عراقي من مدينة الجحيم يروي قصة الفلوجة كاملة :سكانها شديدو الايمان بالكرامات
حامد الزوبعي.. عراقي من مدينة الجحيم يروي قصة الفلوجة كاملة :سكانها شديدو الايمان بالكرامات
غزة-دنيا الوطن
كان الركام يعصر جسد الحاج حامد الزوبعي، وتسنى لهما، هو وزوجته المدفونة هي الأخرى تحت أنقاض المنزل أن يستمعا بصعوبة إلى الناس الذين هرعوا في ذلك الصباح الباكر لانقاذ جيرانهم، إذ لم يكن باستطاعة أحد أن يتصور أن الحاج الزوبعي وزوجته وأطفاله الأربعة لا زالوا أحياء تحت 30 سنتمترا من الحجارة والاسمنت وسيتمكن هؤلاء "المنقِذون" أنفسهم لاحقا من اخراج الأسرة سعيدة الحظ من تحت المنزل الذي فقدوه إلى الأبد بعد أن أنفق الزوبعي 300 ألف دولار هي حصاد غربته لـ 13 عاما على بنائه.
ولا يخفي الزوبعي قدرا لا متناهيا من الغضب على الأمريكيين ويقسم أنهم تسببوا في حروق طالت يديه ورجليه وبطنه من خلال استخدام "قنابل محظورة" دكت منزله في حي الضباط في مدينة الفلوجة العراقية فوق رأسه ورؤوس زوجته وأطفاله في 26 سبتمبر/أيلول الماضي. وحين كشف الزوبعي (37 عاما) عن الأماكن بجسده التي أتت عليها الحروق، لاحظت "العربية.نت" أن حروقا غائرة بالفعل حفرت في جسده.
الأسرة كلها تحت أنقاض البيت
كان الزوبعي –واسمه كاملا حامد عودة المطرود الزوبعي- قد آوى مع زوجته إلى الفراش في تلك الليلة بعد أن تناولا العشاء مع أطفالهما. وفي حين نام عودة (12 عاما) مع شقيقته مريم (18 عاما) في غرفة أخرى، تسلل عبدالله (4 أعوام) إلى غرفة والده لينضم إلى شقيقه الرضيع محمد (9 أشهر) ولم يكن الجميع يتوقعون بطبيعة الحال أنهم سيواجهون قبل أن يطلع الصباح أوضاعا ستبقيهم تحت أنقاض منزلهم لساعات طويلة.
يقول الحاج حامد الزوبعي إنه درج على الاستيقاظ على جرس المنبه ليؤدي صلاة الفجر في حدود الخامسة، وفي ليلة القصف قامت زوجته لتحضر شيئا للرضيع في حوالي الرابعة فجرا وما أن عادت لفراشها حتى دوى انفجار قوي جدا فوق رؤوسهم ولم يجدوا أنفسهم إلا محاصرين بالغبار والأنقاض.
كان الزوبعي يرى زوجته في حين لم يتمكن الاثنان من رؤية الرضيع ولا شقيقه الأكبر، والمؤلم بحسبه أنهما كانا يسمعان صوت "طفلة" تبكي وتستغيث. ويؤكد الزوبعي في سياق روايته الطويلة للأحداث لـ"العربية.نت" أنهما كانا يريان لهبا أزرقا تحت الأنقاض قال لهما "الخبراء" فيما بعد على حد قوله أنه ينتج عن "القنابل الهيدروجينية". ويضيف أن الناس كانوا يطأون السقف المنهار فوق أجسادهم عدوا في طريقهم لإنقاذ الجيران الذين "استشهدت" ابنتهم حسبما عرف تاليا، وهي ابنة الدكتور إبراهيم العدوان الذي اصيبت أسرته بكاملها بأضرار كبيرة.
ويشير الزوبعي إلى أن ساعات الانتظار الطويلة تحت الأنقاض بدداها هو وزوجته في ترديد الشهادة والتكبير خشية أن تمطرهما القاذفات الأمريكية بسيل جديد من القنابل، وللغرابة فإن بعض الناس الذين كانوا يعبرون فوقهم سمعوا أصواتهم وأسرعوا لاخراجهم من تحت الأنقاض في المشهد الذي تناقلته الفضائيات ذلك النهار.
