الصدقة والزكاة بـالكريديت والبريد الإلكتروني.. تواصل أم تباعد
الصدقة والزكاة بـالكريديت والبريد الإلكتروني.. تواصل أم تباعد؟!
غزة-دنيا الوطن
مع التقدم التقني والتوسع العمراني والتكدس البشري، تغيرت ملامح الحياة لتأخذ أشكالا وصورا تبتعد أحيانا بالفرائض والسنن عن غايتها، من ذلك: تفطير أو إفطار الصائم بالكوبونات، تأدية زكاة الفطر بالمال، تقديم الأضحية، وزكاة المال ببطاقات الائتمان "الكريديت"، والصراف الآلي، والبريد الإلكتروني.
ولأن الهدف من تلك الفرائض والسنن هو التراحم والتواصل الاجتماعي، فضلا عن غايات اجتماعية أخرى، فقد انحرفت الأمور عن مسارها ناهيك عن استخدام الأموال في غير موضعها.
دافع القائمون على الجهات والمؤسسات العاملة في حقل العمل الخيري عن استخدام وسائل التقنية الحديثة مثل الكريديت والبريد الإلكتروني والصراف الآلي, في أداء فرائض وسنن الله كالزكاة والأضحية وتفطير الصائمين والتصدق. وذهب بعضهم إلى أن التشكيك في هذه الوسائل يصب في مصلحة المتربصين بالعمل الخيري الإسلامي ويضر بالمجتمع المسلم.
فيما حذرت آراء أخرى من أن فتح الباب على مصراعيه أمام هذه الوسائل قد يحمل أخطارا على أمن المجتمع واستقراره، مشيرين إلى دخول جهات مشبوهة على الخط, ركبت الموجة وراحت تجمع أموال المسلمين متخفية تحت لافتات إسلامية واجتماعية براقة, ثم استخدمتها في أعمال تنسف أمن المجتمع واستقراره.
وذهب أصحاب الشأن الحقيقيون، وهم المتبرعون من آحاد الناس، إلى أن وسائل التقنية الحديثة فرغت الصدقات والزكوات من جوهرها الروحي وحولتها إلى عملية آلية بلا روح, فضلا عن أنها غيبت قيمة أخرى أصلية وهي التواصل الإنساني وجها لوجه بين المتبرع والمستحق للتبرع.
وأشار عدد من المواطنين إلى أنهم يفضلون أداء الزكاة وتقديم الصدقات بأنفسهم وتسليمها باليد, ليس ضمانا لوصولها إلى مستحقيها فقط, بل وللشعور بمعنى التكافل والتواصل الإنساني بشكل مباشر، على حد قول السيدة أم فيصل، وتتفق معها السيدة فايزة، مؤكدة أن المجتمع في الماضي كان أكثر تواصلا وتلاحما وشعوراً بالمحتاجين، مضيفة "اليوم لا يدري بعضنا عن أقرب الأقرباء ولا عن الجار، لذلك أصبحت غالبية الناس تستسهل عملية شراء كوبونات والتصدق من خلالها".
ولا تمانع أم خالد بقولها في استخدام الوسائل الحديثة، ما دامت توفي بالغرض وهو وصول الزكاة لمستحقيها من المحتاجين والفقراء.
أما هيا فتفضل السؤال عن بيوت المحتاجين وتقوم بإيصال الزكاة والصدقة لهم بنفسها.
فيما يرى الأمين العام لهيئة الإغاثة الإسلامية الدكتور عدنان بن خليل باشا أن المسلم يجب أن يرى أخاه المسلم، وقد أدخل على قلبه السرور بعد أن أدى له صدقة، أو فطر صائماً أو دفع إليه زكاته، ولكن ذلك لا يتحقق فقط بأن يقوم المحسن بنفسه بتوزيع الصدقات على مستحقيها أو أن يعد الطعام بنفسه للصائمين، كما أن ذلك لا يتأتى لكثير من المحسنين ومحبي عمل الخير لاتساع الرقاع الجغرافية داخل الوطن وخارجه، فقد أصبح المجتمع مدناً تقاس بعشرات الكيلومترات, وقد تكون المهمة عسيرة المنال على من أراد أن يوصل صدقته وزكاته إلى أطراف المدينة الواحدة. وهي أكثر صعوبة على من أراد أن يتوسع أكثر فأكثر ليصل إلى الفقراء في مختلف مناطق السعودية، كما أن من رغب في التصدق لفقراء بلد إسلامي يبعد عنه بآلاف الأميال لربما أعيته الحيلة عن الوصول والتعرف على المحتاجين هناك، لذلك فإن اضطلاع هيئات ومؤسسات خيرية موثوق بها بهذه المهام جميعاً يحقق للمحسن المسلم كل ذلك على الوجه الأكمل.
ويضيف الدكتور باشا أن التوكيل في أداء هذه الفرائض والواجبات والنوافل جائز شرعاً دون أدنى شك، أما ما يتصل باطلاع المحسن على مسار صدقاته حتى تصل إلى المستحقين فهو أمر يسير جداً، إذ تقوم الهيئات الخيرية ومنها هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بإصدار نشرات وتقارير دورية تبين بالمعلومة والصورة الأوجه التي تنفق فيها أموال المحسنين وتورد إحصائيات دقيقة عن أعداد المستفيدين من كل برنامج من برامجها على مدى العام أو نصفه أو ربعه.
