جربة التونسية.. مسلمون يعملون في معبد يهودي
غزة-دنيا الوطن
كانت رحلتنا لتصوير "مهمة خاصة" لصالح قناة "العربية" عملا لم يخل من المتعة والتعرف إلى زاوية جديدة من زوايا الحياة، خصوصا أن وجهتي هذه المرة كانت جربة، الجزيرة التونسية المسماة "جزيرة الأحلام". وعلى الرغم من أن الإرهاب طاول بيده "الخشنة" "سلام الجزيرة" وتعايشها إلى حد ما، إلا أننا لمسنا تعايشا "غريبا" بين المسلمين واليهود هناك.
ويبدو أن الجزيرة لم تستجب لدعوة العنف والتمرد على "السلم الاجتماعي". كان طريقنا بحد ذاته إلى "جربة" حدثا "جماليا" حيث راحت السيارة تشق طريقها وعلى الجانبين ترتاح القرى والمدن التونسية، وهي تنام على بساط العشب وتكتسي خضرة يانعة ويفوح منها عبق التاريخ الإسلامي.
انهمك مرافقي "سامي" السائق التونسي في قص حكايات لا تنتهي حظي الأولياء الصالحين بالنصيب الأوفر منها. راح سامي يتحدث عن التراث الإسلامي وكيف أنه ترك آثارا واضحة على الحضارة البشرية. الحقيقية، بهرني سامي بمعرفته العميقة وولعه الشديد بالمفكر الإسلامي ابن خلدون.
قصة المعبد اليهودي في جربة
تستغرق الرحلة من العاصمة تونس إلى جربة ما بين 6-7 ساعات على طريق بري معبد وفقا لسرعة القيادة وفترات الراحة. تقع جزيرة جربة (530 كيلومترا مربعا) تقع على الشريط الساحلي جنوب شرقي تونس يميزها طابع ريفي ويبلغ عدد سكانها حوالي 120 ألفا غالبيتهم من العرب المسلمين ومن بينهم البربر والأفارقة وهناك أقلية من المسيحيين، أما عدد اليهود بالجزيرة فلا يتجاوز 2000.
كان الليل على وشك أن يسدل ستاره عندما وصلنا إلى ما يعرف ببطاح جربة الذي يعد وسيلة الاتصال الرئيسة بين الجزيرة واليابسة. كنت أنتظر بفضول زيارتي أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم وهو معبد الغريبة ويعد وجهة للسائحين والزائرين من اليهود وغير اليهود. ويعود تاريخ المعبد بحسب المؤرخين إلى أكثر من 2000 سنة.
تقول الأسطورة المرتبطة به، إن كنيس الغريبة الذي ترقد فيه واحدة من أقدم نسخ التوراة، ارتبطت نشأته بامرأة قدمت إلى جربة وعاشت فيها بعفة وورع إلى أن ماتت في مكان الكنيس الموجود حاليا.شهد المعبد أعمال بناء وتوسيع منذ 1920 ليستوعب الأعداد المتزايدة من الزوار واليهود الذين يأتون من كل مكان في العالم لحضور الاحتفال الديني السنوي المعروف ب: لاج با أومر.
في هذا الاحتفال يتنافس اليهود على دفع ما يعرف بالمنارة التي تحمل الكتاب المقدس خارج المعبد اتجاه الحارة الصغيرة ومن يدفع أكثر يكون أوفر حظا. والغريبة ليس مكانا للعبادة وحسب بل هو أيضا نقطة تجمع لواحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم، يهود جربة الذين سكنوا الجزيرة قبل الإسلام.
دخلت إلى المعبد لألتقي خضير حانية المنسق العام لشؤون المعبد ومرشده السياحي. كان معه ابنته عزيزة. حاولا أن يشرحا لي قصة المعبد التي تروي أيضا قصة التعايش السلمي بين يهود جربة والمسلمين، لكنهما طلبا مني الانتظار حتى يفرغا من التعامل مع السائحين والزائرين.
عم الهادي.. مسلم يعمل في معبد اليهود
في الأثناء سمعت عن "عم الهادي" أو الهادي الحاج مسعود (65 عاما) وهو مسلم يعمل في الكنيس اليهودي منذ 5 سنوات، يقوم "عم الهادي" بتوزيع أغطية الرأس على زوار المعبد نساء ورجالا، وهو لا يتحدث كثيرا لكنه يشعر بالارتياح في عمله. يقول "عم الهادي" "أنا مسلم، اشتغل هنا في المعبد منذ 5 سنوات وأوزع أغطية الرأس للسياح ليدخلوا ويزوروا المعبد".