أمضى الزوبعي 13 عاما خارج العراق متجولا بين الأردن والامارات العربية ليعمل بعيدا عن العراق حيث حكم عليه نظام صدام حسين هو و4 من اخوته بالاعدام في أعقاب خلافات عشائرية حول الماء تدخل فيها حزب البعث لصالح الطرف الآخر ما أجبرهم جميعا على الرحيل إلى الريف عوضا عن البقاء في الفلوجة. وتمكنت أجهزة النظام من توقيف شقيقه الأكبر محمد قبيل سقوط بغداد بـ 40 يوما إلا أن قرار صدام بالافراج عن جميع السجناء العراقيين أعفى عنقه من الدق.
ووضع الحاج الزوبعي حصاد غربته في ذلك المنزل الذي طاله القصف في تلك الليلة التي تركت آثارها على جسده وروحه، فـ 300 ألف دولار بالتمام والكمال أنفقها الزوبعي على الدار والأثاث، بالاضافة لـ3 سيارات دمرت. لكن هذه الخسائر بحسب افادات الزوبعي لـ"العربية.نت" لا تعني شيئا مقارنة بالرعب الذي عاشته الأسرة والجروح البالغة التي أصيب بها أطفاله. فزوجته على سبيل المثال فقدت شعرها الذي تساقط لاحقا نتيجة "القنبلة الهيدروجينية" كما يصر على وصفها. وما عاد بمقدور أبناء وبنات الزوبعي البالغ عددهم 10 الذهاب إلى مدارسهم، ليس فقط بسبب الاغلاق الذي طال كل مدارس الفلوجة في الآونة الأخيرة وأدى إلى تجميد عام دراسي كامل، وإنما أيضا نتيجة لبقائهم في مستشفى الفلوجة لأكثر من شهر ونصف.
وردا على تساؤلات "العربية.نت" حول إيواء سكان الفلوجة أبومصعب الزرقاوي وعددا من الارهابيين العرب، أكد الزوبعي أنه لم ير الزرقاوي، ولم يلتق بواحد من سكان الفلوجة أكد له وجوده. وفضلا عن ذلك –يواصل الزوبعي- لا يستقيم بحسبه أن يقتل 650 ألفا هم عدد سكان المدينة (بقى منهم 300 ألف في الفلوجة حاليا) من أجل رجل واحد.
ويؤكد الزوبعي –وهو عضو وفد سكان الفلوجة الذي فاوض حكومة علاوي عقب الاحداث الأولى أبريل/نيسان من هذا العام- أن سكان المدينة عرضوا على حكومة بلادهم خلال المفاوضات الأخيرة التي سبقت العمليات العسكرية في المدينة السماح بدخول قوات الحرس الوطني شريطة ألا تدخلها القوات الأمريكية. ويشير إلى أنهم –أي سكان مدينته- أوضحوا للحكومة أن بمقدور هذه القوات توقيف المقاتلين العرب في المدينة إذا وجدوهم.
وينفي عن سكان الفلوجة مشاركتهم في عمليات الذبح التي تجري بين حين وآخر في العراق. في هذا الصدد يقول الحاج حامد الزوبعي "إذا وجدنا من يقومون بهذه العمليات البشعة فسنذبحهم لأننا مسلمون وديننا يحرم علينا ذلك". وأوضح أنه لا يستطيع تأكيد عدم وجود مقاتلين عرب في المدينة لأنه لم يشاهدهم كما أنه ليس متيقنا من عدم وجود الزرقاوي، لكن "أين هو فالزرقاوي صنعوا منه اسطورة وسيكون بوسعهم صنع اسطورة أخرى حتى لو انتهى الزرقاوي الذي لم يره أحد في الفلوجة".
ولام الزوبعي مجموعة الملثمين الذين تعقبوا 4 مقاولين أمريكيين وقاموا بقتلهم في ساحة للعمل، ومن ثم قام عدد من "العمال الجهلاء" بحسب وصفه بالتمثيل بجثثهم حين شعروا بأن هناك كاميرا تصوّر الحادث لرغبتهم في الظهور بمظهر الأبطال الذين يقاومون الأمريكيين. لكن الزوبعي يجزم أن هذا الحادث الذي مضت عليه الآن أكثر من 6 أشهر لم يمر من دون عقاب أمريكي، إذ عمد الأمريكيون على حد قوله إلى التمثيل بجثث 4 عراقيين اتهموهم بقتل الأمريكيين الأربعة وقاموا بقطع أرجلهم وأيديهم في حي نزال في الفلوجة.