ويرى الأمين العام لهيئة الإغاثة أن استخدام معطيات العصر لجميع التبرعات أو استقبال الصدقات أو الزكوات أو سواها أمر تفرضه طبيعة العصر، وفيه الكثير من التسهيل على المتبرع، كاستخدام الإنترنت أو الإيداع المباشر في حسابات البنوك المعروفة أو التحويل من حساب المتبرع إلى حساب إحدى الهيئات, وسوى ذلك مما لا يتعارض في شيء مع روح الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى التيسير وتنفر من التعسير.
وحول ما أثير في الآونة الأخيرة عن أن أموال الصدقات وغيرها قد انحرف مسارها وتم استخدامها في غير موضعها، يعلق الدكتور باشا بقوله "إنها تعتبر فريدة في معناها العام والمطلق، إذ نحن نتوسم في هيئاتنا ومنظماتنا الإسلامية الخيرية كل خير عموماً وإذا ما وقعت حوادث فردية ومحدودة، فلا يجوز بحال من الأحوال تعميمها ومصادرة العمل الخيري الإسلامي جملة وتفصيلاً بسببها، وهو ما يريده في الواقع الكثير من المغرضين والمتربصين الذين يريدون إخلاء الساحة من العمل الخيري الإسلامي لأهداف وأغراض معلومة".
والحل من وجهة نظر الدكتور عدنان باشا يكون "بتفويت الفرصة على هؤلاء المتربصين باتخاذ الشفافية شعاراً في العمل الخيري، وهو ما تنتهجه هيئة الإغاثة وذلك بوسائل ووسائط عدة، منها تعاملها فقط مع البنوك الرسمية داخل السعودية وخارجها، واعتمادها لميزانية مدروسة معتمدة من لجنتها التنفيذية ومن ثم من مجلس الإدارة وتعاملها مع مكاتبها في الخارج أو سفارات المملكة بالدول المستفيدة.
ويشير إلى مرور عمليات الصرف فيها عبر 3 جهات رقابية قبل الصرف وبعده، ومن خلال اعتمادها لدليل محاسبي موحد لجميع المكاتب المحلية والخارجية لإحكام الرقابة على دورة الصرف.
وكذلك مراجعة ومراقبة حسابات مكاتبها الخارجية من قبل محاسبين قانونيين محليين ودوليين وسوى ذلك من الإجراءات الدقيقة جداً التي تضمن عدم خروج ريال واحد عن مساره المحدد له، وفي كل ذلك شفافية مفرطة تبعد كل شبهة أو فرية، وهو المطلوب في تقديري لدفع هذه التهم الباطلة.
تحقق مبدأ السرية
ويؤكد رئيس قسم تنمية الموارد بالجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة المهندس حسين بن حمد العمران "أن وسائل التقنية الحديثة، خاصة وسائل الاتصال المصرفية كالهاتف المصرفي والإنترنت والصراف الآلي والـ"واب"، سهلت الخدمة المصرفية للإنسان حيث أصبح يستطيع إجراء معظم معاملاته من خلال هذه الخدمات دون عناء أو زحام. ومن أعظم الفوائد لهذه الخدمات إمكانية المساهمة في فعل الخير والتبرع وإخراج الزكاة من خلالها دون تعب أو مشقة حيث أصبح التبرع في متناول الجميع من خلال هذه القنوات ومن أي مكان في المنزل والمكتب والشارع والسيارة وغيرها، مضيفاً أن الوسائل الإلكترونية ساهمت بشكل كبير في تسهيل إيصال الصدقات والزكوات والتبرعات إلى الجهات المعنية والجمعيات الرسمية في سرية تامة وبطريقة مأمونة ومضمونة ولكن المسألة ينقصها اكتمال وعي الناس وإدراكهم وفهمهم لاستخدام هذه الوسائل وطريقة كتابة المعلومات وإرسال البيانات وهذا ما يجعل التوعية الإعلامية أمرا مطلوبا من الجميع في إيضاح طريقة استخدام هذه الوسائل.
وعن نوعية التبرعات التي تستقبلها الجمعية يقول العمران "إنها تستقبل التبرعات العامة للقرآن الكريم والزكاة وأيضاً الصدقة الجارية ولديها حساب خاص لكل من هذه المجالات, حيث يستطيع الشخص التبرع للجمعية من خلال الوسائل الإلكترونية من أي مكان عبر الأمر المستديم أو التحويل من حسابه إلى حساب الجمعية أو الإيداع مباشرة في البنك, ومن خلال جميع البنوك بالسعودية، ويستطيع تخصيص ما تبرع به لكفالة الحلقات أو المدرسين أو كفالة الطلاب أو الزكاة أو الوقف وغيرها، مشيراً إلى أن الخدمات الإلكترونية فضلاً عن كونها سهلت إيصال التبرعات والصدقات إلى مستحقيها، لها فوائد أخرى في كونها تحافظ على السرية التامة بعدم معرفة أحد بما أنفق الشخص "وصدقة السر تطفئ غضب الرب" كما قال صلى الله عليه وسلم, فيما تقلل من الإحراج والحياء من التبرع بالقليل بينما يحرج الإنسان من التبرع بريال أمام الناس أو إيصاله إلى مقر الجمعيات, كما توفر هذه الأساليب من الوقت والجهد فالإنسان في مكتبه أو منزله وهو أمام شاشة الحاسب يستطيع التحويل والتبرع بضغطة زر, هذا إضافة إلى الأمان والثقة بأن ما تبرع به الإنسان قد وصل إلى الجهة الرسمية والموثوق والمعترف بها عوضاً عن العشوائية في بعض التبرعات".