سألت خضير كيف أقنع مسلما بالعمل في الكنيس اليهودي؟ تلخصت إجابة خضير في أنه صادف الهادي ذات مرة فأعجب بطريقته في العمل علاوة على خبرته، وكان اليهود هناك مصرين على استخدام يهودي للعمل في المعبد. احتج اليهود نوعا ما وتساءلوا فيما بينهم عن دلالة عمل مسلم في المعبد، فأوضح لهم خضير أن الهادي أعجبه أكثر من سلفه اليهودي الذي لم يكن مسؤولا كفاية في عمله في المعبد وغير ملتزم في مواعيده.
التقيت عزيزة الفتاة اليهودية الصغيرة وسألتها كيف تصفين نفسك: يهودية تونسية أم تونسية يهودية؟ فأجابت أنها تونسية يهودية لأن جنسيتها تونسية وديانتها يهودية، وهي تتحدث العربية وتنتمي لبلد عربي فهي بالضرورة كما ترى عربية تونسية يهودية.
عزيزة.. صديقاتها مسلمات
لاحظت أن عزيزة (14 عاما) لا تتحدث الفرنسية، وردت هي الأمر إلى حبها اللغة العربية. وقالت إن لديها صديقات عربيات ومسلمات، وعلى الرغم من انتقال بعضهن إلى مناطق أخرى، إلا أن الزيارات لم تنقطع بين أهلهن وأهل عزيزة. وأضافت أن زميلاتها في المدرسة يقمن بجلب الكتب وشرح ما يفوتها دائما أثناء عطلة السبت "إجازة نهاية الأسبوع لدى اليهود".
وتؤكد عزيزة أنها لا تشعر بفوارق بين اليهود والمسلمين، قائلة "أبدا أبدا، عمر ما يقولوا حاجة، كلنا توانسة كيف كيف، كلنا دم واحد". عزيزة التي تحب التلفاز وخصوصا المسلسلات والأغاني، تصف نفسها أنها محايدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي "الإسرائيليون عندهم حق موجود في حائط مبكى والفلسطينيون عندهم حق في المسجد الأقصى". وترى أن الحل يكمن في قسمة الأرض واقتناص فرص السلام.
الحاخام متحدثا
يقول الحاخام إن اليهود عندما قدموا إلى جربة جلبوا معهم حجرة من بناء القدس وأقاموا معبدا صغيرا ليصلي فيه اليهود، مشيرا إلى أن الحجرة المجلوبة من القدس تم وضعها في الحائط مضيفا "لكنني لا أستطيع معرفة مكانها بالتحديد وكنت أسمع من أجدادي أنها حجرة مقدسة علشان عمرها 2300 سنة".
وعن التعايش بين المسلمين واليهود يقول الحاخام إن هذا التعايش "لا يمكن أبدا وصفه. بيتي مفتوح طوال اليوم ولا أخشى شيئا..والشئ المميز هو أن كل واحد على دينه ونحن سعداء بأن كل واحد على دينه... أنا يهودي وأنت مسلم...حاجة باهية في العالم كله لا يوجد مثل جربة".
يقولون في جربة إنه لا غرابة ولا عجب في أن يعمل اليهودي مع المسلم أو المسلم مع اليهودي أو أن تزور امرأة يهودية جارتها المسلمة لتشاركها أفراحها وأحزانها. وعنّ لي أيضا أن أتجول في سوق الذهب وأماكن التجمعات السكنية لليهود المعروفة بالحارة الكبيرة والحارة الصغيرة.
حواري اليهود في جربة
عادة ما تسمى التجمعات السكنية لليهود بالحارة. هنا في جربة حارتان: الحارة الصغيرة التي يوجد بها معبد الغريبة، أما التجمع الثاني فهو الحارة الكبيرة، ولا يعني وجود تينك الحارتين خلوهما من جيرانهم المسلمين. لم أكن أتوقع الهدوء الذي تسبح فيه الحارة الكبيرة التي يقطنها حوالي 1200 يهودي بالإضافة إلى سكانها المسلمين.