ويشير إلى أن سكان الفلوجة وغيرها من المدن العراقية ليسوا بحاجة لأسلحة لأن الأمريكيين ارتكبوا أخطاء فادحة بحل كل الأجهزة العسكرية والأمنية وترك الأسلحة مع الجنود الذين سرحوا علاوة على ترك مؤسسات عسكرية بها كميات من الأسلحة -كمنشأة القعقاع- من دون حراسة. وقال إن منشآت الهضبة ومطار الحبانية ومشروع (111) العسكرية لا تبعد عن الفلوجة كثيرا مما وفر السلاح لرجال تدربوا أصلا على القتال في سنوات الحرب الإيرانية العراقية.
ثأر بين الفلوجة والأمريكيين
وعن سر العداء الكامن بين قوات الاحتلال وأهل الفلوجة رجح الزوبعي أن يكون ذلك راجعا لعوامل تفسرها الطبيعة المحافظة لسكان هذه المناطق، حيث لم يقم الأمريكيون بدراسة سيكولوجية الشخصية العراقية خصوصا في منطقة محافظة بها أكثر من 145 مسجدا وذات طبيعة "صوفية" تتقبل الطروحات السلفية كالفلوجة.
وفي هذا الخصوص أوضح أن التربية في هذه المدينة تقوم على تعليم ديني يتمثل بالمدارس القرآنية والتمسك بالعادات والتقاليد العشائرية لعشائر دليم وزوبع والبوعيسى والبوفهد وشمر وعنزة وكبيسة والعقيدات علاوة على الارث الديني الراسخ لعدد من شيوخ وأعلام الصوفية المقبورين هناك مثل الشيخ محمد الفياض والشيخ الحلاب والشيخ زامل والشيخ عبدالعزيز السامرائي.
وأشار أيضا إلى أن سكان الفلوجة وبناء على هذه السيكولوجية الدينية الصوفية والعشائرية يميلون حاليا إلى تصديق حدوث كرامات تحصل لهم أثناء المعارك التي يخوضونها ضد الأمريكيين، فهم على سبيل المثال يجزمون بأن الغبار يعلو المدينة ويطوقها تماما مانعا الطائرات العسكرية من التحليق علاوة على سماعهم صهيل الخيول أثناء القتال.
ويرى أن الفلوجة أيضا عرفت على مدى زمني طويل حال من المحافظة الدينية إلى درجة أن دار السينما الوحيدة التي شيدت في عهد صدام أغلقت بسبب التهديدات التي أطلقها متطرفون بتفجيرها بعد أن عرضت أفلام خلاعية ومن ثم تم تحويلها إلى قاعة للاجتماعات حملت اسم "القائد".
كل هذه العوامل –يواصل الزوبعي- شكلت تربة خصبة لرفض المحتل ورفض ممارساته في الفلوجة مشيرا إلى حوادث بعينها اعتبرها بمثابة نقطة تحول حرضت غالبية سكان الفلوجة على المقاومة. ويسرد الزوبعي –للتدليل على كلامه- حوادث جرت في أعقاب سقوط بغداد ودخول طلائع القوات الأمريكية إلى الفلوجة حيث عمدوا إلى اتخاذ "المزرعة" القريبة كمقر لقيادتهم بينما أصبحت مدرسة ابتدائية كان يدرس بها أبناء وبنات الفلوجة وحدة عسكرية أمريكية.
وشهدت هذه الوحدة العسكرية الشرارات الأولى التي سرعان ما شبت حريقا، إذ مارس الأمريكيون على حد قول الزوبعي استفزازات بحق أهل الفلوجة كان أقساها وقعا تفتيش الجنود الأمريكيين بأيديهم النساء العراقيات هناك على الرغم من وجود مجندات في صفوف القوات الأمريكية كان بامكانهن القيام بمثل هذه المهام التي لا يقبلها سكان مدينة محافظة كالفلوجة.
ويقول الزوبعي إن الأمريكيين قتلوا 13 من أهل الفلوجة أثناء تظاهرة سارت أمام القائمقامية في الشارع الرئيسي المطل على حي نزال احتجاجا على ممارسات الأمريكيين المتمثلة باهانة النساء ومنع التلاميذ من تلقي دروسهم في المدرسة.
بعد هذه الحادثة –يضيف الزوبعي- لم يخفف الأمريكيون من إجراءاتهم بل زادت بحسبه بالاهانات التي وجهتها المجندات الأمريكيات لأهل الفلوجة باعتقال الرجال ووضع أحذيتهن على رؤوسهم أمام زوجاتهم. آنذاك –يؤكد- أدرك أهل الفلوجة أن عليهم الخروج من حال التعاطي مع ما يحدث باعتباره مضي نظام قمعي ومجيء نظام سياسي جديد إلى النظر إليه كاحتلال يسومهم الذل، خصوصا بعد أن اقتاد الأمريكيون إلى مقر قيادتهم في المزرعة عروس في ليلة زفافها بحجة وجود ارهابيين. ولولا احتشاد زوجها مع أهل الفلوجة ووساطة القائمقام آنذاك طه البيديوي لما أطلق سراحها على حد قوله.
