أوكرانيا : مسلمون هجروا في حاويات الأغنام وحولت مساجدهم لمراقص ومحمد الدرة طفل يهودي
أوكرانيا : مسلمون هجروا في حاويات الأغنام وحولت مساجدهم لمراقص
غزة-دنيا الوطن
عرف المسلمون في جمهورية أوكرانيا الواقعة شرق أوروبا على البحر الأسود بين بولندا ورومانيا، وتحدها مولدافيا من جهة الغرب وروسيا من جهة الشرق ظروفا صعبة طيلة 80 عاما من الحكم الشيوعي، إذ لم يكن بوسعهم الحصول على أي دروس دينية أو حتى الاحتفاظ بمساجدهم القديمة التي تم تحويلها إلى ملاهي ليلية. وبتهمة عدم الولاء للدولة الشيوعية، قام ستالين بتهجير التتار المسلمين في حاويات الأغنام والأبقار من مناطقهم في شبه جزيرة القرم إلى سيبريا وأوزبكستان.
واستطاعت المراكز الإسلامية القليلة التي سمح بها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أن تستقطب المسلمين الذين يشكلون 5% تقريبا من سكان أوكرانيا. وبعد أن كان 10 أشخاص فقط يؤدون الجمعة في المسجد الكبير في مدينة سفروبال في شبه جزيرة القرم في مطلع التسعينات على سبيل المثال، أصبح المئات حاليا يقصدون هذا المسجد لتأدية الصلوات.
وطوال 8 عقود عانى المسلمون الأوكرانيون الذين يتحدر غالبيتهم من قوميتي تتار القرم وتتار كازان من اضطهاد ديني وجرت محاولات لطمس هويتهم القومية والدينية علاوة على انحدار أوضاعهم الاقتصادية على النحو الذي جعلهم في أدنى القائمة الاجتماعية هناك. وبعد تفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي عادوا إلى موطنهم الأصلي معدمين ولم يتمكن غالبيتهم من استخراج وثائق الجنسية الأوكرانية، لأنها تكلف 100 دولارا عجزوا عن الإيفاء بها.
ويوضح د فاروق عاشور الذي يرأس اتحاد المنظمات الاجتماعية في هذه الجمهورية أن 2 مليون من المسلمين هناك يعيشون في قرى في جزيرة القرم تفتقر إلى الخدمات ولا توجد بها حتى آبار المياه. ويضيف لـ"العربية.نت" أنهم يكابدون من أجل الحفاظ على هويتهم الإسلامية في ضوء مناهج دراسية أوكرانية لا تعير التفاتا لمتطلبات هويتهم، مشيرا إلى أن مدارس على أصابع اليد تقوم بتدريس الثقافة الإسلامية لكنها تعاني فقرا مدقعا.
وبعد سقوط الدولة الشيوعية سمح للمسلمين بمزاولة شعائرهم الدينية وبناء المساجد وإنشاء الجمعيات الإسلامية. وفي كل المناطق خارج شبه جزيرة القرم لم يتمكن المسلمون نظرا للقوانين المقيدة إلا من بناء 5 مساجد فقط. أما في القرم فبالإضافة للمساجد القديمة بنيت مساجد جديدة ليشكل مجموعها 150 مسجدا.
أملاك التتار بيد الروس
ويطالب المجلس القومي لتتار القرم الذي يرأسه مصطفى جميلوف بإرجاع ممتلكات التتار التي كانت صودرت في عهد ستالين بتهمة الخيانة عندما كانوا يقاتلون مع الجيوش السوفيتية ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية. وتم طرد هؤلاء آنذاك من بيوتهم وعقاراتهم ومنحت لمواطنين روس. ويرى عاشور أن مسلمي أوكرانيا لم يتمكنوا من توحيد صفوفهم من أجل وضع مطالباتهم على طاولة الحكومة أو حتى لفرضها كاستحقاق انتخابي خلال الجولة الأخيرة بين رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش وزعيم المعارضة فيكتور يوتشينكو.
