مسحراتي طولكرم.. قعيد يتحدى المحتل
مسحراتي طولكرم.. قعيد يتحدى المحتل
غزة-دنيا الوطن
لم يدُر بخلد أحد من سكان مدينة طولكرم بالضفة الغربية أن يخرج عليهم مسحراتي "مُقعد" في منتصف الليل، يدفع كرسيه المتحرك بيد، ويضرب على الطبل بيده الأخرى ليوقظ "النيام" استعدادا لتناول طعام السحور وأداء صلاة الفجر، مرددا "هلّ هلالك يا رمضان"، و"يا نايم وحد الدايم".
فلم يمنع الشلل النصفي واستقرار أجزاء صغيرة من رصاص الاحتلال الإسرائيلي منذ 15 عاما بجسد وليد أبو سفاقة من أن يخرج في الثالثة من فجر أيام رمضان طيلة الـ14 عاما الماضية، ويطوف شوارع وأزقة مدينة ومخيم طولكرم برفقة صديقيه؛ لينادي على الناس بصوته الجهور، وطبله الرنان: "قوموا لسحوركم.. جاء رمضان يزوركم".
قعيد "فتح"
ويقول أبو سفاقة -36 عاما- لـ"إسلام أون لاين.نت" الثلاثاء 26-10-2004: "أصبت يوم 13-6-1989 بـ3 رصاصات من قبل وحدات إسرائيلية خاصة في ظهري وبطني وقدمي أثناء مشاركتي في استعراض عسكري بالمدينة نظمته حركة فتح".
وأضاف: "بالرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي أصاب فيها فإنها كانت الأقسى والأصعب؛ فقد أدت إلى شلل تام أجبرني على ملازمة الكرسي المتحرك منذ ذلك الحين".
ويضيف أبو سفاقة: "راودتني الفكرة (المسحراتي) بسبب عدم قدرتي على النوم من شدة الألم، وبقائي مستيقظا حتى ساعات الفجر الأولى؛ وهو ما دفعني إلى التفكير في استغلال ذلك بشيء يفيدني ويفيد الآخرين، وبالتالي لم أجد أفضل من أداء دور المسحراتي".
وأشار المسحراتي القعيد إلى أنه أصر على متابعة طريقه في مهنة المسحراتي رغم المعوقات التي واجهته، قائلا: "كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى المعروفة بانتفاضة أطفال الحجارة والتي اندلعت في ديسمبر 1987 على أشدها؛ مما دفع جنود الاحتلال إلى أن يتعاملوا معي بأسلوب اتسم بالعنف في كثير من المرات؛ فقد كانوا يمنعونني من الخروج، وإذا خرجت فلا أسلم من ملاحقتهم؛ مما عرضني في مرات عدة للضرب والشتم، غير أن هذا لم يقف عائقا في وجهي".
ويروي أبو سفاقة قصته مع الخروج ليلا ليقوم بدور المسحراتي قائلا: "نحو الساعة الثانية والنصف فجرا يأتي صديقاي بهاء الجلاد ومحمد سمارة، ونحضر أنفسنا جيدا للخروج، ويكون برفقتنا ابني ربحي -14 عاما- وأبدأ بضرب الطبل وأصيح بصوتي في الثالثة تقريبا، ونستمر في طريقنا نزور مختلف الأحياء السكنية، أنا بصوتي وطبلي، وهم يتعاونون في دفع الكرسي المتحرك على الطرقات الوعرة وبين الأزقة، وقبل الفجر بدقائق أعود للبيت حتى أتناول وجبة السحور برفقة عائلتي، وأستعد لصلاة الفجر في المسجد".
معاناة طويلة
ويسرد مسحراتي طولكرم معاناة أسرته؛ حيث يقول: "استشهد شقيقي الأصغر مجدي في 1-6-1988 خلال مواجهات مع جيش الاحتلال؛ حيث وقعت عليه كتلة إسمنتية ضخمة ساوت جسده بالأرض، وبعدها بعام واحد فقط أصبت أنا".
وتابع: "ثم اندلعت انتفاضة الأقصى 28 سبتمبر 2000، وبدأنا نفقد في كل يوم قريبا أو صديقا، حتى كان يوم 7-3-2002 حين أطلق جندي إسرائيلي النار على شقيقي عادل لتخترق الرصاصة عينه، وتنفجر في رأسه، ويسقط شهيدا مضرجا بدمائه أمام أعيننا.. حتى إن والدتي لم تحتمل المنظر فوقعت مغشيا عليها، وما زالت منذ تلك اللحظة تلازم الفراش، ولا تقوى على الحركة".