لا شبهة في التبرع بالبطاقة
فيما يعد الرئيس التنفيذي لمشروع زكاة خالد بن يوسف السندي التبرعات الإلكترونية خطوة تساعد على التعرف على البرامج الخيرية والتطوعية للجمعيات والمشاريع القائمة, كذلك ولضمان وصول الأموال, فلابد من مراعاة التبرع للجهات الموثوقة، فالجمعيات ما هي إلا حلقة وصل بين الفقير والمتبرع الذي قد يقع فريسة لبعض من يدعي الخير حيث لابد من المعرفة والثقة في المنظمة والقائمين عليها وعلى أعمال التبرعات، مؤكداً ضرورة وجود سندات القبض "الكوبونات" قائلاً "لابد من وجود مستند ضبط مالي لعملية رصد مبالغ التبرعات ومصادر دخولها وخروجها في مواقع ودفاتر الضبط، وذلك للحصر والتدقيق المحاسبي وحصراً للمتبرعين.
ويتفق معه الشيخ أحمد المعبي قائلاً: "الأمر ليس فيه خلاف فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من فطر صائماً فله مثل أجره..."، ولا يشترط أن يقوم المفطر بتقديم الإفطار للصائم بنفسه، موضحاً أن الأصل في الزكاة أن تؤدى صاعاً من الذرة أو صاعاً من الشعير أو صاعاً من التمر، كما أن هناك العديد من الآراء الاجتهادية حول هذا الموضوع، فالفقهاء اختلفوا على ذلك من بعد العهد النبوي في عهد الخلفاء الراشدين، وهناك بعض المدارس الفقهية مثل الحنفية أجازت إخراج الزكاة بالنقود، إلا أن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن تخرج الزكاة عينية وليست بالنقود.
ويؤكد المعبي أن تقديم الأضحية بالبطاقات أو عن طريق البنك ليس فيه من شبهة.
المصيبيح يحذر
ويختلف مع الآراء السابقة مدير عام العلاقات والتوجيه بوزارة الداخلية الدكتور سعود المصيبيح قائلاً: "بعض العلماء أمروا بجواز صرف زكاة الفطر بالمال وهو أمر ينبغي تطبيقه مع متغيرات العصر الحالية وحاجة الفقراء للمال للصرف على احتياجاتهم والانتفاع منها، أما الأضحية فمن المعلوم أن الأولى أن يتولى الإنسان مباشرة أضحيته بنفسه وتسميتها والأكل منها والتصدق بثلثها وإهداء ثلثها، وهذا لا يتحقق إذا ضحى الإنسان عن طريق البطاقات، كذلك يطبق أيضا على زكاة الفطر وتفطير الصائم، مضيفاً: "أن استخدام أموال الصدقات أو التبرعات في الأعمال التي تسيء إلى الأمة والوطن شيء يؤسف له ولا يقدم عليه إلا إنسان تخالط تفكيره الشبهات والشهوات التي يمقتها الإسلام، وهذا أمر لم يعهده مجتمعنا قبل تغلغل الأفكار الدخيلة على شباب مجتمعنا.
وقد تسببت هذه السلوكيات الشاذة في الإساءة إلى الكثير من الأعمال الخيرية النزيهة.
ويرى المصيبيح أن المطلوب من الموسرين وأهل الخير الحرص على وضع صدقاتهم في الجهات الرسمية الخيرية التي تخضع للرقابة ويقوم عليها أناس أكفاء بحيث يثق المتصدق أن صدقاته تصل إلى مستحقيها بشكل منظم ومنصف وحسب الاحتياج الفعلي للفقير. ولعل الهيئة الخيرية السعودية العليا تباشر أعمالها لتبين النقص في هذا الأمر، ومما يؤسف له أن هناك حالات متعددة للغش والخداع والتحايل يرتكبها بعض المسلمين للحصول على الصدقات عبر مشاريع ومقترحات وهمية وبعضها ذهب طريقه للإجرام والإفساد والتكفير والتفجير وبعضها لجيوب هؤلاء الكذابين، وكم من مشروع لبناء مسجد أو حفر بئر أو مساعدة أيتام أو فقراء ذهب لجيوب هؤلاء المجرمين فعلى المسلم الحذر الشديد في الأمر.
وعن انتشار صناديق التبرع في المساجد والأسواق والأماكن العامة يقول الدكتور المصيبيح "ينبغي أن تخضع لمعايير وإشراف دقيق من الجهات الرسمية في وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الشؤون الإسلامية المعنية بهذا الأمر وعلى المواطن الحذر من أي صناديق غير موثقة ودقيقة".
وقد سبق وأن اتضح في بيانات وزارة الداخلية الإعلان عن وجود صناديق لجمع التبرعات كتب عليها أسماء مؤسسات خيرية ودعوية ومشاريع وهمية أثناء مداهمة أوكار هؤلاء والذين استخدموا أموالها في السوء، كما حذرت وزارة الداخلية من استغلال كوبونات إفطار الصائم وهذا كان محل تقدير المجتمع، فقد حدت من اندفاع البعض لأداء الصدقة دون معرفة الجهة التابعة لها والتي ربما تذهب إلى غير مستحقيها.
