مثلث الموت في العراق: جثث تحترق على قارعة الطرق ورجال الشرطة يخشون الخروج بملابسهم الرسمية

مثلث الموت في العراق: جثث تحترق على قارعة الطرق ورجال الشرطة يخشون الخروج بملابسهم الرسمية

غزة-دنيا الوطن

ربما كان أنسب اسم يمكن إطلاقه على طريق المحمودية واللطيفية واليوسفية مثلث الموت، ذلك الطريق الذي يربط بين بغداد والحصوة وما بينهما أصبح أشبه بمثلث برمودا أسود في تاريخ الموت المجاني. حيث تكاد تمر ساعة كما أكد الكثير من السائقين لـ"العربية.نت" دون أن تفوح رائحة جثث بشرية مختلطة برائحة دخان سيارات محترقة.

وفي هذا الصدد يقول سائق يعمل على خط بغداد- كربلاء، ويدعى طلال أكرم سلمان إنه يعمل على هذا الخط منذ فترة طويلة والعجيب فى الأمر أنه ليس هناك من ينقذ من كان في داخل هذه المركبات التي تحترق يوميا، وكأن هناك طوقا من الخوف يكبل الناس. حتى أنني كرهت السفر خارج بغداد باتجاه الجنوب لكي أرى تلك المشاهد التي ترعبنى يوميا حتى الموت".

أما الطبيب عماد الذي كان يسافر من جنوب العراق باتجاه بغداد فيقول لنا "عندما كنت مسافرا إلى بغداد، وقبل أن أبلغ تلك المنطقة التي تدعى بمثلث الموت سمعت أصوات انفجارات وأزيز الرصاص، وعندما وصلت مع أصدقائي كانت هناك سيارة من نوع بيك آب ت مصطدمة مع سيارتين آخريين، وتصاعدت منها ألسنة اللهب، وذكر بعض الركاب أن هذه السيارة لا بد أن تكون قد استهدفت من قبل تلك العناصر المجهوله"، وعندما سألناها ما المقصود بالعناصر المجهولة.. قال "إنها عصابات من المجرمين وقطاع الطرق".

عندما احترقت عائلة المهندس

ومن القصص المؤلمة التي وقعت في المحمودية ما حدث لعائلة مهندس كان تستقل سيارة بيك آب حكومية تسير باتجاه بغداد مقبلة من مدينة كربلاء.. وكان مع رب الأسرة زوجته وطفليهما، وفجأة ظهرت خلفها سيارة من إحدى الطرق الفرعية، حسب ما ذكر بعض شهود العيان، لتبدأ مطاردة عنيفة، وعندما أصبح المسلحون على مقربة من سيارة المهندس بدؤوا بإطلاق نيران أسلحتهم تجاهها، فلم يكن أمام المهندس سوى محاولة الهرب باتجاه طريق ترابي كان أقل ارتفاعا من الشارع العام..إلا أن الرصاصات الكثيفة أصابت المهندس واخترقت إحداها خزان الوقود لتشتعل النيران وتبقى مشتعلة حتى تحولت أجسادهم إلى حطب.

وذكر الشهود لـ"العربية. نت" أنه حتى اليوم الثاني من الحادث لم يجرأ أحد على الاقتراب من سيارة المهندس، وحين علم أقاربه بما حدث خاطروا بحياتهم لجمع رفات الجثث، ولم يستطع أحد أن يبرر أحد أسباب استهداف ذلك المهندس وأسرته، إلا أن بعض أهالي المحمودية قالوا إن أية سيارة حكومية مستهدفة عند أولئك "المجرمين" لأنهم يعتبرونهم من المتعاونين مع الأمريكيين.

ومن القصص التي رواها شهود عيان أن بعض أهالي المحمودية كانوا عائدين إلى بلدتهم، قبل أن تستوقفهم مجموعة من الملثمين الذين بدؤوا بإطلاق النار على مستوى أعلى من سقف السيارة طالبين منهم النزول وتسليمهم الأمريكي الذي معهم، وعندما تأكدوا أن الشخص الذي معهم ليس أمريكي، وإنما عراقي من المحمودية أطلقوا سراحهم، معتبرين أنفسهم أنهم نجوا من الموت بأعجوبة.

شرطة عاجزة

حكاية مؤلمة أخرى تتمثل بمأساة ركاب سيارة كانوا يحملون مساعدات لمدينة النجف عندما كانت المعارك مندلعة بين جيش المهدي والقوات الأمريكية هناك، وما أن اجتازت تلك السيارة مدينة المحمودية حتى انطلقت خلفها ثلاث سيارات صغيرة وباشروا بإطلاق النار عليهم، مما أدى إلى اشتعال السيارة ومقتل من فيها حرقا حتى الموت.

وفي المحمودية سألنا أحد الرجال الكبار في السن عن دور رجال الشرطة في تأمين الحماية للأهالي؟ أجاب "لا أحد يستطيع أن يفعل شيء في مثل هذه المناطق المتوترة، لو ذهبت إلى اللطيفية أو اليوسفية فستجد أن رجال الشرطة عاجزين عن تقديم أي معونة لأن تلك العصابات أقوى منهم".