ويمضي أبو سفاقة قائلا: "منذ ذلك الحين أصبحت العائل الوحيد لعائلتي المكونة من 12 فردا، وأدعو الله أن يعينني على حمل هذه الأمانة، لكن الظروف بالغة التعقيد؛ فالسلطة تعطيني مبلغ 850 شيكلا شهريا (200 دولار) وهذا لا يكفي على الإطلاق؛ فأجرة البيت في السنة 750 دينارا أردنيا (الدينار يعادل دولارا ونصفا تقريبا).
ذكرى الطفولة
ويقول أهالي مدينة طولكرم وخاصة من يسكنون الحي الشرقي الذي يقطنه أبو سفاقة: "اعتدنا أن يكون المسحراتي وليد هو من يوقظنا، ونراقبه من وراء النوافذ ومن فوق الأسطح لنلقي عليه التحية".
ويؤكد فادي أبو شنب أحد سكان الحي أن "الاحتلال أخذ كل شيء جميل في رمضان ما عدا أبو سفاقة الذي تبقى لنا من ذكرى الطفولة التي علت حتى على الاحتلال".
ومن جانبه يقول المواطن فؤاد حسين: "إن الأهالي ينظرون للمسحراتي بتقدير كبير؛ حيث يثير البهجة في نفوس الأطفال الذين يشتاقون لرؤيته وسماع أهازيجه العذبة".
يشار إلى أن الأسر الفلسطينية تكافئ المسحراتي في الأيام الأخيرة من رمضان بما فتح الله عليها من مال وملابس كهدية له، ليس من باب الإحسان والصدقة فحسب، بل كنوع من التقدير للجهد الذي يبذله طيلة شهر رمضان، خاصة في ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي كان وما زال يتعرض فيه المسحراتي للأذى والاعتقال، خاصة أوقات فرض حظر التجول.
ففي سياق هذه الاعتداءات الإسرائيلية بحق المسحراتية في الأراضي المحتلة استشهد جهاد الناطور -24 عاما- عامل التنجيد ومسحراتي مخيم عسكر الجديد المجاور لمدينة نابلس قبل 3 أعوام برصاص الاحتلال أثناء قيامه بمهمته، وقد ادعت سلطات الاحتلال أنه كان موجودا في منطقة كان للجيش الإسرائيلي فيها نشاط أمني.
ويرى العديد من المسحراتية في فلسطين أن عملهم بات في جانبه الآخر تحديا للاحتلال؛ إذ يستعلي العديد منهم على وسائل التخويف والترهيب التي يمارسها جنود الاحتلال، ويصرون على مواصلة العمل.
*اسلام اونلاين
غزة-دنيا الوطن
لم يدُر بخلد أحد من سكان مدينة طولكرم بالضفة الغربية أن يخرج عليهم مسحراتي "مُقعد" في منتصف الليل، يدفع كرسيه المتحرك بيد، ويضرب على الطبل بيده الأخرى ليوقظ "النيام" استعدادا لتناول طعام السحور وأداء صلاة الفجر، مرددا "هلّ هلالك يا رمضان"، و"يا نايم وحد الدايم".
فلم يمنع الشلل النصفي واستقرار أجزاء صغيرة من رصاص الاحتلال الإسرائيلي منذ 15 عاما بجسد وليد أبو سفاقة من أن يخرج في الثالثة من فجر أيام رمضان طيلة الـ14 عاما الماضية، ويطوف شوارع وأزقة مدينة ومخيم طولكرم برفقة صديقيه؛ لينادي على الناس بصوته الجهور، وطبله الرنان: "قوموا لسحوركم.. جاء رمضان يزوركم".
قعيد "فتح"
ويقول أبو سفاقة -36 عاما- لـ"إسلام أون لاين.نت" الثلاثاء 26-10-2004: "أصبت يوم 13-6-1989 بـ3 رصاصات من قبل وحدات إسرائيلية خاصة في ظهري وبطني وقدمي أثناء مشاركتي في استعراض عسكري بالمدينة نظمته حركة فتح".
وأضاف: "بالرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي أصاب فيها فإنها كانت الأقسى والأصعب؛ فقد أدت إلى شلل تام أجبرني على ملازمة الكرسي المتحرك منذ ذلك الحين".
ويضيف أبو سفاقة: "راودتني الفكرة (المسحراتي) بسبب عدم قدرتي على النوم من شدة الألم، وبقائي مستيقظا حتى ساعات الفجر الأولى؛ وهو ما دفعني إلى التفكير في استغلال ذلك بشيء يفيدني ويفيد الآخرين، وبالتالي لم أجد أفضل من أداء دور المسحراتي".
