مقبرة الانجليز قطعة من أوروبا داخل غزة ..متنفسا للسكان وملتقى للأحبة

مقبرة الانجليز قطعة من أوروبا داخل غزة ..متنفسا للسكان وملتقى للأحبة

غزة-دنيا الوطن

ظل الغزّيون على مدار 90 عاما ينظرون لـ "قطعة من أوربا" تقع داخل غزة المزدحمة بالمعاناة والممتلئة بالآلام بشيء من الحيرة والدهشة والسخرية أحيانا, فهي ليست منتجعا أو متنزها أو حيا دبلوماسيا، بل "مقبرة" دفن فيها الجيش البريطاني جثامين قتلاه في الحرب العالمية الأولى.. و السبب ان مكان دفن الموتى هذا يفوق في جماله ربما أفضل منتجعات القطاع.

و تقع مقبرة (Gaza War Cemetery )وسط حي التفاح المزدحم، والذي يعد من أفقر وأقدم أحياء غزة، ويجاورها حي الشجاعية الأشد فقرا و ازدحاما، و هو ما جعل موقع المقبرة مفارقة كبيرة جدا, نظرا لجمالها و الاهتمام الشديد و الميزانيات الهائلة التي تنفقها الحكومة البريطانية عليها سنويا.

وأدى وجود المقبرة في هذا المكان البائس لجعلها مقصد المواطنين الذين يتجهون إليها, ليس للزيارة او قراءة الفاتحة, بل للتنزه والترفيه عن النفس, والجلوس على البساط الأخضر الذي ينبسط على امتداد البصر واللهو وسط الأشجار الظليلة والزهور المنتشرة في كل مكان.

ووصل الامر الي بعض الشبان لاصطحاب خطيباتهم الي ذلك المكان للنزهة، بل و التقاط الصور التذكارية، بينما يتجه اليها تلاميذ المدارس المجاورة بعد انتهاء دوامهم الدراسي للهو في ذلك المكان الجميل، و قد يجد بعض الجيران انه المكان الأنسب لقضاء أمسية جميلة و التمتع بمنظر غروب الشمس.

يقول الطالب محمد انه اعتاد منذ صغره الذهاب الي المقبرة بعد إيابه من المدرسة للاستمتاع بجمال الطبيعة، و يشير الي انه قام ذات مرة بلعب الننشاكو" العقلة" في الارضية الخضراء التي تشبه ملاعب كرة القدم التي تفتقدها غزة.

أما أبو عمر احد جيران المقبرة، فيوضح ان افتقاد مدينة غزة الفقيرة و المكتظة بالسكان للمنتزهات و الملاعب و اماكن اللهو، يجعل المقبرة مقصد الباحثين عن الهدوء و السكينة.

و توضح منى انها اتفقت مع خالاتها ذات مرة ان يذهبن للتنزه في المقبرة، الا ان وقوع عمليات الاجتياح والاغتيال التي تقوم بها قوات الاحتلال في غزة أدى بهن إلى تأجيل الفكرة .

و يبلغ سكان قطاع غزة البالغ مساحته(360كليومتر ) مليونا و اربعمائة ألف فلسطيني، ويعيش أكثر من ثلثيهم تحت خط الفقر، وحسب الاحصاءات الرسمية فإن حوالي 60% من السكان عاطلون عن العمل، و يعيش الفرد على أقل من دولارين في اليوم.

تخليدا لذكراهم

"ان الأرض المقام عليها المقبرة هي هبة من أهالي فلسطين لتكون مقر الراحة الأبدية لجنود الحلفاء الذين قتلوا في حرب (1914-1918) تخليدا لذكراهم ".. خطت هذه الجملة باللغات العربية والإنجليزية والعبرية على نصب صخري كبير يرتفع حوالي 3.5متر عن الأرض ويرتفع ثلاث درجات عن الأرض بشكل هندسي بديع ..

ويقع هذا النصب قبالة بوابة المقبرة ويوصل بينهما شارع طويل تزينه على الجوانب أشجار المورسيان والدرينكس.

لكن الغزيون ينفون أن تكون هذه الارض هي هبة تم منحها من الأهالي للجيش البريطاني، مؤكدين أن المندوب السامي البريطاني استولى عليها لدفن جثامين الجنود الذين قتلوا على أيدي العثمانيين الأتراك وهم يدافعون عن مدينة غـزة.