تعد الحارة أكبر تجمع يهودي بجربة، لم أتوقع الهدوء فكلمة حارة غالبا ما تعني هرجا ومرجا وتواصلا مستمرا بين أبناءها صغيرِهم وكبيرِهم. لم تكن هذه الحارة تلك التي وصفها نجيب محفوظ على الأقل بالنسبة لي. من دون ترتيب مسبق وفي جولتنا بنهج اللوز استرعى انتباهي صالون الحلاقة، كان "عادل" حلاق مسلم يقص شعر الطفل اليهودي "ايرسون". سمح لنا عادل بالتصوير، ولكن لم يكن لديه الرغبة في الحديث كغيره من سكان الحارة الذين لا يجدون عجبا في تعايش اليهود والمسلمين مع بعضهم البعض.
واصلنا تجولنا في الحارة.
دققت على باب أحد السكان، السؤال لم يفارق ذهني: هل تعايش اليهود والمسلمين هنا تعايش سلمي حقيقي أم وراء َ كل ِ باب ٍ قصة ٌ أخرى؟ خرج "عم سلّام" الذي صافحنا في بشاشة، ووصف جيرته لليهود أنها عادية ولا يحدث خصام في الغالب و"من أحسن الجيرة". وأوضح أنه يتبادل الزيارات مع جيرانه اليهود في المناسبات وفي الأعياد وعند الوفاة والمرض. وأضاف "لا يفرق بيننا إلا الدين".
كان المخبز اليهودي وجهتنا التالية، ومرة أخرى صادفنا عامل مسلم في مخبز يملكه يهودي. العامل حسين غيلوفي يعمل في المخبز منذ 5 سنوات. غالبية زبائنه من اليهود، حيث يقضي التقليد "الجرباوي" أن يعد العجين في الدار ثم يأتي به الزبائن لطهيه في المخبز، فحرارة الفرن هنا لا تعادلها حرارة، إلا درجة حرارة ِ جربة التي وصلت إلى أكثر من 50 درجة مئوية.
ربي شالوم حداد كما تعرف هنا هي واحدة من مدارس تلمودية عدة لتعليم الأطفال تاريخ اليهود واليهودية واللغة العبرية. وحسب يوسف وزّان رئيس الجالية اليهودية بجربة فإن هناك اتفاقا بين الجالية اليهودية وإدارة تونس التعليمية بحيث يتمكن الطالب اليهودي من حضور المدرسة التلمودية -اختياريا- بينما يواظب على حضور المدرسة الحكومية.
مساجد ومعابد
على بعد أمتار وعلى رأس الحارة الكبيرة يوجد جامع الرحمة ففي جربة هناك أكثر من 300 مسجد تنتشر في كل بقاع الجزيرة ولا عجب في أن تشعر بتأثير الإسلام على طبائع الناس وعاداتهم فرغم توافد الغرباء في الدين والعرق ظل الإسلام هو المهيمن، ولا عجب أيضا في أن دور العبادة اليهودية التي تقدر بحوالي 20 لا تبعد عن مساجد جربة. "هذا يوم من أيام الجمعة وهذا هو مسجد الرحمة والإسلام هودين الرحمة" كما قال لي أحد المصلين.
وصلنا إلى السوق الجرباوي، هنا بمقدورك أن تسمع أغنية مصرية وأن ترى زوارا من كل مكان. اصطحبني التاجر اليهودي يوسيف إلى هذا السوق الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 200 عام حسب روايته ليوضح لي كيف أن بجوار كل ِ محل ٍ يهودي آخرَ يملكه مسلم وكيف أن المسلم واليهودي يعملان جنبا إلى جنب بل يعمل في بعض المحال اليهودي والمسلم معا.
ويقول يوسيف "معاملاتي مع مسلمين أكثر من اليهود". لم أذهب بعيدا للبحث عن تاجر مسلم. نجيب حرفي مخضرم وجار يوسيف في سوق الذهب، يقول إنه عادة ما يبدأ صباحه بأحاديث مع جاره اليهودي، وهولا ينزعج كما قال من وجود يوسيف لأن كلا منهما له زبائن. ويضيف أن التعاون القائم بينهما يمكّنهما من إصلاح حاجيات بعضهما بعضا.
