كلمة الاخ فاروق القدومي رئيس حركة فتح وزير خارجية فلسطين في بيروت

بسم الله الرحمن الرحيم



" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا "

صدق الله العظيم

تحية من فلسطين من القدس الشريف اولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين و مهد المسيح عليه السلام ...

ايتها الاخوات و الاخوة

ايها الحضور الكريم

بالأمس سقط شهيدٌ من شهدائنا ونسرٌ من نسورنا البواسل، إنه قائد ثورتنا ومفجّرها، بعد ان امضى نصف قرن من الكفاح المستمر مخلّفاً وراءه تاريخاً من الانجاز والعمل الوطني المجيد.

كان أخي أبو عمّار شعلة فلسطينية وعربية متّقدة، أضاءت دروب الحرية لأجيالنا المتواصلة ممّن شقوا طريقهم بإصرار و عناد في قتالهم الأعداء المحتلين للوطن العزيز.

لم يتوانَ الشهيد البطل عن مدّ يد العون لكل حركة وطنية في هذا العالم الواسع ولم يتردّد في تقديم المساعدة لطالبها المستحق اعتقاداً منه أن ثورة فلسطين هي الثورة العربية التي تحمل رسالة إنسانية وتؤدي واجبها لكل شعب مظلوم يكافح لنيل استقلاله وسيادته ضدّ من ظلمه أو احتل أرضه لعله يحطم قيود الهيمنة ويصفّي الاحتلال الأجنبي، فأحبته شعوب العالم المضطهدة واحترمته ، وقدّرت كفاحه شعوب الغرب لشجاعته و صدق مآربه ، واقتنعت أن كفاحه الدائم لإزالة الاحتلال عن وطنه المغتصب لإحلال السلام العادل و الدائم على أرض السلام في فلسطين بتخليص وطنه من اللجوء و التشرد و دنس الاحتلال و القهر.

عاش الاخ أبو عمّار ناسكاً في مظهره، متقشفاً في حياته، متواضعاً في مسلكه.

وقف الشهيد يوما على منصة الأمم المتحدة قبل ثلاثين عاماً قائلاً: "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي، وإلا ستبقى البندقية طويلاً في اليد الأخرى".

أنه من دعاة السلام وليس الخنوع والاستسلام كما يريدونه أعداءه الصهاينة، لذا حقدوا عليه وحاصروه وغدروا به.

أيها الاخوة الاعزاء ،

أيها الحضور الكرام،

بلينا منذ قرن من الزمن بغزوة صهيونية استعمارية استيطانية تصدّت لها أمتنا العربية، وناضلت أجيالها المتعاقبة طيلة القرن الماضي، وها نحن اليوم ندخل القرن الواحد والعشرين ، والاحتلال ما زال جاثمُ على صدرونا، والحركة الصهيونية تحاول ترسيخ أقدامها على تراب أرضنا الطيبة بدعم ومساندة من حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا المتتالية كما هو الحال الآن في العراق الأبي.

ايها الحضور الكرام ،

قبلنا منذ عشر سنوات خلت مبادرة سياسية قدمها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1991 رغبة منّا في إقامة السلام وترسيخ فكرة التعايش السلمي ودخلت طلائع ثورتنا إلى الأرض المحتلة بعد اتفاق عام 1993 الذي شهد التوقيع عليه كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وعدد من الرؤوساء العرب. وظنّ البعض منّا "بحسن نية" ان إسرائيل ستلتزم بشروط هذا الاتفاق، ولكن إسرائيل سرعان ما قتلت رئيس وزرائها "رابين" وتنكرّت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لهذا الاتفاق، بحجة أنه يمسّ الأمن الإسرائيلي، وحاولوا استيعابنا من خلال التبديل والتغيير في النصوص، او تفسيرها على هواهم، وتقديم الوعود الكاذبة لتحسين الأوضاع السياسية في المسقبل القريب بضمان أمريكي ، مع وجود شكل من أشكال التعاون العربي والدولي، ولكن الإسرائيليين حرّفوا الكلمة وادعوا كذباً أنهم قدموا تنازلات مؤلمة في مؤتمر القمة في كامب ديفيد في شهر يوليو عام 2000 ، والحقيقة غير ذلك، فقد طالبوا ضمّ جزء من المناطق الغربية للضفة ليسيطروا على المياه الجوفية وأن يستأجروا المناطق المجاورة لنهر الأردن والبحر الميت لمدة 999 عاماً لنعيش في غيتو مغلق علينا بعد قطع صلتنا بالجوار العربي.