الأوقاف تقرها
ويشير وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور توفيق السديري إلى أن الخدمات الإلكترونية للتبرعات في ازدياد ملحوظ من خلال متابعة الوزارة، متمنيا أن تتوسع, وإن لم تكن هناك أرقام محددة لقياس حجم الظاهرة, فمادام كل تطور تقني خيري عبر الهاتف المصرفي أو الإنترنت واضحاً فالوزارة تقره وتصرح به، مؤكداً أن الشبكة المعلوماتية واستخدام الحاسب الآلي نعمة من الله سبحانه وتعالى، لما توفره من وقت وجهد فيما تضبط العمل الخيري وضمان وصول التبرعات لمستحقيها، مضيفاً "أنه على الإنسان أن يبادر ويسعى بنفسه لإيصال الزكاة لمستحقيها وهذا أقرب لإتباع السنة النبوية وأولى وأفضل، ولكن إذا لم يستطع الإنسان لسبب أو لآخر تقديم هذه الواجبات، فاستخدام الوسائل الإلكترونية عبر حسابات البنوك أو البطاقات أسلم طريقة، فيما عدا الكوبونات أو الوسائط التي تدفع المبالغ من خلالها وقد تصل أو لا تصل"، مؤكداً أن الوزارة ليست معنية بشكل مباشر بالتبرعات التي تجمعها المؤسسات الخيرية المصرح لها، ولكن من خلال اختصاص الوزارة في رعاية شؤون المساجد وكذلك من خلال إشرافها على بعض المؤسسات الخيرية، فهي تؤكد على منع جمع التبرعات النقدية أو الكوبونات بأي شكل من الأشكال، وأن يكون التبرع عبر الحسابات المفتوحة في المصارف, وتم التنبيه على أئمة المساجد بعدم جمع التبرعات والوزارة تراقب هذه التبرعات وضبط العمل الخيري والتأكد من وصول الصدقات والتبرعات لمستحقيها، لأنه ثبت أن بعض التبرعات النقدية والكوبونات في بعض المدارس والأحياء، أدت إلى أمور تسيء إلى الإسلام والوطن، فبالتالي وضعت هذه الضوابط وهي تسهل على الناس إيصال التبرعات وكذلك تجعلهم مطمئنين لوصول التبرعات لمستحقيها. وتناشد الوزارة المواطنين التعاون وإبلاغها عن أي مخالفة سواء في المساجد أو في المؤسسات الخيرية التي تشرف عليها الوزارة في أي جانب من الجوانب فقد وجدت بعض الأخطاء في قضية الكوبونات، حيث ثبت أن بعض الأشخاص من ضعاف النفوس قد يستغل هذه الكوبونات استغلالا خاطئاً. وسداً لهذا الباب والتأكد من وصول التبرعات لمستحقيها فعلاً، خصصت حسابات ميسرة بأرقام معروفة في الصحف حيث بإمكان أي متبرع تحويل المبالغ التي يريد تحويلها بالهاتف وفق الحسابات المصرح لها.
وقال العالم الأزهري الدكتور عبد العظيم المطعني إنه من الأفضل التوزيع المباشر للصدقات والزكوات والكفارات على الفقراء والمحتاجين لضمان سرعة وصولها إلى مستحقيها لما يحققه ذلك من حميمية وتواصل، وتلبية للحاجة السريعة للفقراء، ولكن في الوقت نفسه لا بأس من استخدام أية وسائل حديثة تتناسب مع طبيعة العصر لتوزيع الصدقات، موضحاً أن الزكاة في البداية كان يقوم بجمعها ولي الأمر ويوزعها على المستحقين، حيث كانت المجتمعات بسيطة ومن الميسور عمل إحصاء دقيق بالمحتاجين وأماكنهم واحتياجاتهم. وكانت هناك وظائف لجمع الزكاة وهؤلاء الموظفون كانوا يسمون الجباة ويتقاضون رواتبهم من أموال الزكاة لأنها أمر قائم بذاته لا تكلف ميزانية الدولة شيئاً. والزكاة في الإسلام مشروع مستقل "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها". وهذا يعني أنه لا بأس بتوزيعها عن طريق مؤسسة خاصة أو بنك أو بأية طريقة المهم أن تصل إلى مستحقيها وتلبي حاجاتهم.
من جانبه يقول أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس المصرية الدكتور محمد داود إن هذا الأمر يرتبط بالسياسة المالية للمجتمع، فإذا كان التعامل السائد هو عن طريق "البطاقات الذكية" في المجتمع فلا بأس من إخراج الزكاة وتوزيعها بهذه الطريقة، خاصة وأن بعض المجتمعات يمثل عمل النقود فيها خطراً على صاحبه، أما إذا كان الأسلوب السائد هو التعامل النقدي مثلما هو الحال في مصر مثلاً، فيفضل أن يكون التوزيع مباشراً خاصة وأن هذا الأسلوب يخلق حالة من الحميمية والتواصل وتعرف المزكي على حال المحتاجين، وقد يكون هذا التعرف حافزاً لزيادة قدر الصدقة، وبذلك يكون فاتحة لخير وفير أفضل من الدفع عن طريق الآلات الصماء دون معرفة لمن تذهب أو حالة من تذهب إليه.