ووقع كذلك حادث أخير في سلسة الحوادث المستفزة بحسبه حيث تم اعتقال نائب القائمقام ووجهت اساءات بالغة للقائمقام. كل هذه الحوادث إذا ما أضيف إليها تاريخ الفلوجة والمنطقة المتمثل باقدام الشيخ الضاري على قتل ميكائيل لجمن الحاكم البريطاني في العراق وقتئذ في منطقة خان الضاري أثناء ثورة العشرين في عشرينات القرن الماضي، وإذا ما ألحقت بالجذوة الدينية المحافظة لسكان المنطقة، ولدت بين هؤلاء وبين الأمريكيين ما يشبه الرغبة المتبادلة في الثأر.
ويقدر الزوبعي المقاتلين في الفلوجة حاليا بـ6 آلاف مقاتل حسبما يتناهى إلى سمعه. وجلّ هؤلاء كما يرى من الذين ضاقت بهم سبل العيش وسد الاحتلال بوجههم كل الأبواب بعد أن كانوا يعملون كصنّاع وسائقين وفلاحين وعساكر يقبضون رواتب نهاية كل شهر ثم باعوا كل مقتنياتهم من أجل العيش. الاحتلال لم يكتف بذلك كما يوضح الزوبعي، ففضلا عن ذلك كله، بات هؤلاء يتلقون الاهانة تلو الأخرى وما عاد بوسعهم احتمال رؤية الأمريكيين وهم يفتشون أجساد نسائهم وأخواتهم.
وهو يعيش حاليا في وضع نفسي صعب إذ انتقل من الفلوجة إلى الامارات لتلقي العلاج قبل 10 أيام، لتنلع الاحداث في مدينته بعد رحيله مباشرة، وبقى هو مبلبل الفكر نتيجة عدم تمكنه من الاطمئنان على صحة أفراد أسرته كون الكهرباء مقطوعة عن المدينة منذ 5 أيام تقريبا وكذلك خطوط الهاتف والمياه.
يتمتع الحاج حامد على الرغم من قلقه العميق على أسرته بتفاؤل حيال المستقبل، وهو يكل أمره وأمر أسرته إلى الله، وتمر أمامه صور ومشاهد كثيرة لعامين حافلين بالأحداث كان أولها مقتل ابن أخيه في سيارته تحت قصف أمريكي ولم يكن آخرها اخراجه هو وأسرته بكاملها من تحت الأنقاض قبل شهر ونصف.
ويتمنى الزوبعي أن تحظى بلاده بعد الانتخابات برجل لا يسفك الدماء وقادر على جلب الاستقرار إلى العراق و"في هذه الحال فإن المثلث السني كله سيدعم مثل هذا الرجل"، لكنه لا ينسى التأكيد على أن هؤلاء الناس جميعا سيمتنعون عن التصويت في حال أوصى شيوخهم بذلك احتجاجا على الهجوم على الفلوجة. وقال إنه وغيره من أهل المثلث السني –على حد قوله- لا يضيرهم أبدا التصويت لشيعي ليصبح رئيسا لأن التصويت سيتم لبرنامج سياسي لا مذهبي.
يقول أهل الفلوجة –كما هو حال الحاج حامد الزوبعي- إنهم مظلومون من قبل الحكومة المؤقتة لبلادهم وقوات الاحتلال، ويؤكدون بأنه لا وجود لزرقاوي في صفوفهم التي يجزمون بأنها صفوف مقاتلة نتجت عن المهانات المتتالية التي تعرضوا لها، وفي المقابل تصر حكومة إياد علاوي، ويصر معها الأمريكيون في أن هذه المدينة تؤوي ارهابيين وأنها تشكل بوضعها الحالي خطرا حقيقيا على مستقبل العراق كونها تحضن حاليا جماعة تنتسب لتنظيم القاعدة ويمكن أن تؤثر بشكل كبير على استقرار العراق.
أما الحقيقة كاملة فسيكون محتوما –كما يقول محللون- انتظارها طويلا ريثما ينجلي غبار المعارك، وحتى يتسنى العثور على أدلة قوية تدعم افادات واحد من الطرفين مؤكدة إما الفلوجة مدينة حاضنة للارهاب، أو انها كانت واحدة من أكثر مآسي بداية القرن الواحد والعشرين فظاعة.