قبل أن نغادر جربة تلقينا دعوة من خضير منسق معبد الغريبة ومرشده السياحي لزيارته في منزله للتعرف على صديق الأسرة المسلم سعيد الذي أفاد أنه رجل مسلم "نخدم مع اليهودي في الغريبة" مضيفا "عندي مدة نخدم معا، مدة طويلة حكاية 10 سنوات، أنا وإياهم عايشين عبارة عن أخوات. ما عندنا حتى مشاكل ما بيننا، عايشين إخوة مع بعضنا، حاجة واحدة هي اللي تفرق بيننا اللي هي الديانة، كل واحد على دينه، عايشين أخوات نخدم معهم، نأكل في خبز معهم، لا بأس علينا، فما حتى إشكالية مع اليهود".
أما زوجة خضير فتتحدث عن عيشها مع العرب واصفة جاراتها المسلمات أنهن "أخوات" لا تفرقها عنهن إلا الديانة. تقول "أنا أعمل غاتو للعيد نهزلهم وبأعمل كفتة نهزلهم، معناها حاجة جديدة خبز التنور نهز لهم كيف يأخذوا حاجة...ما بيفرق بيننا إلا الأديان عايشة براحتي، عايشة في سلم، عايشة ما بأخاف حتى من شئ".
ويوضح خضير حنية أنه ما من ثمة فروق ما بين يهودي ومسلم، ويفيد أن ابنته تدرس في المدرسة إلى جانب بنات المسلمين وعلى الرغم من غيابها أيام السبت، إلا أن "بنات مسلمات يعطوها دروسها وتقرأ كل يوم معهم". ويشير إلى أن عددا من المسلمين يعملون في المعبد.
وبخصوص أحاسيسه، وهل يساوره شعور أنه مضطهد وخائف في مكان غالبية سكانه من المسلمين أجاب "لا لا أشعر بشئ من هذا، عايز كما نخرج بالليل كما نخرج بالنهار. نخرج نتجول في الليل ما عندي حتى مشكلة".
انتهت مهمتنا في جربة وعدت إلى تونس وفي ذهني كلمات لأحد سكانها المسلمين. قال لي: إن تسامح الإسلام والمسلمين مع المعتقدات والأديان الأخرى كان ولا يزال وسيظل أحد أهم سمات الإسلام وجربة مثال واضح على هذا. إن العنصريين الحقيقيين هم الذين يتهمون العرب والمسلمين بمعاداة السامية على حد تعبيره.
كانت رحلتنا لتصوير "مهمة خاصة" لصالح قناة "العربية" عملا لم يخل من المتعة والتعرف إلى زاوية جديدة من زوايا الحياة، خصوصا أن وجهتي هذه المرة كانت جربة، الجزيرة التونسية المسماة "جزيرة الأحلام". وعلى الرغم من أن الإرهاب طاول بيده "الخشنة" "سلام الجزيرة" وتعايشها إلى حد ما، إلا أننا لمسنا تعايشا "غريبا" بين المسلمين واليهود هناك.
ويبدو أن الجزيرة لم تستجب لدعوة العنف والتمرد على "السلم الاجتماعي". كان طريقنا بحد ذاته إلى "جربة" حدثا "جماليا" حيث راحت السيارة تشق طريقها وعلى الجانبين ترتاح القرى والمدن التونسية، وهي تنام على بساط العشب وتكتسي خضرة يانعة ويفوح منها عبق التاريخ الإسلامي.
انهمك مرافقي "سامي" السائق التونسي في قص حكايات لا تنتهي حظي الأولياء الصالحين بالنصيب الأوفر منها. راح سامي يتحدث عن التراث الإسلامي وكيف أنه ترك آثارا واضحة على الحضارة البشرية. الحقيقية، بهرني سامي بمعرفته العميقة وولعه الشديد بالمفكر الإسلامي ابن خلدون.
قصة المعبد اليهودي في جربة
تستغرق الرحلة من العاصمة تونس إلى جربة ما بين 6-7 ساعات على طريق بري معبد وفقا لسرعة القيادة وفترات الراحة. تقع جزيرة جربة (530 كيلومترا مربعا) تقع على الشريط الساحلي جنوب شرقي تونس يميزها طابع ريفي ويبلغ عدد سكانها حوالي 120 ألفا غالبيتهم من العرب المسلمين ومن بينهم البربر والأفارقة وهناك أقلية من المسيحيين، أما عدد اليهود بالجزيرة فلا يتجاوز 2000.