غزة-دنيا الوطن
مع التقدم التقني والتوسع العمراني والتكدس البشري، تغيرت ملامح الحياة لتأخذ أشكالا وصورا تبتعد أحيانا بالفرائض والسنن عن غايتها، من ذلك: تفطير أو إفطار الصائم بالكوبونات، تأدية زكاة الفطر بالمال، تقديم الأضحية، وزكاة المال ببطاقات الائتمان "الكريديت"، والصراف الآلي، والبريد الإلكتروني.
ولأن الهدف من تلك الفرائض والسنن هو التراحم والتواصل الاجتماعي، فضلا عن غايات اجتماعية أخرى، فقد انحرفت الأمور عن مسارها ناهيك عن استخدام الأموال في غير موضعها.
دافع القائمون على الجهات والمؤسسات العاملة في حقل العمل الخيري عن استخدام وسائل التقنية الحديثة مثل الكريديت والبريد الإلكتروني والصراف الآلي, في أداء فرائض وسنن الله كالزكاة والأضحية وتفطير الصائمين والتصدق. وذهب بعضهم إلى أن التشكيك في هذه الوسائل يصب في مصلحة المتربصين بالعمل الخيري الإسلامي ويضر بالمجتمع المسلم.
فيما حذرت آراء أخرى من أن فتح الباب على مصراعيه أمام هذه الوسائل قد يحمل أخطارا على أمن المجتمع واستقراره، مشيرين إلى دخول جهات مشبوهة على الخط, ركبت الموجة وراحت تجمع أموال المسلمين متخفية تحت لافتات إسلامية واجتماعية براقة, ثم استخدمتها في أعمال تنسف أمن المجتمع واستقراره.
وذهب أصحاب الشأن الحقيقيون، وهم المتبرعون من آحاد الناس، إلى أن وسائل التقنية الحديثة فرغت الصدقات والزكوات من جوهرها الروحي وحولتها إلى عملية آلية بلا روح, فضلا عن أنها غيبت قيمة أخرى أصلية وهي التواصل الإنساني وجها لوجه بين المتبرع والمستحق للتبرع.
وأشار عدد من المواطنين إلى أنهم يفضلون أداء الزكاة وتقديم الصدقات بأنفسهم وتسليمها باليد, ليس ضمانا لوصولها إلى مستحقيها فقط, بل وللشعور بمعنى التكافل والتواصل الإنساني بشكل مباشر، على حد قول السيدة أم فيصل، وتتفق معها السيدة فايزة، مؤكدة أن المجتمع في الماضي كان أكثر تواصلا وتلاحما وشعوراً بالمحتاجين، مضيفة "اليوم لا يدري بعضنا عن أقرب الأقرباء ولا عن الجار، لذلك أصبحت غالبية الناس تستسهل عملية شراء كوبونات والتصدق من خلالها".
ولا تمانع أم خالد بقولها في استخدام الوسائل الحديثة، ما دامت توفي بالغرض وهو وصول الزكاة لمستحقيها من المحتاجين والفقراء.
أما هيا فتفضل السؤال عن بيوت المحتاجين وتقوم بإيصال الزكاة والصدقة لهم بنفسها.
فيما يرى الأمين العام لهيئة الإغاثة الإسلامية الدكتور عدنان بن خليل باشا أن المسلم يجب أن يرى أخاه المسلم، وقد أدخل على قلبه السرور بعد أن أدى له صدقة، أو فطر صائماً أو دفع إليه زكاته، ولكن ذلك لا يتحقق فقط بأن يقوم المحسن بنفسه بتوزيع الصدقات على مستحقيها أو أن يعد الطعام بنفسه للصائمين، كما أن ذلك لا يتأتى لكثير من المحسنين ومحبي عمل الخير لاتساع الرقاع الجغرافية داخل الوطن وخارجه، فقد أصبح المجتمع مدناً تقاس بعشرات الكيلومترات, وقد تكون المهمة عسيرة المنال على من أراد أن يوصل صدقته وزكاته إلى أطراف المدينة الواحدة. وهي أكثر صعوبة على من أراد أن يتوسع أكثر فأكثر ليصل إلى الفقراء في مختلف مناطق السعودية، كما أن من رغب في التصدق لفقراء بلد إسلامي يبعد عنه بآلاف الأميال لربما أعيته الحيلة عن الوصول والتعرف على المحتاجين هناك، لذلك فإن اضطلاع هيئات ومؤسسات خيرية موثوق بها بهذه المهام جميعاً يحقق للمحسن المسلم كل ذلك على الوجه الأكمل.
ويضيف الدكتور باشا أن التوكيل في أداء هذه الفرائض والواجبات والنوافل جائز شرعاً دون أدنى شك، أما ما يتصل باطلاع المحسن على مسار صدقاته حتى تصل إلى المستحقين فهو أمر يسير جداً، إذ تقوم الهيئات الخيرية ومنها هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بإصدار نشرات وتقارير دورية تبين بالمعلومة والصورة الأوجه التي تنفق فيها أموال المحسنين وتورد إحصائيات دقيقة عن أعداد المستفيدين من كل برنامج من برامجها على مدى العام أو نصفه أو ربعه.