غزة-دنيا الوطن
كان الركام يعصر جسد الحاج حامد الزوبعي، وتسنى لهما، هو وزوجته المدفونة هي الأخرى تحت أنقاض المنزل أن يستمعا بصعوبة إلى الناس الذين هرعوا في ذلك الصباح الباكر لانقاذ جيرانهم، إذ لم يكن باستطاعة أحد أن يتصور أن الحاج الزوبعي وزوجته وأطفاله الأربعة لا زالوا أحياء تحت 30 سنتمترا من الحجارة والاسمنت وسيتمكن هؤلاء "المنقِذون" أنفسهم لاحقا من اخراج الأسرة سعيدة الحظ من تحت المنزل الذي فقدوه إلى الأبد بعد أن أنفق الزوبعي 300 ألف دولار هي حصاد غربته لـ 13 عاما على بنائه.
ولا يخفي الزوبعي قدرا لا متناهيا من الغضب على الأمريكيين ويقسم أنهم تسببوا في حروق طالت يديه ورجليه وبطنه من خلال استخدام "قنابل محظورة" دكت منزله في حي الضباط في مدينة الفلوجة العراقية فوق رأسه ورؤوس زوجته وأطفاله في 26 سبتمبر/أيلول الماضي. وحين كشف الزوبعي (37 عاما) عن الأماكن بجسده التي أتت عليها الحروق، لاحظت "العربية.نت" أن حروقا غائرة بالفعل حفرت في جسده.
الأسرة كلها تحت أنقاض البيت
كان الزوبعي –واسمه كاملا حامد عودة المطرود الزوبعي- قد آوى مع زوجته إلى الفراش في تلك الليلة بعد أن تناولا العشاء مع أطفالهما. وفي حين نام عودة (12 عاما) مع شقيقته مريم (18 عاما) في غرفة أخرى، تسلل عبدالله (4 أعوام) إلى غرفة والده لينضم إلى شقيقه الرضيع محمد (9 أشهر) ولم يكن الجميع يتوقعون بطبيعة الحال أنهم سيواجهون قبل أن يطلع الصباح أوضاعا ستبقيهم تحت أنقاض منزلهم لساعات طويلة.
يقول الحاج حامد الزوبعي إنه درج على الاستيقاظ على جرس المنبه ليؤدي صلاة الفجر في حدود الخامسة، وفي ليلة القصف قامت زوجته لتحضر شيئا للرضيع في حوالي الرابعة فجرا وما أن عادت لفراشها حتى دوى انفجار قوي جدا فوق رؤوسهم ولم يجدوا أنفسهم إلا محاصرين بالغبار والأنقاض.
كان الزوبعي يرى زوجته في حين لم يتمكن الاثنان من رؤية الرضيع ولا شقيقه الأكبر، والمؤلم بحسبه أنهما كانا يسمعان صوت "طفلة" تبكي وتستغيث. ويؤكد الزوبعي في سياق روايته الطويلة للأحداث لـ"العربية.نت" أنهما كانا يريان لهبا أزرقا تحت الأنقاض قال لهما "الخبراء" فيما بعد على حد قوله أنه ينتج عن "القنابل الهيدروجينية". ويضيف أن الناس كانوا يطأون السقف المنهار فوق أجسادهم عدوا في طريقهم لإنقاذ الجيران الذين "استشهدت" ابنتهم حسبما عرف تاليا، وهي ابنة الدكتور إبراهيم العدوان الذي اصيبت أسرته بكاملها بأضرار كبيرة.
ويشير الزوبعي إلى أن ساعات الانتظار الطويلة تحت الأنقاض بدداها هو وزوجته في ترديد الشهادة والتكبير خشية أن تمطرهما القاذفات الأمريكية بسيل جديد من القنابل، وللغرابة فإن بعض الناس الذين كانوا يعبرون فوقهم سمعوا أصواتهم وأسرعوا لاخراجهم من تحت الأنقاض في المشهد الذي تناقلته الفضائيات ذلك النهار.
أمضى الزوبعي 13 عاما خارج العراق متجولا بين الأردن والامارات العربية ليعمل بعيدا عن العراق حيث حكم عليه نظام صدام حسين هو و4 من اخوته بالاعدام في أعقاب خلافات عشائرية حول الماء تدخل فيها حزب البعث لصالح الطرف الآخر ما أجبرهم جميعا على الرحيل إلى الريف عوضا عن البقاء في الفلوجة. وتمكنت أجهزة النظام من توقيف شقيقه الأكبر محمد قبيل سقوط بغداد بـ 40 يوما إلا أن قرار صدام بالافراج عن جميع السجناء العراقيين أعفى عنقه من الدق.
