شبان أردنيون فقراء يتطوعون كوحدات اختبار لدراسات دوائية

شبان أردنيون فقراء يتطوعون كوحدات اختبار لدراسات دوائية

غزة-دنيا الوطن

قد يبدو منظر تجمهر العشرات من الاشخاص امام مبني زجاجي في صبيحة شتائية باردة في قلب العاصمة الاردنية عمان، منظرا هجينا بعض الشيء، اذ ان مجموعات الشبان المصطفين لا توحي بأنهم من هواة انتظار الحافلات، الا ان العدد ما يلبث ان يزداد مع توقف حافلة بعد الاخري في الجهة المقابلة من الشارع، وقد يأتي الاشخاص راكضين نحو الرجل الذي يشرب قهوة ويدخن وينتظر ان يأتيه شاب او عجوز كي يسجل اسمه في القائمة. السبب في ذلك يعود الي طلب احد مراكز الابحاث الصيدلانية من المتبرعين بأجسادهم القدوم مبكرا (بين السابعة والسابعة والنصف بحسب ما يقول المراقب)، وذلك كي يلحق من يرغب في إجراء دراسة دوائية علي نفسه دورا له.

بعد الانتظار في الساحة الامامية للمركز لمدة ساعتين، وفيما كان سائق سيارة اجرة يتجول في الساحة وهو يقول مازحا: هل من احد يقود السيارة لمدة ساعتين؟ خاب امل أحد الحضور بنزاهة الممرض والمراقب وهو احد المشاركين في الدراسة قدم منذ الساعة السادسة والنصف صباحا، فذهب لكليته علي امل العودة لاحقا كي يجد دورا له في موعد الدراسة القادمة الاسبوع القادم.

وصل المشاركون في الدراسة ودخلوا الي المركز الذي فتح ابوابه في الثامنة والنصف صباحا. أدخلوا الي القاعة مدفئة وضع فيها تلفاز وكراسي توحي بأن القاعة صف مدرسي.

طلب المراقب هويات المشاركين المدنية مشددا علي عدم قبول أي هوية اخري، اما من لا يحمل هويته فإن عليه ان يجلبها في الموعد الذي يحددونه له للقدوم والقيام بالدراسة. ضحك الجالسون حين قدم احدهم صورة ورقية عن هويته الا ان المراقب قبلها قائلا: هذه تكفي.

بعد انتظار تسجيل اسماء المشاركين بدأ النعاس والتعب يبدوان علي وجوههم، فقام بعضهم وسلم مهمة الحفاظ علي دوره لصديق قدم بصحبته. وبعد مضي نصف ساعة علي دخولهم بدأ المراقب بالمناداة علي المشاركين بحسب اسمائهم المدونة في الهويات وفي جانبه ميزان ومتر. في قاعة اخري جلس ممرض يسجل بيانات المتبرعين (أسمه وطوله ووزنه) ومن ثم سحب عينات دم للتأكد من صحة المشاركين.

وقع خلاف كاد ان يتطور لشجار. احد المشاركين صرخ محتجا علي وقاحة الممرض الذي تكلم بجلافة: هل جميعكم كذلك؟ فتطور الخلاف حتي كاد يتحول الي شجار مما استدعي تدخل الأمن وطرد المشارك. بعدها وقف مدير الامن قائلا: ان كنتم تريدون النقود فعليكم الهدوء ولا تحاولوا إظهار رجولتكم. همس احد المشاركين ساخرا: اننا نفديهم بأرواحنا، يجب ان يحترمونا ولو قليلا.