ويرى الأمين العام لهيئة الإغاثة أن استخدام معطيات العصر لجميع التبرعات أو استقبال الصدقات أو الزكوات أو سواها أمر تفرضه طبيعة العصر، وفيه الكثير من التسهيل على المتبرع، كاستخدام الإنترنت أو الإيداع المباشر في حسابات البنوك المعروفة أو التحويل من حساب المتبرع إلى حساب إحدى الهيئات, وسوى ذلك مما لا يتعارض في شيء مع روح الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى التيسير وتنفر من التعسير.
وحول ما أثير في الآونة الأخيرة عن أن أموال الصدقات وغيرها قد انحرف مسارها وتم استخدامها في غير موضعها، يعلق الدكتور باشا بقوله "إنها تعتبر فريدة في معناها العام والمطلق، إذ نحن نتوسم في هيئاتنا ومنظماتنا الإسلامية الخيرية كل خير عموماً وإذا ما وقعت حوادث فردية ومحدودة، فلا يجوز بحال من الأحوال تعميمها ومصادرة العمل الخيري الإسلامي جملة وتفصيلاً بسببها، وهو ما يريده في الواقع الكثير من المغرضين والمتربصين الذين يريدون إخلاء الساحة من العمل الخيري الإسلامي لأهداف وأغراض معلومة".
والحل من وجهة نظر الدكتور عدنان باشا يكون "بتفويت الفرصة على هؤلاء المتربصين باتخاذ الشفافية شعاراً في العمل الخيري، وهو ما تنتهجه هيئة الإغاثة وذلك بوسائل ووسائط عدة، منها تعاملها فقط مع البنوك الرسمية داخل السعودية وخارجها، واعتمادها لميزانية مدروسة معتمدة من لجنتها التنفيذية ومن ثم من مجلس الإدارة وتعاملها مع مكاتبها في الخارج أو سفارات المملكة بالدول المستفيدة.
ويشير إلى مرور عمليات الصرف فيها عبر 3 جهات رقابية قبل الصرف وبعده، ومن خلال اعتمادها لدليل محاسبي موحد لجميع المكاتب المحلية والخارجية لإحكام الرقابة على دورة الصرف.
وكذلك مراجعة ومراقبة حسابات مكاتبها الخارجية من قبل محاسبين قانونيين محليين ودوليين وسوى ذلك من الإجراءات الدقيقة جداً التي تضمن عدم خروج ريال واحد عن مساره المحدد له، وفي كل ذلك شفافية مفرطة تبعد كل شبهة أو فرية، وهو المطلوب في تقديري لدفع هذه التهم الباطلة.
تحقق مبدأ السرية
ويؤكد رئيس قسم تنمية الموارد بالجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة المهندس حسين بن حمد العمران "أن وسائل التقنية الحديثة، خاصة وسائل الاتصال المصرفية كالهاتف المصرفي والإنترنت والصراف الآلي والـ"واب"، سهلت الخدمة المصرفية للإنسان حيث أصبح يستطيع إجراء معظم معاملاته من خلال هذه الخدمات دون عناء أو زحام. ومن أعظم الفوائد لهذه الخدمات إمكانية المساهمة في فعل الخير والتبرع وإخراج الزكاة من خلالها دون تعب أو مشقة حيث أصبح التبرع في متناول الجميع من خلال هذه القنوات ومن أي مكان في المنزل والمكتب والشارع والسيارة وغيرها، مضيفاً أن الوسائل الإلكترونية ساهمت بشكل كبير في تسهيل إيصال الصدقات والزكوات والتبرعات إلى الجهات المعنية والجمعيات الرسمية في سرية تامة وبطريقة مأمونة ومضمونة ولكن المسألة ينقصها اكتمال وعي الناس وإدراكهم وفهمهم لاستخدام هذه الوسائل وطريقة كتابة المعلومات وإرسال البيانات وهذا ما يجعل التوعية الإعلامية أمرا مطلوبا من الجميع في إيضاح طريقة استخدام هذه الوسائل.
وعن نوعية التبرعات التي تستقبلها الجمعية يقول العمران "إنها تستقبل التبرعات العامة للقرآن الكريم والزكاة وأيضاً الصدقة الجارية ولديها حساب خاص لكل من هذه المجالات, حيث يستطيع الشخص التبرع للجمعية من خلال الوسائل الإلكترونية من أي مكان عبر الأمر المستديم أو التحويل من حسابه إلى حساب الجمعية أو الإيداع مباشرة في البنك, ومن خلال جميع البنوك بالسعودية، ويستطيع تخصيص ما تبرع به لكفالة الحلقات أو المدرسين أو كفالة الطلاب أو الزكاة أو الوقف وغيرها، مشيراً إلى أن الخدمات الإلكترونية فضلاً عن كونها سهلت إيصال التبرعات والصدقات إلى مستحقيها، لها فوائد أخرى في كونها تحافظ على السرية التامة بعدم معرفة أحد بما أنفق الشخص "وصدقة السر تطفئ غضب الرب" كما قال صلى الله عليه وسلم, فيما تقلل من الإحراج والحياء من التبرع بالقليل بينما يحرج الإنسان من التبرع بريال أمام الناس أو إيصاله إلى مقر الجمعيات, كما توفر هذه الأساليب من الوقت والجهد فالإنسان في مكتبه أو منزله وهو أمام شاشة الحاسب يستطيع التحويل والتبرع بضغطة زر, هذا إضافة إلى الأمان والثقة بأن ما تبرع به الإنسان قد وصل إلى الجهة الرسمية والموثوق والمعترف بها عوضاً عن العشوائية في بعض التبرعات".