أيها الإخوة الأعزاء ،

ايها الجمع الكريم ،

ربما نسيت طلائعنا الأولى التي دخلت الارض المحتلة أن قضية فلسطين هي جوهر الصراع العربي- الإسرائيلي، ولا يجوز لأي عربي أن يتخلى عنها، فهي قضية قومية، وتمس أمننا القومي و مصيرنا العربي و هذا هو قرار الرباط .

والحقيقة ان طلائعنا الأولى كانت تودّ بهذا الاتفاق ان تدخل عشرات الآلاف من المواطنين إلى الضفة والقطاع مع الآلاف من الكوادر السياسية وعشرات الآلاف من رجال الأمن المسحلين، لحفظ الأمن ، حتى لا نبقى بعيدون آلاف الكيلومترات عن فلسطين أرض المعركة بعد أن خرجنا من لبنان الشقيق عام 1982 ، وتوّزعت كوادرنا في عدد من البلدان العربية، وذلك بعد الهجمة الهمجية لقوات العدو الإسرائيلي وارتكابه لمجرزة صبرا وشاتيلا بأمر من مجرم الحرب شارون.

ولكن بعد دخولنا بسنوات قليلة، أصبحنا نعيش في سجن كبير وفرضت اسرائيل الحصار على شعبنا وقيادته، واتهمونا بالإرهاب بدعم ومساندة من الولايات المتحدة الأمريكية. دمّروا المنازل والمنشآت الصناعية و الزراعية والميناء والمطار، واقتلعوا الأشجار المثمرة واعتقلوا عشرات الآلاف من المواطنين، وقتلوا الأطفال والنساء وجرفوا أحياءاً سكنية بأكملها.

لقد أعلنا ذات يوم هدنة لثلاثة أشهر، لعل إسرائيل تبادلنا مرونة بمرونة وكان ذلك. بمشورة بعض الأصدقاء والأشقاء، ولكن إسرائيل استمرت في نهجها المسعور، تغتال وتحاصر وتدمر. وقبل عامين وافق العرب في مؤتمر القمة العربي ببيروت على مبادرة سياسية في شهر آذار 2002، وتلاها تصريحات من الرئيس الأمريكي بوش في 24 حزيران 2002 مقترحاً تسوية سياسية على أساس قيام دولتين مستقلتين فلسطينية وإسرائيلية، بعد أن قام ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبد الله بعرض هذه المبادرة ومناقشتها مع الرئيس الأمريكي في شهر أبريل من ذلك العام. وتمّ الاتفاق أن تكون هذه المبادرة من الأسس التي تقوم عليها التسوية السياسية مع مبدأ مقايضة الارض بالسلام وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وتبلورت في النهاية خارطة الطريق وتبنّتها كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وكنّا نظن أن هذه بداية سليمة، ولكن أمريكا وبريطانيا قامتا باحتلال العراق بحجة كاذبة أن هذا البلد العربي يملك أسلحة دمار شامل، فاضطربت أوضاع المنطقة، وتبين أن لإسرائيل اليد الطولى في حبك خيوط هذه الغزوة الانكلو- سكسونية. وبعد ان اتمت الاحتلال أعلنت الإدارة الأمريكية خارطة الطريق في 30/04/2003، لكن فرص السلام تضاءلت وكادت أن تنعدم. وزاد الطين بلّة أن الرئيس الأمريكي بوش قدّم لشارون في (14/04/2004) ضمانات سياسية ، أقرّ بموجبها شرعية المستوطنات وبعدم الالتزام بحدود هدنة 1949 ، وانكار وجود شريك فلسطيني شرعي للتفاوض مع اسرائيل ، وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، و هذا يعني أن يستمر شارون في نهجه الإرهابي في الاغتيال والقتل والتدمير. كما أكّد ضرورة أن يقوم الفلسطينيون مسبقا بوقف الإرهاب "المقاومة" و اعتقال المطلوبين و الحفاظ على الامن ، مع أنه يعلم أن الفلسطينيين أكدوا اعترافهم باسرائيل في مؤتمر القمة بالعقبة وبخارطة الطريق ، و ابدوا استعدادهم لوقف اطلاق النار طبقا لخارطة الطريق . ولكن شارون لم يلتزم وقد سبق له أن وضع 14 "اربعة عشر" شرطاً لقبولها. وفي تلك الفترة وافق الرئيس بوش على فك الارتباط الانفرادي من غزة ، ذلك المشروع الوهمي الذي طرحه ليغطي على تراجعه عن القبول المشروط لخارطة الطريق و لخداع الراي العام الدولي.