كان الليل على وشك أن يسدل ستاره عندما وصلنا إلى ما يعرف ببطاح جربة الذي يعد وسيلة الاتصال الرئيسة بين الجزيرة واليابسة. كنت أنتظر بفضول زيارتي أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم وهو معبد الغريبة ويعد وجهة للسائحين والزائرين من اليهود وغير اليهود. ويعود تاريخ المعبد بحسب المؤرخين إلى أكثر من 2000 سنة.
تقول الأسطورة المرتبطة به، إن كنيس الغريبة الذي ترقد فيه واحدة من أقدم نسخ التوراة، ارتبطت نشأته بامرأة قدمت إلى جربة وعاشت فيها بعفة وورع إلى أن ماتت في مكان الكنيس الموجود حاليا.شهد المعبد أعمال بناء وتوسيع منذ 1920 ليستوعب الأعداد المتزايدة من الزوار واليهود الذين يأتون من كل مكان في العالم لحضور الاحتفال الديني السنوي المعروف ب: لاج با أومر.
في هذا الاحتفال يتنافس اليهود على دفع ما يعرف بالمنارة التي تحمل الكتاب المقدس خارج المعبد اتجاه الحارة الصغيرة ومن يدفع أكثر يكون أوفر حظا. والغريبة ليس مكانا للعبادة وحسب بل هو أيضا نقطة تجمع لواحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم، يهود جربة الذين سكنوا الجزيرة قبل الإسلام.
دخلت إلى المعبد لألتقي خضير حانية المنسق العام لشؤون المعبد ومرشده السياحي. كان معه ابنته عزيزة. حاولا أن يشرحا لي قصة المعبد التي تروي أيضا قصة التعايش السلمي بين يهود جربة والمسلمين، لكنهما طلبا مني الانتظار حتى يفرغا من التعامل مع السائحين والزائرين.
عم الهادي.. مسلم يعمل في معبد اليهود
في الأثناء سمعت عن "عم الهادي" أو الهادي الحاج مسعود (65 عاما) وهو مسلم يعمل في الكنيس اليهودي منذ 5 سنوات، يقوم "عم الهادي" بتوزيع أغطية الرأس على زوار المعبد نساء ورجالا، وهو لا يتحدث كثيرا لكنه يشعر بالارتياح في عمله. يقول "عم الهادي" "أنا مسلم، اشتغل هنا في المعبد منذ 5 سنوات وأوزع أغطية الرأس للسياح ليدخلوا ويزوروا المعبد".
سألت خضير كيف أقنع مسلما بالعمل في الكنيس اليهودي؟ تلخصت إجابة خضير في أنه صادف الهادي ذات مرة فأعجب بطريقته في العمل علاوة على خبرته، وكان اليهود هناك مصرين على استخدام يهودي للعمل في المعبد. احتج اليهود نوعا ما وتساءلوا فيما بينهم عن دلالة عمل مسلم في المعبد، فأوضح لهم خضير أن الهادي أعجبه أكثر من سلفه اليهودي الذي لم يكن مسؤولا كفاية في عمله في المعبد وغير ملتزم في مواعيده.
التقيت عزيزة الفتاة اليهودية الصغيرة وسألتها كيف تصفين نفسك: يهودية تونسية أم تونسية يهودية؟ فأجابت أنها تونسية يهودية لأن جنسيتها تونسية وديانتها يهودية، وهي تتحدث العربية وتنتمي لبلد عربي فهي بالضرورة كما ترى عربية تونسية يهودية.
عزيزة.. صديقاتها مسلمات
لاحظت أن عزيزة (14 عاما) لا تتحدث الفرنسية، وردت هي الأمر إلى حبها اللغة العربية. وقالت إن لديها صديقات عربيات ومسلمات، وعلى الرغم من انتقال بعضهن إلى مناطق أخرى، إلا أن الزيارات لم تنقطع بين أهلهن وأهل عزيزة. وأضافت أن زميلاتها في المدرسة يقمن بجلب الكتب وشرح ما يفوتها دائما أثناء عطلة السبت "إجازة نهاية الأسبوع لدى اليهود".
وتؤكد عزيزة أنها لا تشعر بفوارق بين اليهود والمسلمين، قائلة "أبدا أبدا، عمر ما يقولوا حاجة، كلنا توانسة كيف كيف، كلنا دم واحد". عزيزة التي تحب التلفاز وخصوصا المسلسلات والأغاني، تصف نفسها أنها محايدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي "الإسرائيليون عندهم حق موجود في حائط مبكى والفلسطينيون عندهم حق في المسجد الأقصى". وترى أن الحل يكمن في قسمة الأرض واقتناص فرص السلام.