لا شبهة في التبرع بالبطاقة
فيما يعد الرئيس التنفيذي لمشروع زكاة خالد بن يوسف السندي التبرعات الإلكترونية خطوة تساعد على التعرف على البرامج الخيرية والتطوعية للجمعيات والمشاريع القائمة, كذلك ولضمان وصول الأموال, فلابد من مراعاة التبرع للجهات الموثوقة، فالجمعيات ما هي إلا حلقة وصل بين الفقير والمتبرع الذي قد يقع فريسة لبعض من يدعي الخير حيث لابد من المعرفة والثقة في المنظمة والقائمين عليها وعلى أعمال التبرعات، مؤكداً ضرورة وجود سندات القبض "الكوبونات" قائلاً "لابد من وجود مستند ضبط مالي لعملية رصد مبالغ التبرعات ومصادر دخولها وخروجها في مواقع ودفاتر الضبط، وذلك للحصر والتدقيق المحاسبي وحصراً للمتبرعين.
ويتفق معه الشيخ أحمد المعبي قائلاً: "الأمر ليس فيه خلاف فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من فطر صائماً فله مثل أجره..."، ولا يشترط أن يقوم المفطر بتقديم الإفطار للصائم بنفسه، موضحاً أن الأصل في الزكاة أن تؤدى صاعاً من الذرة أو صاعاً من الشعير أو صاعاً من التمر، كما أن هناك العديد من الآراء الاجتهادية حول هذا الموضوع، فالفقهاء اختلفوا على ذلك من بعد العهد النبوي في عهد الخلفاء الراشدين، وهناك بعض المدارس الفقهية مثل الحنفية أجازت إخراج الزكاة بالنقود، إلا أن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن تخرج الزكاة عينية وليست بالنقود.
ويؤكد المعبي أن تقديم الأضحية بالبطاقات أو عن طريق البنك ليس فيه من شبهة.
المصيبيح يحذر
ويختلف مع الآراء السابقة مدير عام العلاقات والتوجيه بوزارة الداخلية الدكتور سعود المصيبيح قائلاً: "بعض العلماء أمروا بجواز صرف زكاة الفطر بالمال وهو أمر ينبغي تطبيقه مع متغيرات العصر الحالية وحاجة الفقراء للمال للصرف على احتياجاتهم والانتفاع منها، أما الأضحية فمن المعلوم أن الأولى أن يتولى الإنسان مباشرة أضحيته بنفسه وتسميتها والأكل منها والتصدق بثلثها وإهداء ثلثها، وهذا لا يتحقق إذا ضحى الإنسان عن طريق البطاقات، كذلك يطبق أيضا على زكاة الفطر وتفطير الصائم، مضيفاً: "أن استخدام أموال الصدقات أو التبرعات في الأعمال التي تسيء إلى الأمة والوطن شيء يؤسف له ولا يقدم عليه إلا إنسان تخالط تفكيره الشبهات والشهوات التي يمقتها الإسلام، وهذا أمر لم يعهده مجتمعنا قبل تغلغل الأفكار الدخيلة على شباب مجتمعنا.
وقد تسببت هذه السلوكيات الشاذة في الإساءة إلى الكثير من الأعمال الخيرية النزيهة.
ويرى المصيبيح أن المطلوب من الموسرين وأهل الخير الحرص على وضع صدقاتهم في الجهات الرسمية الخيرية التي تخضع للرقابة ويقوم عليها أناس أكفاء بحيث يثق المتصدق أن صدقاته تصل إلى مستحقيها بشكل منظم ومنصف وحسب الاحتياج الفعلي للفقير. ولعل الهيئة الخيرية السعودية العليا تباشر أعمالها لتبين النقص في هذا الأمر، ومما يؤسف له أن هناك حالات متعددة للغش والخداع والتحايل يرتكبها بعض المسلمين للحصول على الصدقات عبر مشاريع ومقترحات وهمية وبعضها ذهب طريقه للإجرام والإفساد والتكفير والتفجير وبعضها لجيوب هؤلاء الكذابين، وكم من مشروع لبناء مسجد أو حفر بئر أو مساعدة أيتام أو فقراء ذهب لجيوب هؤلاء المجرمين فعلى المسلم الحذر الشديد في الأمر.
وعن انتشار صناديق التبرع في المساجد والأسواق والأماكن العامة يقول الدكتور المصيبيح "ينبغي أن تخضع لمعايير وإشراف دقيق من الجهات الرسمية في وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الشؤون الإسلامية المعنية بهذا الأمر وعلى المواطن الحذر من أي صناديق غير موثقة ودقيقة".
وقد سبق وأن اتضح في بيانات وزارة الداخلية الإعلان عن وجود صناديق لجمع التبرعات كتب عليها أسماء مؤسسات خيرية ودعوية ومشاريع وهمية أثناء مداهمة أوكار هؤلاء والذين استخدموا أموالها في السوء، كما حذرت وزارة الداخلية من استغلال كوبونات إفطار الصائم وهذا كان محل تقدير المجتمع، فقد حدت من اندفاع البعض لأداء الصدقة دون معرفة الجهة التابعة لها والتي ربما تذهب إلى غير مستحقيها.