و ما أن يدخل الزائر أرض المقبرة حتى يلاحظ حركة العمال الدؤوبة في كافة أرجاء المكان يقومون بالتسميد وقص الحشائش وترتيبها كي تبقى على نفس المستوي باستخدام سيارة صغيرة حديثة.

وسام الملكة اليزابيث

تتسلق الأزهار جدار المقبرة المكسوة بالأحجار الصخرية، وتزين الأشجار الطرقات التي تقطع اتصال القبور بشكل هندسي بديع. وعلى المحور الجنوبي للمقبرة ينتصب نصب تذكاري ضخم كسيت جدرانه ببلاط صخري ويرتفع حوالي 5 أمتار في السماء وينتصفه صليب كبير.

وإلى الشمال من المقبرة تم دفن الجنود الأتراك دون أن يوضع عليهم شواهد تفصح عن أسمائهم، والى الشرق منها تم دفن بعض جنود وحدات قوات الطوارئ الدولية من الكنديين والهنود في الفترة الواقعة ما بين عامي 1957-1967م .

وتبلغ مساحة المقبرة 40000 متر مربع مفروشة بالكامل ببساط من "النجيل" الأخضر ومصممة بشكل هندسي رائع, وتتناثر بشكل منسق شواهد حوالي اربعة آلاف من قبور الجنود بشكل مبهر.

ويعمل خمسة من عائلة جرادة الفلسطينية منذ أكثر من ستين عاما على حراسة وإدارة شؤون هذه المقبرة ويتلقون رواتبهم الشهرية من السفارة البريطانية في القدس، ويدير المقبرة اليوم عصام 44 عاما، الذي استلم هذا العمل بعد ابيه إبراهيم الحاصل على وسام رفيع من ملكة بريطانيا (ام بي أي) والذي تولى هذه المهمة بدوره بعد وفاة والده الحاج ربيع.

ميزانية ضخمة

أخذ الحاج ابراهيم جرادة -الذي تقاعد منذ فترة قريبة فقط من رئاسة طاقم رعاية المقبرة- يقلب بأوراق باللغة الإنجليزية بين يديه كي يكون دقيقا في المعلومات التي سيدلي بها إلينا، وبعد أن رجع بذاكرته الى الوراء قال لـ"لعربية نت " يوجد هنا 4000 قبر غالبيتها لجنود بريطانيين وبينهم مسلمون من جنسيات مختلفة وثمانية يهود بريطانيين. ويوجد في مقبرة مماثلة وسط قطاع غزة 750 قبر آخر قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى على يد العثمانيين".

ويوضح جرادة انه قضى 46 عاما من عمره في خدمة المقبرة حيث استلم ادارتها عام 1958م بعد والده ربيع الذي كان يعمل في منظمة الكومنولث وعمل لاحقا في المقبرة. أولاده.

وفضّل الحاج ابراهيم عدم الحديث عن الميزانية التي تخصصها الحكومة البريطانية للمقبرة ملمحا أنها كبيرة جدا واكتفى بالقول ان متوسط راتب عمال المقبرة يقترب من الألف دولار شهريا، وهو ما يعد مبلغا كبيرا جدا في قطاع غزة الذي تصل نسبة البطالة فيه الى60% .

و تقوم الحكومة البريطانية بتوفير كل ما يلزم لبقاء المقبرة مكانا مميزا وجميلا حيث ألحقت بها (مشتلين كبيرين) لزراعة الزهور بهدف تزين المقبرة واستبدال أي شتلة من تلك التي تزين القبور تفسد، ويقوم مصنع خاص موجود في فرنسا بصناعة شواهد القبور واستبدال ما يخرب منها .

ويذكر الحاج ابراهيم أن العديد من الزوار البريطانيين يأتون لزيارة قبور اجدادهم و أقاربهم ..إلا ان عددهم قل كثيرا بسبب انتفاضة الأقصى الحالية.

ورغم إقراره بتحول المقبرة لمكان استجمام خاصة من قبل الطلاب والمتنزهين إلا انه يؤكد أنها "ليست متنزها" و ان كانت مفتوحة للزوار.