الحاخام متحدثا
يقول الحاخام إن اليهود عندما قدموا إلى جربة جلبوا معهم حجرة من بناء القدس وأقاموا معبدا صغيرا ليصلي فيه اليهود، مشيرا إلى أن الحجرة المجلوبة من القدس تم وضعها في الحائط مضيفا "لكنني لا أستطيع معرفة مكانها بالتحديد وكنت أسمع من أجدادي أنها حجرة مقدسة علشان عمرها 2300 سنة".
وعن التعايش بين المسلمين واليهود يقول الحاخام إن هذا التعايش "لا يمكن أبدا وصفه. بيتي مفتوح طوال اليوم ولا أخشى شيئا..والشئ المميز هو أن كل واحد على دينه ونحن سعداء بأن كل واحد على دينه... أنا يهودي وأنت مسلم...حاجة باهية في العالم كله لا يوجد مثل جربة".
يقولون في جربة إنه لا غرابة ولا عجب في أن يعمل اليهودي مع المسلم أو المسلم مع اليهودي أو أن تزور امرأة يهودية جارتها المسلمة لتشاركها أفراحها وأحزانها. وعنّ لي أيضا أن أتجول في سوق الذهب وأماكن التجمعات السكنية لليهود المعروفة بالحارة الكبيرة والحارة الصغيرة.
حواري اليهود في جربة
عادة ما تسمى التجمعات السكنية لليهود بالحارة. هنا في جربة حارتان: الحارة الصغيرة التي يوجد بها معبد الغريبة، أما التجمع الثاني فهو الحارة الكبيرة، ولا يعني وجود تينك الحارتين خلوهما من جيرانهم المسلمين. لم أكن أتوقع الهدوء الذي تسبح فيه الحارة الكبيرة التي يقطنها حوالي 1200 يهودي بالإضافة إلى سكانها المسلمين.
تعد الحارة أكبر تجمع يهودي بجربة، لم أتوقع الهدوء فكلمة حارة غالبا ما تعني هرجا ومرجا وتواصلا مستمرا بين أبناءها صغيرِهم وكبيرِهم. لم تكن هذه الحارة تلك التي وصفها نجيب محفوظ على الأقل بالنسبة لي. من دون ترتيب مسبق وفي جولتنا بنهج اللوز استرعى انتباهي صالون الحلاقة، كان "عادل" حلاق مسلم يقص شعر الطفل اليهودي "ايرسون". سمح لنا عادل بالتصوير، ولكن لم يكن لديه الرغبة في الحديث كغيره من سكان الحارة الذين لا يجدون عجبا في تعايش اليهود والمسلمين مع بعضهم البعض.
واصلنا تجولنا في الحارة.
دققت على باب أحد السكان، السؤال لم يفارق ذهني: هل تعايش اليهود والمسلمين هنا تعايش سلمي حقيقي أم وراء َ كل ِ باب ٍ قصة ٌ أخرى؟ خرج "عم سلّام" الذي صافحنا في بشاشة، ووصف جيرته لليهود أنها عادية ولا يحدث خصام في الغالب و"من أحسن الجيرة". وأوضح أنه يتبادل الزيارات مع جيرانه اليهود في المناسبات وفي الأعياد وعند الوفاة والمرض. وأضاف "لا يفرق بيننا إلا الدين".
كان المخبز اليهودي وجهتنا التالية، ومرة أخرى صادفنا عامل مسلم في مخبز يملكه يهودي. العامل حسين غيلوفي يعمل في المخبز منذ 5 سنوات. غالبية زبائنه من اليهود، حيث يقضي التقليد "الجرباوي" أن يعد العجين في الدار ثم يأتي به الزبائن لطهيه في المخبز، فحرارة الفرن هنا لا تعادلها حرارة، إلا درجة حرارة ِ جربة التي وصلت إلى أكثر من 50 درجة مئوية.
ربي شالوم حداد كما تعرف هنا هي واحدة من مدارس تلمودية عدة لتعليم الأطفال تاريخ اليهود واليهودية واللغة العبرية. وحسب يوسف وزّان رئيس الجالية اليهودية بجربة فإن هناك اتفاقا بين الجالية اليهودية وإدارة تونس التعليمية بحيث يتمكن الطالب اليهودي من حضور المدرسة التلمودية -اختياريا- بينما يواظب على حضور المدرسة الحكومية.