وعلى الرغم من جهود المجلس القومي التتري الذي انحاز ليوتشينكو أملا في تحقيق وعوده لهم بالنظر في قضيتهم، إلا أن تشتت أصوات الناخبين المسلمين بين هذا المرشح وبين يانوكوفيتش الذي حظي بدعم غالبية تتار كازان الذين يقطنون شرق ووسط البلاد وتأثروا بدعاية رئيس الوزراء في هذه المناطق، يجعل من الصعب صوغ خطاب سياسي مطلبي للمسلمين هناك.
ويعزى سبب تأييد تتار القرم يوتشينكو وفقا لرؤية عاشور في أن الروس الذين يدعمون خصمه في الانتخابات يسكنون إلى غاية الآن بيوتهم وهم الذين استولوا على ممتلكاتهم، بالإضافة إلى أنهم تسببوا في تهجيرهم. وشارك هؤلاء في التظاهرات التي انتظمت أنحاء البلاد احتجاجا على نتيجة الانتخابات.
وأدى تواجد تتار كازان في شرق ووسط البلاد التي يتمتع فيها الروس بنفوذ كبير بالإضافة لنفوذ رجل الأعمال التتري رينات أحمد في أوساطهم وهو الرجل الذي تجمعه مصالح اقتصادية ضخمة بيانوكوفيتش المقرب من موسكو، إلى غلبة تأييد هذا المرشح في أوساطهم، وتبرز عوامل أخرى تضعف موقف المسلمين بحسب عاشور أهمها أن المرشحين لرئاسة الحكومة لم يقدما وعودا انتخابية واضحة لهؤلاء.
الصلاة في "الكبر جامي"
ويشير مدير المركز الإسلامي في شبه جزيرة القرم د..إسماعيل القاضي إلى أن تتار القرم متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية على الرغم من محاولات تذويب هويتهم.
وقال القاضي لـ"العربية.نت" إن مركزه الذي تأسس في 2001 لعب دورا مهما في أوساط مسلمي هذه المناطق، مشيرا إلى أن 10 مساجد في مدينة سفروبال تمتلئ عن آخرها بالمصلين في حين كان عدد المصلين في 1993 لا يتجاوز 10 كانوا يؤدون الجمعة في "الكبر جامي" التي تعني بالتترية الجامع الكبير.
وقال إن المسلمين تمكنوا من استعادة بعض المساجد التي كانت تحولت إلى مراقص ليلية، بالإضافة لبناء مساجد جديدة، إلا أن إنشاء مساجد جديدة بات يواجه إجراءات معقدة. وأضاف أن مركزه يدرس المذهب الحنفي مذهب أهل البلاد، يأخذ بالاعتبار مستوى المسلمين الثقافي هناك والفترة الطويلة التي قضوها تحت حكم الدولة الشيوعية.
وأشار إلى أن صحوة إسلامية تنتظم الجيل الجديد على الرغم من وجود عادات غير إسلامية "يعمل المركز على معالجتها بأسلوب متدرج". وأوضح أن عادة مثل دعاء اليوم السابع واليوم الأربعين عند موت أحدهم لا يمكن تغييرها بسهولة و"إنما بشكل بعيد عن الراديكالية". لكنه لا يغفل عن الإشارة لعادات تسود أوساط مسلمي أوكرانيا شديدة الشبه بالعادات العربية كالكرم وزيارة المرضى واحترام كبار السن.
ويعيش في هذه الجمهورية حوالي 70 - 80 ألفا من العرب المهاجرين، لا يعانون من إشكالات نظرا لأنه ليس ثمة عداء تاريخي بين العرب والأوكرانيين. وأشار عاشور إلى أن حوادث القتل المتفرقة التي كانت تقع ويروح ضحيتها عرب بين حين وآخر بغرض السطو انحسرت إلى حد كبير لاستتباب الأمن في هذه الجمهورية. ونفى أن تكون السلطات قد أوقفت طيلة السنوات الماضية أي عربي أو مسلم للاشتباه بتورطه مع جماعات متطرفة، مؤكدا في الوقت ذاته أن أوكرانيا تخلو من الجماعات الإسلامية الداعية للعنف.