ويؤكد جرادة ان العاملين يجتهدون في خدمة المقبرة وتزينها وتسميدها ورعايتها يوميا وعلى مدار العام.ويضيف: نزرع نوعين من الأزهار والأشجار نوع صيفي وآخر شتوي بهدف ان تظل المقبرة خضراء و جميلة طوال العام .

معركة تل المنطار

و تعد هذه المقبرة احدى 5 مقابر تمثل الدليل القوي علي ضراوة المعارك التي خاضها العثمانيين ضد قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الاولى، والتي انتهت بفرض الانتداب البريطاني علي فلسطين و اقامة دولة اسرائيل حيث دفن فيها 3029 قتيلاً وفق سجلات المقبرة، من الانجليز والحلفاء من مجمل عدد قتلاهم في فلسطين والبالغ أكثر قليلاً من 10000 قتيل.

و بدأ هجوم الحلفاء الاول علي غزة يوم 16/3/1917 بتشكيلين من المشاة، أحدهما توجه نحو تل المنطار شرق غزة بمساندة الفرقة الاسترالية والنيوزيلندية، حيث حاولوا الالتفاف حول الجنود الاتراك والعرب المرابطين فوق "المنطار" الذين قاموا بدورهم بحصد قوات الحلفاء بالرشاشات حصداً، و أصيبوا بخسائر جسيمة ردتهم على أعقابهم يومي 16-17/مارس1917 .

معركة دامية

و على إر ذلك أوقف الهجوم وعزل القائد "دوبل"، الذي كان على رأس المهاجمين واستبدل بقائد جديد يدعى "شتيتورد"، الذي بدأ بدوره قيادة الهجوم الثاني يوم 17/4/1917 بمساندة عدة بوارج بحرية بريطانية وفرنسية أمطرت مدينة غزة بوابل من القذائف من الساعة الخامسة صباحاً وحتى الساعة الثانية ظهراً بأسلوب همجي دمُرت خلالها ثلثي مباني مدينة غزة بما فيها معظم مساجدها وكنائسها الأثرية القديمة..كما حاول بعض جنود الحلفاء النزول على الشاطئ الا أن القوات التركية المرابطة على تل الشيخ عجلين ردتهم على أعقابهم.

و ألحق الاتراك هزيمة بقوات القائد "دوبل" المتجهة نحو تل المنطار" حيث انهالت عليها بوابل من أسلحتها الرشاشة والمدفعية مما أربك جنود الحلفاء وشل قدراتهم الهجومية وأوقع فيهم خسائر مفجعة من القتلى والجرحى، اضافة إلى تدمير العشرة دبابات الانجليزية الوحيدة لهم.

و أطلق الحلفاء في ذلك اليوم 17/4/1917 قنابل الغاز السامة لأول مرة في التاريخ على المنطار وغزة والبالغ عددها ثلاثمائة قذيفة زنة كل قذيفة أربعة كيلو جرامات بمدافع قطرها 110 مللم ومداها ستة كيلو مترات.

سقوط غزة وقيام اسرائيل

وبالرغم من هذا، فشل الهجوم الثاني واضطرت القيادة هذه المرة إلى طرد القائد العام "مواري" نفسه واستبداله بقائد جديد يدعى "اللنبي" الذي أعاد ترتيب جنوده، الا أنه فشل ايضاً في اقتحام "تل المنطار" فأراد تفاديه متجهاً نحو الشرق والالتفاف على مدينة غزة واقتحامها من جهة الشمال بهجوم ثالث بدأه يوم 17/10/1917

وانتهى بالاستيلاء عليها يوم 7/11/1917، بعد أن خسرت جيوش بريطانيا والحلفاء أمام "تل المنطار" وفق المصادر البريطانية 2085 قتيلاً و4359 جريحاً.

و بسقوط "تل المنطار" أصبح الطريق سهلاً لقوات الحلفاء للاستيلاء على القدس في ديسمبر 1917، ومن ثم جميع الأراضي الفلسطينية مع نهاية عام 1918، لتصبح فلسطين تحت الانتداب البريطاني بقيادة مندوب سامي بريطاني و هو ما مهد الطريق لاقامة دولة اسرائيل .

التعليقات