وأشار المسحراتي القعيد إلى أنه أصر على متابعة طريقه في مهنة المسحراتي رغم المعوقات التي واجهته، قائلا: "كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى المعروفة بانتفاضة أطفال الحجارة والتي اندلعت في ديسمبر 1987 على أشدها؛ مما دفع جنود الاحتلال إلى أن يتعاملوا معي بأسلوب اتسم بالعنف في كثير من المرات؛ فقد كانوا يمنعونني من الخروج، وإذا خرجت فلا أسلم من ملاحقتهم؛ مما عرضني في مرات عدة للضرب والشتم، غير أن هذا لم يقف عائقا في وجهي".
ويروي أبو سفاقة قصته مع الخروج ليلا ليقوم بدور المسحراتي قائلا: "نحو الساعة الثانية والنصف فجرا يأتي صديقاي بهاء الجلاد ومحمد سمارة، ونحضر أنفسنا جيدا للخروج، ويكون برفقتنا ابني ربحي -14 عاما- وأبدأ بضرب الطبل وأصيح بصوتي في الثالثة تقريبا، ونستمر في طريقنا نزور مختلف الأحياء السكنية، أنا بصوتي وطبلي، وهم يتعاونون في دفع الكرسي المتحرك على الطرقات الوعرة وبين الأزقة، وقبل الفجر بدقائق أعود للبيت حتى أتناول وجبة السحور برفقة عائلتي، وأستعد لصلاة الفجر في المسجد".
معاناة طويلة
ويسرد مسحراتي طولكرم معاناة أسرته؛ حيث يقول: "استشهد شقيقي الأصغر مجدي في 1-6-1988 خلال مواجهات مع جيش الاحتلال؛ حيث وقعت عليه كتلة إسمنتية ضخمة ساوت جسده بالأرض، وبعدها بعام واحد فقط أصبت أنا".
وتابع: "ثم اندلعت انتفاضة الأقصى 28 سبتمبر 2000، وبدأنا نفقد في كل يوم قريبا أو صديقا، حتى كان يوم 7-3-2002 حين أطلق جندي إسرائيلي النار على شقيقي عادل لتخترق الرصاصة عينه، وتنفجر في رأسه، ويسقط شهيدا مضرجا بدمائه أمام أعيننا.. حتى إن والدتي لم تحتمل المنظر فوقعت مغشيا عليها، وما زالت منذ تلك اللحظة تلازم الفراش، ولا تقوى على الحركة".
ويمضي أبو سفاقة قائلا: "منذ ذلك الحين أصبحت العائل الوحيد لعائلتي المكونة من 12 فردا، وأدعو الله أن يعينني على حمل هذه الأمانة، لكن الظروف بالغة التعقيد؛ فالسلطة تعطيني مبلغ 850 شيكلا شهريا (200 دولار) وهذا لا يكفي على الإطلاق؛ فأجرة البيت في السنة 750 دينارا أردنيا (الدينار يعادل دولارا ونصفا تقريبا).
ذكرى الطفولة
ويقول أهالي مدينة طولكرم وخاصة من يسكنون الحي الشرقي الذي يقطنه أبو سفاقة: "اعتدنا أن يكون المسحراتي وليد هو من يوقظنا، ونراقبه من وراء النوافذ ومن فوق الأسطح لنلقي عليه التحية".
ويؤكد فادي أبو شنب أحد سكان الحي أن "الاحتلال أخذ كل شيء جميل في رمضان ما عدا أبو سفاقة الذي تبقى لنا من ذكرى الطفولة التي علت حتى على الاحتلال".
ومن جانبه يقول المواطن فؤاد حسين: "إن الأهالي ينظرون للمسحراتي بتقدير كبير؛ حيث يثير البهجة في نفوس الأطفال الذين يشتاقون لرؤيته وسماع أهازيجه العذبة".
يشار إلى أن الأسر الفلسطينية تكافئ المسحراتي في الأيام الأخيرة من رمضان بما فتح الله عليها من مال وملابس كهدية له، ليس من باب الإحسان والصدقة فحسب، بل كنوع من التقدير للجهد الذي يبذله طيلة شهر رمضان، خاصة في ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي كان وما زال يتعرض فيه المسحراتي للأذى والاعتقال، خاصة أوقات فرض حظر التجول.
ففي سياق هذه الاعتداءات الإسرائيلية بحق المسحراتية في الأراضي المحتلة استشهد جهاد الناطور -24 عاما- عامل التنجيد ومسحراتي مخيم عسكر الجديد المجاور لمدينة نابلس قبل 3 أعوام برصاص الاحتلال أثناء قيامه بمهمته، وقد ادعت سلطات الاحتلال أنه كان موجودا في منطقة كان للجيش الإسرائيلي فيها نشاط أمني.
ويرى العديد من المسحراتية في فلسطين أن عملهم بات في جانبه الآخر تحديا للاحتلال؛ إذ يستعلي العديد منهم على وسائل التخويف والترهيب التي يمارسها جنود الاحتلال، ويصرون على مواصلة العمل.
*اسلام اونلاين

التعليقات