المراكز الإسلامية "تحت المراقبة"
وفي الآونة الأخيرة -يقول عاشور- بدأ مسلمو شبه جزيرة القرم ونتيجة الظروف الاقتصادية الخانقة ينتبهون لقضايا إسلامية خارجية، وباتت الأفكار المكفرة للمجتمع تنتشر في بعض الأوساط هناك. إلا أنه لم يسترع النظر حتى الآن حدوث أنشطة ميدانية تؤشر لاستفحال هذه الأفكار إذ لم تتعد مرحلة الاجتهادات الفكرية الداعية لقيام دولة إسلامية إلى التحريض. على أن السلطات الأوكرانية تراقب عن كثب أنشطة المراكز الإسلامية والمساجد.
وكانت أوكرانيا فيما سبق ممرا آمنا للمقاتلين الشيشان في ضوء تغاضي الدولة عن أنشطتهم، ولم تكن هذه الأنشطة تشكل خطرا على حكومة كييف، لكن خروج هؤلاء -بنظر كييف- عن الأعراف وقتلهم بعض الأسرى والجرحى دعا السلطات الأوكرانية لسد الأبواب أمامهم.
وقال عاشور إن العرب يتوزعون في المدن الأوكرانية وتضم العاصمة كييف لوحدها 15 ألفا. وأشار إلى غالبية هؤلاء هم من الطلاب ورجال الأعمال. في حين أوضح القاضي أن غالبية العرب هناك هم من سوريا وليبيا والجزائر ومصر. ويحكي القاضي الذي ذهب إلى أوكرانيا في 1993 عن تجربته الخاصة بعد أن اقترن بسيدة تترية أوكرانية مسلمة قبل عامين، موضحا أنه لم يتمكن من الالتحاق بكليات الطب في سوريا فقصد أوكرانيا. ومنذ دخوله البلاد تمتع عاشور الذي يدرس حاليا تخصص جراحة العظام بعد نيله شهادة الطب بإقامة دائمة.
الدرة.. طفل يهودي
ولاقترابه بالمصاهرة مع الأوكرانيين أمكنه أن يتلمس رؤيتهم حيال العرب والمسلمين، فالأوكرانيين بحسبه كانوا ينظرون للعرب قبل انتشار القنوات الفضائية والانترنت على أنهم ملتزمون بالديانة الإسلامية بالشكل الأكثر مثالية وفقا لما حكاه لهم عنهم أسلافهم، لكن هذه الصورة تغيرت إلى حد كبير -يضيف القاضي- إذ باتوا يدركون أن هناك فروقا عميقة بين الصورة المثالية التي تشكلت سابقا في أذهانهم والصورة الواقعية التي باتوا يشاهدونها في القنوات الفضائية.
من ناحيته يطرح عاشور رؤية متشائمة بعض الشيء عن توجهات الإعلام الأوكراني المملوك في معظمه لرؤوس أموال يهودية حيال القضايا العربية. ويشير إلى أن حادثة استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة على سبيل المثال نقلت عبر شاشات التلفزة الأوكرانية على أساس أن القاتل فلسطيني والضحية "طفل يهودي".
وشاهد الملايين صورة محمد الدرة وعلى رأسه قلنسوة إسرائيلية في حين كان شاب فلسطيني يمطره بالرصاص. لكن الأوكرانيين محايدون -يقول عاشور- فقد تعاطفوا على سبيل المثال مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي كان يمثل لهم رمزا منذ أيام الاتحاد السوفيتي. ولم يحظ إرسال 1600 جندي أوكراني إلى العراق بموافقة المواطنين الذين انتقدوا الحرب بتأثير من روسيا. وصوّت البرلمان أخيرا لسحب هؤلاء الجنود من العراق.