ووضع الحاج الزوبعي حصاد غربته في ذلك المنزل الذي طاله القصف في تلك الليلة التي تركت آثارها على جسده وروحه، فـ 300 ألف دولار بالتمام والكمال أنفقها الزوبعي على الدار والأثاث، بالاضافة لـ3 سيارات دمرت. لكن هذه الخسائر بحسب افادات الزوبعي لـ"العربية.نت" لا تعني شيئا مقارنة بالرعب الذي عاشته الأسرة والجروح البالغة التي أصيب بها أطفاله. فزوجته على سبيل المثال فقدت شعرها الذي تساقط لاحقا نتيجة "القنبلة الهيدروجينية" كما يصر على وصفها. وما عاد بمقدور أبناء وبنات الزوبعي البالغ عددهم 10 الذهاب إلى مدارسهم، ليس فقط بسبب الاغلاق الذي طال كل مدارس الفلوجة في الآونة الأخيرة وأدى إلى تجميد عام دراسي كامل، وإنما أيضا نتيجة لبقائهم في مستشفى الفلوجة لأكثر من شهر ونصف.
وردا على تساؤلات "العربية.نت" حول إيواء سكان الفلوجة أبومصعب الزرقاوي وعددا من الارهابيين العرب، أكد الزوبعي أنه لم ير الزرقاوي، ولم يلتق بواحد من سكان الفلوجة أكد له وجوده. وفضلا عن ذلك –يواصل الزوبعي- لا يستقيم بحسبه أن يقتل 650 ألفا هم عدد سكان المدينة (بقى منهم 300 ألف في الفلوجة حاليا) من أجل رجل واحد.
ويؤكد الزوبعي –وهو عضو وفد سكان الفلوجة الذي فاوض حكومة علاوي عقب الاحداث الأولى أبريل/نيسان من هذا العام- أن سكان المدينة عرضوا على حكومة بلادهم خلال المفاوضات الأخيرة التي سبقت العمليات العسكرية في المدينة السماح بدخول قوات الحرس الوطني شريطة ألا تدخلها القوات الأمريكية. ويشير إلى أنهم –أي سكان مدينته- أوضحوا للحكومة أن بمقدور هذه القوات توقيف المقاتلين العرب في المدينة إذا وجدوهم.
وينفي عن سكان الفلوجة مشاركتهم في عمليات الذبح التي تجري بين حين وآخر في العراق. في هذا الصدد يقول الحاج حامد الزوبعي "إذا وجدنا من يقومون بهذه العمليات البشعة فسنذبحهم لأننا مسلمون وديننا يحرم علينا ذلك". وأوضح أنه لا يستطيع تأكيد عدم وجود مقاتلين عرب في المدينة لأنه لم يشاهدهم كما أنه ليس متيقنا من عدم وجود الزرقاوي، لكن "أين هو فالزرقاوي صنعوا منه اسطورة وسيكون بوسعهم صنع اسطورة أخرى حتى لو انتهى الزرقاوي الذي لم يره أحد في الفلوجة".
ولام الزوبعي مجموعة الملثمين الذين تعقبوا 4 مقاولين أمريكيين وقاموا بقتلهم في ساحة للعمل، ومن ثم قام عدد من "العمال الجهلاء" بحسب وصفه بالتمثيل بجثثهم حين شعروا بأن هناك كاميرا تصوّر الحادث لرغبتهم في الظهور بمظهر الأبطال الذين يقاومون الأمريكيين. لكن الزوبعي يجزم أن هذا الحادث الذي مضت عليه الآن أكثر من 6 أشهر لم يمر من دون عقاب أمريكي، إذ عمد الأمريكيون على حد قوله إلى التمثيل بجثث 4 عراقيين اتهموهم بقتل الأمريكيين الأربعة وقاموا بقطع أرجلهم وأيديهم في حي نزال في الفلوجة.
ويشير إلى أن سكان الفلوجة وغيرها من المدن العراقية ليسوا بحاجة لأسلحة لأن الأمريكيين ارتكبوا أخطاء فادحة بحل كل الأجهزة العسكرية والأمنية وترك الأسلحة مع الجنود الذين سرحوا علاوة على ترك مؤسسات عسكرية بها كميات من الأسلحة -كمنشأة القعقاع- من دون حراسة. وقال إن منشآت الهضبة ومطار الحبانية ومشروع (111) العسكرية لا تبعد عن الفلوجة كثيرا مما وفر السلاح لرجال تدربوا أصلا على القتال في سنوات الحرب الإيرانية العراقية.