أيها الإخوة الاعزاء ،

ايها الحضور الكرام،

هذا سرد سريع لتجربتا في المسيرة السلمية، ولا يعني أننا لا نريد السلام بل أننا مع السلام العادل والشامل الذي يقضي بانسحاب إسرائيل من جميع اراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم. ولكن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال استمرار المقاومة الفلسطينية بكل الطرق والوسائل، فالعدو ماكر ومخادع، والأوضاع الدولية ما زالت تتأرجح بين الفوضى والاستقرار بسبب الأحداث الأخيرة التي أدت إلى احتلال العراق الأبي واستمرار تدمير مدنه وقراه والحاق أكبر الضرر بشعبه المقاوم والرافض للاحتلال، وتجاهل دور ومهام الأمم المتحدة في الحفاظ على الامن و السلام الدوليين .

إنّنا نقدر الموقف الأوروبي، ورفضه لغزو العراق و احتلاله ،و نقدر موقفه الثابت ودعمه لحقوقنا الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف، التي أقرته القمة الاوروبية خاصة في مؤتمرها المنعقد في 25/03/1999.

كما اننا نأخذ في الاعتبار الأوضاع السائدة في المنطقة وما طرحته الولايات المتحدة من مشاريع إصلاح لا تتفق وتراث هذه المنطقة وثقافتها. فنحن الآن أمام واجب وطني وقومي يفرض علينا تعزيز وحدتنا الوطنية وتضامننا العربي والعمل العربي المشترك و تعزيز التنسيق بين دول الجوار على أسس تصون الأمن القومي ، وخاصة بين الدول التي ما زالت أراضيها محتلة (سوريا، لبنان، فلسطين)، وتعزيز هذا التنسيق والتعاون لنصبح في موقع تفاوضي قادر على تحقيق أهدافنا التي نسعى من أجلها لإقامة سلام عادل ودائم طبقاً للمبادرة العربية وعملاً بها.

إن شعبنا الفلسطيني قد مر بمراحل دقيقة خلال السنوات الماضية عانى فيها الظلم والحصار وما زال في هذا الحال ، فلا بدّ من تركيز همنا في هذه المرحلة على توفير الأمن للمواطن في الداخل وتقوية الروابط الوطنية في إطار واحد طبقاً لبرنامج عمل سياسي مستنبط من قرارات المجلس الوطني.

علينا أن نرمم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ونفعّلها في الداخل والخارج، وأعني بذلك اللجنة التنفيذية والملجلس الوطني، والمجلس المركزي . ولا بدّ أن يكون لمنظمة التحرير الفلسطينية ميثاق وطني معترف به يتناسب و مستلزمات المرحلة القادمة ، مقر من المجلس الوطني في دروةٍ قادمة، تعقد خلال عام من تاريخه .

يجب ان لا يبقى عملنا مقصوراً في إطار الضفة الغربية و قطاع غزة ، فالضفة والقطاع هما ميادانا المقاومة، وموقع بناء السلطة الوطنية القادرة على إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني في الداخل في هذه المرحلة الانتقالية ، و بذل العناية بالمخيمات بشكل خاص ، فقد كانت قواعد الإعداد للثورة و الشرارة التي انطلقت منها الثورة الفلسطينية والمقاومة عام 1965.

لقد حان الوقت لتصبح مخيماتنا في الخارج فاعلة ومشاركة في كفاحنا الوطني من خلال تعزيز عنايتنا بها وإدماجها في نشاطنا السياسي وذلك لدعم إخواننا في الداخل.

و هذا يتطلب منا تعزيز وحدتنا الوطنية في هذه المخيمات و تحسين اوضاعها المعيشية .

و لكننا في نفس الوقت نرفض التوطين في اي بلد عربي ، فكلمة التوطين تؤذي مشاعرنا و تسيء لكفاحنا الوطني من اجل العودة لديارنا و ممتلكاتنا . فهذا حق لكل مواطن فلسطيني نصت عليه قرارات الامم المتحدة و مبادئ حقوق الانسان. و ليس من حق ايه قيادة فلسطينية ان تسقط هذا الحق او تتصرف به خارج ارادة الشعب الفلسطيني و املاءاته .

نحن على العهد ايها الاخوة ، لن نتغير و لن نبدل في نهجنا و في سلوكنا و ثوابتنا السياسية الوطنية ، و سنبقى كذلك ، فإن جنحوا للسلم جنحنا ، و ان استمروا في غيهم ، فالمقاومة مستمرة حتى النصر والتحرير .

المجد و الخلود لشهدائنا الابرار

الحرية للأسرى و المعتقلين

و انها لثورة حتى النصر

التعليقات