ويتمتع العرب المقيمون هناك بعلاقات وثيقة مع مسلمي البلاد المحليين من خلال جمعيات تابعة لاتحاد المنظمات الاجتماعية "الرائد" أنشئت في سائر المدن. ويقول القاضي إن عددا من العرب تزوجوا بتتاريات مسلمات وأوكرانيات مسيحيات. لكنه لم ينف "تنصير" عدد كبير من تتار كازان نتيجة إغراءات مادية كبيرة في ظل ظروف معيشية غاية في التعقيد، أما تتار القرم فلم يتنصر منهم على حد قوله سوى 10 أشخاص.
مياه الشرب وتحفيظ القرآن
وتأسس اتحاد المنظمات الاجتماعية في 7 فبراير 1997 كمؤسسة اجتماعية خيرية مستقلة لخدمة الإسلام والمسلمين في أوكرانيا من خلال دعوة المحسنين في العالم لمساندة ومؤازرة أنشطته من زكاة الأموال والتبرعات الخيرية والمشاريع الوقفية. ويقع مقره الرئيس في العاصمة كييف، ويسعى لنشر الثقافة الإسلامية بين المسلمين من أهل البلاد وتعريف غير المسلمين بالإسلام وذلك بالوسائل المشروعة التي تكفلها قوانين أوكرانيا. بالإضافة لبناء جسور التواصل الحضاري بين دول العالم الإسلامي وأوكرانيا وتقديم المساعدة المادية والمعنوية للمحتاجين من أبناء المسلمين.
وخلال مسيرة 7 سنوات تمكن الاتحاد من تأسيس 6 مراكز إسلامية في مدن مختلفة، وسعى من خلال بث إذاعي إلى تعريف المسلمين وتوعيتهم بالإسلام وربطهم به وتعريف غير المسلمين بحقيقة الإسلام ومبادئه ونشر الثقافة الإسلامية وسط المجتمع الأوكراني، وقد استطاع هذا البرنامج أن يستحوذ على اهتمام شريحة واسعة من المسلمين وغير المسلمين من أهل البلاد لدرجة أنه نال جائزة الدولة التقديرية كبرنامج يعكس تعدد الثقافات في المجتمع الأوكراني.
ويرعى الاتحاد أكثر من 40 مدرسة وفصلا أسبوعيا في مدن أوكرانيا المختلفة، حيث تقوم هذه المدارس على تعليم أبناء المسلمين مبادئ وتعاليم دينهم إضافة إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وينظم سنويا عددا من المخيمات الصيفية لأبناء المسلمين يسعى من خلالها إلى ترسيخ المفاهيم الإسلامية. كما عمل على تحفيظ القرآن الكريم داخل المساجد والمعاهد التابعة له.
ويقوم بكفالة 450 من الأيتام هناك علاوة على إصداره صحيفتين باللغتين الروسية والعربية. كما يسعى من خلال مشروع خاص بحفر الآبار إلى سد حاجات المسلمين من مياه الشرب في شبه جزيرة القرم، حيث يعيش قرابة 200 ألف مسلم في قرى تفتقر لمصادر المياه. وخلال الفترة الماضية قام الاتحاد بحفر 110 بئرا للمياه.
أوكرانيا.. تعدد الأعراق والثقافات
تجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا كانت مركزا للدولة السلافية أقوى دول أوروبا في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، وبعد حقبة من الاستعمار الروسي استمرت عقود طويلة خلال القرن التاسع عشر حظيت البلاد بفترة قصيرة من الاستقلال (1917 - 1920) لتعود إلى الحظيرة الروسية تحت ظلال الاتحاد السوفيتي. وبعد انهيار الدولة الشيوعية نالت أوكرانيا استقلالها في 24 أغسطس 1991.
وتولى الرئيس الحالي ليونيد كوتشيما الحكم في 19 يوليو1994 في الجمهورية التي يقطنها حوالي 47 مليون نسمة يتحدرون من قوميات مختلفة. ويشكل الأوكرانيون من نسبة السكان 77،8% فيما الروس 17،3% والبيلاروس 0،6% والمولدافيون 0،5% وتتار القرم 0،5% والبلغار 0،4% والهنغاريون 0،3% والرومانيون 0،3% والبولنديون 03% واليهود 0،2% واثنيات أخرى 1،8%.
