد يعتبر هو المهيمن أولاً وأخيراً بعيداً عن كل الاعتبارات الفردية الخاضعة

لحالات تغرق في خصوصيتها.. ويبقى السؤال: هل من اللائق أن نجلس مكتوفي الأيدي

أمام هذا الزخم الهائل من الحجج والأسباب غافلين عن إمكانية تفاقمها وتراكم

نتائجها على حياتنا ما دامت هناك حقيقة تفرض نفسها في نهاية الأمر.

التعليقات