ثأر بين الفلوجة والأمريكيين
وعن سر العداء الكامن بين قوات الاحتلال وأهل الفلوجة رجح الزوبعي أن يكون ذلك راجعا لعوامل تفسرها الطبيعة المحافظة لسكان هذه المناطق، حيث لم يقم الأمريكيون بدراسة سيكولوجية الشخصية العراقية خصوصا في منطقة محافظة بها أكثر من 145 مسجدا وذات طبيعة "صوفية" تتقبل الطروحات السلفية كالفلوجة.
وفي هذا الخصوص أوضح أن التربية في هذه المدينة تقوم على تعليم ديني يتمثل بالمدارس القرآنية والتمسك بالعادات والتقاليد العشائرية لعشائر دليم وزوبع والبوعيسى والبوفهد وشمر وعنزة وكبيسة والعقيدات علاوة على الارث الديني الراسخ لعدد من شيوخ وأعلام الصوفية المقبورين هناك مثل الشيخ محمد الفياض والشيخ الحلاب والشيخ زامل والشيخ عبدالعزيز السامرائي.
وأشار أيضا إلى أن سكان الفلوجة وبناء على هذه السيكولوجية الدينية الصوفية والعشائرية يميلون حاليا إلى تصديق حدوث كرامات تحصل لهم أثناء المعارك التي يخوضونها ضد الأمريكيين، فهم على سبيل المثال يجزمون بأن الغبار يعلو المدينة ويطوقها تماما مانعا الطائرات العسكرية من التحليق علاوة على سماعهم صهيل الخيول أثناء القتال.
ويرى أن الفلوجة أيضا عرفت على مدى زمني طويل حال من المحافظة الدينية إلى درجة أن دار السينما الوحيدة التي شيدت في عهد صدام أغلقت بسبب التهديدات التي أطلقها متطرفون بتفجيرها بعد أن عرضت أفلام خلاعية ومن ثم تم تحويلها إلى قاعة للاجتماعات حملت اسم "القائد".
كل هذه العوامل –يواصل الزوبعي- شكلت تربة خصبة لرفض المحتل ورفض ممارساته في الفلوجة مشيرا إلى حوادث بعينها اعتبرها بمثابة نقطة تحول حرضت غالبية سكان الفلوجة على المقاومة. ويسرد الزوبعي –للتدليل على كلامه- حوادث جرت في أعقاب سقوط بغداد ودخول طلائع القوات الأمريكية إلى الفلوجة حيث عمدوا إلى اتخاذ "المزرعة" القريبة كمقر لقيادتهم بينما أصبحت مدرسة ابتدائية كان يدرس بها أبناء وبنات الفلوجة وحدة عسكرية أمريكية.
وشهدت هذه الوحدة العسكرية الشرارات الأولى التي سرعان ما شبت حريقا، إذ مارس الأمريكيون على حد قول الزوبعي استفزازات بحق أهل الفلوجة كان أقساها وقعا تفتيش الجنود الأمريكيين بأيديهم النساء العراقيات هناك على الرغم من وجود مجندات في صفوف القوات الأمريكية كان بامكانهن القيام بمثل هذه المهام التي لا يقبلها سكان مدينة محافظة كالفلوجة.
ويقول الزوبعي إن الأمريكيين قتلوا 13 من أهل الفلوجة أثناء تظاهرة سارت أمام القائمقامية في الشارع الرئيسي المطل على حي نزال احتجاجا على ممارسات الأمريكيين المتمثلة باهانة النساء ومنع التلاميذ من تلقي دروسهم في المدرسة.
بعد هذه الحادثة –يضيف الزوبعي- لم يخفف الأمريكيون من إجراءاتهم بل زادت بحسبه بالاهانات التي وجهتها المجندات الأمريكيات لأهل الفلوجة باعتقال الرجال ووضع أحذيتهن على رؤوسهم أمام زوجاتهم. آنذاك –يؤكد- أدرك أهل الفلوجة أن عليهم الخروج من حال التعاطي مع ما يحدث باعتباره مضي نظام قمعي ومجيء نظام سياسي جديد إلى النظر إليه كاحتلال يسومهم الذل، خصوصا بعد أن اقتاد الأمريكيون إلى مقر قيادتهم في المزرعة عروس في ليلة زفافها بحجة وجود ارهابيين. ولولا احتشاد زوجها مع أهل الفلوجة ووساطة القائمقام آنذاك طه البيديوي لما أطلق سراحها على حد قوله.