غزة-دنيا الوطن
عرف المسلمون في جمهورية أوكرانيا الواقعة شرق أوروبا على البحر الأسود بين بولندا ورومانيا، وتحدها مولدافيا من جهة الغرب وروسيا من جهة الشرق ظروفا صعبة طيلة 80 عاما من الحكم الشيوعي، إذ لم يكن بوسعهم الحصول على أي دروس دينية أو حتى الاحتفاظ بمساجدهم القديمة التي تم تحويلها إلى ملاهي ليلية. وبتهمة عدم الولاء للدولة الشيوعية، قام ستالين بتهجير التتار المسلمين في حاويات الأغنام والأبقار من مناطقهم في شبه جزيرة القرم إلى سيبريا وأوزبكستان.
واستطاعت المراكز الإسلامية القليلة التي سمح بها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أن تستقطب المسلمين الذين يشكلون 5% تقريبا من سكان أوكرانيا. وبعد أن كان 10 أشخاص فقط يؤدون الجمعة في المسجد الكبير في مدينة سفروبال في شبه جزيرة القرم في مطلع التسعينات على سبيل المثال، أصبح المئات حاليا يقصدون هذا المسجد لتأدية الصلوات.
وطوال 8 عقود عانى المسلمون الأوكرانيون الذين يتحدر غالبيتهم من قوميتي تتار القرم وتتار كازان من اضطهاد ديني وجرت محاولات لطمس هويتهم القومية والدينية علاوة على انحدار أوضاعهم الاقتصادية على النحو الذي جعلهم في أدنى القائمة الاجتماعية هناك. وبعد تفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي عادوا إلى موطنهم الأصلي معدمين ولم يتمكن غالبيتهم من استخراج وثائق الجنسية الأوكرانية، لأنها تكلف 100 دولارا عجزوا عن الإيفاء بها.
ويوضح د فاروق عاشور الذي يرأس اتحاد المنظمات الاجتماعية في هذه الجمهورية أن 2 مليون من المسلمين هناك يعيشون في قرى في جزيرة القرم تفتقر إلى الخدمات ولا توجد بها حتى آبار المياه. ويضيف لـ"العربية.نت" أنهم يكابدون من أجل الحفاظ على هويتهم الإسلامية في ضوء مناهج دراسية أوكرانية لا تعير التفاتا لمتطلبات هويتهم، مشيرا إلى أن مدارس على أصابع اليد تقوم بتدريس الثقافة الإسلامية لكنها تعاني فقرا مدقعا.
وبعد سقوط الدولة الشيوعية سمح للمسلمين بمزاولة شعائرهم الدينية وبناء المساجد وإنشاء الجمعيات الإسلامية. وفي كل المناطق خارج شبه جزيرة القرم لم يتمكن المسلمون نظرا للقوانين المقيدة إلا من بناء 5 مساجد فقط. أما في القرم فبالإضافة للمساجد القديمة بنيت مساجد جديدة ليشكل مجموعها 150 مسجدا.
أملاك التتار بيد الروس
ويطالب المجلس القومي لتتار القرم الذي يرأسه مصطفى جميلوف بإرجاع ممتلكات التتار التي كانت صودرت في عهد ستالين بتهمة الخيانة عندما كانوا يقاتلون مع الجيوش السوفيتية ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية. وتم طرد هؤلاء آنذاك من بيوتهم وعقاراتهم ومنحت لمواطنين روس. ويرى عاشور أن مسلمي أوكرانيا لم يتمكنوا من توحيد صفوفهم من أجل وضع مطالباتهم على طاولة الحكومة أو حتى لفرضها كاستحقاق انتخابي خلال الجولة الأخيرة بين رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش وزعيم المعارضة فيكتور يوتشينكو.