الأوقاف تقرها
ويشير وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور توفيق السديري إلى أن الخدمات الإلكترونية للتبرعات في ازدياد ملحوظ من خلال متابعة الوزارة، متمنيا أن تتوسع, وإن لم تكن هناك أرقام محددة لقياس حجم الظاهرة, فمادام كل تطور تقني خيري عبر الهاتف المصرفي أو الإنترنت واضحاً فالوزارة تقره وتصرح به، مؤكداً أن الشبكة المعلوماتية واستخدام الحاسب الآلي نعمة من الله سبحانه وتعالى، لما توفره من وقت وجهد فيما تضبط العمل الخيري وضمان وصول التبرعات لمستحقيها، مضيفاً "أنه على الإنسان أن يبادر ويسعى بنفسه لإيصال الزكاة لمستحقيها وهذا أقرب لإتباع السنة النبوية وأولى وأفضل، ولكن إذا لم يستطع الإنسان لسبب أو لآخر تقديم هذه الواجبات، فاستخدام الوسائل الإلكترونية عبر حسابات البنوك أو البطاقات أسلم طريقة، فيما عدا الكوبونات أو الوسائط التي تدفع المبالغ من خلالها وقد تصل أو لا تصل"، مؤكداً أن الوزارة ليست معنية بشكل مباشر بالتبرعات التي تجمعها المؤسسات الخيرية المصرح لها، ولكن من خلال اختصاص الوزارة في رعاية شؤون المساجد وكذلك من خلال إشرافها على بعض المؤسسات الخيرية، فهي تؤكد على منع جمع التبرعات النقدية أو الكوبونات بأي شكل من الأشكال، وأن يكون التبرع عبر الحسابات المفتوحة في المصارف, وتم التنبيه على أئمة المساجد بعدم جمع التبرعات والوزارة تراقب هذه التبرعات وضبط العمل الخيري والتأكد من وصول الصدقات والتبرعات لمستحقيها، لأنه ثبت أن بعض التبرعات النقدية والكوبونات في بعض المدارس والأحياء، أدت إلى أمور تسيء إلى الإسلام والوطن، فبالتالي وضعت هذه الضوابط وهي تسهل على الناس إيصال التبرعات وكذلك تجعلهم مطمئنين لوصول التبرعات لمستحقيها. وتناشد الوزارة المواطنين التعاون وإبلاغها عن أي مخالفة سواء في المساجد أو في المؤسسات الخيرية التي تشرف عليها الوزارة في أي جانب من الجوانب فقد وجدت بعض الأخطاء في قضية الكوبونات، حيث ثبت أن بعض الأشخاص من ضعاف النفوس قد يستغل هذه الكوبونات استغلالا خاطئاً. وسداً لهذا الباب والتأكد من وصول التبرعات لمستحقيها فعلاً، خصصت حسابات ميسرة بأرقام معروفة في الصحف حيث بإمكان أي متبرع تحويل المبالغ التي يريد تحويلها بالهاتف وفق الحسابات المصرح لها.
وقال العالم الأزهري الدكتور عبد العظيم المطعني إنه من الأفضل التوزيع المباشر للصدقات والزكوات والكفارات على الفقراء والمحتاجين لضمان سرعة وصولها إلى مستحقيها لما يحققه ذلك من حميمية وتواصل، وتلبية للحاجة السريعة للفقراء، ولكن في الوقت نفسه لا بأس من استخدام أية وسائل حديثة تتناسب مع طبيعة العصر لتوزيع الصدقات، موضحاً أن الزكاة في البداية كان يقوم بجمعها ولي الأمر ويوزعها على المستحقين، حيث كانت المجتمعات بسيطة ومن الميسور عمل إحصاء دقيق بالمحتاجين وأماكنهم واحتياجاتهم. وكانت هناك وظائف لجمع الزكاة وهؤلاء الموظفون كانوا يسمون الجباة ويتقاضون رواتبهم من أموال الزكاة لأنها أمر قائم بذاته لا تكلف ميزانية الدولة شيئاً. والزكاة في الإسلام مشروع مستقل "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها". وهذا يعني أنه لا بأس بتوزيعها عن طريق مؤسسة خاصة أو بنك أو بأية طريقة المهم أن تصل إلى مستحقيها وتلبي حاجاتهم.
من جانبه يقول أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس المصرية الدكتور محمد داود إن هذا الأمر يرتبط بالسياسة المالية للمجتمع، فإذا كان التعامل السائد هو عن طريق "البطاقات الذكية" في المجتمع فلا بأس من إخراج الزكاة وتوزيعها بهذه الطريقة، خاصة وأن بعض المجتمعات يمثل عمل النقود فيها خطراً على صاحبه، أما إذا كان الأسلوب السائد هو التعامل النقدي مثلما هو الحال في مصر مثلاً، فيفضل أن يكون التوزيع مباشراً خاصة وأن هذا الأسلوب يخلق حالة من الحميمية والتواصل وتعرف المزكي على حال المحتاجين، وقد يكون هذا التعرف حافزاً لزيادة قدر الصدقة، وبذلك يكون فاتحة لخير وفير أفضل من الدفع عن طريق الآلات الصماء دون معرفة لمن تذهب أو حالة من تذهب إليه.

التعليقات