ويضيف ذلك العجوز "لقد جاء أحد أقارب المقتولين وقدم شكوى إلى مركز الشرطة فقالوا له إن الجريمة لا تقع في منطقتنا عليك الذهاب إلى مركز آخر والحقيقة أنهم خائفون.... وقد قتل هذا الشخص بعد أقل من يوم مما صار عبرة لمن يريد أن يتقدم بشكوى".

اليوسفية وقطاع الطرق

وفي اليوسفية ثمة مفترق طرق.. أحدها يذهب إلى الغرب حيث الوصول إلى جرف الصخر.. هذا الطريق يسمى طريق السلابة.. الطريق الذي يخاف سلوكه السائقين،.وقد برر أحدهم تلك المخاوف بأن أغلب السائقين يخشون قطاع الطريق، "بل أن الركاب أنفسهم يطلبون منا عدم استخدامه.. خاصة في الأشهر التي سبقت تصليح جسر المسيب والازدحام الشديد في مدينة المحمودية فكنا نضطر لاختيار طريق آخر أغلبه باتجاه واحد وفيه الكثير من المطبات لأنه يخلصنا من ساعات الانتظار الطويلة في مدينتي المسيب والمحمودية".

وأضاف السائق "في ذلك الطريق الممتد من المسيب حتى اليوسفية كنا نضع أرواحنا على أكفنا لأنه على حين غفلة يخرج لنا "السلابة" ويبدؤون بسرقة كل ما هو موجود عندنا".

فيما أكد سائق سيارة أجرة بأنه شاهد الكثير من هؤلاء يتخذون من تلك المناطق مأوى لهم وأنهم يقومون بتهديد الأهالي هناك، إن أبلغوا عنهم.. ونوه ذلك الرجل إلى أن المسألة ليست مقتصرة على "السلابة" فقط، "فهناك عناصر من (الإرهابيين) تخطط لعمليات اغتيالات وتصفيات جسدية، وأنه شاهد أكثر من مرة مجموعات تتحرك في تلك المنطقة بسيارات حديثة وأجهزة اتصالات متطورة واعتقد أنهم يتلقون اتصالات من مجموعات أخرى في منطقة ثانية تحدد لهم الهدف وكأنهم يمتلكون جهازا استخباريا".

وأضاف السائق أنه سأل أحد المواطنين، إن كان بإمكانهم تقديم شكوى إلى الجهات المعنية؟ فكان الجواب أن النتيجة ستكون مقتلهم جميعا لأن الشرطة عاجزة أو متورطة معهم، لأنه ليس من المعقول - والكلام للمواطن- أن يكون هؤلاء الإرهابيين والمجرمين يملكون كل هذا الكم من حرية الحركة دون إسناد من الشرطة.

النخل والموت المحقق

في اللطيفية ثمة حديث آخر وقصص أخرى.. توقفنا هناك وسألنا بحذر شديد.. كنا ننظر إلى الوجوه التي تحمل تعابير من لم يرتض هذه الأعمال.. والعجيب أننا كنا نسمع في كل منطقة نفس النصيحة أن نعود إلى بغداد قبل أن يسمعنا أحدهم فيقتلنا.

قال رجل كبير كان يدخن على قارعة الطريق.. بعد أن أقنعناه أننا لن نذكر اسمه، إن هذا الطريق يحمل الموت في كل يوم.. ولا يكاد تمر الساعات دون حدوث حالة من التصفية الجسدية بطريقة حرق السيارة بعد إطلاق العيارات النارية على المستهدفين.. إنهم يقفون في هذا المكان.. وأشار إلى مفترق طرق يربط عدة شوارع.. يقفون وأبواب سياراتهم مفتوحة.. لينقضوا كمن لدغتهم أفعى سامة على طريدتهم بمختلف الأسلحة قبل أن يرتد طرفهم.

وبين هذا لرجل الكبير أنه شاهد ذات يوم هؤلاء وقد تحركوا بسرعة عجيبة واخذوا أماكنهم بين النخيل واخرجوا أسلحتهم من بينها قاذفات R.B.G.7 ورمانات يدوية.. وحين مر رتل لسيارات حديثة بدا لهم أنه موكب حكومي انهالوا عليه بوابل من الرصاص والقذائف، ولم اعد أرى من أين تنطلق النيران وحين انجلت المعركة التي كانت من طرف واحد اختفوا جميعا بلمح البصر تاركين النيران مشتعلة في سيارتين ورائحة الشواء تتصاعد من الأجساد المحترقة..

سألنا شابا بعد أن سرد قصة مشابهة. .ألا توجد هنا قوات شرطة أو قوات للحرس الوطني، فأكد أنه لا يوجد مثل هذا الأمر وهو موضع تساؤل المواطنين، "الجميع هنا يخاف من هؤلاء القتلة لا أحد يستطيع الحديث عنهم لأن من يفتح فمه سيغلقونه إلى الأبد".

وأردف الشاب "رجال الشرطة هنا خائفين، فهم لا يخرجون بملابسهم الرسمية لأن القتل سيكون مصيرهم النهائي.. إن الوضع هنا لا يحتمل وعلى الحكومة أن تفعل شيئا".

التعليقات