وعلى الرغم من جهود المجلس القومي التتري الذي انحاز ليوتشينكو أملا في تحقيق وعوده لهم بالنظر في قضيتهم، إلا أن تشتت أصوات الناخبين المسلمين بين هذا المرشح وبين يانوكوفيتش الذي حظي بدعم غالبية تتار كازان الذين يقطنون شرق ووسط البلاد وتأثروا بدعاية رئيس الوزراء في هذه المناطق، يجعل من الصعب صوغ خطاب سياسي مطلبي للمسلمين هناك.
ويعزى سبب تأييد تتار القرم يوتشينكو وفقا لرؤية عاشور في أن الروس الذين يدعمون خصمه في الانتخابات يسكنون إلى غاية الآن بيوتهم وهم الذين استولوا على ممتلكاتهم، بالإضافة إلى أنهم تسببوا في تهجيرهم. وشارك هؤلاء في التظاهرات التي انتظمت أنحاء البلاد احتجاجا على نتيجة الانتخابات.
وأدى تواجد تتار كازان في شرق ووسط البلاد التي يتمتع فيها الروس بنفوذ كبير بالإضافة لنفوذ رجل الأعمال التتري رينات أحمد في أوساطهم وهو الرجل الذي تجمعه مصالح اقتصادية ضخمة بيانوكوفيتش المقرب من موسكو، إلى غلبة تأييد هذا المرشح في أوساطهم، وتبرز عوامل أخرى تضعف موقف المسلمين بحسب عاشور أهمها أن المرشحين لرئاسة الحكومة لم يقدما وعودا انتخابية واضحة لهؤلاء.
الصلاة في "الكبر جامي"
ويشير مدير المركز الإسلامي في شبه جزيرة القرم د..إسماعيل القاضي إلى أن تتار القرم متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية على الرغم من محاولات تذويب هويتهم.
وقال القاضي لـ"العربية.نت" إن مركزه الذي تأسس في 2001 لعب دورا مهما في أوساط مسلمي هذه المناطق، مشيرا إلى أن 10 مساجد في مدينة سفروبال تمتلئ عن آخرها بالمصلين في حين كان عدد المصلين في 1993 لا يتجاوز 10 كانوا يؤدون الجمعة في "الكبر جامي" التي تعني بالتترية الجامع الكبير.
وقال إن المسلمين تمكنوا من استعادة بعض المساجد التي كانت تحولت إلى مراقص ليلية، بالإضافة لبناء مساجد جديدة، إلا أن إنشاء مساجد جديدة بات يواجه إجراءات معقدة. وأضاف أن مركزه يدرس المذهب الحنفي مذهب أهل البلاد، يأخذ بالاعتبار مستوى المسلمين الثقافي هناك والفترة الطويلة التي قضوها تحت حكم الدولة الشيوعية.
وأشار إلى أن صحوة إسلامية تنتظم الجيل الجديد على الرغم من وجود عادات غير إسلامية "يعمل المركز على معالجتها بأسلوب متدرج". وأوضح أن عادة مثل دعاء اليوم السابع واليوم الأربعين عند موت أحدهم لا يمكن تغييرها بسهولة و"إنما بشكل بعيد عن الراديكالية". لكنه لا يغفل عن الإشارة لعادات تسود أوساط مسلمي أوكرانيا شديدة الشبه بالعادات العربية كالكرم وزيارة المرضى واحترام كبار السن.
ويعيش في هذه الجمهورية حوالي 70 - 80 ألفا من العرب المهاجرين، لا يعانون من إشكالات نظرا لأنه ليس ثمة عداء تاريخي بين العرب والأوكرانيين. وأشار عاشور إلى أن حوادث القتل المتفرقة التي كانت تقع ويروح ضحيتها عرب بين حين وآخر بغرض السطو انحسرت إلى حد كبير لاستتباب الأمن في هذه الجمهورية. ونفى أن تكون السلطات قد أوقفت طيلة السنوات الماضية أي عربي أو مسلم للاشتباه بتورطه مع جماعات متطرفة، مؤكدا في الوقت ذاته أن أوكرانيا تخلو من الجماعات الإسلامية الداعية للعنف.