مساجد ومعابد
على بعد أمتار وعلى رأس الحارة الكبيرة يوجد جامع الرحمة ففي جربة هناك أكثر من 300 مسجد تنتشر في كل بقاع الجزيرة ولا عجب في أن تشعر بتأثير الإسلام على طبائع الناس وعاداتهم فرغم توافد الغرباء في الدين والعرق ظل الإسلام هو المهيمن، ولا عجب أيضا في أن دور العبادة اليهودية التي تقدر بحوالي 20 لا تبعد عن مساجد جربة. "هذا يوم من أيام الجمعة وهذا هو مسجد الرحمة والإسلام هودين الرحمة" كما قال لي أحد المصلين.
وصلنا إلى السوق الجرباوي، هنا بمقدورك أن تسمع أغنية مصرية وأن ترى زوارا من كل مكان. اصطحبني التاجر اليهودي يوسيف إلى هذا السوق الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 200 عام حسب روايته ليوضح لي كيف أن بجوار كل ِ محل ٍ يهودي آخرَ يملكه مسلم وكيف أن المسلم واليهودي يعملان جنبا إلى جنب بل يعمل في بعض المحال اليهودي والمسلم معا.
ويقول يوسيف "معاملاتي مع مسلمين أكثر من اليهود". لم أذهب بعيدا للبحث عن تاجر مسلم. نجيب حرفي مخضرم وجار يوسيف في سوق الذهب، يقول إنه عادة ما يبدأ صباحه بأحاديث مع جاره اليهودي، وهولا ينزعج كما قال من وجود يوسيف لأن كلا منهما له زبائن. ويضيف أن التعاون القائم بينهما يمكّنهما من إصلاح حاجيات بعضهما بعضا.
قبل أن نغادر جربة تلقينا دعوة من خضير منسق معبد الغريبة ومرشده السياحي لزيارته في منزله للتعرف على صديق الأسرة المسلم سعيد الذي أفاد أنه رجل مسلم "نخدم مع اليهودي في الغريبة" مضيفا "عندي مدة نخدم معا، مدة طويلة حكاية 10 سنوات، أنا وإياهم عايشين عبارة عن أخوات. ما عندنا حتى مشاكل ما بيننا، عايشين إخوة مع بعضنا، حاجة واحدة هي اللي تفرق بيننا اللي هي الديانة، كل واحد على دينه، عايشين أخوات نخدم معهم، نأكل في خبز معهم، لا بأس علينا، فما حتى إشكالية مع اليهود".
أما زوجة خضير فتتحدث عن عيشها مع العرب واصفة جاراتها المسلمات أنهن "أخوات" لا تفرقها عنهن إلا الديانة. تقول "أنا أعمل غاتو للعيد نهزلهم وبأعمل كفتة نهزلهم، معناها حاجة جديدة خبز التنور نهز لهم كيف يأخذوا حاجة...ما بيفرق بيننا إلا الأديان عايشة براحتي، عايشة في سلم، عايشة ما بأخاف حتى من شئ".
ويوضح خضير حنية أنه ما من ثمة فروق ما بين يهودي ومسلم، ويفيد أن ابنته تدرس في المدرسة إلى جانب بنات المسلمين وعلى الرغم من غيابها أيام السبت، إلا أن "بنات مسلمات يعطوها دروسها وتقرأ كل يوم معهم". ويشير إلى أن عددا من المسلمين يعملون في المعبد.
وبخصوص أحاسيسه، وهل يساوره شعور أنه مضطهد وخائف في مكان غالبية سكانه من المسلمين أجاب "لا لا أشعر بشئ من هذا، عايز كما نخرج بالليل كما نخرج بالنهار. نخرج نتجول في الليل ما عندي حتى مشكلة".
انتهت مهمتنا في جربة وعدت إلى تونس وفي ذهني كلمات لأحد سكانها المسلمين. قال لي: إن تسامح الإسلام والمسلمين مع المعتقدات والأديان الأخرى كان ولا يزال وسيظل أحد أهم سمات الإسلام وجربة مثال واضح على هذا. إن العنصريين الحقيقيين هم الذين يتهمون العرب والمسلمين بمعاداة السامية على حد تعبيره.

التعليقات