ووقع كذلك حادث أخير في سلسة الحوادث المستفزة بحسبه حيث تم اعتقال نائب القائمقام ووجهت اساءات بالغة للقائمقام. كل هذه الحوادث إذا ما أضيف إليها تاريخ الفلوجة والمنطقة المتمثل باقدام الشيخ الضاري على قتل ميكائيل لجمن الحاكم البريطاني في العراق وقتئذ في منطقة خان الضاري أثناء ثورة العشرين في عشرينات القرن الماضي، وإذا ما ألحقت بالجذوة الدينية المحافظة لسكان المنطقة، ولدت بين هؤلاء وبين الأمريكيين ما يشبه الرغبة المتبادلة في الثأر.
ويقدر الزوبعي المقاتلين في الفلوجة حاليا بـ6 آلاف مقاتل حسبما يتناهى إلى سمعه. وجلّ هؤلاء كما يرى من الذين ضاقت بهم سبل العيش وسد الاحتلال بوجههم كل الأبواب بعد أن كانوا يعملون كصنّاع وسائقين وفلاحين وعساكر يقبضون رواتب نهاية كل شهر ثم باعوا كل مقتنياتهم من أجل العيش. الاحتلال لم يكتف بذلك كما يوضح الزوبعي، ففضلا عن ذلك كله، بات هؤلاء يتلقون الاهانة تلو الأخرى وما عاد بوسعهم احتمال رؤية الأمريكيين وهم يفتشون أجساد نسائهم وأخواتهم.
وهو يعيش حاليا في وضع نفسي صعب إذ انتقل من الفلوجة إلى الامارات لتلقي العلاج قبل 10 أيام، لتنلع الاحداث في مدينته بعد رحيله مباشرة، وبقى هو مبلبل الفكر نتيجة عدم تمكنه من الاطمئنان على صحة أفراد أسرته كون الكهرباء مقطوعة عن المدينة منذ 5 أيام تقريبا وكذلك خطوط الهاتف والمياه.
يتمتع الحاج حامد على الرغم من قلقه العميق على أسرته بتفاؤل حيال المستقبل، وهو يكل أمره وأمر أسرته إلى الله، وتمر أمامه صور ومشاهد كثيرة لعامين حافلين بالأحداث كان أولها مقتل ابن أخيه في سيارته تحت قصف أمريكي ولم يكن آخرها اخراجه هو وأسرته بكاملها من تحت الأنقاض قبل شهر ونصف.
ويتمنى الزوبعي أن تحظى بلاده بعد الانتخابات برجل لا يسفك الدماء وقادر على جلب الاستقرار إلى العراق و"في هذه الحال فإن المثلث السني كله سيدعم مثل هذا الرجل"، لكنه لا ينسى التأكيد على أن هؤلاء الناس جميعا سيمتنعون عن التصويت في حال أوصى شيوخهم بذلك احتجاجا على الهجوم على الفلوجة. وقال إنه وغيره من أهل المثلث السني –على حد قوله- لا يضيرهم أبدا التصويت لشيعي ليصبح رئيسا لأن التصويت سيتم لبرنامج سياسي لا مذهبي.
يقول أهل الفلوجة –كما هو حال الحاج حامد الزوبعي- إنهم مظلومون من قبل الحكومة المؤقتة لبلادهم وقوات الاحتلال، ويؤكدون بأنه لا وجود لزرقاوي في صفوفهم التي يجزمون بأنها صفوف مقاتلة نتجت عن المهانات المتتالية التي تعرضوا لها، وفي المقابل تصر حكومة إياد علاوي، ويصر معها الأمريكيون في أن هذه المدينة تؤوي ارهابيين وأنها تشكل بوضعها الحالي خطرا حقيقيا على مستقبل العراق كونها تحضن حاليا جماعة تنتسب لتنظيم القاعدة ويمكن أن تؤثر بشكل كبير على استقرار العراق.
أما الحقيقة كاملة فسيكون محتوما –كما يقول محللون- انتظارها طويلا ريثما ينجلي غبار المعارك، وحتى يتسنى العثور على أدلة قوية تدعم افادات واحد من الطرفين مؤكدة إما الفلوجة مدينة حاضنة للارهاب، أو انها كانت واحدة من أكثر مآسي بداية القرن الواحد والعشرين فظاعة.

التعليقات