المراكز الإسلامية "تحت المراقبة"
وفي الآونة الأخيرة -يقول عاشور- بدأ مسلمو شبه جزيرة القرم ونتيجة الظروف الاقتصادية الخانقة ينتبهون لقضايا إسلامية خارجية، وباتت الأفكار المكفرة للمجتمع تنتشر في بعض الأوساط هناك. إلا أنه لم يسترع النظر حتى الآن حدوث أنشطة ميدانية تؤشر لاستفحال هذه الأفكار إذ لم تتعد مرحلة الاجتهادات الفكرية الداعية لقيام دولة إسلامية إلى التحريض. على أن السلطات الأوكرانية تراقب عن كثب أنشطة المراكز الإسلامية والمساجد.
وكانت أوكرانيا فيما سبق ممرا آمنا للمقاتلين الشيشان في ضوء تغاضي الدولة عن أنشطتهم، ولم تكن هذه الأنشطة تشكل خطرا على حكومة كييف، لكن خروج هؤلاء -بنظر كييف- عن الأعراف وقتلهم بعض الأسرى والجرحى دعا السلطات الأوكرانية لسد الأبواب أمامهم.
وقال عاشور إن العرب يتوزعون في المدن الأوكرانية وتضم العاصمة كييف لوحدها 15 ألفا. وأشار إلى غالبية هؤلاء هم من الطلاب ورجال الأعمال. في حين أوضح القاضي أن غالبية العرب هناك هم من سوريا وليبيا والجزائر ومصر. ويحكي القاضي الذي ذهب إلى أوكرانيا في 1993 عن تجربته الخاصة بعد أن اقترن بسيدة تترية أوكرانية مسلمة قبل عامين، موضحا أنه لم يتمكن من الالتحاق بكليات الطب في سوريا فقصد أوكرانيا. ومنذ دخوله البلاد تمتع عاشور الذي يدرس حاليا تخصص جراحة العظام بعد نيله شهادة الطب بإقامة دائمة.
الدرة.. طفل يهودي
ولاقترابه بالمصاهرة مع الأوكرانيين أمكنه أن يتلمس رؤيتهم حيال العرب والمسلمين، فالأوكرانيين بحسبه كانوا ينظرون للعرب قبل انتشار القنوات الفضائية والانترنت على أنهم ملتزمون بالديانة الإسلامية بالشكل الأكثر مثالية وفقا لما حكاه لهم عنهم أسلافهم، لكن هذه الصورة تغيرت إلى حد كبير -يضيف القاضي- إذ باتوا يدركون أن هناك فروقا عميقة بين الصورة المثالية التي تشكلت سابقا في أذهانهم والصورة الواقعية التي باتوا يشاهدونها في القنوات الفضائية.
من ناحيته يطرح عاشور رؤية متشائمة بعض الشيء عن توجهات الإعلام الأوكراني المملوك في معظمه لرؤوس أموال يهودية حيال القضايا العربية. ويشير إلى أن حادثة استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة على سبيل المثال نقلت عبر شاشات التلفزة الأوكرانية على أساس أن القاتل فلسطيني والضحية "طفل يهودي".
وشاهد الملايين صورة محمد الدرة وعلى رأسه قلنسوة إسرائيلية في حين كان شاب فلسطيني يمطره بالرصاص. لكن الأوكرانيين محايدون -يقول عاشور- فقد تعاطفوا على سبيل المثال مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي كان يمثل لهم رمزا منذ أيام الاتحاد السوفيتي. ولم يحظ إرسال 1600 جندي أوكراني إلى العراق بموافقة المواطنين الذين انتقدوا الحرب بتأثير من روسيا. وصوّت البرلمان أخيرا لسحب هؤلاء الجنود من العراق.