وبعد المشكلة التي وقعت في القاعة الاخري امر مدير الامن المشاركين بالجلوس الي مقاعدهم دون ان يتجمهروا حول الممرض لتجنب الخلافات والمشاكل، فجلسوا جميعا يتابعون مسلسلا علي القناة المحلية. وحينما عاد اول المشاركين بعد ان سحبت من جسده عينة من الدم وقيس وزنه وطوله وسجلت بياناته ووقع العقد الذي يعطي تفصيلات كاملة عن الدواء المجرب واسمه وتركيبته وأعراضه الجانبية والحالات التي يعالجها، ظلت القاعة هادئة رغم ان الشاب الذي عاد قال ان الدواء كان لتجربة مفعوله علي مرضي الصرع.

يقول شاب آخر اشترك في الدراسة انه وللمرة التاسعة يشارك في هذه النوع الذي يصفه بـ العمل الشريف الذي يمكنه من جلب النقود دون اهانة او منة من أحد. فهو من عائلة فقيرة وبعد ان نجح في الثانوية العامة لم يتمكن من إيجاد احد يمول دراسته في احدي كليات المجتمع. غير ان احد اصدقائه دله علي طريقة مضمونة وسريعة لجلب النقود، فاصطحبه ذات مرة الي دراسة اجريت في مستشفي أهلي معروف جدا وغالي السعر، ومنها الي دراسة اخري واخري الي ان صارت لديه خبرة في هذه الدراسات واسعارها، وما يساعده في ذلك دراسته للتمريض!

يقول هذا الشاب العشريني ان هناك اسعارا لا تقبل التفاوض بالنسبة للأدوية، فتأتي ادوية الاكتئاب في المرتبة الاولي، فحبتا دواء تؤخذ علي اسبوعين ثمنهما 180 دينارا ـ حوالي 250 دولارا ـ ومن ثم يأتي دواء الصرع (120 دينارا ـ حوالي 150 دولارا) ومن ثم ادوية الامراض المختلفة التي تتراوح بين 80 و100 دينار. وتختلف الامراض بين الذبحات الصدرية والانفلونزا والربو وغيرها. اما عن التفصيلات فالقائمون علي البحث يأخذون بيانات المشارك وعينة من دمه ومن ثم يتقرر ان كان يصلح للدراسة ام لا. وفي حال قبل فإنهم يعطونه موعدا في يوم آخر كي يأتي ويبيت في المركز او المستشفي ليلة كاملة لضمان صومه، وفي اليوم التالي يتم اعطاؤه الدواء وفي الغالب تقدم له جهة البحث وجبة فطور صباحية ومن ثم يعطونه قيمة الدراسة المالية وينتهي كل شيء.

يتحدث هذا الشاب عن الليالي التي قضاها قبل إعطائه الحبة الصغيرة التي تدر مالا كثيرا، فيقول انه لم يكن مرتاحا طوال الوقت مع انه كان يجلس طيلة الليل مع رفاقه في هذه الدراسات وهم يضحكون ويلعبون الورق ويدخنون ويأكلون بعد ان يكونوا قد هربوا كفايتهم من الطعام والشراب والسجائر لأجل ليلة ترفيهية ، ورغم كل ذلك فإنه لا يكون سعيدا مع انتهاء الدراسة وحينما يعطونه النقود. يتحدث بحسرة قائلا: ماذا بإمكاني ان أفعل؟ حتي هذا الجسد اللعين لم يعد له أي معني يذكر. ويؤكد شاب آخر انه في بعض الاحيان لا يكون مضطرا لمبالغ كبيرة مثل المبالغ التي يحتاجها لتغطية مصاريف تسجيله مطلع كل فصل جديد، فيبيع وحدة او أكثر من دمه لذات الجهات التي تجري الفحوص والاختبارات والدراسات الدوائية، فتدفع له الجهة المعنية 25 دينارا ثمن اللتر الواحد من دمه، حيث يفعل ذلك حين يكون غير مضطر للكثير من المال، او حين يحتاج مصروفا يغطي نفقات مواصلاته إذ يعيش هذا الشاب في الزرقاء وهو مضطر يوميا بحكم دراسته للقدوم الي محافظة العاصمة عمان.

التعليقات