ويتمتع العرب المقيمون هناك بعلاقات وثيقة مع مسلمي البلاد المحليين من خلال جمعيات تابعة لاتحاد المنظمات الاجتماعية "الرائد" أنشئت في سائر المدن. ويقول القاضي إن عددا من العرب تزوجوا بتتاريات مسلمات وأوكرانيات مسيحيات. لكنه لم ينف "تنصير" عدد كبير من تتار كازان نتيجة إغراءات مادية كبيرة في ظل ظروف معيشية غاية في التعقيد، أما تتار القرم فلم يتنصر منهم على حد قوله سوى 10 أشخاص.
مياه الشرب وتحفيظ القرآن
وتأسس اتحاد المنظمات الاجتماعية في 7 فبراير 1997 كمؤسسة اجتماعية خيرية مستقلة لخدمة الإسلام والمسلمين في أوكرانيا من خلال دعوة المحسنين في العالم لمساندة ومؤازرة أنشطته من زكاة الأموال والتبرعات الخيرية والمشاريع الوقفية. ويقع مقره الرئيس في العاصمة كييف، ويسعى لنشر الثقافة الإسلامية بين المسلمين من أهل البلاد وتعريف غير المسلمين بالإسلام وذلك بالوسائل المشروعة التي تكفلها قوانين أوكرانيا. بالإضافة لبناء جسور التواصل الحضاري بين دول العالم الإسلامي وأوكرانيا وتقديم المساعدة المادية والمعنوية للمحتاجين من أبناء المسلمين.
وخلال مسيرة 7 سنوات تمكن الاتحاد من تأسيس 6 مراكز إسلامية في مدن مختلفة، وسعى من خلال بث إذاعي إلى تعريف المسلمين وتوعيتهم بالإسلام وربطهم به وتعريف غير المسلمين بحقيقة الإسلام ومبادئه ونشر الثقافة الإسلامية وسط المجتمع الأوكراني، وقد استطاع هذا البرنامج أن يستحوذ على اهتمام شريحة واسعة من المسلمين وغير المسلمين من أهل البلاد لدرجة أنه نال جائزة الدولة التقديرية كبرنامج يعكس تعدد الثقافات في المجتمع الأوكراني.
ويرعى الاتحاد أكثر من 40 مدرسة وفصلا أسبوعيا في مدن أوكرانيا المختلفة، حيث تقوم هذه المدارس على تعليم أبناء المسلمين مبادئ وتعاليم دينهم إضافة إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وينظم سنويا عددا من المخيمات الصيفية لأبناء المسلمين يسعى من خلالها إلى ترسيخ المفاهيم الإسلامية. كما عمل على تحفيظ القرآن الكريم داخل المساجد والمعاهد التابعة له.
ويقوم بكفالة 450 من الأيتام هناك علاوة على إصداره صحيفتين باللغتين الروسية والعربية. كما يسعى من خلال مشروع خاص بحفر الآبار إلى سد حاجات المسلمين من مياه الشرب في شبه جزيرة القرم، حيث يعيش قرابة 200 ألف مسلم في قرى تفتقر لمصادر المياه. وخلال الفترة الماضية قام الاتحاد بحفر 110 بئرا للمياه.
أوكرانيا.. تعدد الأعراق والثقافات
تجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا كانت مركزا للدولة السلافية أقوى دول أوروبا في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، وبعد حقبة من الاستعمار الروسي استمرت عقود طويلة خلال القرن التاسع عشر حظيت البلاد بفترة قصيرة من الاستقلال (1917 - 1920) لتعود إلى الحظيرة الروسية تحت ظلال الاتحاد السوفيتي. وبعد انهيار الدولة الشيوعية نالت أوكرانيا استقلالها في 24 أغسطس 1991.
وتولى الرئيس الحالي ليونيد كوتشيما الحكم في 19 يوليو1994 في الجمهورية التي يقطنها حوالي 47 مليون نسمة يتحدرون من قوميات مختلفة. ويشكل الأوكرانيون من نسبة السكان 77،8% فيما الروس 17،3% والبيلاروس 0،6% والمولدافيون 0،5% وتتار القرم 0،5% والبلغار 0،4% والهنغاريون 0،3% والرومانيون 0،3% والبولنديون 03% واليهود 0،2% واثنيات أخرى 1،8%.

التعليقات